القضية الكبري التي طرحها
الأستاذ ابراهيم سعده في العدد
الماضي من 'أخبار اليوم'
توضح أكثر من أي وقت مضي ان
الدين أصبح يعاني من تخلفنا،
وأننا في حاجة ملحة إلي اصلاح
ديني وثورة فكرية تنويرية
تحديثية تعيد للدين موقعه في
قلب حياتنا ومشروعنا الوطني
الديمقراطي.. اذا كنا جادين في
محاولة الخروج من حالة الركود
الحضاري.
وقد
أصبح فقه التخلف والعزلة يعاقب
بالحرب كل من يخالفه سواء
من أهل السنة أو الشيعة أو
المسيحيين أو اليهود. ومنذ
تصور البعض أنهم يمثلون
الاسلام 'الأصلي والصريح' وان
كل ما عداه تمويه وتسويات
ومراعاة والتحاق..(!) ونحن نواجه
شبح انحدار مستمر وهزائم
مستمرة، كما أصبح المسار
العربي.. مسارا تنازليا. ولم
يعد التأصيل سوي دعوة للمزيد
من التطرف والجمود والانكفاء
المضاد للتطور والنهوض
والانفتاح.. بل والمزيد من
التمزق والانهيار في منظومة
القيم.
وقد أطلت علي الدنيا من تحت
الأرض ومن فوقها أنماط مختلفة
من المسلمين، يكاد بعضهم يحكم
علي البعض الآخر بالكفر ويخرجه
من دينه.. وبالتالي من دنياه (!)..
فشهدنا مسلمين يقتلون مسلمين..
وأمامنا نماذج من هؤلاء الذين
تولت وكالة المخابرات
المركزية الأمريكية اعدادهم
وتدريبهم وتمويلهم وتسليحهم
عند أسامة بن لادن، ثم أعادت
تصديرهم إلي بلدان المنشأ..
فأفسدوا فيها وقتلوا الأبرياء
وذبحوا الأطفال والكتاب
والفنانين وبقروا بطون
الحوامل 'حتي لا يلدن كفارا'!!
وليس من عجب أن يصيب الاسلام ما
أصابه من طعنات، اذا كانت هذه
الأنماط الشاذة والدموية ممن
يتاجرون بالدين هم الذين
يقدمون أنفسهم علي أنهم حماته
ودعاته والمبشرون به.. في عالم
ثورة الاتصالات والمعلومات
والتكنولوجيا وريادة الفضاء..
واستنساخ البشر!!
فقه التطرف الأعمي وليد ردة
مخيفة ترتكز علي اهمال السؤال
وايثار العزلة والهجرة
والتكفير سبيلا ومنطقا بين
جدران سميكة لفرق صغيرة وشيع
متماسكة ومنغلقة علي نفسها.
وأصحاب هذا الاتجاه لم يعد
يكفيهم تشويه مباديء الاسلام،
وإنما تحركوا.. ليضعوا
المسلمين في مواجهة كونية.. لقد
أرادوا أن 'يحشروا' الاسلام وهو
الدين الذي يعترف بسواه
وسابقيه من الأديان في ركن ضيق..
بحيث يبدو كما لو كان حربا علي
كل دين ورأي آخر.
علينا بهذا الاصلاح الديني قبل
أن تنفذ الادارة الأمريكية ما
يفكر فيه عدد من مسئوليها بشأن
'تمويل أئمة مسلمين في مختلف
أنحاء العالم' يروجون لإسلام
أمريكي!!! وقد طرحت هذه الفكرة
في مؤتمر للحريات الدينية في
واشنطن علي لسان مسئولة بوزارة
الخارجية الأمريكية تدعي 'بولا
دربرمانسكي'. ولم تكن السيدة
تلقي بمزحة أو دعابة.. وإنما
توجه اهانة تمس كل رجل دين
اسلامي.. وتعلن عن رغبة
هيستيرية في التدخل في الشئون
الداخلية للعقيدة.
الموقف يستحث كل المسلمين
والمؤمنين للتأهب، وإلي حالة
استنفار. وعلي الحريصين علي
الدين البدء في عملية إعادة
قراءة ومراجعة.. في مواجهة نوع
آخر من المراجعة العدائية،
التي يعلن أصحابها العداء
للمعاصرة والاندماج في عالم
اليوم، ويصرون علي أن يظلوا
أسري هامشية محزنة ومذلة.
نحن في حاجة إلي تجديد
المناظرة الفقهية، وإلي فقه
جريء يقول كلمة شجاعة في قضايا
الساعة ويكسر جدران العزلة
ويكون ذخيرة للمستقبل. وثمة
ضرورة ملحة في هذه الآونة إلي
سماع فقه آخر ينادي بإسلام
يتواصل مع الأديان الأخري،
ويسالم كل ايمان، ويستوعب
الانسانية كلها.. فهذا هو جوهر
الاسلام.
فقه يؤكد المساواة بين أبناء
الوطن واحترام الرأي الآخر
والحق في التعبير، ويوحد
الأطياف المتنابذة علي قاعدة
حرية الاختيار العقيدي. فقه
يحض علي التفكير والتبصر،
ويؤسس لمكان لنا في العالم..
بعيدا عن التشنج والانغلاق.
فقه يكسر الحلقات المقفلة
للذهنيات المغلقة علي الممنوع
والمكبوت والمحرم، ويعترف بحق
المرأة في المساواة، ويحرر
العقل من الاعتقال، ويرفع
العصمة عن القرار، وينهي
القطيعة بين العقل والنقل.
وكان الكاتب الباكستاني
الراحل محمد اقبال يلحظ حتي
خصائص الصفات الشخصية
للمتطرفين وكيف تتشابه: تجهم
وعبوس وكراهية للثقافة (باعتبارها
مصدرا للفساد!) تماما.. كما هو
حال الزوج في رسالة السيدة
المجهولة إلي ابراهيم سعده.
غير أن محمد اقبال كان يحذرنا
من أن قادة المتطرفين كانوا
يضعون علي رأس أولوياتهم في
بلدانهم السيطرة علي النظام
التعليمي.
ومن هنا.. فإذا كنا نريد لنموذج
الزوج في رسالة السيدة
المجهولة أن ينقرض، فإن نقطة
البداية هي اصلاح النظام
التعليمي بكل مناهجه بهدف
تكوين عقلية نقدية لا تذعن 'للمسلمات'
حتي لو كانت في حقيقتها مجرد
خرافات مشعوذين.
ومن هنا أيضا.. اذا كنا نريد
لنموذج هذا الزوج أن ينقرض،
فإننا في حاجة إلي ثورة حقيقية
في وسائل الاعلام. ولست في حاجة
إلي تذكير ابراهيم سعده بأن 'الداعية
الاسلامي المعروف' الذي جاء
ذكره في رسالة السيدة المجهولة..
هو نفسه الذي صنع منه
التليفزيون المصري نجما ساطعا
بينما كان يستخدم الشاشة
الصغيرة للترويج لأكثر
الأفكار تطرفا وتخلفا..
وتدميرا للوحدة الوطنية.
ومن خلال تلك الشاشة.. طرح
متطرفون كثيرون أنفسهم
باعتبارهم يحملون لمشاهديهم
كل الحلول السحرية الجاهزة.
واستطاع هؤلاء أن يجتذبوا
عقولا ضعيفة نحو التطرف
والارهاب لرد فعل علي الأرجح
لواقع مرهون.
وعلاقة أمثال هذا الزوج
المتطرف بالماضي مشوهة،
ورؤيته للمستقبل غير قابلة
للتحقق، وصلته بالحاضر سلبية.
ولذلك فإن المجموعات التي تروج
لنظرته للحياة.. لن تعمر طويلا.
ولكن المؤكد، انها قبل رحيلها
سوف تلحق بالعالم أضرارا جسيمة
علي غرار ما فعلته قوي اليمين
المتطرف، التي تدعي احتكار كل
الحقيقة.. عبر التاريخ الحديث.