لايمكنني
الكتابة في هذا الموضوع دون أن
أبدأ بتقديم له أراه ضروريا
لتوضيح المنحي الذي سأتبعه في
التناول, فأنا لست كما كنت
في السابق صحافيا أتابعه كحدث,
ولست كاتبا دينيا أتابع مسار
الزيارة التي يقوم بها الآن
الحبر الأعظم بابا الفاتيكان
علي خطي يوحنا المعمدان أو
القديس بولس, ولا أنا رجل
دين أرصد هذا الحدث وانعكاسه
علي مسار الشعب المسيحي
الكاثوليكي. وإنما أنا
مجتهد في الفكر, أسعي
لقراءة واقعية للحدث بقدر ما
أستطيع, مازجا في هذا بين
ثيولوجية الواقعة وسياستها,
وبين دور رجل الدين كزعامة
كهنوتية وسياسية.
ذلك أن مصدر قوة الدين عن
السياسة أن قياساته مطلقة
لأنها روحانية تتعدي إطار
العقل لتصل إلي ما فوق الضمير,
فأنت لايمكنك أن تقنع إنسانا
أن يبيع حياته بأي ثمن مهما غلا,
في حين أنها أمنية لأي مؤمن من
أن يستشهد من أجل التقرب لله جل
جلاله.
فالدين أقوي من السياسة لأنه
ملاذ الأمان الذي يلجأ إليه
الإنسان في صراعه مع الحياة
وضد الظلم والمرض والعوز
والصعب وخلافه فيلتمس من الذات
المطلق الأمان النسبي,
يتساوي في هذا الفقير والضعيف
والقوي وصاحب السلطة والجاه,
من هنا فإن السياسة وإن كانت
تعطي الجاه إلا أنها لاتضمن
الحفاظ عليه, والمال ولو
أنه يعطي السطوة إلا أنه يعطي
معها الخوف من المستقبل,
أما الدين فأنه يعطي الأمان
والضمان من المستقبل بتمويل
الذات بمعتقدات تفوق السطوة أو
الجاه قوة وتأثيرا.
من هنا كان للزعامة الدينية
أهميتها التي لايمكن نكرانها
ووزنها السياسي الذي يفوق
معاملات القوي التي تدرس في
العلوم السياسية, فرجل
الدين لايحمل سلاحا بل عقيدة,
وهو لايمول حملته الدعائية بل
يسعي الشعب إليه. يضاف إلي
ماسبق أن الزعامة الدينية,
شأنها شأن جميع الزعامات,
ذاتية وشخصية في آدائها
وأوزانها, فالبابا يوحنا
بولس الثالث قد أتي بما لم
يفعله من سبقوه من باباوات
الفاتيكان, فدوره في القضاء
علي نظم الحكم الشيوعية في دول
أوروبا الشرقية والتي قادت إلي
تنحية الاتحاد السوفيتي كإحدي
القوتين العظميين في التاريخ
المعاصر, هو علامة سوف تنسب
إليه بذاته وليس إلي الفاتيكان
ـ حتي ولو كان قد قد استفاد من
مكانته الدينية لتحقيق هذا
الهدف ـ ذلك أن المحرك للوصول
إلي هذا الهدف, والذي بدأه
من بولندا مصدر رأسه, كان
ذاتيا وشخصيا في الأساس,
وبالمثل فإن أسلوب البابا
شنودة في ممارسته لدوره كزعامة
دينية سوف يعتبر منهاجا
وعلامات ترصد لقداسته علي مدي
التاريخ, فالبابا شنودة
شخصية مزجت مابين الدين
والسياسة والحكمة والثقافة
والشاعرية والعمق الروحاني,
ومن ثم فقد جاءت مواقفه ترجمة
لشخصيته: فهو عندما اعتبر
أن الحج إلي بيت المقدس محرم
مادامت القدس مازالت تحت
الاحتلال الإسرائيلي ورجح
العدالة السياسية علي التقديس
كهدف ديني فقد غلب رجل السياسة
في ذاته علي رجل الدين,
وعندما رأي أن الوطنية تعلو
علي أي اعتبار آخر, ومن ثم
فإن قوة الأقباط الأرثوذكس في
مصر هي في أن تلتحم مع النسيج
المصري بجميع فئاته فقد غلب
حكمة العقلاء علي بريق القوة
والسلطة التي يضفيها الكرسي
الديني علي من يجلس عليه,
والتي اكتوي بأتونها الكثير من
البلدان والشعوب منذ ماقبل عصر
النهضة ومحاكم التفتيش وحتي
العصر الحاضر. ولسوف أسمح
لنفسي بأن أذكر جزءا يسيرا من
حديث دار بيني وبين قداسته ـ
برغم أنني لست مخولا بأن أكشف
عنه لأنه قد منحني شرف
الاستماع إليه كمجرد مستمع
تواق للمعرفة وليس ككاتب,
إلا أنني سأعطي لنفسي المبرر
لتخطي هذا المانع من منطلق
التقدير والإعزاز لشخصه
ولأدلل علي عظمة تفكيره
السياسي من خلال موقعه كزعامة
دينية مسئولة ـ فقد كنا نتناول
موضوع إنشاء الأحزاب الدينية
في مصر, فقال إن قوة الدين
هي في تلاحمه مع جميع التيارات
السياسية الوطنية في مصر وليس
في مجرد تمحوره في حزب ديني,
فوجود مسيحيين في كل حزب سياسي
هو تعزيز لأدوارهم الوطنية
التي لايمكن للدين أن يكون
بديلا عنها
من هنا فقد رجح البابا شنودة
الاعتبار السياسي علي النظرة
الثيولوجية للموضوع, ويؤكد
المعني نفسه أنه قد اعترض علي
حضور لجنة تقصي حقائق من
الكونجرس الأمريكي لبحث أحوال
المسيحيين الأقباط في مصر ورفض
أن يلتقي بهم تحت هذه الصفة,
كما ودعا الأقباط في الولايات
المتحدة إلي الالتفاف حول
الرئيس حسني مبارك كرئيس لهم
في أثناء زيارته الأخيرة
لأمريكا كمظهر يؤكد أن الوطنية
المصرية هي الرباط المقدس الذي
يجمع ـ من منظوره كرجل دين
وزعامة دينية بين أبناء الوطن
الواحد, وبذلك أكد حقيقة
اقتنع قداسته بها وهي أن قوة
رجل الدين لا تتمثل في معاداته
للقيادة السياسية استنادا إلي
قوة موقعه كقائد عقائدي
لرعاياه بل بالتعاون مع هذه
السلطة, علاوة علي ماتقدم
فإننا لا نذكر أن الكنيسة
القبطية في مصر قد أصدرت بيانا
سياسيا يوجه الحكومة في شئون
الدولة أو سياستها الداخلية أو
الخارجية أو الاقتصادية,
ذلك أن البابا شنودة مقتنع بأن
دور الكنيسة لا يتعارض مع دور
الدولة, فالأخيرة هي
المسئولية عن إدارة شئون
البلاد, ومن ثم فإن مصالح
الشعب المسيحي القبطي تتحقق
بالتنسيق معها وليس باتباع
أسلوب الإملاء والفرض.. من
هنا فإن الزعامة الدينية
الحكيمة هي نهج ذاتي وتكوين
شخصي يعتمد علي مكونات خاصة
للزعامة تستند علي
الكاريزماتية وفن أداء دورها
كزعامة دينية وكقيادة سياسية
في آن واحد بهدف الحفاظ علي
مصالح الشعب الذي يتبعها.
فإذا ما تناولنا دور الزعامة
الدينية ـ وتحديدا المسيحية ـ
في السياسة الخارجية, فإنه
من المقطوع به أن ما تنفرد به
دولة الفاتيكان ـ والتي تقع
علي مساحة مايقرب من40 فدانا
في إحدي ضواحي مدينة روما
عاصمة إيطاليا ـ هو وضع متميز
لايمكن أن تجاريها فيه أية
زعامة دينية مسيحية أخري.
فبابا الفاتيكان يحكم بوصفه
زعامة دينية مسيحية كاثوليكية
في دولة معترف بها دوليا,
ومن ثم فإن قداسته يعامل كرئيس
دولة, ولدي الفاتيكان كل
أدوات الحكم من رئيس وزراء
ووزراء من رجال الدين وجهاز
إداري فاعل وإيرادات وميزانية,
كما أن للفاتيكان وزير خارجية
وسفراء لرسم ومتابعة تطبيق
سياسته الخارجية, ذلك أن
وضع الفاتيكان كدولة دينية يضع
عليها التزاما بأن يكون لها
قراءة ومواقف من السياسة
الدولية من منظور مسيحي
كاثوليكي روماني, وعليه فإن
مواقف الفاتيكان من السياسة
الخارجية لا تتبع إطارا
تكتيكيا أو ثنائيا بحتا, بل
يلزم أن تصاغ وتترجم بنمط
مختلف, فهي لا تأتي كمواقف
سياسية بحتة وإنما كمباديء
وإشارات رمزية لها مدلولها
السياسي الخاص: وللتدليل
علي ماسبق فإن إصدار الفاتيكان
وثيقة تبرئة اليهود من دم
المسيح, لايمكن أن تفسر من
مجرد المحتوي الديني للنص,
بل من انعكاساتها السياسية
التي لم تتناولها الوثيقة
ذاتها, والتي تتركز علي
علاقة الفاتيكان بدولة
إسرائيل من ناحية, وانعكاسه
علي علاقة الفاتيكان
المستقبلية بالولايات المتحدة
الأمريكية والتي لم تكن قد
تبادلت معها بعد التمثيل
الدبلوماسي, ويسير في ذات
النهج كلمته التي ألقاها العام
الماضي في القدس واعترف فيها
بالخطايا التي ارتكبها اتباع
الكنيسة ضد اليهود من بني
إسرائيل, وعندما دعا
الفاتيكان إلي الحوار المسيحي
الإسلامي فإن ذلك لايمكن أن
يؤخذ من مدلولة الديني فحسب,
وإنما باعتبار أنها محاولة
لايجاد صيغة توافقية مع الدول
الإسلامية, والتي تشكل الآن
ـ كدول ـ وزنا لا يستهان به من
حيث الكم العددي والنفوذ
السياسي, وعندما قام البابا
بزيارته الحالية إلي اليونان
باعتبارها إحدي قيادات
الكنيسة الأرثوذكسية
والمعروفة برفضها لمواقف
الكنيسة الكاثوليكية المعادية
لها منذ الأمبراطورية
البيزنطية, وتقديمه
للاعتذار عما بدر من الكنيسة
الكاثوليكية ضد الكنيسة
الأرثوذكسية, فإن الهدف من
وراء ذلك لم يكن مقصورا علي
علاقاته مع اليونان فحسب وإنما
يمتد إلي جميع الدول
الأرثوذكسية, ومن ثم فهي لم
تكن مجرد زيارة دينية هدفت إلي
عمل المصالح
بين الكنيستين, وإنما هي
محاولة من الفاتيكان لرأب
الصدع بين الكنيستين من ناحية
وبين الدول الكاثوليكية
والأرثوذكسية بصفة عامة.
وعندما زار سوريا ـ ورغما عن أن
هذه الزيارة تأتي في إطار ديني
باعتبار أن سوريا إحدي المحطات
التي تضمنها رحلة يوحنا
المعمدان ـ فإنه لايمكن إغفال
البعد السياسي لها, فزيارة
الحبر الأعظم لسوريا, خاصة
في مثل هذه الظروف, لابد أن
تلبس ثوبا سياسيا, وعليه
فلقد كان وجوبيا أن يصلي
قداسته في مدينة القنيطرة من
أجل السلام ليقدم رسالة لها
مدلولها السياسي دون الدخول في
جزئيات الخلاف العربي ـ
الإسرائيلي, كما كان غالبية
العرب والمسلمين العرب
يتوقعون أن يعرب قداسته عن
الاعتذار عما اقترفه
الصليبيون ضد العرب والمسلمين,
خاصة بعد أن سبق اعتذاره عما
بدر منهم ـ الصليبيين ـ ضد
الكنيسة الأرثوذكسية
اليونانية في محطته التي توقف
عندها قبل زيارته لسوريا
مباشرة, فهذا التصريح من
الحبر الأعظم,و وفي سوريا
معقل صلاح الدين كانت ستمثل
لفتة لها مغزاها وقوتها من
الحبر الأعظم الذي اتسمت
مواقفه دائما بالتعقل والرؤية
الصائبة, أما زيارة قداسته
إلي المسجد الأموي باعتبارها
أول زيارة تقوم بها زعامة
دينية إلي هذا المسجد ـ والذي
ضم المسلمون إليه جزءا من
كنيسة مسيحية ثم تنازل
المسيحيون عن بقيتها للمسلمين
لضمها إلي المسجد ـ فإن زيارة
بابا الفاتيكان لهذا المسجد
قد فسرت بأنها تحمل معني رمزيا
إلي يدعو التسامح والتقارب بين
الأديان, وهو تفسير نتفق
معه. ولقد حاول البعض أن
يلبس هذه الزيارة ثوبا طائفيا
يقوم علي أن البابا سيسعي
للتوسط بين البطرك نصر الله
صفير رئيس الكنيسة المارونية
اللبنانية وبين سوريا لإنهاء
الخلاف بينهما ـ خاصة بعد أن
رفض البطرك صفير أن يكون ضمن
الوفد البابوي في زيارته
لسوريا حتي لايفسر ذلك بأنه
تحول في موقف الكنيسة
المارونية اللبنانية المعارض
لبقاء القوات السورية في لبنان
ـ وأشك في أن بابا الفاتيكان قد
قام ببذل أي مساع في هذا الشأن
في أثناء زيارته الأخيرة
لسوريا, لتيقن أغلب
المتابعين للأحداث ـ ومنهم
الكرسي البابوي ـ بأن الخلاف
بين البطرك صفير والحكومة
السورية يمكن أن يتحول إلي
خلاف طائفي بين المسلمين
والمسيحيين, وهو أمر قد
تنعكس آثاره علي هيبة
الفاتيكان, كما لا أتصور
كذلك أن البابا قد حاول أن
يتدخل لدي البطرك نصر الله
صفير لتعديل موقفه, وأدلل
علي ذلك بأن الموارنة قد قاموا
بإصدار بيان قرنة شهوان والذي
يحدد مواقف الموارنة من العديد
من القضايا السياسية ـ ومنها
العلاقات السورية اللبنانية ـ
والاقتصادية, إبان زيارة
بابا الفاتيكان لسوريا ـ ونود
الإشارة إلي أن هذا البيان قد
جاء عقب بيان المطارنة
المارونيين الذي صدر في2000/9/20
حول اعتراضهم علي الوجود
العسكري السوري في لبنان
تحديدا والأوضاع السياسية
والاقتصادية اللبنانية بصفة
عامة, ذلك البيان الذي لاقي
نقدا كبيرا من العديد من
المسلمين وبعض من المسيحيين,
والذين اعتبروا أن هذه المواقف
قد تؤدي إلي تفجير خلافات
طائفية بين المسلمين
والمسيحيين في لبنان.
أما عن الزيارة
البابوية الثانية لسوريا التي
قام بها قداسة البابا شنودة
عام1998 فلقد عاصرتها أثناء
عملي في سوريا, وأود أن أؤكد
أن الحبر الأعظم
القبطي وإن كان لم يستقبل
كرئيس دولة, إلا أنه قد حظي
بأكرم استقبال شعبي إعلامي
تلقاه شخصية سياسية كبيرة
وزعامة دينية محترمة ومبجلة.
فقد وصل قداسة البابا شنودة
إلي مطار دمشق يوم الجمعة,
وتوجه علي الفور إلي مسجد
النور ـ وهو أحد أكبر المساجد
في سوريا والمقر الرسمي لمفتي
سوريا الشيخ أحمد كفتارو ـ
ليخطب في المصلين الذين يؤدون
شعائر صلاة الجمعة, وألقي
كلمته التي دامت أثنتين
وثمانيين دقيقة ـ وكان من رصد
الوقت هو الأخ العزيز الدكتور
محمد العمادي وزير الاقتصاد
السوري الحالي ـ وأعطي خلالها
درسا مستفيضا ومؤثرا وبليغا
وحكيما في المحبة بين البشر
باعتبارها الدعامة الأساسية
التي تقوم عليها فلسفة الأديان
السماوية, وكم كان بليغا,
وكم كان مؤثرا, ولكم سعدت به
كمصري وهو يشيد إليه الآذان
والأذهان من الكل الجلوس
والحاضرين والذين إكتظ بهم
المسجد, ومن شاهدوه علي
شاشات التلفاز أو قرأوا
تصريحاته الصحفية, هذا فضلا
علي من تباركوا بزيارته من
أبناء طائفة قداسته... أليست
هذه بعظمة رجل دين وسياسي محنك...
وقد استأذن البابا يوما في أن
أمتع القراء بما دونته في
مذكراتي الشخصية عن زيارته
التاريخيه لسوريا, والتي
رافقته في أجزاء منها,
وتحدث لي خلالها كمجرد مستمع
جيد يقدر ما يسمعه من رجل دين
وفيلسوف وإنسان وشاعر ومثقف
وعربي
وسياسي وصحفي وغيره مما يتمتع
به قداسته من مواهب... فهل
سيسمح قداسته؟