جزيرة العرب والكفار وحرمة رعاية الآثار

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

تعليق

 


جزيرة العرب والكفار وحرمة رعاية الآثار

 

 

 

بحث شرعي ألحقته بمذكرة ( السياحة تحت المجهر ) وقد أفردت هذا البحث ولم أدخله في صلب المذكرة لسببين:

أولاً : لأهمية الجانب الشرعي والذي ينبغي أن نجعله فوق كل اعتبار.

وثانياً : لأني آثرت عدم الإطالة في أصل المذكرة فأفردت هذا البحث وحده لطوله.

وهو يتكون من فصول :

 

الفصـل الأول : في  بيان عظم  منزلة البراءة من الكافرين

الفصـل الثاني : الأدلة على وجوب إخراج الكفار من جزيرة العرب

الفصـل الثالث : حدود جزيـــرة العرب

الفصـل الرابع : أقوال العلماء في وجوب إخراج الكفار من جزيرة العرب

الفصل الخامس : حرمة تملك الكفار للعقار في جزيرة العرب

الفصل السادس : فتاوى العلماء في حرمة الاهتمام بالآثار وترميمها

الفصل السابع : حرمة دخول ديار المعذبين ورعاية آثارهم

 


الفصل الأول

بيان  عظم منزلة البراءة من الكافرين

 

لقد بينت في مذكرة السياحة تحت المجهر أن أعظم شر سيرد على عباد الله من السماح للأجانب بالدخول عبر التأشيرات السياحية، هو انعدام البراءة من الكافرين وتمييع بغضهم وكرههم والكفر بهم وبدينهم في قلوب العباد، ووالله  إنه لو لم يكن في السياحة إلا هذا الخطر لكفى به أن يوجب منع إصدار التأشيرات السياحية.

 

ولكن للأسف فقد أصبحنا في زمان لا يُعرف فيه الولاء والبراء ولا يُعرف فيه الحب والبغض في الله، بل إن كثيراً من الناس يجهلون أن الولاء والبراء أصل من أصول العقيدة الرئيسية، روى الإمام أحمد عن جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه على أن ( تنصح لكل مسلم، وتبرأ من الكافر )، وروى الطبراني في الكبير عن ابن عباس قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله )، بل إنهم يجهلون أنه من لوازم لا إله إلا الله التي لا تصح إلا به. فمحبة الله وبغض أعداءه والكفر بالطاغوت والإيمان بالله، من شروط لا إله إلا الله فمن لم يأت بها فلا دين له، يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الرسائل الشخصية " ولكن أخبروهم أن الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، لا يصير للرجل دين إلا بها، فلا ينفعهم ترك الشرك، ولا ينفعهم قول ( لا إله إلا الله ) حتى يبغضوا لله "، وبما أن كثيراً من الناس فُقد عندهم شرط الموالاة والمعاداة في الله، فقد استوى عندهم دخول الكافر عليهم كما استوى عندهم حبه وبغضه، واستوى عندهم حب الله وحب أعداءه، وكثير منهم لا يفرق بين المسلم والكافر بل إن بعضهم يفضل الكافر على المسلم ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 

يقول ابن القيم في نونيته :

 

حبا ما ذاك في الإمكـــــــان

أتحب أعداء الحبيــب وتدعــــي

أين المحبة ؟ يا أخا الشيطــــان

وكذا تعادي جاهــدا أحبابــــــه

على محبته بلا نقصـــــــان

شرط المحبة أن توافق من تحــب

فك ما يحب فأنت ذو بطـــــلان

فإن ادعيت له محبة مع خــــلا

 

ويقول الشيخ سليمان بن سحمان في ( الدرر السنية 1/294 وديوانه عقود الجواهر 79)

 

يتم بحب الدين دين محمــــــد

ومن كان ذا حب لمولاه إنمــــا

ووال الذي والاه من كل مهتــــد

فعاد الذي عادى للدين محمــــد

إلى الله والتقوى وأكمل مرشـــد

وأحبب رسول الله أكمل من دعــا

كذا البرا من كل غاو ومعتـــــد

وما الدين إلا الحب والبغض والولاء

 

ثم يقول:

لعاديت من بالله ويحك يكفـــــر

نعم لو صدقت الله فيما زعمتـــه

ولما تهاجيهم وللكفر تنصـــــر

وواليت أهل الحق سراً وجهـــرة

ولكن بأشراط هنالك تذكــــــر

فما كل من قد قال ما قلت مسلــم

بذا جاءنا النص الصحيح المقــرر

مباينة الكفار في كل موطـــــن

وتضليلهم فيما أتوه وأظهــــروا

وتكفيرهم جهرا وتسفيه رأيهـــم

وتدعوهمو سرا لذاك وتجهــــر

وتصدع بالتوحيد بين ظهورهـــم

وملة إبراهيم لو كنت تشعـــــر

فهذا هو الدين الحنيفي والهــدى

 

واعلم أخي رعاك الله أن الولاء والبراء مسألة مرتبطة بكل أبواب العقيدة، فإن فهمت هذا الفصل حق الفهم فسوف تفهم ما بعده من فصول، لأن الفصول القادمة في هذا البحث تنبني على هذا الفصل، فكل مسائله مرتبطة به من قريب أو بعيد، فهو الأصل العظيم الذي أضاعه كثير من الناس وهدموه وقوضوا أركانه، وإليك من كلام العلماء ما يبين لك عظم منزلة البراءة من الكافرين وأنها أصل من أصول الدين الذي لا يستقيم الدين إلا بها ومن فقدها فقد كفر.

 

الموالاة : قال الزبيدي في ( تاج العروس ) 10/401 " هي المحبة بغض النظر عن درجة هذا الحب ومرتبته، فكل من أحببته وأعطيته ابتداءً من غير مكافأة فقد أوليته، وواليته، والمعنى أي أدنيته إلى نفسك ".

وتأت أيضاً بمعنى النصرة، وتأت كلمة ( أولياء ) بمعنى الخاصة والبطانة، وأيضاً بمعنى الاتحاد والتجانس.

 

أما التولي : قال الجوهري في ( الصحاح ) 6/2530 " هو تقديم كامل المحبة والنصرة للمتولى بحيث يكون المتولِي مع المتولَى كالظل مع الجسم ". فالتولي بمعنى الاتخاذ والاتباع المطلق، وبمعنى الانقطاع الكامل في نصرة المتبع وتقريبه وتأييده، ويأتي بمعنى الاتباع، وبمعنى التفويض.

وكل تولي موالاة وليس العكس، والتولي أخص من الموالاة فكل تولي كفر والموالاة منها ما هو كفر ومنها ما هو دون ذلك، على اختلاف بين العلماء في التفريق.

 

المعاداة : قال بطرس البستاني في ( محيط المحيط ) 2/1353 " هي مصدر عادى يعادي وعداءً، والعداء مصدر عادى أي خاصمه، وصار له عدواً، والعداوة : اسم بمعنى الخصومة والمباعدة، والعدو والعداوة، أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض، وقد يبغض من ليس بعدو "

العداوة : هي الشعور المتمكن في القلب في قصد الإضرار وحب الانتقام.

 

والعدو : ضد الولي، والجمع أعداء وجمع الجمع آعادي، وهو ضد الصديق أيضاً، والعدو، والعداوة، والأعداء، والعدوان، كلها ورد استعمالها في القرآن، وتأت المعاداة في أغلب استعمالاتها، ويراد بها البغض والكراهية وحب الانتقام، عكس الموالاة تماماً، والتي تدل في أغلب استعمالاتها على المحبة والمودة والمتابعة والنصرة والقربة، وبذلك فالموالاة والمعاداة بهذا المعنى المتقدم ضدان لا يجتمعان، فوجود أحدهما ينفي الآخر لزوماً في حق ذات معينة.

 

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ( مجموعة التوحيد ) ص9 " اعلم رحمك الله تعالى أن أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، والدليل قوله تعالى { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } فأما صفة الكفر بالطاغوت، أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم ".

 

ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب في ( الرسائل الشخصية ) ص232 " أبلغوهم أن المعاداة ملة إبراهيم عليه السلام، ونحن مأمورون في متابعته، قال تعالى { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه } إلى قوله { حتى تؤمنوا بالله وحده }. ثم قال " واذكروا لهم، أن الواجب على الرجل، أن يعلّم عياله وأهل بيته، الحب في الله والبغض في الله، والموالاة في الله والمعاداة في الله، مثل تعليم الوضوء والصلاة، لأنه لا صحة لإسلام المرء، إلا بصحة الصلاة، ولا صحة لإسلامه أيضاً إلا بصحة الموالاة والمعاداة في الله " أهـ.

 

وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين في ( الدرر السنية ) 2/143 و9/325 عن معنى لا إله إلا الله وعن معنى الطاغوت الذي أمرنا الله باجتنابه والكفر به فقال " ( الإله ) هو المألوه الذي تألهه القلوب وتحبه، وقد دل صريح القرآن على معنى لا إله إلا الله وأنه المعبود كما في قوله تعالى { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني بَراءٌ مما تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين، وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون }.

قال المفسرون : هي كلمة التوحيد ( لا إله إلا الله ) لا يزال في ذريته من يعبد الله ويوحده، والمعنى، جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في ذرية إبراهيم، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم، بعضهم عن بعض، وهي كلمة ( لا إله إلا الله ) فتبين أن موالاة الله بعبادته، والبراءة من كل معبود سواه هو معنى ( لا إله إلا الله ).

وعلى ذلك فمن أباح الشرك، أو تولى المشركين، وذب عنهم أو عادى الموحدين وتبرأ منهم، فهو ممن أسقط حرمة ( لا إله إلا الله ) ولم يعظمها ولا قام بحقها، ولو زعم أنه مسلم، وأنه من أهلها القائمين بحرمتها " أهـ.

 

وفي رسالة من عبد الرحمن بن حسن وعلي بن حسين أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وإبراهيم بن سيف إلى بعض الإخوان في ( الدرر السنية ) 2/128 قالوا فيها  " إن التوحيد هو إفراد الله بالعبادة ولا يحصل ذلك إلا بالبراءة من الشرك والمشركين باطناً وظاهراً كما ذكر الله عن إمام الحنفاء عليه السلام في قوله { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون، إلا الذي فطرني فإنه سيهدين } ومن الأدلة على هذا المعنى قوله تعالى { قال يا قوم إني برئ مما تشركون، إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين } وقال تعالى { وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } وقال تعالى { ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين } وقال تعالى { قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } وقال تعالى { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكون من المشركين } وقال تعالى { قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } وقال تعالى { إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين } وقال تعالى { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين } وقال تعالى { ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين } وقال { منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين } وقال تعالى { وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ولا تكوننّ من المشركين }.

فتأمل تلك الآيات، ثم انظر كيف أكد الباري جل وعلا على رسله والمؤمنين باثنتي عشرة آية في البراءة من المشركين ومدحهم بتلك الصفة، وهذا كله يدل بلا ريب على أن الله أوجب على المؤمنين البراءة من كل مشرك، وأمر بإظهار العداوة، والبغضاء للكفار عامة، وللمحاربين خاصة، وحرم على المؤمنين موالاتهم والركون إليهم.

وهذه البراءة من الكفار، هي حقيقة معنى ( لا إله إلا الله ) ومدلولها، لا مجرد قولها باللسان، من غير نفي لما نفته من صلة بالمشركين، ومن غير إثبات أثبتته من موالاة رب العالمين " اهـ.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ( اقتضاء السراط المستقيم ) 1/221-223 " الوجه الثامن من الاعتبار أن المشابهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة حتى إن الرجلين إذا كانا من بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والموالاة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين أو كانا متهاجرين، وذلك لأن الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة بل لو اجتمع رجلان في سفر أو بلد غريب وكانت بينهما مشابهة في العمامة أو الثياب أو الشعر أو المركوب ونحو ذلك لكان بينهما من الائتلاف أكثر مما بين غيرهما، وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضا مالا يألفون غيرهم حتى إن ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة إما على الملك وإما على الدين، وكذلك تجد الملوك ونحوهم من الرؤساء وإن تباعدت ديارهم وممالكهم بينهم مناسبة تورث مشابهة ورعاية من بعضهم لبعض، وهذا كله بموجب الطباع ومقتضاها، إلا أن يمنع عن ذلك دين أو غرض خاص، فإذا كانت المشابهة في أمور دنيوية تورث المحبة والموالاة فكيف بالمشابهة في أمور دينية فإن إفضاءها إلى نوع من الموالاة أكثر وأشد والمحبة والموالاة لهم تنافي الإيمان قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين } وقال تعالى فيما يذم به أهل الكتاب { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون } فبين سبحانه وتعالى أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم، وقال سبحانه وتعالى { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } فأخبر سبحانه وتعالى أنه لا يوجد مؤمن يوآدّ كافرا فمن وآدّ الكفار فليس بمؤمن، فالمشابهة الظاهرة مظنة المودة فتكون محرمة كما تقدم تقرير مثل ذلك، واعلم أن وجوه الفساد في مشابهتهم كثيرة فلنقتصرعلى ما نبهنا عليه والله أعلم.

 

قال شيخ الإسلام في ( مجموع الفتاوى ) 7/17 " كقوله تعالى { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } فأخبر أنك لا تجد مؤمنا يوآدّ المحادّين لله ورسوله فإن نفس الإيمان ينافى موآدّته كما ينفى أحد الضدين الآخر، فإذا وجد الإيمان انتقى ضده وهو موالاة أعداء الله فإذا كان الرجل يوالي أعداء الله بقلبه كان ذلك دليلا على أن قلبه ليس فيه الإيمان الواجب، ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى { ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفى العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون } فذكر جملة شرطية تقتضي انه إذا وجد الشرط وجد المشروط بحرف لو التي تقتضي مع الشرط انتفاء المشروط فقال { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبى وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء } فدل على أن الإيمان المذكور ينفي اتخاذهم أولياء ويضاده ولا يجتمع الإيمان واتخاذهم أولياء في القلب، ودل ذلك على أن من اتخذهم أولياء ما فعل الإيمان الواجب من الإيمان بالله والنبى وما أنزل إليه ومثله قوله تعالى { لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم } فإنه أخبر في تلك الآيات أن متوليهم لا يكون مؤمناً ).

 

قال شيخ الإسلام في ( مجموع الفتاوى ) 28/190 " فإن المؤمنين أولياء الله وبعضهم أولياء بعض والكفار أعداء الله وأعداء المؤمنين وقد أوجب الموالاة بين المؤمنين وبين أن ذلك من لوازم الإيمان ونهى عن موالاة الكفار وبين أن ذلك منتفيا في حق المؤمنين ".

 

يقول ابن كثير في ( تفسير ابن كثير ) 2/85 " وقوله تعالى { ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا } قال مجاهد يعني بذلك المنافقين، وقوله { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم } يعني بذلك موالاتهم للكافرين وتركهم موالاة المؤمنين التي أعقبتهم نفاقا في قلوبهم وأسخطت الله عليهم سخطا مستمرا إلى يوم القيامة لمعادهم ولهذا قال أن سخط الله عليهم وفسر بذلك ماذمهم به ثم أخبر عنهم أنهم في العذاب خالدون يعني يوم القيامة، وقوله تعالى { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه مااتخذوهم أولياء } أي لو آمنوا حق الإيمان بالله والرسول والقرآن لما ارتكبوا ماارتكبوه من موالاة الكافرين في الباطن ومعاداة المؤمنين بالله والنبي وما أنزل إليه ولكن كثيرا منهم فاسقون أي خارجون عن طاعة الله ورسوله مخالفون لآيات وحيه وتنزيله ".

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ( مجموع الفتاوى ) 28/193 " قال تعالى { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم } فهذا النوع من الموالاة كان سبباً في ردة أولئك القوم ".

 

وقال ابن حزم عن الآية في ( الفصل ) 3/262 " فجعلهم مرتدين كفاراً بعد علمهم الحق، وبعد أن تبين لهم الهدى بقولهم للكفار ما قالوا فقط، وأخبرنا تعالى أنه يعرف إسرارهم ".

 

وقال القاسمي عن الآية في ( تفسير القاسمي ) 15/56 " ذلك إشارة إلى ما ذكر من  ارتدادهم بأنهم أي لسبب أنهم قالوا أي المنافقون للذين كرهوا ما نزل الله أي لليهود الكارهين لنزول القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، سنطيعكم في بعض الأمر، أي بعض أموركم أو ما تأمرون به ".

 

قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب عن هذه الآية في ( الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك ) ص 50-51 " أخبر تعالى أن سبب ما جرى عليهم من الردة وتسويل الشيطان والإملاء لهم هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله، سنطيعكم في بعض الأمر فإذا كان من وعد المشركين الكارهين لما نزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافراً، وإن لم يفعل ما وعدهم به فكيف بمن وافق المشركين وأظهر أنهم على هدى ".

 

قال ابن جرير الطبري في ( تفسير ابن جرير ) 6/160 " يقول الله تعالى { ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } من تولاهم ونصرهم على المؤمنين من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متول أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راض، وإذا رضيه ورضي دينه، فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه ".

 

ويقول القرطبي عن هذه الآية في ( تفسير القرطبي ) 6/217 " { ومن يتولهم منكم } فإنه أي يعضدهم على المسلمين، { فإنه منهم } بين أن حكمه حكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاهم ابن أبي، ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة".

 

ويقول ابن حزم في ( المحلى ) 13/35 " صح أن قوله تعالى { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا لا يختلف فيه اثنان من المسلمين".

 

يقول ابن القيم في ( أحكام أهل الذمة ) 1/67 " إنه سبحانه قد حكم، ولا أحسن من حكمه أن من تولى اليهود والنصارى فهو منهم، { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم ".

 

ويقول القاسمي في ( تفسير القاسمي ) 6/240 " { فإنه منهم } أي جملتهم وحكمه حكمهم، وإن زعم أنه مخالف لهم في الدين، فهو بدلالة الحال منهم لدلالتها على كمال الموافقة ".

 

يقول الشيخ عبد العزيز بن باز في ( فتاوى ابن باز ) 1/274 " وقد أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم، كما قال سبحانه وتعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم }.

 

يقول البيضاوي نقلاً عن ( الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك ) ص56 وص39 " قال تعالى { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء }  { ومن يفعل ذلك } أي اتخاذهم أولياء، { فليس من الله في شيء } أي من ولايته في شيء يصح أن يسمى ولاية، فإن موالاة المتعاديين لا يجتمعان ".

 

ويقول الشوكاني عن هذه الآية في ( تفسير فتح القدير ) 1/331 " { لا يتخذ } فيه النهي عن موالاة الكفار لسبب من الأسباب، وقوله { من دون المؤمنين } في محل الحال : أي متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين استقلالاً أو اشتراكاً، ومعنى قوله { فليس من الله في شيء } أي من ولايته في شيء من الأشياء، بل هو منسلخ عنه بكل حال ".

 

قال أبو السعود في ( تفسير أبي السعود ) 1/523 " يقول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين } وتعليق الرد بطاعة فريق منهم للمبالغة في التحذير عن طاعتهم وإيجاب الاجتناب عن مصاحبتهم بالكلية، فإنه في قوة أن يقال لا تطيعوا فريقاً، فإن هذا الفعل جاء مطلقاً فحذف المتعلق المعمول فيه ليفيد التعميم، فالآية الكريمة تحذر أيما تحذير عن طاعة أهل الكتاب فضلاً عن غيرهم من أصناف الكفار في جميع الأحوال وسائر شؤون الحياة ".

 

يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبدالوهاب في ( الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك ) ص33 " يقول الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين } أخبر تعالى أن المؤمنين إن أطاعوا الكفار فلا بد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام، فإنهم لا يقنعون منهم بدون الكفر، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرة، ولم يرخص في موافقتهم وطاعتهم خوفاً منهم، وهذا هو الواقع فإنهم لا يقتنعون ممن وافقهم إلا بشهادة أنهم على حق وإظهار العداوة والبغضاء للمسلمين ".

 

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في ( أضواء البيان ) 4/83 " يقول الله تعالى { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون } صرح تعالى بأنهم مشركون في طاعة أولئك الكفار، حينما وافقوهم في تحليل أو تحريم ".

 

يقول شمس الحق العظيم آبادي في ( عون المعبود ) 7/337 " عن سمرة بن جندب قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله )، قال أصحاب اللغة جامعه على كذا اجتمع معه ووافقه انتهى المشرك بالله والمراد الكفار ونص على المشرك لأنه الأغلب حينئذ، والمعنى من اجتمع مع المشرك ووافقه ورافقه ومشى معه وسكن معه أي في ديار الكفر فإنه مثله، أي من بعض الوجوه ؛ لأن الإقبال على عدو الله وموالاته توجب إعراضه عن الله ومن أعرض عنه تولاه الشيطان ونقله إلى الكفر، قال الزمخشري وهذا أمر معقول فإن موالاة الولي وموالاة العدو متنافيان وفيه إبرام وإلزام بالقلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم والتحرز عن مخالطتهم ومعاشرتهم { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } والمؤمن أولى بموالاة المؤمن وإذا والى الكافر جره ذلك إلى تداعي ضعف إيمانه فزجر الشارع عن مخالطته بهذا التغليظ العظيم حسما لمادة الفساد { ياأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين }، وفي الزهد لأحمد عن ابن دينار أوحى الله إلى نبي من الأنبياء ( قل لقومك لا تدخلوا مداخل أعدائي ولا تلبسوا ملابس أعدائي ولا تركبوا مراكب أعدائي فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي ) كذا في فتح القدير للمناوي، وقال العلقمي في الكوكب المنير شرح الجامع الصغير حديث سمرة إسناده حسن، وفيه وجوب الهجرة على من قدر عليها ولم يقدر على إظهار الدين، أسيراً كان أو حربيا فإن المسلم مقهور مهان بينهم وإن انكفوا عنه فإنه لا يأمن بعد ذلك أن يؤذوه أو يفتنوه عن دينه، وحق على المسلم أن يكون مستظهرا بأهل دينه وفي حديث عند الطبراني ( أنا بريء من كل مسلم مع مشرك ) وفي معناه أحاديث. انتهى، وقال ابن القيم في كتاب الهدى النبوي: ومنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إقامة المسلم بين المشركين إذا قدر على الهجرة من بينهم وقال ( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين ) وقال ( لا تراءى ناراهما ) وقال ( من جامع مع المشرك وسكن معه فهو مثله ) وقال ( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها ) وقال ( ستكون هجرة بعد هجرة فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم ويبقى في الأرض شرار أهلها يلفظهم أرضوهم تقذرهم نفس الله ويحشرهم الله مع القردة والخنازير ) ".

 

ولقد عدد العلماء بعض الأفعال والأقوال التي يعتبروها أهل هذا الزمان أعمالاً بسيطة وليس لها قيمة، و يمارسونها باسم الحضارة والتقدم والحرية والترفيه والرياضة، فأحببت أن أنقل طرفاً منها على سبيل المثال لبيان عظم خطر مشابهتهم فيما اختصوا به من الأفعال التي لا يشاركهم فيها أحد :

 

يقول القاضي عياض في ( الشفا ) 2/1072-1073 " وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحاً بالإسلام مع فعله ذلك كالسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم، من شد الزنانير ما يشهده الذمي على وسطه - ، وفحص الرؤوس حلق وسطها وترك جوانبها -  فقد أجمع المسلمون أن هذا الفعل لا يوجد إلا من كافر ".

 

يقول ابن تيمية في ( مختصر الفتاوى المصرية ) ص 514 " وإذا زار أهل الذمة كنيسة بيت المقدس فهل يقال لهم يا حاج مثلاً ؟ لا ينبغي أن يقال ذلك تشبيهاً بحاج البيت الحرام، ومن اعتقد أن زيارتها قربة فقد كفر، فإن كان مسلماً فهو مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، فإن جهل أن ذلك محرم عُرّف ذلك، فإن أصر فقد كفر وصار مرتداً ".

وقال أيضاً في ( مجموع الفتاوى ) 27/14 " وأما زيارة معابد الكفار، مثل الموضع المسمى بالقمامة أو بيت لحم أو صهيون أو غير ذلك، مثل كنائس النصارى، فمنهي عنها، فمن زار مكاناً من هذه الأمكنة معتقداً أن زيارته مستحبة، والعبادة فه أفضل من العبادة في بيته فهو ضال خارج عن شريعة الإسلام، يستتاب فإن تاب وإلا قتل ".

 

يقول الخرشي على  ( مختصر خليل ) 7/63 " وكذلك يكون مرتداً إذا شد الزنار في وسطه لأن هذا فعل يتضمن الكفر، ومثله فعل شيء مما يختص بزي الكفار، ولا بد أن ينضم إلى ذلك المشي إلى الكنيسة ونحوه، وقُيّد أيضاً بما إذا فعله في بلاد الإسلام " .

 

وقال ابن نجيم في ( البحر الرايق ) 5/133 " ويكفر بوضع قلنسوة المجوسي على رأسه على الصحيح إلا لضرورة دفع الحر أو البرد، وبشد الزنار في وسطه إلا إذا فعل ذلك خديعة في الحرب ".

 

وجاء في فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء في ( فتاوى اللجنة الدائمة ) 2/78 في حكم لبس الصليب " إذا تبيّن له حكم لبس الصليب وأنه شعار النصارى، ودليل على أن لا بسه راض بانتسابه إليهم والرضا بما هم عليه وأصر على ذلك، حكم بكفره لقوله عزوجل ( ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) والظلم إذا أطلق يراد به الشرك الأكبر، وفيه إظهار لموافقة النصارى على ما زعموه من قتل عيسى عليه السلام، والله سبحانه قد نفى ذلك في كتابه { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم }".

 

وأختم هذا الفصل بكلام الشيخ حمد بن عتيق الذي أجمل أصول الولاء والبراء وحذر من موالاة الكافرين، وفصل حالات الموالاة التي يكفر بها المسلم:

يقول الشيخ حمد بن عتيق في ( هداية الطريق ) ص19-77  " فأما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أوجب ذلك وأكد إيجابه وحرم موالاتهم وشدد فيها حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم، بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده ".

 

ثم قال " قال ابن كثير : إن من الفساد في الأرض اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء، كما قال تعالى { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير } فقطع الموالاة بين المؤمنين والكافرين كما قال تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين }.. الآية ".

 

ثم قال تعليقاً على قول الله تعالى { بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعاً } إلى قوله { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً } قال " قلت فإذا كانت موالاة الكافرين من أفعال المنافقين، فهذا كاف في تحريمها والنهي عنها وقال تعالى { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء } فنهى سبحانه المؤمنين عن موالاة الكافرين، ثم قال {..ومن يفعل ذلك.. } أي ومن يوال الكافرين فليس من الله في شيء، أي فقد برئ من الله وبرئ الله منه، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد حفظاً للإسلام والتوحيد، وقال تعالى { ترى كثيراً منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون }.

 

قال شيخ الإسلام : فبين سبحانه الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه ملتزم بعدم ولايتهم، فثبوت ولا يتهم يوجب عدم الإيمان لأن بعدم اللازم يقتضي عد الملزوم، قلت : رتب الله تعالى على موالاة الكافرين سخطه، والخلود في العذاب، وأخبر أن ولايتهم لا تحصل إلا ممن ليس بمؤمن، وأما أهل الإيمان بالله وكتابه ورسوله فإنهم لا يوالونهم بل يعادونهم كما أخبر الله عن إبراهيم والذين معه من المرسلين.

 

قال الله تعالى {  يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين، فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين }، فنهى سبحانه وتعالى المؤمنين أن يوالوا اليهود والنصارى وذكر أن من والاهم فهو منهم أي من تولى اليهود فهو يهودي ومن تولى النصارى فهو نصراني.

وقد روى ابن أبي حاتم عن محمد بن سيرين قال، قال عبدالله بن عتبة : ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر، قال فظنناه يريد هذه الآية : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } إلى قوله { فإنه منهم }.. الآية.

 

وكذلك من تولى المشرك فهو مشرك ومن تولى الأعاجم فهو أعجمي، فلا فرق بين من تولى أهل الكتابين وغيرهم من الكفار، ثم أخبر تعالى أن الذين في قلوبهم مرض أي شك في الدين وشبهة يسارعون في الكفر قائلين (... نخشى أن تصيبنا دائرة... } الآية، أي إذا أنكرت عليهم موالاة الكافرين قالوا : نخشى أن تكون الدولة لهم في المستقبل، فيتسلطون علينا، فيأخذون أموالنا ويشردوننا من بلداننا، وهذا هو ظن السوء بالله الذي قال الله فيه { الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً }.

 

ولهذا قال الله تعالى في هذه الآية { فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين }، وعسى من الله واجب والحمد لله الذي أتى بالفتح فأصبح أهل الظنون الفاسدة على ما أسروا في أنفسهم نادمين، وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } فنهى سبحانه وتعالى المؤمنين عن موالاة أهل الكتابين وغيرهم من الكفار، وبيّن أن موالاتهم تنافي الإيمان، وقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن تولهم منكم فأولئك هم الظالمون } وقال { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين }.

 

فنهى سبحانه وتعالى المؤمن عن موالاة أبيه وأخيه اللذين هما أقرب الناس إليه إذا كان دنهما غير الإيمان، وبين أن الذي يتولى أباه وأخاه إذا كانا كافرين فهو ظالم، فكيف بمن يتولى الكافرين اللذين هم أعداء له ولآبائه ولدينه، أفلا يكون هذا ظالماً ؟ بلى والله إنه أظلم الظالمين، ثم بين تعالى أن هذه الثمانية لا تكون عذراً في موالاة الكافرين، فليس لأحد أن يوالهم خوفاً على أبيه أو أخيه أو بلاده أو ماله أو مشحته بعشيرته أو مخافة على زوجاته، فإن الله قد سدّ على الخلق باب الأعذار بأن هذا ليس بعذر ".

 

ثم قال " وهذا إذا سمعه المنصف يكون عنده ظاهراً إلا من أعمى الله بصيرته بسبب تعصبه كما قال تعالى { إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم } وقال تعالى { والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا..} ثم قال { والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير }، فأخبر أن الكافرين إذا لم يوال بعضهم بعضاً بأن ينحازوا عن المسلمين، ويقطعوا للمسلمين أيديهم منهم، وإلا وقعت الفتنة والفساد الكبير، فتبين أن موالاة المسلم للكافر سبب الافتتان في الدين بترك واجباته، وارتكاب محرماته، والخروج عن شرائعه، وسبب الافتتان في الأديان والأبدان والأموال، فأين هذا من أقوال الفسّاد والمحبون، أن موالاة المشركين صلاح وعافية وسلامة ؟ { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءً فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيراً } فأخبر عن الكفار أنهم يودون كفر المسلمين كما كفروا، ثم نهى أهل الإيمان عن موالاتهم حتى تحصل منهم الهجر بعد الإسلام".

 

ثم قال " قال الله تعالى { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنّا بُرءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده } فقوله { قد كانت لكم أسوة حسنة }، كقوله { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً } فأمرنا سبحانه أن نتأسى بإبراهيم الخليل ومن معه من المرسلين في قولهم لقومهم { إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله } إلى آخره، وإذا كان هذا واجباً على المسلم أن يقول هذا لقومه الذين هو بين أظهرهم، فكونه واجباً مع الكفار الأبعدين المخالفين له في جميع الأمور، أبين وأبين.

 

وها هنا نكتة بديعة في قوله { إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله } لأن الأول أهم من الثاني، فإنه إن تبرأ من الأوثان ولم يتبرأ ممن عبدها فلا يكون آتياً بالواجب عليه، وأما إذا تبرأ من المشركين فإن هذا يستلزم البراءة من معبوداتهم، وهذا كقوله تعلى { وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا }، فقد اعتزلهم على اعتزال معبوداتهم وكذا قوله { فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله } وقوله { وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله }، فعليك بهذه النكتة فإنها تفتح لك باباً إلى عداوة أعداء الله فكم من إنسان لا يقع منه الشرك ولكنه لا يعادي أهله، فلا يكون مسلماً بذلك إذا ترك دين جميع المرسلين ثم قال { كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده }، فقوله { بدا } أي ظهر وبان، وتأمل تقديم العداوة على البغضاء، لأن الأولى أهم من الثانية، فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم، فلا يكون آتياً بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولا بد أيضاً من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بينتين.

 

واعلم أنه وإن كانت البغضاء متعلقة بالقلب، فإنها لا تنفع حتى تظهر آثارها وتبين علاماتها، ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة والمقاطعة، فحينئذ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين، وأما إذا وجدت الموالاة والمواصلة، فإن ذلك يدل على عدم البغضاء، فعليك بتأمل هذا الموضوع فإنه يجلو عنك شبهات كثيرة ".

 

ثم قال  " قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوماً غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور } فنهى الله سبحانه أهل الإيمان عن موالاة الذين غضب الله عليهم، فلا يحسن من المؤمن ولا يجوز منه أن يوالي من فعل ما يغضب الله تعالى من الكفر، فإن موالاته له تنافي الإيمان بالله تعالى ".

 

ثم قال " ( فصل ) وهاهنا أمور يجب التنبيه عليها، وتعيين الاعتناء بها ليتم لفاعلها مجانبة دين المشركين :

 

الأمر الأول : ترك اتباع أهوائهم، وقد نهى الله تعالى عن اتباعها، قال تعالى { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير }، قال شيخ الإسلام فانظر كيف قال في الخبر { ملتهم } وقال في النهي { أهواءهم }، لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقاً، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير.

 

الأمر الثاني : معصيتهم فيما أمروا به فإن الله تعالى نهى عن طاعة الكافرين وأخبر أن المسلمين إن أطاعوهم ردوهم عن الإيمان إلى الكفر والخسارة، فقال تعالى { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين }، وقال تعالى { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } وقال تعالى { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون }.

 

الأمر الثالث : ترك الركون إلى الكفرة والظالمين وقد نهى الله عن ذلك فقال { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون } فنهى سبحانه وتعالى عن الركون إلى الظلمة وتوعد ذلك بمسيس من النار وعدم النصر، والشرك أعظم أنواع الظلم، كما قال تعالى { إن الشرك لظلم عظيم } فمن ركن إلى أهل الشرك أي مال إليهم ورضي بشيء من أعمالهم، فإنه مستحق لأن يعذبه الله بالنار وأن يخذله في الدنيا والآخرة وقال تعالى { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً، إذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً } فأخبر سبحانه وتعالى أنه لولا تثبيته لرسوله صلى الله عليه وسلم لركن إلى المشركين شيئاً قليلاً، وأنه لو ركن إليهم لأذاقه عذاب الدنيا والآخرة مضاعفاً، ولكن الله ثبته فلم يركن إليهم بل عاداهم وقطع اليد منهم، ولكن إذا كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم مع عصمته بهذه الشدة فغيره أول بلحوق هذا الوعيد به.

 

الأمر الرابع : ترك موادة أعداء الله، قال تعالى { لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم }، قال شيخ الإسلام فأخبر سبحانه وتعالى، أنه لا يوجد مؤمن يوآدّ من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم ولا يوجد مؤمن يوآدّ كافراً، فمن وآدّ كافراً فليس بمؤمن، قلت : فإذا كان الله قد نفى الإيمان عن من وآدّ أباه وأخاه وعشيرته إذا كانوا محادين لله ورسوله فمن وآدّ الكفار الأبعدين فهو أولى بأن لا يكون مؤمناً.

 

الأمر الخامس : ترك التشبه بالكفار في الأفعال الظاهرة لأنها تورث نوع مودة ومحبة في الباطن كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمر مشهود بالحس والتجربة.

ثم قال فإذا كانت مشابهة الكفار في الأفعال الظاهرة إنما نهى عنها لأنها وسيلة وسبب يفضي إلى موالاتهم محبتهم بالنهي عن هذه الغاية، والمحذور أشد والمنع منه وتحريمه أوكد، وهذا هو المطلوب، روى أبو داود في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من تشبه بقوم فهو منهم )، قال شيخ الإسلام : وإسناده جيد، وأقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله تعالى { ومن يتولهم منكم فإنه منهم }.

 

وبعد أن ساق الشيخ رحمه الله جملة من الأدلة والآثار التي تحرم التشبه بالكفار في لباسهم وعاداتهم وشريعتهم، قال : وسر هذا أن المشابهة تفضي إلى كفر أو معصية غالباً أو تفضي إليهما في الجملة، وما أفضى إلى ذلك كان محرماً، فهذا بعض ما جاء من الأدلة في النهي، عن مشابهة المشركين والكفار، ولكن رحم الله من تنبه للسر الذي سبق الكلام لأجله وهو أن المشابهة في الظاهر إنما نهي عنها لأنها تورث نوع مودة وموالاة في الباطن، وتفضي أيضاً إلى كفر أو معصية، وهذا هو السبب في تحريمهما والنهي عنهما، فإذا علمت ذلك تبين لك ما وقع فيه كثر من الناس أو أكثرهم من موالاة الكفار والمشركين، التي إنما نهى عن هذه الأمور خوفاً من الوقوع فيها، تبين لك أنهم وقعوا في نفس المحذور، وتوسطوا مفازة المهلكة، والله الهادي إلى سواء الصراط. "

 

ثم قال رحمه الله " وأما المسألة الثالثة : وهي ما يعذر الرجل به على موافقة المشركين، وإظهار الطاعة لهم، فاعلم أن إظهار الموافقة للمشركين له ثلاث حالات :

 

الحالة الأولى : أن يوافقهم في الظاهر والباطن، فينقاد لهم بظاهره ويميل إليهم ويوادهم بباطنه، فهذا كافر خارج من الإسلام، سواءٌ أكان مكرهاً على ذلك أو لم يكن مكرهاً، وهو ممن قال الله فيه { ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم }.

 

الحالة الثانية : أن يوافقهم ويميل إليهم في الباطن مع مخالفتهم في الظاهر، فهذا كافر أيضاً، ولكن إذا عمل بالإسلام ظاهراً عصم ماله ودمه وهو منافق.

 

الحالة الثالثة : أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو من وجهين :

أحدهما : أن يفعل ذلك لكونه في سلطانهم مع ضربهم وتقييدهم له، ويتهددونه بالقتل فيقولون له : إما أن توافقنا وتظهر الانقياد لنا وإلا قتلناك، فإنه والحالة هذه يجوز له موافقتهم في الظاهر مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، كما جرى لعمار حين أنزل الله تعالى : { من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان }، وكما قال تعالى { إلا أن تتقوا منهم تقاة } فالآيتان دلتا على الحكم، كما نبه على ذلك ابن كثير في تفسير آية آل عمران.

 

الوجه الثاني : أن يوافقهم في الظاهر مع مخالفته لهم في الباطن، وهو ليس في سلطانهم، وإنما حمله على ذلك إما طمع في رئاسة أو مال أو مشحة بوطن أو عيالٍ أو خوف مما يحدث في المال، فإنه في هذه الحال يكون مرتداً ولا تنفعه كراهيته لهم في الباطن، وهو ممن قال الله فيهم { ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين } فأخبر أنه لم يحملهم على الكفر الجهل أو بغضه، ولا محبة الباطل وإنما هو أن لهم حظاً من حظوظ الدنيا فآثروه على الدين، هذا معنى كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى وعفا عنه، وأما ما يعتقده كثير من الناس عذراً، فإنه من تزيين الشيطان وتسويله، وذلك أن بعضهم إذا خوفه أولياء الشيطان خوفاً لا حقيقة له ظن أنه يجوز له بذلك إظهار الموافقة للمشركين، والانقياد لهم، وآخر منهم إذا زين له الشيطان طمعاً دنيوياً تخيل أنه يجوز له موافقته المشركين، لأجل ذلك وشبّه عليه بأنه مكره، وقد ذكر العلماء صفة الإكراه " إنتهى كلامه رحمه الله مختصراً.

هل تأملت أخي رعاك الله نصوص العلماء في هذه المسألة العظيمة، التي لم أنقل لك إلا عشر ما كتبوه عنها أو أقل، ولكني أظن أن بما نقلته كفاية، فبان أن الناس في هذا الزمان أهملوا أصل الولاء والبراء، ولم يرفعوا به رأساً وجهلوا أنه من الدين، فوالله لو أن قلوب الناس عمرت بحب الله لما اتسعت لما يناقض محبة الله ومحبة ما يحب و من يحب، ولكن القلوب أصبحت كالحجارة بل أشد قسوة، فالمخلوقات العظيمة لم تتحمل قول الكافرين فضلاً عن مودتهم وموالاتهم، فعندما قال الكفار بعض الأقوال في حق الله كادت أن تزول وتنهد، قال تعالى { وقالوا اتخذ الرحمن ولداً، لقد جئتم شيئاً إدّا، تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا، أن دعوا للرحمن ولداً، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً }، فانظر كيف كادت هذه المخلوقات العظيمة أن تتحول وتزول بسبب مقولة الكافرين الشنيعة على الله، فهم أهل بهت وكفر مبين، قالوا { إن الله فقير ونحن أغنياء } وقالوا { يد الله مغلولة } وقالوا { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله } وقالوا { إن الله ثالث ثلاثة } وقالوا { إن الله هو المسيح ابن مريم } هذا قولهم في حق الله فقط، أما أقوالهم في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم فكثيرة جداً، وأقوالهم في حق أنبياء الله وصحابة رسوله الكريم لا تعد ولا تحصى.

 

كل هذه المقولات العظيمة الشنيعة في حق الله التي كادت لأجلها السموات أن يتفطرن وكادت لها الأرض أن تزلزل وتنشق وكادت لها الجبال أن تنهد، لا زال الكفار من يهود ونصارى وغيرهم يعتقدون ذلك ويرددونه، بل ويرددون من القول ما هو أشد منه وأبشع، ورغم كل هذا تجد من المسلمين من يحبهم ويحتفي بهم ويفرح بلقياهم، فأصبحت قلوب المسلمين أشد قسوة من الجبال الصم.

 

ولو أن القلوب أحبت الله حق الحب، ورضيت بالإسلام حق الرضى، لما أطاقت أن تسمع أصوات الكافرين أو تنظر إليهم، فضلاً عن استضافتهم على أرض الحرمين للغناء والسحر والمصارعة والتمثيل والرياضة أو تشجيع أنديتهم أو الشغف بأفلامهم أو ترديد أغانيهم، أو حمل صورهم على الألبسة أو تقليد أقوالهم وافعالهم، فإن كل هذه الأفعال لا تصدر إلا عن قلب معرض لا يحب الله ولا يعادي من عادى حبيبه، ولا يعرف معنى لا إله إلا الله ولا يعمل بها، فمن سب الله عندهم كمن مدحه، ومن كفر كمن آمن، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 


الفصل الثاني

الأدلة على وجوب إخراج الكفار من جزيرة العرب

 

لقد وردت أدلة كثيرة توجب إخراج الكفار من جزيرة العرب، وذلك لخصوصية جعلها الله لها، والحكمة من ذلك كما قال العلماء لأن الإيمان منها بدأ وإليها يعود لقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما عند مسلم وغيره ( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ وإن الإسلام ليأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها ) فوجب تطهيرها من الشرك والمشركين، وقالوا لأن فيها أول بيت وضع للناس فله حرمة بأن لا يجاوره مشرك، وقالوا لأنها أرض مهبط الوحي ولها وما حولها حرمة توجب نفي الشرك من تلك الأرض، وقالوا تكريماً لمكان مولد الرسول صلى الله عليه وسلم ومكان وفاته، وقالوا لأن أرض الجزيرة كان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي حررها بنفسه من الشرك، فلم يمت حتى دانت له الجزيرة من البحر إلى البحر ومن اليمن إلى الشام، فوجب المحافظة على هذا الميراث الذي خلّفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نبطله، وهذه خصوصية لأعمال الأنبياء  خاصة فلا يجوز الرجوع في أعمالهم لقوله صلى الله عليه وسلم كما عند أحمد وغيره (إنه ليس لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل )  فبعدما عمل على تطهير الجزيرة نعود وندنسها وهذا إبطال لعمله صلى الله عليه وسلم، وعموماً لو  كان هذا السبب أو ذاك فلا يغير من وجوب الامتثال شيئاً، و نقول الله أعلم بالعلة والحكمة من هذا الحكم، ونحن متعبدون بأن نعمل بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم حتى ولو لم نعلم الحكمة، فما لنا إلا أن نقول سمعنا وأطعنا.

 

الدليل الأول :

روى البخاري (حديث3053)  ومسلم (حديث 1637) وأصحاب السنن عن ابن عباس رضي الله عنه قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى قبل موته بثلاث منها قوله (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).

 

الدليل الثاني :

روى مسلم (حديث 1767) والترمذي (حديث 1606 ).عن جابر بن عبد الله يقول أخبرني عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله  صلى الله عليه وسلم  يقول : (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما ).

 

الدليل الثالث :

روى البخاري (حديث 6944) ومسلم (حديث 1765) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال بينما نحن في المسجد خرج النبي  صلى الله عليه وسلم  فقال : انطلقوا إلى يهود فخرجنا، حتى جئنا بيت المدارس فقال: (أسلموا تسلموا واعلموا أن الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن يجد منكم بماله شيئا فليبعه وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله).

 

الدليل الرابع :

وروى البخاري (حديث 3152) ومسلم (حديث 1551)عن ابن عمر: أن عمر رضي الله عنه أجلى اليهود والنصارى من أرض الحجاز وكان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود منها وكانت الأرض إذ أظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين فسأل اليهود رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أن يقرهم بها على أن يكفوا العمل ولهم نصف الثمر فقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم : (أقركم على ذلك ما شئنا)  فأقروا بها وأجلاهم عمر رضي الله عنه في إمارته إلى تيماء وأريحا ).

 

الدليل الخامس :

روى البخاري (حديث 3804) ومسلم (حديث 1766) عن ابن عمر رضي الله عنهما : (أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فأجلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  بني النضير وأقر قريظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة بعد ذلك فقتل رجالهم وقسم نسائهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين إلا أن بعضهم لحقوا برسول الله  صلى الله عليه وسلم  فآمنهم وأسلموا وأجلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم يهود المدينة كلهم بني قينقاع وهم قوم عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهودي كان بالمدينة).

 

الدليل السادس :

عن أبي عبيدة بن الجراح قال : كان في آخر ما تكلم به رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال ( اخرجوا اليهود من الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب)  رواه أحمد (1/195-196)، والدارمي (2498)، قال الهيثمي (مجمع الزوائد) (5/325): " رواه أحمد بإسنادين ورجال طريقين منها ثقات متصل إسنادهما ورواه أبو يعلى ".

 

الدليل السابع :

وعن عائشة قالت : كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: (لا يترك بجزيرة العرب دينان) رواه أحمد (6/274)، والطبراني في الأوسط (1066)، والبيهقي في السنن (6/266)، قال الهيثمي (المجمع)5/325: " رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن اسحق وقد صرح بالسماع ".

 

الدليل الثامن :

وعن أبي رافع: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن لا ندع في المدينة دينا غير الاسلام إلا أخرج)  رواه الطبراني في الكبير 1/313، قال الهيثمي في (المجمع) 5/325: " رواه الطبراني وفيه شريك وعبد الله بن محمد بن عقيل وفيهما ضعف وحديثهما حسن وبقية رجاله ثقات ".

 

الدليل التاسع :

وعن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخرجوا اليهود من جزيرة العرب). رواه الطبراني في الكبير 23/265، قال الهيثمي في (المجمع ) 5/325 : " رواه الطبراني من طريقين رجال أحدهما رجال الصحيح ".

 

الدليل العاشر :

روى مالك عن ابن شهاب أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  قال: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب).

قال مالك قال ابن شهاب: " ففحص عن ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى أتاه الثلج واليقين عن رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أنه قال: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) فأجلى يهود خيبر ".

قال مالك: (قد أجلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يهود نجران وفدك) الموطأ (1548).

 

 

الفصل الثالث

حدود جزيــرة العرب

 

إن جزيرة العرب التي خصها الرسول صلى الله عليه وسلم في النصوص السابقة، كانت معروفة عند العرب قديماً، لذلك عبر الرسول صلى الله عليه وسلم   في النصوص المتعلقة بها باسمها ولم يبين حدودها لأن ذلك كان معروفاً عندهم ولم يحتج إلى إعادة بيان من جديد، لذا بين العلماء حدود الجزيرة التي كان يقصدها الرسول صلى الله عليه وسلم في النصوص والتي كانت معروفة عند العرب آنذاك.

 

قال أبو عبيد القاسم بن سلام في مشكل الآثار ( 4/188) " جزيرة العرب بين حفر أبي  موسى إلى أقصى اليمن في الطول , وأما العرض فما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة ".

قال: وقال الأصمعي : " جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول , وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام ".

قال أبو عبيد: " فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخراجهم من هذا كله فيرون أن عمر رضي الله عنه إنما استجاز إخراج أهل نجران من اليمن وكانوا نصارى إلى سواد العراق لهذا الحديث , وكذلك إجلاؤه أهل خيبر إلى الشام وكانوا يهود "اهـ.

وقال مالك في (المنتقى) للباجي 7/196"جزيرة العرب منبت العرب قيل لها جزيرة العرب لإحاطة البحر والأنهار بها"اهـ.

وقال المطرزي الحنفي  في (المغرب) ص 82 "  ويقال جزيرة العرب لأرضها ومحلتها لأن بحر فارس وبحر الحبش ودجلة والفرات قد أحاطت بها "اهـ

 

وقال ابن قدامة في (المغني) 9/289 " قال الخليل : إنما قيل لها جزيرة ; لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاطت بها , ونسبت إلى العرب , لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها " إهـ.

وقال الفيروزأبادي في (القاموس) مادة جزر " جزيرة العرب : ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات , أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولا، ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضا " إهـ.

وقال القرطبي في (تفسير القرطبي) 8/104 " وأما جزيرة العرب وهي مكة والمدينة واليمامة واليمن ومخالفيها " إهـ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) 1/406"  جزيرة العرب التي هي من بحر القلزم إلى بحر البصرة، ومن أقصى حجر اليمامة إلى أوائل الشام بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم ولاتدخل فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله " إهـ

 

وقال الفيومي في (المصباح المنير) ص 99 "ومنه الجزيرة سميت بذلك لانحسار الماء عنها وأما جزيرة العرب فقال الأصمعي هي ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولا وأما العرض فمن جدة وما والاها من شاطئ البحر إلى ريف العراق وقال أبو عبيدة هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى تهامة طولا أما العرض فما بين يبرين إلى منقطع السماوة والعالية ما فوق نجد إلى أرض تهامة إلى ما وراء مكة وما كان دون ذلك إلى أرض العراق فهو نجد ونقل البكري أن جزيرة العرب مكة والمدينة واليمن واليمامة وقال بعضهم جزيرة العرب خمسة  أقسام تهامة ونجد وحجاز وعروض ويمن فأما تهامة فهي الناحية الجنوبية من الحجاز وأما نجد فهي الناحية التي بين الحجاز والعراق وأما الحجاز فهو جبل يقبل من اليمن حتى يتصل بالشام وفيه المدينة وعمان وسمي حجازا لأنه حجز بين نجد وتهامة وأما العروض فهو اليمامة إلى البحرين وأما اليمن فهو أعلى من تهامة هذا قريب من قول الأصمعي" إهـ.

 

وقال الشيخ بكر أبو زيد في (خصائص جزيرة العرب) ص 35 " حدود الجزيرة العربية غرباً بحر القلزم والقلزم مدينه على طرفه الشمالي وهو المعروف باسم البحر الأحمر، ويحدها جنوباً بحر العرب ويقال بحر اليمن، وشرقاً خليج البصرة (الخليج العربي)  والتحديد من هذه الجهات الثلاث بالأبحر المذكورة محل اتفاق بين المحدثين والفقهاء والمؤرخين والجغرافيين وغيرهم، الحد الشمالي يحدها شمالاً ساحل البحر الأحمر الشرقي وما على ماسامته شرقاً من مشارف الشام وأطرافه ( الأردن حالياً ) ومنقطع السماوة من ريف العراق والحد غير داخل في المحدود هنا "  إهـ.

 


الفصل الرابع

أقوال العلماء في وجوب إخراج الكفار من جزيرة العرب

 

لما كانت الأدلة الموجبة لإخراج الكفار من جزيرة العرب صريحة وصحيحة، قلما تجد أحداً من العلماء خالف لفظها ومفهومها، لذا كثر من يقرر هذا الحكم، ولأن تقصي نصوص العلماء في تقرير هذا الحكم غاية في الطول اقتصرت على إمامين من كل مذهب وذلك من أكثر من ثلاثين نصاً عندي، وأظن هذا يكفي لمريد الحق والهدى، ومن لم يقتنع فما لي إلا قول الله تعلى { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئاً }.

 

أولاً : من الحنفية

قال السرخسي في (المبسوط) 23/3 وما بعدها " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم , قد هم بإجلاء اليهود إلى الشام على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ) وقال عليه الصلاة والسلام ( إن عشت إلى قابل لأخرجن بني نجران من جزيرة العرب ) وكان في ذلك إظهار فضيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضيلة أمته , حيث إن جزيرة العرب مولده ومنشؤه - طهر الله تلك البقعة عن سكنى غير المؤمن فيها - وهي أفضل البقاع ; لأن فيها الحرم , وبيت الله تعالى حرم الله تعالى , نعم مشاركة غير المؤمن مع المؤمن في السكنى فيها إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يتمم ذلك , ولم يتفرغ أبو بكر الصديق رضي الله عنه لذلك ; لأنه لم تطل مدة خلافته , وقد كان مشغولا بقتال أهل الردة حتى إذا كان في زمن عمر رضي الله عنه , وكان قد سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى اليهود من خيبر وأمر يهود الوادي أن يتجهزوا بالجلاء إلى الشام , وكان المعنى في ذلك أن اليهود إنما جاءوا من الشام إلى أرض الحجاز , وكان مقصود رؤسائهم من ذلك طلب الحنيفية لما وجدوا في كتبهم من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم , ونعت أمته , وبذلك كان يوصي بعضهم بعضا فلما بعث الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنعوا من متابعته والانقياد للحق الذي دعا إليه حسدا وكفرا , قال الله تعالى { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } الآية فجوزوا على سوء صنيعهم بأن لا يمكنوا من المقام في أرض العرب , وأن يعودوا إلى الموضع الذي جاء من ذلك الموضع آباؤهم , فلهذا أجلاهم عمر رضي الله عنه , ثم احتج عليه يهود الوادي بقولهم : إنما نحن في أموالنا قد أقرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاسمنا , ومعنى هذا الكلام الإشارة منهم إلى الفراق بينهم وبين أهل خيبر , فإن خيبر قد افتتحها المسلمون فصارت مملوكة لهم , فأما نحن فصالحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض الأراضي فأقرنا في أموالنا على ما كنا عليه في الأصل , ولم يظهر منا خيانة فليس لك أن تجلينا من أرضنا , فقال لهم عمر رضي الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكم : ( أقركم ما أقركم الله ) يعني أن هذا اللفظ كان استثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح الذي جرى بينه وبينكم , فلا يمنعني ذلك من إجلائكم , وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد أن لا يجتمع في أرض العرب دينان , وإني مجل من لم يكن له عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني : عهدا خاصا سوى ذلك الصلح العام , فقد كان ذلك مقيدا بالاستثناء , وأنا  مقوم أموالكم هذه فمعطيكم أثمانها , يعني بهذا الإجلاء لا أبطل حقكم عن أموالكم ولا أتملكها عليكم مجانا , ولكني أعطيكم قيمتها وفيه دليل أن لملك الذمي من الحرمة ما لملك المسلم " إهـ.

 

وقال أيضا في (شرح السير الكبير) 4/1542 " قال : وليس ينبغي أن يترك في أرض العرب كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار في شيء من الأمصار والقرى , وكذلك لا ينبغي أن يظهر فيها بيع الخمر والخنزير بحال من الأحوال. لأن هذا كله يبنى على سكنى أهل الذمة فيها , وهم لا يمكنون من استدامة السكنى في أرض العرب , كرامة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , فإنه موضع ولادته ومنشئه , وإلى ذلك أشار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله : ( لا يجتمع في أرض العرب دينان ). وقال : ( لئن بقيت لأخرجن بني نجران من جزيرة العرب ). ثم أجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه , إلى الشام , وقد كان لهم عهد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وكذلك أجلى يهود خيبر ويهود وادي القرى وغيرهم ممن كان يسكن أرض العرب من اليهود والنصارى , حتى لحق بعضهم بالشام وبعضهم بالعراق. فظهر بهذا أنهم يمنعون من استدامة السكنى لحرمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحاجة إلى ذلك في المنع من تلك الكنائس وإظهار بيع الخمور والخنازير فيها أظهر، وإذا دخلها مشرك تاجرا على أن يتجر ويرجع  إلى بلاده لم يمنع من ذلك , وإنما يمنع من أن يطيل فيها المكث حتى يتخذ فيها مسكنا. لأن حالهم في أرض العرب مع التزام الجزية كحالهم في المقام في دار الإسلام بغير التزام الجزية , وهناك لا يمنعون من التجارة وإنما يمنعون من إطالة المقام , فكذلك حالهم في أرض العرب حتى إذا أراد رجل من أهل الذمة أن ينزل أرض العرب , مثل المدينة ومكة والطائف والربذة ووادي القرى , فإنه يمنع من ذلك. لأن هذا كله من أرض العرب , وقد بينا أن أرض العرب من عذيب إلى مكة طولا ومن عدن أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة عرضا " إهـ.

 

وقال الكاساني في (بدايع الصنايع) 7/115 "  وأما أرض العرب فلا يترك فيها كنيسة , ولا بيعة ولا يباع فيها الخمر والخنزير مصرا كان أو قرية , أو ماء من مياه العرب , ويمنع المشركون أن يتخذوا أرض العرب مسكنا ووطنا كذا ذكره محمد تفضيلا لأرض العرب على غيرها , وتطهيرا لها عن الدين الباطل قال عليه الصلاة والسلام ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) " إهـ.

 

ثانيا : من المالكية :

وقال الباجي في (المنتقى) 7/196 " قوله صلى الله عليه وسلم ( لا يبقين دينان بأرض العرب ) يريد والله أعلم لا يبقى فيها غير دين الإسلام , وأن يخرج منها كل من يتدين بغير دين الإسلام قال مالك يخرج من هذه البلدان كل يهودي أو نصراني أو ذمي كان على غير ملة الإسلام , ولا منع ذلك من دخولهم إياها مسافرين , فقد كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجلب النصارى من الشام إلى المدينة الحنطة والزيت والأمتعة  فيأخذ منهم عمر بن الخطاب العشر أو نصف العشر , قال مالك في اليهود والنصارى والمجوس إذا قدموا المدينة أيضرب لهم أجل ؟ قال : نعم يضرب لهم أجل ثلاث ليال يستقون وينظرون في حوائجهم , وقد ضرب لهم ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

 

( فصل ) : وقول ابن شهاب ففحص عمر بن الخطاب عن ذلك قال مالك معناه كشف عن هذا القول هل يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه الثلج قال معناه اليقين الذي لا شك فيه , يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك فأجلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يهود خيبر.

 

( مسألة ) : وهذا الإجلاء إنما هو من جزيرة العرب سواء وجد منهم غدر أو لم يوجد , وأما إن وجد منهم غدر بغير جزيرة العرب ففي العتبية من سماع ابن القاسم عن مالك سئل عن أهل فارس وظهرت لهم عهود كثيرة من معاوية وعبد الملك وسليمان أترى أن يجلوا منها إن عرف منهم غدر ؟ قال نعم إذا تبين ذلك , فعلى هذا لا يكون الإجلاء في غير جزيرة العرب إلا للغدر قال القاضي أبو الوليد وعندي أنهم يجلون إذا خيف منهم الميل إلى أهل ملتهم لمجاورتهم أهل الحرب فينقلون إلى حيث يؤمن ذلك منهم والله أعلم.

 

( فصل ) : وقوله فأجلى عمر بن الخطاب يهود نجران وفدك , قال أشهب عن مالك في العتبية فأما يهود نجران فخرجوا منها ليس لهم من الثمر ولا من الأرض شيء , وأما يهود فدك فكان لهم نصف الأرض ونصف الثمر ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالحهم على نصف النخل ونصف الأرض فأقام لهم عمر نصف ذلك بالذهب والورق والإبل والحبال والأقتاب فأعطاهم ذلك وأجلاهم منها " أهـ.

وقال المواق  في (التاج والإكليل) 4/596 " لا يقر كافر ولو بجزية في جزيرة العرب لإجلاء  عمر منها كل كافر" إهـ.

 

ثالثا : من الشافعية :

قال الأنصاري الشافعي في (أسنى المطالب) 7/214 " ( فيمنع الكفار ) ولو ذميين ( الإقامة بالحجاز , وهو مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها ) بالمعجمة جمع مخلاف أي قراها ( كالطائف ) ووج ( وخيبر وكذا الطرق الممتدة فيه ) أي في الحجاز سواء أقاموا فيه بجزية أم لا لشرفه ولما روى البيهقي عن أبي عبيدة بن الجراح ( آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا اليهود من الحجاز) ولخبر الصحيحين ( أخرجوا المشركين من  جزيرة العرب ) وخبر مسلم ( لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب ) والمراد منها الحجاز المشتملة هي عليه; لأن عمر أجلاهم منه وأقرهم فيما عداه من اليمن ونجران وسمي ذلك حجازا ; لأنه حجز بين نجد وتهامة " إهـ.

 

وقال الشربيني الشافعي  في (مغني المحتاج) 6/61 " ( ويمنع كل كافر من استيطان الحجاز ) سواء أكان ذلك بجزية أم لا لشرفه , ولما روى البيهقي عن أبي عبيدة بن الجراح ( آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا اليهود من الحجاز ) ولخبر الصحيحين ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) وخبر مسلم ( لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب ) والمراد منها الحجاز المشتملة هي عليه ولم يرد جميع الجزيرة ; لأن عمر رضي الله تعالى عنه أجلاهم من الحجاز وأقرهم في اليمن مع أنه من جزيرة العرب. تنبيه : لو عبر بالإقامة بدل الاستيطان كما في الروضة لكان أولى , فإنه يلزم من منعها منع الاستيطان ولا عكس , فلو أراد الكافر أن يتخذ دارا بالحجاز ولم يسكنها ولم يستوطنها لم يجز ; لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كالأواني وآلات الملاهي , وإليه يشير قول الشافعي في الأم : ولا يتخذ الذمي شيئا من الحجاز دارا ( وهو ) أي الحجاز ( مكة والمدينة واليمامة ) وهي مدينة بقرب اليمن على أربع مراحل من مكة , ومرحلتين من الطائف : قيل سميت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام , وكانت تسكنها ( وقراها ) أي الثلاثة كالطائف ووج لمكة وخيبر للمدينة"إهـ.

 

رابعا : من الحنابلة :

قال ابن قدامة الحنبلي  في (المغني) 9/289 وما بعدها " فصل : ولا يجوز لأحد منهم سكنى الحجاز. وبهذا قال مالك , والشافعي. إلا أن مالكا قال : أرى أن يجلوا من أرض العرب كلها ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب )، وروى أبو داود , بإسناده عن عمر , أنه ( سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب , فلا أترك فيها إلا مسلما ). قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح. وعن ابن عباس , قال : ( أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثة أشياء , قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب , وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم )    وسكت عن الثالثة رواه أبو داود " إ هـ.

 

وقال البهوتي في (كشاف القناع) 6/136" ( ويمنعون من الإقامة بالحجاز وهو الحاجز بين تهامة ) بكسر التاء وهي اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز ; ومكة من تهامة سميت تهامة من التهم بفتح التاء والهاء وهو شدة الحر وركود الريح ذكره في حاشيته ( ونجد ) وهو ما ارتفع من الأرض وعبارة المبدع : قيل هو , يعني الحجاز ما بين اليمامة والعروض , وبين اليمن ونجد ( كالمدينة واليمامة وخيبر  وينبع وفدك ) بفتح الفاء والدال المهملة قرية بينها وبين المدينة يومان. ( وما والاها من قراها قال الشيخ منه تبوك ونحوها وما دون المنحني وهو عقبة صوان من الشام كعمان ) والأصل في ذلك : ما روى أبو عبيدة بن الجراح ( أن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم قال أخرجوا اليهود من أرض الحجاز ) رواه أحمد. وقال عمر " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيهما إلا مسلما ) رواه الترمذي قال : حسن صحيح والمراد : الحجاز بدليل أنه ليس أحد من الخلفاء أخرج أحدا من اليمن وتيماء قال أحمد جزيرة العرب المدينة وما والاها يعني أن الممنوع من سكنى الكفار به : المدينة وما والاها وهو مكة والمدينة وخيبر وينبع وفدك ومخاليفها)اهـ.

 

وقال الرحيباني في (مطالب أولي النهى) 2/616، وانظر (أحكام أهل الذمة ) /1/370-396 " ( و يمنعون من إقامة بالحجاز كالمدينة واليمامة وخيبر والينبع وفدك ) , بفتح الفاء والدال المهملة : قرية بينها وبين المدينة يومان ( وقراها ) , وسمي حجازا لأنه حجز بين تهامة بكسر التاء , وهي : اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز , ومكة من تهامة وبين نجد , وهو : ما ارتفع من الأرض و ( قال الشيخ ) تقي الدين : ( ومنه ) , أي : الحجاز , ( تبوك ونحوها وما دون المنحنى , وهو : عقبة الصوان من الشام كمعان ) , والأصل في ذلك ما روى أبو عبيدة بن الجراح ( إن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم قال : أخرجوا اليهود  من أرض الحجاز ) رواه أحمد. وقال عمر ( : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما ) رواه الترمذي , وقال : حسن صحيح. والمراد : الحجاز , بدليل أنه ليس أحد من الخلفاء أخرج أحدا من اليمن وتيماء. قال أحمد : جزيرة العرب المدينة وما والاها , يعني : أن الممنوع من سكنى الكفار به المدينة وما والاها , وهو مكة والمدينة وخيبر والينبع وفدك ومخاليفها , ( وليس لهم دخوله ) , أي : الحجاز ( بلا إذن إمام ) , كما أن أهل الحرب لا يدخلون دار الإسلام إلا بإذن الإمام. ( وفي " المستوعب " : وردت السنة بمنعهم من جزيرة العرب ) كما تقدم في الخبر ( قال أصحابنا : المراد به : الحجاز ) , سمي بذلك لأنه حجز بين تهامة ونجد كما تقدم. ( وحد الجزيرة على ما ذكره ) الأصمعي و ( أبو عبيد ) القاسم بن سلام : ( من عدن إلى ريف العراق ) والريف : أرض فيها زرع وخصب , والجمع : أرياف ( طولا , ومن تهامة إلى ما وراءها إلى أطراف الشام ) عرضا قال الخليل : إنما قيل لها جزيرة , لأن بحر الحبشة وبحر فارس والفرات أحاطت بها ونسبت إلى العرب , لأنها أرضها ومسكنها ومعدنها " إهـ.

 

قال الشيخ محمد بن إبراهيم في (فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم) 6/230" الوثنية المحضة لا تقر بحال لا في مشارق الأرض ولا في مغاربها والمرتدون أغلظ وأغلظ واليهود والنصارى يقرون بالجزية لكن لا في جزيرة العرب ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ) وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لليهود في خيبر بالجزية لإصلاح ما يصلحون منسوخ بما أوصى به عند موته " إهـ.

 

خامسا : من غيرهم

قال الصنعاني في (سبل السلام) 2/490 " وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما ) رواه مسلم وأخرجه أحمد بزيادة : ( لئن عشت إلى قابل ) وأخرج الشيخان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ( أنه صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاث أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) وأخرج البيهقي من حديث مالك عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ) قال مالك : قال ابن شهاب ففحص عمر عن ذلك حتى أتاه الثلج واليقين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب فأجلى يهود خيبر ) قال مالك وقد أجلى يهود نجران وفدك أيضا : والحديث دليل على وجوب إخراج اليهود والنصارى والمجوس من جزيرة العرب لعموم قوله ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ) وهو عام لكل دين والمجوس بخصوصهم حكمهم حكم أهل الكتاب كما عرفت. وأما حقيقة جزيرة العرب , فقال مجد الدين في القاموس : جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام ثم دجلة والفرات , أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولا. ومن جدة إلى أطراف ريف العراق عرضا انتهى. وأضيفت إلى العرب لأنها كانت أوطانهم قبل الإسلام وأوطان أسلافهم وهي تحت أيديهم.

 

وبما تضمنته الأحاديث من وجوب إخراج من له دين غير الإسلام من جزيرة العرب قال مالك والشافعي وغيرهما , إلا أن الشافعي والهادوية خصوا ذلك بالحجاز  قال الشافعي وإن سأل من يعطي الجزية أن يعطيها ويجري عليه الحكم على أن يسكن الحجاز لم يكن له ذلك , والمراد بالحجاز مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها كلها. وفي القاموس : الحجاز مكة والمدينة والطائف ومخاليفها فإنها حجزت بين نجد وتهامة أو بين نجد والسراة أو لأنها احتجزت بالحرار الخمس حرة بني سليم وراقم وليلى وشوران والنار قال الشافعي ولا أعلم أحدا أجلى أحدا من أهل الذمة من اليمن وقد كانت لها ذمة وليس اليمن بحجاز فلا يجليهم أحد من اليمن ولا بأس أن يصالحهم على مقامهم باليمن ( قلت ) لا يخفى أن الأحاديث الماضية فيها الأمر بإخراج من ذكر من أهل الأديان غير دين الإسلام من جزيرة العرب. والحجاز بعض جزيرة العرب. وورد في حديث أبي عبيدة الأمر بإخراجهم من الحجاز وهو بعض مسمى جزيرة العرب والحكم على بعض مسمياتها بحكم لا يعارض الحكم عليها كلها بذلك الحكم كما قرر في الأصول أن الحكم على بعض أفراد العام لا يخصص العام وهذا نظيره وليست جزيرة العرب من ألفاظ العموم كما وهم فيه جماعة من العلماء , وغاية ما أفاده حديث أبي عبيدة زيادة التأكيد في إخراجهم من الحجاز لأنه دخل إخراجهم من الحجاز تحت الأمر بإخراجهم من جزيرة العرب ثم أفرد بالأمر زيادة تأكيد لا أنه تخصيص أو نسخ وكيف وقد كان آخر كلامه صلى الله عليه وسلم ( أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) كما قال ابن عباس أوصى عند موته ,. وأخرج البيهقي من حديث مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه سمع عمر بن عبد العزيز يقول : بلغني أنه كان من آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقين دينان بأرض العرب ) وأما قول الشافعي إنه لا يعلم أحدا أجلاهم من اليمن فليس ترك إجلائهم بدليل فإن أعذار من ترك ذلك كثيرة , وقد ترك أبو بكر رضي الله عنه إجلاء أهل الحجاز مع الاتفاق على وجوب إجلائهم لشغله بجهاد أهل الردة ولم يكن ذلك دليلا على أنهم لا يجلون بل أجلاهم عمر رضي الله عنه. وأما القول بأنه صلى الله عليه وسلم أقرهم في اليمن بقوله لمعاذ ( خذ من كل حالم دينارا أو عدله معافريا ) فهذا كان قبل أمره صلى الله عليه وسلم بإخراجهم فإنه كان عند وفاته كما عرفت. فالحق وجوب إجلائهم من اليمن لوضوح دليله , وكذا القول بأن تقريرهم في اليمن قد صار إجماعا سكوتيا لا ينهض على دفع الأحاديث فإن السكوت من العلماء على أمر وقع من الآحاد أو من خليفة أو غيره من فعل محظور أو ترك واجب لا يدل على جواز ما وقع , ولا على جواز ما ترك فإنه إن كان الواقع فعلا أو تركا لمنكر وسكتوا ولم يدل سكوتهم على أنه ليس بمنكر لما علم من أن مراتب الإنكار ثلاث باليد أو اللسان أو القلب وانتفاء الإنكار باليد واللسان لا يدل على انتفائه بالقلب وحينئذ فلا  يدل سكوته على تقريره لما وقع حتى يقال قد أجمع عليه إجماعا سكوتيا إذ لا يثبت أنه قد أجمع الساكت إذا علم رضاه حتى يقال رضاه بالواقع ولا يعلم ذلك إلا علام الغيوب. وبهذا يعرف بطلان القول بأن الإجماع السكوتي حجة ولا أعلم أحدا قد حرر هذا في رد الإجماع السكوتي مع وضوحه والحمد لله المنعم المتفضل فقد أوضحناه في رسالة مستقلة فالعجب ممن قال : ومثله قد يفيد القطع وكذلك قول من قال : إنه يحتمل أن حديث الأمر بالإخراج كان عند سكوتهم بغير جزية باطل لأن الأمر بإخراجهم عند وفاته صلى الله عليه وسلم والجزية فرضت في التاسعة من الهجرة عند نزول براءة فكيف يتم هذا , ثم إن عمر أجلى أهل نجران وقد كان صالحهم صلى الله عليه وسلم على مال واسع كما هو معروف وهو جزية. والتكلف لتقويم ما عليه الناس ورد ما ورد من النصوص بمثل هذه التأويلات مما يطيل تعجب الناظر المنصف. قال النووي : قال العلماء رحمهم الله تعالى : ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين إلى الحجاز ولا يمكثون فيه أكثر من ثلاثة أيام , قال الشافعي ومن وافقه : إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخولها بحال. فإن دخل في خفية وجب إخراجه فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير وحجته قوله تعالى { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام } ( قلت ) ولا يخفى أن البانيان هم المجوس والمجوس حكمهم من حكم أهل الكتاب لحديث ( سنوا بهم سنة أهل الكتاب ) فيجب إخراجهم من أرض اليمن ومن كل محل من جزيرة العرب وعلى فرض أنهم ليسوا بمجوس فالدليل على إخراجهم دخولهم تحت ( لا يجتمع دينان في أرض العرب ) " إهـ.

 

وقال الشوكاني  في (نيل الأوطار) 7/74 " وظاهر حديث ابن عباس أنه يجب إخراج كل مشرك من جزيرة العرب سواء كان يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا , ويؤيد هذا ما في حديث عائشة المذكور بلفظ ( لا يترك بجزيرة العرب دينان ) وكذلك حديث عمر وأبي عبيدة بن الجراح لتصريحهما بإخراج اليهود والنصارى. وبهذا يعرف أن ما وقع في بعض ألفاظ الحديث من الاقتصار على الأمر بإخراج اليهود لا ينافي الأمر العام , لما تقرر في الأصول أن التنصيص على بعض أفراد العام لا يكون مخصصا للعام المصرح به في لفظ آخر وما نحن فيه من ذلك " إهـ.

 


الفصل الخامس

الأدلة على تحريم تملك الكفار شيئا من جزيرة العرب

 

وبعد البيان الذي لا يدع مجالاً للشك أن الكفار يحرم دخولهم أو إدخالهم إلى جزيرة العرب، أصبح القول بحرمة تملك الكفار للعقار في جزيرة العرب من باب أولى، لأن التملك أعظم من الدخول في حقيقته وجوهره، كما هو التشابه بين الاستعارة والشراء، فمن لا يجوز له استعارة شيء ما فمن باب أولى أنه لا يجوز له شراءه.

 

الدليل الأول : عموم الأدلة التي ذكرت في الفصل الأول والتي تفيد وجوب إخراج الكفار من جزيرة العرب.

الدليل الثاني : أن عمر أخرج اليهود من خيبر والنصارى من نجران وهم أهلها أصلا، وأخذ منهم أرضهم، فإذا كان أهل البلاد الأصليين أجلوا منها وأخذت أرضهم فلآن يمنع من تملكها الكفار الأجانب من باب أولى.

 

قال الزيلعي الحنفي في (كنز الدقائق) 3/281 " وفي أرض العرب يمنعون من ذلك كله ولا يدخلون فيها الخمر والخنازير ويمنعون من اتخاذها المشركون مسكنا لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ( أنه عليه الصلاة والسلام قال في مرضه الذي مات فيه أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ) رواه أحمد والبخاري ومسلم وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما ) رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال ( لا يترك بجزيرة العرب دينان ) وعن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال آخر ما تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب ) رواهما أحمد وأجلى عمر اليهود والنصارى من أرض الحجاز فيما رواه البخاري " إ هـ.

 

قال الباجي في (المنتقى) 6/30 " الباب الثاني في صفة المحيي للأرض وحكمه: وذلك أن المحيي للأرض في بلاد المسلمين لا يخلو أن يكون مسلما , أو ذميا فإن كان مسلما فحكمه ما تقدم , وإن كان ذميا ففي المجموعة عن ابن القاسم هي له لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ( من أحيا أرضا ميتة فهي له ) إلا أن يكون ذلك في جزيرة العرب لقوله صلى الله عليه وسلم ( لا يبقين دينان بأرض العرب) ..ثم قال : وكذلك إن عمر في جزيرة العرب مكة والمدينة والحجاز كله والنجود واليمن فإنه يخرج منها ويعطى قيمة عمارته" إهـ.

 

وقال المواق في (التاج والإكليل) 7/615 ( ولو ذميا بغير جزيرة العرب ) الباجي : إن أحيا ذمي فقال ابن القاسم : هي له إلا أن يكون ذلك في جزيرة العرب وإنما يحيي الذمي ذلك فيما بعد , وأما ما قرب من العمران فيخرج عنه ويعطى قيمة ما عمر ; لأن ما قرب بمنزلة الفيء ولا حق للذمي في الفيء , وكذلك في جزيرة العرب مكة والمدينة والحجاز كله والنجود واليمن" إهـ.

 

وقال الأنصاري الشافعي في (أسنى المطالب) 7/214 " لو أراد الكافر أن يتخذ دارا بالحجاز ولم يسكنها لم يجز ; لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كالأواني وآلات اللهو وإليه يشير قول الشافعي ولا يتخذ الذمي شيئا من الحجاز دارا " إهـ.

وقال الشربيني الشافعي في (مغني المحتاج) 6/61 " لو أراد الكافر أن يتخذ دارا بالحجاز ولم يسكنها ولم يستوطنها لم يجز ; لأن ما حرم استعماله حرم اتخاذه كالأواني وآلات الملاهي , وإليه يشير قول الشافعي في الأم : ولا يتخذ الذمي شيئا من الحجاز دارا " إهـ.

 

وقال الشيخ بكر أبو زيد (خصائص جزيرة العرب) ص 36 " وليس لكافر اتخاذ شئ من جزيرة العرب دارا بتملك أرض أو بناء عليها لأنه إذا حرمت الإقامة والاستيطان حرمت الأسباب إليهما وما حرم استعماله حرم اتخاذه، ولهذا فلو أحيى الكافر أرضا فيها لوضع فاسد يمكّنه لم يملك بالإحياء والواجب نزعه بوجهه الشرعي" إهـ.

 


الفصل السادس

حكم رعاية الآثار والاهتمام بها وتعظيمها

 

لقد ذكرت في مذكرة السياحة تحت المجهر حرمة رعاية الآثار وتعظيمها، وبما أن هذا المسألة طويلة وتحتاج إلى بيان فقد أفردتها في فصل مستقل في هذا البحث، وقد اقتصرت في هذا الفصل على نقل كلام الشيخين محمد بن إبراهيم والشيخ عبد العزيز بن باز رحمهما الله، وقد نقلا رحمهما الله أدلة التحريم و أقوال السلف في فتاواهما مما أغناني عن البحث بعدهما في هذا المسألة وإليك فتاواهما :

 

قال الشيخ محمد بن إبراهيم في ( فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ) 1/151-162

( الغلو في الآثار )

دار الأرقم، ومسجد الحديبية

من محمد بن إبراهيم إلى حضرة الأستاذ صالح محمد جمال رئيس تحرير جريدة الندوة  وفقه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد : فقد وجهت جريدة الندوة في عددها الصادر 20 رمضان 1383هـ استفتاء إلى دار الإفتاء بمناسبة تسليم دار الأرقم للرئاسة العامة لهيئات اللأمر بالمعروف عن أمرين :

 

أحدهما : هل هناك مانع من أن تكتب عليها عبارة " دار الأرقم بن أبي الأرقم " تخليداً لهذا الأثر ؟ وهل هناك مانع ديني من اتخاذها مكتبة أو متحفاً أو مدرسة ثم السماح للحجاج والزوار للبلاد المقدسة بزيارتها كدار ساهمت في نشر الدعوة الإسلامية ففي أحلك الظروف التي مرت بها.

 

السؤال الثاني : لماذا أزيل أثر مسجد البيعة من الحديبية " الشميسي " وهل هناك مانع ديني من الاحتفاظ به كمأثر شهد بيعة كان لها أكبر الأثر في رفع راية الإسلام ؟.

هذا ما وجهته جريدة الندوة وتحته توقيع " طالب علم ".

 

الجواب : أما اتخاذ " دار الأرقم بن أبي الأرقم " مزاراً للوافدين إلى البيت الحرام يتبركون به بأي وسيلة كان ذلك، سواء كانت إعلان كتابة دار الأرقم عليها وفتحها للزيارة، أو اتخاذها مكتبة أو متحفاً أو مدرسة، فهذا أمر لم يسبق إليه الصحابة الذين هم أعلم بما حصل في هذه الدار من الدعوة إلى الإسلام والاستجابة لها ؛ بل كانوا يعتبرونها داراً للأرقم له التصرف فيها شأن غيرها من الدور، وكان الأرقم نفسه يرى هذا الرأي حتى إنه تصدق بها على أولاده، فكانوا يسكنون فيها ويؤجرون ويأخذون عليها حتى انتقلت إلى أبي جعفر المنصور، ثم سلمها المهدي للخيزران التي عرفت بها، ثم صارت لغيرها. يتبين هذا كله مما رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى، عن شيخه محمد بن عمر، قال : أخبرنا محمد بن عمران بن هند بن عبد الله بن عثمان بن الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، قال : أخبرني أبي، عن يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم، قال : سمعت جدي عثمان بن الأرقم يقول : أنا ابن سبع الإسلام، اسلم أبي سابع سبعة، وكانت داره بمكة على باب الصفا وهي الدار التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكون فيها في أول الإسلام، فيها دعا الناس إلى الإسلام وأسلم فيها قوم كثير، وقال : ليلة الأثنين فيها ( اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام ) فجاء عمر بن الخطاب من الغد بكرة فأسلم في دار الأرقم، وخرجوا منها فكبروا، وطافوا بالبيت ظاهرين، ودعت دار الأرقم دار الإسلام، وتصدق بها الأرقم على ولده، فقرأت نسخة صدقة الأرقم بداره : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قضى الأرقم في ربعه ماجاز الصفا إنها محرمة بمكانها من الحرم، لا تباع ولا تورث ؛ شهد هشام بن العاص، وفلان مولى هشام بن العاص، قال : فلم تزل هذه الدار صدقة فيها ولده يسكنون ويؤجرون ويأخذون عليها حتى كان زمن أبي جعفر. قال : محمد بن عمران فاخبرني أبي عن يحي بن عمران بن عثمان بن الأرقم، قال : إني لا أعلم اليوم الذي وقعت في نفس أبي جعفر إنه ليسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها ونحن على ظهر الدار في فسطاط فيمر تحتنا لو أشاء أن آخذ قلنسوة عليه لأخذتها، وأنه لينظر إلينا من حين يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا، فلما خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة كان عبد الله بن عثمان بن الأرقم ممن تابعه ولم يخرج معه فتعلق عليه أبو جعفر بذلك، فكتب إلى عامله بالمدينة أن يحبسه ويطرحه في حديد، ثم بعث رجلاً من أهل الكوفة يقال له شهاب بن عبد رب، وكتب معه إلى عامله بالمدينة أن يفعل ما يأمره به فدخل شهاب على عبد الله بن عثمان الحبس وهو شيخ كبير ابن بضع وثمانين سنة وقد ضجر بالحديد والحبس، فقال له هل لك أن اخلصك مما أنت فيه وتبيعني دار الأرقم، فإن أمير المؤمنين يريدها، وعسى أن بعته إياها أن أكلمه فيك فيعفو عنك، قال : إنها صدقة، ولكن حقي منها له ومعي فيها شركاء اخوتي وغيرهم، فقال : إنما عليك نفسك اعطنا حقك وبرئت، فاشهد له بحقه وكتب عليه كتاب شرى على حساب سبعة عشر ألف دينار ؛ ثم تتبع اخوته ففتنتهم كثرة المال فباعوه، فصارت لأبي جعفر ولمن اقطعها، ثم صيرها المهدي للخيزران أم موسى وهارون فبنتها وعرفت بها، ثم صارت لجعفر بن موسى أمير المؤمنين، ثم سكنها أصحاب الشطوي والمعنى، ثم اشترى عامتها أو أكثرها غسان بن عباد من ولد موسى بن جعفر.

 

قال : وأما دار الأرقم بالمدينة في بني زريق فقطيعة من النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا رواه ابن سعد في الطبقات. ورواه الحاكم في " المستدرك " من طريق الحاكم ذكر الزيلعي في " نصب الراية " في كتاب الوقـف، والحافـظ ابن حجـر في ( الدراية ) قطعة منه، وكذلـك في ( الإصابة ). إلا أنه قال : في " الدراية " وهلال مولى هشام. بدل وفلان مولى هشام، وذكر جملة من ابن جرير الطبري في كتاب " ذيل المذيل " من تاريخ الصحابة والتابعين من طريق محمد بن عمر بسنده المذكور.

 

فمن هذه الرواية تبين أن كون دار الأرقم دار إسلام لم يمنع الأرقم التصرف فيها هو ولا ملاكها بعد، كما يتصرف في غيرها من الدور، ولم يتخذها متبركاً يتبرك به الوافدين إلى بيت الله الحرام، بل كانوا يسكنون فيها ويؤاجرون ويأخذون عليها.

 

وأول من اتخذ منها مزاراً الخيزران حينما اتخذت القسم الذي يذكر أنه مختبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم مسجداً، وهذا المسجد هو الذي ذكره الأزرقي في تاريخ مكة وتبعه من بعده، وذكر الفاسي في ( شفاء الغرام )، والنووي  في ( الإيضاح )، وصاحب ( الجامع اللطيف ) أنه المقصود بالزيارة من دار الأرقم، وعبارة الفاسي : المقصود بالزيادة منها أي من دار الأرقم – هو المسجد الذي فيها وهو مشهور من المساجد التي ذكرها الأزرقي، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مختبأ فيه – أي في الموضع الذي اتخذ مسجداً – وفيه أسلم عمر رضي الله عنه. ويصف لنا الفاسي في ( شفاء الغرام ) مشاهدته ذلك المسجد حين يقول : وطول هذا المسجد ثمانية أذرع إلا قيراطين، وعرضه سبعة أذرع وثلث، الجميع بذراع الحديد، حرر ذلك بحضوري وفيه مكتوب { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو و الآصال رجال }.

 

هذه مختبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الخيزران، وفيه مبتدأ الإسلام، أمرت بتجديده الفقيرة إلى الله مولاة أمير الملك مفلح سنة ست. وذهب بقية التاريخ. قال الفاسي : وعمّره أيضاً الوزير الجواد، وعمّرته مجاورة يقال لها مرة العصماء، وعمّر أيضاً في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، الذي أمر بهذه العمارة لا أعرفه، والمتولى بصرف النفقة فيها علاء الدين علي بن ناصر محمد بن الصارم المعروف بالقائد. اهـ كلام الفاسي.

 

وعلى كل فعمل الخيزران ليس بحجة، إنما الحجة في عمل الصحابة رضي الله عنهم، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تفسير " سورة الإخلاص " (17/466) : " إن الصحابة والتابعين لهم بإحسان لم يبنوا قط على قبر نبي ولا رجل صالح ولا جعلوه مشهداً أو مزاراً ولا على شيء من آثار الأنبياء مثل مكان نزل فيه أو صلى فيه أو فعل فيه شيئاً من ذلك ".انتهى.

 

وتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في ( اقتضاء الصراط المستقيم ) على المزارات التي بمكة غير المشاعر مساجد وغيرها فقال ضمن كلامه على ذلك ( ص 452 ) : " ما بني رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة غير المسجد الحرام ؛ بل المساجد كلها محدثة مسجد المولد وغيره، ولا شرع لأمته زيادة موضع المولد، ولا زيادة موضع العقبة الذي خلف منى وقد بني هناك مسجد، واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، وحج معه إلا من شاء الله، وهو في ذلك كله لم يأت هو ولا أحد من أصحابه غار حراء، ولا شيئاً من البقاع التي حول مكة، ولم يكن هناك إلا بالمسجد الحرام وبين الصفا والمروة ومنى ومزدلفة وعرفات، وصلى الظهر والعصر ببطن عرنة، وضربت له القبة يوم عرفة بنمرة المجاورة لعرفة، وحج بعده خلفاؤه الراشدون فمشوا على تلك الطريقة ماساروا إلى حراء ونحوه لصلاة فيه " .

 

وقال : في ( ص 429 ) : " قد ذكر طائفة من المصنفين استحباب زيارة مساجد مكة وما حولها، وكنت كتبتها في منسك كتبته قبل أن أحج في أول عمري لبعض الشيوخ جمعته من كلام العلماء، ثم تبين لي أن هذا كله من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة، وأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار لم يفعلوا شيئاً من ذلك، وأن أئمة العلم والهدي ينهون عن ذلك وأن المسجد الحرام هو المسجد الذي شرع لنا قصده للصلاة والدعاء والطواف وغير ذلك من العبادات، ولم يشرع لنا قصد مسجد بعينه بمكة سواه، ولا يصلح أن يجعل هناك مسجد يزاحمه في شيء من الأحكام، وما يفعلها الرجل في مسجد من تلك المساجد من دعاء وصلاة وغير ذلك إذا فعله في المسجد الحرام كان خيراً له بل هذا سنة مشروعة، وأما قصد مسجد غيره هناك تحرياً لفضله فبدعه غير مشروعة ".

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " منسكه " في مجموع الفتاوى ( 26/144)  " أما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام كالمسجد الذي تحت الصفا، وما في سفح أبي قبيس، ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على أثار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كمسجد المولد وغيره فليس قصد شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أحد من الأئمة، وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام خاصة والمشاعر عرفة ومزدلفة والصفا والمروة، وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال انه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك فإنه ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم زيادة شيء من ذلك ".

 

وقال في تفسير (  سورة الإخلاص في مجموع الفتاوى ) ( 7/477) : " النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل بمسجد بمكة إلا المسجد ولم يأت للعبادات إلا المشاعر منى ومزدلفة وعرفة، ولهذا كان أئمة العلماء على أنه لا يستحب أن يقصد مسجد بمكة لصلاة غير المسجد الحرام ولا تقصد بقعة لزيارة غير المشاعر التي قصدها رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلى أن قال : وكل مسجد بمكة وما حولها غير المسجد الحرام فهو محدث " إهـ.

 

ويضاف إلى هذا ما ذكر الشاطبي في ( الاعتصام )  في تتبع الآثار قال : خرج الطحاوي وابن وضاح وغيرهما عن معرور بن سويد الأسدي، قال وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلمـا صلى لنا صـلاة الغـداة فقرأ فيـها : { ألم تر كيف فعل ربك } و { لإيلاف قريش } ثم رأى ناساً يذهبون مذهباً فقال : أين يذهب هؤلاء ؟ قال : يأتون مسجداً ها هنا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنما أهلك من كان قبلكم انهم يتبعون أثار انبيائهم فاتخذوها كنائس وبيعاً، من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فليصل، وإلا فلا يتعمدها. ثم قال الشاطبي : قال ابن وضاح : كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون اتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي صلى الله عليه وسلم ما عدا قبا وحده. قال : وسمعتهم يذكرون أن سفيان دخل مسجد بين المقدس فصلى فيه ولم يتبع وقدم وكيع مسجد بيت المقدس فلم يعد فعل سفيان. قال ابن وضاح : وقد كان مالك يكره كل بدعه وان كانت في خير، وجميع هذا ذريعة لأن يتخذ سنة ماليس سنة أو يعد مشروعاً ما ليس مشروعاً " إهـ.

وهذا كله على تسليم كون الدار المعروفة اليوم بدار الأرقم هي دار الأرقم في الواقع، وفي النفس من ذلك شيء لأمرين:

 

احدهما : أن موقع دار الأرقم حسب ما تقدم في رواية ابن سعد على باب الصفا، وفي تلك الرواية قول يحيى بن عمران بن عثمان بن الأرقم إني لأعلم اليوم الذي وقعت – أي دار الأرقم – في نفس أبي جعفر انه ليسعى بين الصفا والمروة في حجة حجها ونحن على ظهر الدار في فسطاط فيمر تحتنا لو أشاء أن آخذ قلنسوة عليه لأخذتها، وانه لينظر إلينا من حين يهبط بطن الوادي حتى يصعد إلى الصفا. وهذا غير موقع الدار المعروفة اليوم وبذلك الاسم، وما في رواية ابن سعد المذكورة موافق لما في تاريخ مكة للأزرقي ومستدرك الحاكم إنها عند الصفا ولما في ( أسد بالغابة ) لابن الأثير أنها في أصل الصفا.

 

الثاني : ما ذكره ابن كثير في تاريخة " البداية والنهاية " في حوادث سنة 173هـ في ترجمة الخيزران، قال : قد اشترت الدار المشهورة فيها بمكة المعروفة بدار الخيزران فزادتها في المسجد الحرام. فإن هذا وإن كان بعيداً ومخالفاً لرواية ابن سعد المتقدمة ولم يذكره الأزرقي وغيره فإنه مما يشك في اشتهار الدار الموجودة اليوم باسم " دار الأرقم " في زمن ابن كثير إذ لو كان الأمر كذلك لما خفي عليه " قلت : وعلى فرض أنها هي الدار المعروفة فقد هدمت وجعلت ضمن الساحة موقفاً للسيارات وطريقاً للمشاة، وكفى الله شر التعلق والتبرك بها. فله الحمد.

وأما قول السائل : لماذا أزيل أثر مسجد البيعة من الحديبية " الشميسي " وهل هناك مانع يمنع من الاحتفاظ به كمأثر شهد بيعة كان لها أكبر الأثر ي رفع راية الإسلام.

فالجواب : انه أزيل لأنه ليس مسجد الشجرة الذي يعنيه السائل بمسجد البيعة، فإن مسجد الشجرة غير معروف هو والحديبية من مدة قرون بشهادة مؤرخي مكة والمدينة.

 

قال الفاسي في ( شفاء الغرام ) في كلامه على مسجد الشجرة وعلى المسجد الأخر الذي بناه يقطين بن موسى في الشق الأيسر : " هذان المسجدان والحديبية لا يعرفون اليوم، والله أعلم. وقال : في موضع أخر ما نصه : هي – أي الحديبية – والأعشاش لا يعرفان اليوم. وذكر في محل أخر القول بأن موضع الحديبية هو الذي فيه البير المعروفة ببير شميسي بطريق جدة، وتعقبه بقوله : الشجرة والحديبية لا يعرفان الآن، وليست الحديبية بالموضع الذي يقال له الحديبية في طريق جدة لقرب هذا الموضع من جدة وبعده من مكة، والحديبية دونه بكثير إلى مكة " إهـ.

وقال الزين المراغي في ( تحقيق النصرة بمعالم دار الهجرة ) في كلامه على مسجد الحديبية : " لا يعرف اليوم، بل يقال إن مكة ليس فيها أحد يعرف الحديبية بعينها وإنما يعرفون الجهة لا غير "إهـ.

وقال السهودي في ( وفاء الوفاء بإخبار دار المصطفى ) " هو – أي مسجد الحديبية – غير معروف، بل قال : المطري لم أر في أرض مكة من يعرف اليوم الحديبية إلا الناحية لا غير. وإذا كان هذا مآل مسجد الشجرة والحديبية في أعصر أولئك فكيف باليوم " إ هـ.

 

وأما موقف السلف من ذلك المسجد المسمى بمسجد الشجرة أيام كان هو والحديبية معروفين فهو أنهم لا يرون رأي السائل وهو أنه شهد بيعة الرضوان، وممن قام ببيان ذلك من السلف سعيد بن المسيب، فقد روى الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما عن طارق بن عبد الرحمن، قال إني انطلقت حاجاً فمررت بقوم يصلون، فقلت ما هذا المسجد، قالوا هذه الشجرة حيث بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان، فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد : حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قال فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها، فقال سعيد : إن أصحاب محمد لم يعلموها، وعلمتموها أنتم، فأنتم أعلم ؟‍‍ وروى ابن جرير الطبري في تفسيره عن سعيد بن المسيب قال : كان جدي يقال له حزن، وكان ممن بايع تحت الشجرة، يقول : فأتيناها من قابل فعميت عليها. وكان ابن عمر يذكر أن تعمية شجرة البيعة رحمة من الله، روى البخاري في صحيحه في " باب البيعة في الحرب على إلا يفروا " من كتاب الجهاد عن نافع، قال ابن عمر رضي الله عنهما : رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله.

 

قال الحافظ ابن حجر في ( فتح الباري ) : " الحكمة في إخفائها هي أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوة نفع وضر، كما نراه الآن مشاهداً فيما دونها. قال : وإلى ذلك اشار ابن عمر بقوله : كانت رحمة من الله. أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى. هذا ما صار إليه شأن شجرة البيعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم " إ هـ.

 

ثم صار في خلافة عمر بن الخطاب ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في ( اقتضاء الصراط المستقيم ) ص 306: " وهو توهم من توهم في شجرة بالحديبية أنها هي الشجرة التي بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم تحتها (بيعة الرضوان )، فكان من توهم ذلك ينتابها ويصلى عندها، فأمر عمر بن الخطاب بقطعها فقطعت " إهـ.

 

وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رواه ابن سعد في ( الطبقات الكبرى ) قال : " حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، قال : اخبرنا عبد الله بن عون، عن نافع، قال كان الناس يأتون الشجرة التي يقال لها شجرة الرضوان فيصلون عندها، قال : فبلغ ذلك عمر ابن الخطاب فأوعدهم فيها وأمر بها فقطعت " ؛ وصحح الحافظ في " الفتح " إسناد هذه الرواية، واعتمدها صاحب ( عيون الأثر ) وعزاها السيوطي في ( الدر المنثور ) إلى مصنف ابن أبي شيبة. قال : ابن وضاح في كتاب " البدع والنهي عنها " : سمعت عيسى بن يونس مفتي طرسوس يقول : أمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعها، لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها فخاف عليهم الفتنة. قال عيسى ابن يونس وهو عندنا من حديث ابن عون عن نافع : أن الناس كانوا يأتون الشجرة فقطعها عمر. قال ابن وضاح : فعليكم بالاتباع لأئمة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى : كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكراً عند من مضى ومتحبب إلى الله بما يبغضه ؛ ومتقرب إليه بما يبعده منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة "  إهـ. وهذا ما لزم بيانه، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.


وقال الشيخ محمد بن إبراهيم في ( فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم ) 6/8

( صعود جبل الرحمة وتسهيل الصعود إليه )

قوله : ولا يشرع صعود جبل الرحمة، الجهال يعظمونه ويصعدونه، وهذا أكثر ما يروج على الخرافيين أهل تعظيم الأحجار والأشجار ونحوها، أهل التوحيد لا يروج عليهم.

 

فتوى في الموضوع

من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي

أمير منطقة مكة المكرمة سلمه الله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . وبعد :

فقد جرى اطلاعنا على خطابكم رقم 740 – 2 – ل وتاريخ 9-2-1386هـ بخصوص ذكركم أن لجنة الحج العليا أوصت باستفتائنا عن مشروعية عمل عدة منافذ من الدرج في جبل الرحمة تخفيفاً للزحام الشديد الحاصل فيه يوم عرفة. إلى أخر ما ذكرتم.

 

ونفيد سموكم أن الصعود إلى الجبل نتيجة اعتقاد خصوصية شرعية بدعة، إذ لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من سلف الأمة الصالح أنه صعد الجبل يوم عرفة تقرباً، وقد كان موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل عند الصخرات، وقال صلى الله عليه وسلم ( وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف ) أخرجه مسلم.

 

ولا يخفى سموكم أن العمل لتسهيل الصعود إليه معناه إقرار هذه البدعة، وتسهيل أمرها، والمساعدة على أدائها، وهذا منكر أيضاً ؛ إذ الدال على الخير كفاعله، وعكسه ظاهر، وبالله التوفيق. والسلام عليكم.


حكم الإسلام في إحياء الآثار

قال الشيخ عبد العزيز بن باز في ( مجموع فتاوى ومقالات متفرقة ) 3/334

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وأله وصحبه وبعد :

فقد نشرت بعض الصحف مقالات حول إحياء الآثار والاهتمام بها لبعض الكتاب ومنهم الأستاذ صالح محمد جمال. وقد رد عليه سماحة العلامة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد فأجاد وأفاد وأحسن أجزل الله مثوبته. ولكن الأستاذ أنور أبا الجدايل هداه الله وألهمه رشده لم يقتنع بهذا الرد أو لم يطلع عليه فكتب مقالاً في الموضوع نشرته جريدة المدينة بعددها الصادر برقم 5448 وتاريخ 22/4/1402هـ بعنوان ( طريق الهجرتين ) قال فيه " والكلمة المنشورة بجريدة المدينة بالعدد 5433 وتاريخ 7/4/1402هـ للأستاذ عبد العزيز عبد القدوس الأنصاري عطفاً على ما قام به الأديب الباحث الأستاذ عبد العزيز الرفاعي من تحقيق للمواقع التي نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق الذي سلكه في هجرته من مكة إلى المدينة المنورة تدفعنا إلى استنهاض همة المسئولين إلى وضع شواخص تدل عليها كمثل خيمتين أدنى ما تكونان إلى خيمتي أم معبد مع ما يلائم بقية المواقع من ذلك. بعد اتخاذ الحيطة اللازمة لمنع أي تجاوز يعطيها صفة التقديس أو التبرك أو الانحراف عن مقتضيات الشرع، لأن المقصود هو إيقاف الطلبة والدارسين ومن يشاء من السائحين على ما يريدونه من التعرف على هذا الطريق ومواقعه هذه لمعرفة ما عاناه الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلته السرية المتكتمة هذه من متاعب، وذلك لمجرد أخذ العبرة وحمل النفوس على تحمل مشاق الدعوة إلى الله تأسياً بما تحمله في ذلك عليه الصلاة والسلام.

 

على أن تعمل لها طرق معبدة تخرج من الطريق العام وتقام بها نزل واستراحات للسائحين، وأن يعنى أيضاً بتسهيل الصعود إلى أماكن تواجده صلى الله عليه وسلم بدءاً بغار حراء ثم ثور، والكراع حيث تعقبه سراقة بن مالك حتى الوصول إلى قباء، وما سبق ذلك من مواقع في مكة المكرمة كدار الأرقم بن أبي الأرقم، والشعب الذي قوطع هو وأهله فيه وطريق دخوله في فتح مكة ثم نزوله بالأبطح، وكذا في الحديبية وحنين وبدر وكذلك مواقعه في المدينة المنورة، ومواقع غزواته. وتواجده في أريافها ثم طريقه صلى الله عليه وسلم إلى خيبر وإلى تبوك وتواجده فيهما لإعطاء المزيد من الإحاطة والإلمام بجهاده الفذ في نشر الدعوة الإسلامية والعمل على التأسي به في ذلك ) اهـ.

 

كما دعا الدكتور فاروق أخضر في مقاله المنشور في جريدة الجزيرة بعددها رقم 3354 وتاريخ 13/1/1402هـ إلى تطوير الأماكن الأثرية في المملكة لزيارتها من قبل المسلمين بصفة مستمرة، لضمان الدخل بزعمه بعد نفاذ البترول ومما استدل به : ( أن السياحة الدينية في المسيحية في الفاتيكان تعتبر أحد الدخول الرئيسية للاقتصاد الإيطالي، وأن إسرائيل قد قامت ببيع زجاجات فارغة على اليهود في أمريكا على اعتبار أن هذه الزجاجات مليئة بهواء القدس ) كما أشار أنه ستؤدي من الفوائد أيضـاً : ( في تثبيت العلم بالإسلام عند الأطفال المسلمين …. إلخ ).

 

ونظراً لما يؤدي إليه إحياء الآثار المتعلقة بالدين من مخاطر تمس العقيدة أحببت إيضاح الحق وتأييد ماكتبه أهل العلم في ذلك والتعاون معهم على البر والتقوى والنصح لله ولعباده وكشف الشبهة وإيضاح الحجة فأقول: إن العناية بالآثار على الوجه الذي ذكر يؤدي إلى الشرك بالله جل وعلا ؛ لأن النفوس ضعيفة ومجبولة على التعلق بما تظن أنه يفيدها، والشرك بالله أنواعه كثيرة غالب الناس لا يدركها، والذي يقف عند هذه الآثار سواء كانت حقيقة أو مزعومة بلا حجة يتضح له كيف يتمسح الجهلة بترابها، وما فيها من أشجار أو أحجار، ويصلي عندها، ويدعو من نسبت إليه ظناً منهم أن ذلك قربة إلى الله سبحانه والحصول الشفاعة، وكشف الكربة وبعين على هذا كثرة دعاة الضلال الذين تربت الوثنية في نفوسهم، والذين يستغلون مثل هذه الآثار لتضليل الناس وتزيين زيارتها لهم حتى يحصل بسبب ذلك على بعض الكسب المادي، وليس هناك غالباً من يخير زوارها بأن المقصود العبرة فقط بل الغالب العكس.

 

ويشاهد العاقل ذلك واضحاً في بعض البلاد التي بليت بالتعلق بالأضرحة وأصبحوا يعبدونها من دون الله ويطوفون بها كما يطاف بالكعبة باسم أن أهلها أولياء فكيف إذا قيل لهم هذه آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أن الشيطان لا يفتر في تحين الأوقات المناسبة لإضلال الناس، قال الله تعالى عن الشيطان إنه قال : { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } سورة ص، وقال أيضاً سبحانه عن عدو الله الشيطان : { قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم، ثم لأتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمنهم وعن شمائلهم ولاتجد أكثرهم شاكرين } سورة الأعراف، وقد أغوى آدم فأخرجه من الجنة مع أن الله سبحانه وتعالى حذره منه وبين له أنه عدوه كما قال تعالى في سورة طه : { وعصى ءادم ربه، ثم اجتباه ربُّه فتاب عليه وهدى }.

 

ومن ذلك قصة بني إسرائيل مع السامري حينما وضع لهم من حليهم عجلاً ليعبدوه من دون الله فزين لهم الشيطان عبادته مع ظهور بطلانها. وثبت في جامع الترمذي وغيره بإسناد صحيح عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لهم ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول لله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال صلى الله عليه وسلم : ( الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، لتركبن سنن من كان قبلكم ). شبه قولهم اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط بقول بني إسرائيل اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. فدل ذلك على أن الاعتبار بالمعاني والمقاصد لا بمجرد الألفاظ. ولعظيم جريمة الشرك وخطره في إحباط العمل نرى الخليل عليه السلام يدعو الله له ولبنيه السلامة منه. قال الله تعالى { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيراً من الناس... } الآية. إبراهيم. فإذا خافه الأنبياء والرسل – وهم أشرف الخلق وأعلمهم بالله وأتقاهم له – فغيرهم أولى وأحرى بأن يخاف عليه ذلك، ويجب تحذيره منه كما يجب سد الذرائع الموصلة إليه.

 

ومهما عمل أهل الحق من احتياط أو تحفظ، فلن تحول ذلك بين الجهال وبين المفاسد المترتبة على تعظيم الآثار ؛ لأن النـاس يختلفون مـن حيث الفهم والتأثر والبحث عن الحق اختلافاُ كثيراُ، ولذلك عبد قوم نوح عليه السلام وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسرا. مع أن الأصل في تصويرهم هو التذكير بأعمالهم الصالحة للتأسي والاقتداء بهم لا للغلو فيهم وعبادتهم من دون الله، ولكن الشيطان أنسى من جاء بعد من صورهم هذا المقصد وزين لهم عبادتهم من دون الله وكان ذلك هو سبب الشرك في بني آدم. روى ذلك البخاري رحمه الله في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى { وقالوا لا تذرن إلهتكم ولاتذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا } نوح  قال " هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت ".

 

أما التمثيل بما فعله اليهود والنصارى فإن الله جل وعلا أمر بالحذر من طريقهم ؛ لأنه طريق ضلال وهلاك ولا يحوز التشبه بهم في أعمالهم المخالفة لشرعنا وهم معروفون بالضلال واتباع الهوى والتحريف لما جاء به أنبيائهم. فأنهم ولغيره من أعمالهم الضالة نهينا عن التشبه بهم وسلوك طريقهم. والحاصل أن المفاسد التي ستنشأ عن الاعتناء بالآثار وإحيائها محققة ولا يحصي كميتها وأنواعها وغاياتها إلا الله سبحانه، فوجب منع إحيائها وسد الذرائع إلى ذلك. ومعلوم أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أعلم الناس بدين الله، وأحب الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكملهم نصحاً لله ولعباده ولم يحيوا هذه الآثار ولم يعظموها ولم يدعوا إلى إحيائها، بل لما رأى عمر رضي الله عنه بعض الناس يذهب إلى الشجرة التي بويع النبي صلى الله عليه وسلم تحتها أمر بقطعها خوفاً على الناس من الغلو فيها والشرك بها. فشكر له المسلمون ذلك وعدوه من مناقبه رضي الله عنه.

 

ولو كان إحياؤها أو زيارتها أمراً مشروعاً لفعله النبي صلى الله عليه وسلم في مكة وبعد الهجرة أو أمر بذلك أو فعله أصحابه أو أرشدوا إليه، وسبق أنهم أعلم الناس بشريعة الله، وأحبهم لرسوله صلى الله عليه وسلم وأنصحهم لله ولعباده ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم ولا عنهم أنهم زاروا غار حراء حين كانوا بمكة، أو غار ثور، ولم يفعلوا ذلك أيضاً حين عمرة القضاء ولا عام الفتح ولا في حجة الوداع ولم يعرجوا على موضع خيمتي أم معبد ولا محل شجرة البيعة فعلم أن زيارتها وتمهيد الطرق إليها أمر مبتدع لا أصل له في شرع الله. وهو من أعظم الوسائل إلى الشرك الأكبر ولما كان البناء على القبور واتخاذ مساجد عليها من أعظم وسائل الشرك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ولعن اليهود والنصارى على اتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد وأخبر عمن يفعل ذلك أنهم شرار الخلق، وقال فيما ثبت عنه في صحيح مسلم رحمه الله عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (  ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ). وفي صحيح مسلم أيضاً عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه. وأن يبنى عليه ) زاد الترمذي بإسناد صحيح : ( وأن يكتب عليه ) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

وقد دلت الشريعة الإسلامية الكاملة على وجوب سد الذرائع القولية والفعلية واحتج العلماء على ذلك بأدلة لا تحصى كثيرة وذكر منها العلامة ابن القيم رحمة الله في كتابه ( إعلام الموقعين ) تسعة وتسعين دليلاً كلها تدل على وجوب سد الذرائع المفضية إلى الشرك والمعاصي، وذكر منها قول الله تعالى { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم... } الآية، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ) سداً لذريعة عبادة الشمس من دون الله. ومنعاً للتشبه بمن لعل ذلك. كما ذكر منها أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تجصيص القبور وتشريفها واتخاذها مساجد وعن الصلاة إليها وعندها وعن إيقاد المصابيح عليها وأمر بتسويتها ونهى عن اتخاذها عيداً وعن شد الرحال إليها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثاناً والإشراك بها وحرم ذلك على من قصده ومن لم يقصده بل قصد خلافه سداً للذريعة.

 

فالواجب على علماء المسلمين وعلى ولاة أمرهم أن يسلكوا مسلك نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في هذا الباب وغيره، وأن ينهوا عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يسدوا الذرائع والوسائل المفضية إلى الشرك والمعاصي والغلو في الأنبياء والأولياء حماية لجناب التوحيد وسداً لطرق الشرك ووسائله.

والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يفقههم في الدين، وأن يوفق علماءهم وولاة أمرهم لما فيه صلاحهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، وأن يسلك بالجميع صراطه المستقيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى أله وأصحابه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.

 

لا يجوز تعظيم آثار العلماء بما يفضي إلى الغلو فيهم والشرك بهم

قال الشيخ عبد العزيز بن باز :

الحمد لله، والصلاة على رسول الله، وعلى أله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد …

فقد نشرت صحيفة الرياض في عددها الصادر في 21/10/1420هـ مقالاً بقلم : س.د تحت عنوان : ( ترميم بيت الشيخ محمد بن عبد الوهاب بحريملاء ) وذكر أن الإدارة العامة للآثار والمتاحف أولت اهتماماً بالغاً بمنزل مجدد الدعوة السلفية الشيخ : محمد بن عبد الوهاب رحمة الله في حي غيلان بحريملاء حيث تمت صيانته وأعيد ترميمه بمادة طينية مادة البناء الأصلية … إلى أن قال : وتم تعيين حارس خاص لهذا البيت..إلخ، وقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية على المقال المذكور ورأت أن هذا العمل لا يجوز، وأنه وسيلة للغلو في الشيخ محمد رحمة الله وأشباهه من علماء الحق والتبرك بآثارهم والشرك بهم، ورأت أن الواجب هدمه وجعل مكانه توسعة للطريق سداً لذرائع الشرك والغلو، وحسماً لوسائل ذلك وطلبت من الجهة المختصة القيام بذلك فوراً، ولإعلان الحقيقة والتحذير من هذا العمل المنكر جرى تحريره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وأله وصحبه.

الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ورئيس اللجنه الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

 

الرد على مصطفى أمين

قال الشيخ عبد العزيز بن باز في (مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة ) 1/391

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين  وبعد :

اطلعت على ما نشرته صحيفة الندوة في عددها الصادر في 24/6/1380هـ بعنوان " آثار المدينة المنورة " بقلم الأخ مصطفى أمين فلما تأملت المقال المشار إليه وجدته قد اشتمل على أخطاء كثيرة يجب التنبيه عليها ؛ لئلا يغتر بها بعض القراء. والمقتضي لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ) الحديث. وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ).

 

وإليك أيها القارئ الأخطاء والحجة على إنكارها :

أولاً : قوله في المدينة : هذه المدينة المقدسة بها أثار كثيرة تستحق الذكرى، ونحن العرب لم نهتم بهذه الآثار بينما نشاهد معالم باريس، ولندن بها من الآثار ما يجعل شعوبها تخلد هذه الذكرى فما بالنا نحن المسلمين العرب لا نهتم بآثار العصور الماضية، إلى قوله وإنما يدعو الإسلام … إلخ. يدعونا الكاتب في هذه الكلمة إلى التشبه بباريس ولندن في تعظيم الآثار، وتخليد ذكراها بالأبنية وأشباهها، وهذا غريب، وعجيب أن يدعو مسلم إلى التشبه بأعداء الله، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( من تشبه بقوم فهو منهم ) أيها القارئ إن تعظيم الآثار لا يكون بالأبنية، والكتابات والتأسي بالكفرة، وإنما تعظيم الآثار يكون باتباع أهلها في أعمالهم المجيدة، وأخلاقهم الحميدة، وجهادهم الصالح قولاً وعملاً، ودعوة وصبراً، هكذا كان السلف الصالح يعظمون آثار سلفهم الصالحين، وأما تعظيم الآثار بالأبنية والزخارف والكتابة ونحو ذلك فهو خلاف هدي السلف الصالح، وإنما ذلك سنة اليهود والنصارى ومن تشبه بهم، وهو من أعظم وسائل الشرك، وعبادة الأنبياء والأولياء كما يشهد به الواقع، وتدل عليه الأحاديث والآثار المعلومة في كتب السنة قتنبه واحذر. نعم، ينبغي للمسلمين أن يستعدوا لأعدائهم في إيجاد المصانع النافعة للمجتمع، واختراع الأسلحة المناسبة للعصر، لا تأسياً بالكفرة، ولكن طاعة لله ولرسوله، وتأسياً بالسلف الصالح من الصحابة رضي الله عنهم، ومن سلك سبيلهم، والأصل في ذلك قوله تعالى  { يا أيها الذين أمنوا خذوا حذركم } النساء. وقوله تعالى { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } الأنفال، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن... الحديث )، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وكلها تدل على أنه يجب على المسلمين أن يوجدوا بينهم من المصانع والأسلحة وأسباب العيش والحياة الكريمة ما يقوم بكفايتهم ويغنيهم عن الحاجة إلى غيرهم، ويعينهم على جهاد أعدائهم وحماية مصالحهم، والنصر لدينهم، واسترجاع أمجادهم السالفة، ومن عدوان من أرادهم أو أراد دينهم بسوء، هذا يا مصطفى أمين هو تعظيم الآثار لا ما أشرت إليه من الأبنية ونحوها والله المستعان.

 

ثانياً : يقول الكاتب مصطفى : والمعرفة لا تجعل التقوى في الضعف ولا في الخوف بل في العلم بسنة الكون والوقوف على أسراره، والاتصال بما دق وجل منه. إلخ، نعم لا ينبغي أن تجعل التقوى في الضعف والخوف والتأخر عن ميادين الإصلاح والنفع الخاص والعام، والنظر في سنن الكون والتبصر في حكمة الرب سبحانه فيما خلق وشرع بل يجب أن يكون أهل التقوى هم أشجع الناس على كل خير، وأكملهم عناية بكل إصلاح ؛ لأن تقواهم لله سبحانه تقتضي منهم ذلك. ولكن كلام الكاتب يوهم أن التقوى تنحصر في العلم بسنة الكون، والوقوف على أسراره، والتأسي بمن بلغ في هذا الباب أقصى ما يمكنه من العناية، وليس الأمر كذلك. وإنما العلم بسنة الكون والعناية بأسراره من التقوى، لا أنه كل التقوى ؛ لأن التقوى عند علماء الشرع : فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، عن إيمان وصدق وإخلاص ومحبة ورغبة ورهبة، ومن ذلك العناية بالمصالح العامة وإيجاد المصانع النافعة، والتأسي بمن سبقنا في هذا الميدان من السلف الصالحين. والأئمة المتقين. ولا حرج علينا في أن نأخذ مما وقف عليه غيرنا من أسرار الكون واكتشف من العلوم النافعة الدنيوية التي لا تخالف الشرع المطهر. وإنما تعين على حمايته من كيد أعدائه وتغني أهله عن الحاجة إلى الغير بل يجب ذلك ويتعين على أهل الإسلام ولا تأسياً بالكفار بل لأن دينهم الكامل يأمرهم بالحرص على ما ينفعهم، والحذر عن كل ما يضرهم كما تقدمت الأدلة على ذلك. وهؤلاء الكفار الذين بلغوا في الاختراع الغاية لم يزدهم ما وصلوا إليه من العلم إلا كفراً وإلحاداً وهبوطاً من الأخلاق الفاضلة، وابتعاداً عن الأخلاق الكريمة، فلا ينبغي أن يغتر بعلمهم، ولا أن يقلدوا في علومهم ما ينفع و تدعو الحاجة إليه مع التقيد بتعاليم الشريعة والاستقامة على صراط الله المستقيم، والحذر من كل ما خالف ذلك. فتنبه أيها القارئ الكريم لهذا المقام العظيم تنج من ضلالات كثيرة وشبهات متنوعة، والله الهادي إلى سواء السبيل.

 

ثالثاً : يقول الكاتب مصطفى : فمن الواجب على الذين يزورون قبر سيد الشهداء أن يلتمسوا فيه هذه الأسوة، وأن يعلموا أن الله يجزيهم بجهادهم لبلوغ الغاية منها ولا يجزيهم لمجرد الزيارة، والتبرك، والدعاء. إلى أن قال : وأسوة حمزة رضي الله عنه هي الجهد في سبيل الله له المثل الأعلى …. إلخ.

أقول : إن هذا الكلام فيه حق وباطل، فأما الحق فهو تشجيع زوار قبر حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وغيره من المؤمنين على تذكر أعمالهم المجيدة التي قاموا بها حين كانوا في قيد الحياة من الجهاد في سبيل الله، والدعوة إليه، والعناية بالمصالح العامة، والتأسي بهم في ذلك، وهذا حق ينبغي لكل مسلم أن يتذكره كثيراً، وأن يتأسى بأهله في سائر أطوار حياته حتى يعمل كأعمالهم، ويسير كسيرتهم حسب الطاقة (وأما الباطل فهو ما يوهمه كلامه من حصر المقصود بالزيارة في التأسي بالمزور في أعماله الطيبة السالفة ). وقوله : إن الله لا يجزي الزائر لمجرد الزيارة و التبرك والدعاء. وهذا بلا شك خطأ ظاهر ومخالف للأحاديث الصحيحة التي يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم : (  زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة " وفي بعضها " وتزهد في الدنيا ).

 

فالنصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب تدل على أن مقصود تذكر الآخرة، والزهد في الدنيا، والدعاء لأهل القبور من المسلمين بالعافية والمغفرة. والكاتب المذكور قد أعرض عـن هذا ولم يرفع به رأساً. وشجع على أمر آخر يؤخذ من نصوص أخرى، ولو جمع بين الأمرين لما فاته الصواب، وأما قصد الزائر للقبور التبرك بها، فليس ذلك من دين الإسلام بل هو من أعمال أهل الجاهلية، ومن أخلاق عباد الأوثان، فيجب الحذر منه، ونهى الزوار عنه. وقد ثبت في صحيح مسلم عن بريدة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا : ( السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية ) وفي جامع الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة فقال : ( السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم أنتم سلفنا ونحن بالأثر ) فهذه سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور وبيان المقصد منها. وأما التبرك بها والبناء عليها والكتابة عليها وقصدها للدعاء عندها فليس ذلك من سنته بل هو من سنة اليهود والنصارى وأهل الجاهلية، نسأل الله لنا وللمسلمين جميعاً العافية من ذلك.

 

رابعاً : يقول الكاتب مصطفى في أثناء كلامه : واتخذت بعض الأمم الإسلامية ملوكها أرباباً، وجعلت من بعض الصالحين فيها أولياء اتخذتهم إلى الله زلفى، ولهؤلاء وأولئك بنت القباب، وأقامت عليها المساجد لا تقصد تخليد ذكراهم ليكون للذكرى  في الأجيال أسوة ومثلاً، بل تقصد أن تكون القباب والمساجد محاريب لعبادتهم، والتوسل إلى الله، ولو أنهم أقاموا القبة أو المسجد للأسوة، وللذكرى لكان ذلك خيراً … إلخ. أقول في هذا الكلام حق وباطل ؛ أما الحق فهو إقرار الكاتب بوجود هذه البدع والمنكرات في بعض الأمم الإسلامية، وانتقاده اتخاذ تلك القبب والمساجد محاريب لعبادة الأموات والتوسل بهم. وهذا لا شك واقع، ومن زار البلدان المجاورة رأى ذلك عياناُ فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأل الله أن يعافي المسلمين من ذلك. وأن يمنحهم الفقه في الدين الذي بعث الله به نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم حتى يعرفوا أن هذه المحدثات حول القبور تخالف شرعه وتوقع في عبادة غير الله سبحانه كما هو الواقع. وأما الباطل الذي اشتمل عليه كلام الكاتب فهو تفصيله بين اتخاذ القباب والمساجد للعبادة والتوسل، وبين اتخاذها لتخليد الذكرى ففرق بين الأول والثاني. وهذا " التفصيل " ليس عليه دليل بل النصوص من الكتاب مطلقاً ؛ لأن اتخاذها لعبادة الأموات والتوسل بهم بالدعاء والاستغاثة ونحو ذلك شرك أكبر من جنس عمل الجاهلية الأولى حول اللات والعزى ومناة وأشباهها. واتخاذها للذكرى، ولهذا المعنى جاءت النصوص من الكتاب والسنة تنكر ذلك وتحذر منه، وتحسم وسائل الشرك، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (  لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) قالت عائشة رضي الله عنها : يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) وفي صحيح مسلم أيضاً عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نهى أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه ) فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على تحريم اتخاذ المساجد والقباب على القبور وأن الرسول صلى الله عليه وسلم حذر أمته من ذلك ؛ لئلا يفعلوا فعل اليهود والنصارى من الغلو في تعظيم الأموات، واتخاذ قبورهم مساجد، والصلاة عندهم والدعاء ونحو ذلك فيقعوا في الشرك وعبادة الأنبياء والصالحين من دون الله كما وقع غيرهم، وهذا الذي خافه صلى الله عليه وسلم قد وقع في أمته فعظموا الأموات من الأنبياء والصالحين التعظيم الذي لم يشرعه الله، وبنوا على قبورهم المساجد والقباب وصرفوا لهم الدعوات والرغبات حتى وقع الشرك المحذور، وحصل التأسي بعباد القبور فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ومن ذلك  ما ثبت في الصحيحين من حديث أم سلمة، وأم حبيبة رضي الله عنهما أنهما رأتا في أرض الحبشة كنيسة يقال لها مارية وما فيها من الصور، فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال  ( أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله ) فبين صلى الله عليه وسلم أن بناء المساجد والقباب على القبور والمصورين فيها الصور هم شرار الخلق عند الله ولعنهم في حديث عائشة ولم يفصل بين من بناها للعبادة أو لتخليد الذكرى، فعلم بذلك أن بناءها لا يجوز مطلقاً وما ذلك إلا لكونها من أعظم وسائل الشرك، ومن أظهر أعلامه وشعائره، وهي سنة اليهود والنصارى التي نهينا عن اتباعها، وحذرنا من سلوكها كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال : ( فمن ؟! ) متفق عليه فهذا الخبر الصحيح يدل على أن هذه الأمة تسلك مسالك اليهود والنصارى في الشرك والبدع إلا من عصم الله من ذلك، وهم الطائفة المنصورة كما في الأحاديث الأخر، ويدل هذا الخبر أيضاً على تحذير الأمة من اتباع سنن اليهود والنصارى ؛ لأن اتباعهم يفضي بأهله إلى مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أمر الله سبحانه في كتابه الكريم بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم والحذر عما نهى عنه كما قال تعالى { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب )الحشر.

 

وقال تعالى : { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } النور، لا ريب أنه صلى الله عليه وسلم دعا إلى كل خير وحذر أمته من كل شر فلا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخالف سبيله أو يدعو إلى غير طريقه، ولا شك أن البناء على القبور واتخاذ المساجد والقباب عليها من سبيل اليهود والنصارى، ومن وسائل الشرك والضلال مطلقاً فوجب تركها والحذر منها والله ولي التوفيق.

 

خامساً : يقول الكاتب مصطفى : وكذلك البقيع هذا الجزء الذي دفنوا فيه أزواج وعمات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبر إبراهيم وقبور الصحابة كان في الماضي بالقباب حتى جاءت الدولة الرشيدة وأزالت القباب، ولكن تركت القبور كما هي لم تعلم، ويحضر إلى هذا البقيع مئات الألوف من زوار المسجد النبوي لزيارة أهل البقيع فلا يعرفون من فضلهم الله على العباد أمثال زوجات رسول الله وابنه إبراهيم وعشرات الصحابة فلو عملت إدارة الأوقاف على هذه القبور لوحات يكتب عليها اسم صاحب القبر ويحاط أيضاً القبر بشبك من حديد للتعرف عليها والسلام عليه ليس إلا … إلخ.

 

ويدعو الكاتب في هذه الكلمات إدارة الأوقاف بالمدينة إلى عمل لوحات يكتب فيها أسماء المشهورين من المدفونين في البقيع وإلى إقامة شبك حديد على قبورهم للتعريف بهم، أقول قد يكون هذا الاقتراح من الكاتب عن حسب نية ومقصد صالح، ولكن الآراء و الاستحسانات لا ينبغي لمؤمن الاعتماد عليها حتى يعرضها على الميزان العادل الذي يميز طيبها من خبيثها ألا وهو كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل الكاتب حيث كتب هذه الكلمة من أولها إلى آخرها لم يكن عنده علم بما جاءت به السنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حول القبور فلذلك وقعت منه الأخطاء السالفة، ووقع منه هذا الخطأ الأخير وهو : اقتراحه على إدارة الأوقاف ما تقدم ذكره، وقد سبق في الحديث الصحيح نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن البناء على القبور، ولا شك أن اتخاذ الشبابيك عليها نوع من البناء ووسيلة إلى الغلو فيها، والفتنة بها وهكذا الكتابة عليها هي من وسائل الغلو فيها واتخاذها أوثاناً فإن بعض الجهال إذا قرءوا أسماء المدفونين وعرفوا أنهم من المعظمين لعلم أو عبادة أو رئاسة، أو لكونهم من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أكبوا عليهم للتمسح بهم والتبرك بتربتهم كما يفعل الجهال في البلدان المجاورة بكثير من الموتى، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم النهي عن الكتابة على القبور، كما صح عنه النهي عن البناء عليها، وأن يزاد عليها من غير ترابها، وأن تتخذ عليها المساجد والسرج كما سلفت الأحاديث بذلك، وما ذلك منه صلى الله عليه وسلم إلا حماية لجناب التوحيد، وسداً لطرق الشرك، وخوفاً على الأمة من الوقوع فيما وقع فيه من قبلهم من ضلال اليهود والنصارى، وعباد الأوثان من شتى قبائل العرب فلقد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة أبلغ نصيحة عليه من ربه أفضل الصلاة وأكمل التسلم. والمقصود من الزيارة لأهل البقيع هو الدعاء لهم بالعافية والمغفرة، والتذكر للآخرة بزيارتهم كما سلف في أول هذه الكلمة وذلك متيسر بحمد الله وإن لم يعلم الزائر أسماءهم، وليس هناك حاجة إلى ما اقترحه هذا الكاتب من الكتابة وإقامة الشبك، ولو كان في ذلك خير للمسلمين لكان السلف الصالح من الصحابة وأتباعهم بإحسان أسبق إلى ذلك وأولى بفعله من المتأخرين ؛ لأنهم بالشريعة أعلم، وفي العمل بها أرغب ولزوجات النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم من أهل البيت أحب وأغير فلما تركوا ذلك واكتفوا بما كان عليه الحال في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين علم أن ما أحدثه الناس بعدهم في القبور من ا لبناء والكتابة هو الباطل والغلو المحرم والحدث المنكر. فتنبه أيها القارئ لذلك، واحذر من شبه المشبهين وبدع المبتدعين والله الهادي إلى الصراط المستقيم. وقد جاء بعد الرسول صلى الله عليه وسلم دعاة الشرك من اليهود والنصارى ومن تشبه بهم من هذه الأمة يدعون الناس إلى خلاف ما دعاهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، وينتشرون بينهم الأفكار الهدامة والدعايات المضللة عن قصد وعن غير قصد، فراج الباطل بسبب ذلك وخفي الحق على أكثر الخلق، وقل دعاة الهدى وأنصار الشريعة، وكثر بين الناس أدعياء العلم وأنصار الشرك ودعاة الرذيلة، فحسبنا الله ونعم الوكيل، ومن هنا يعلم القراء الصالحون، والعلماء المهتدون أن الواجب عليهم التشمير عن ساعد الجد في الدعوة إلى الإسلام الصافي من شوائب الشرك والبدع، ونشر محاسنه وأحكامه العادلة وأهدافه السامية وتعاليمه السمحة بين طبقات الأمة في المجتمعات والمحافل والصحف والنشرات، ومن طريق الخطابة والإذاعة ليتعلم الجاهل وينتبه الغافل ويتذكر الناسي ويقف المضلل عند حده فلا يكيد للإسلام وأحكام الشريعة بمرأى من أهل العلم ومسمع، ومتى شمر دعاة الإسلام لنصره في الدعوة إليه، ذل دعاة الشرك والإلحاد والبدع والأهواء، وخمدت نارهم وقبعوا في زوايا الخمول وابتعدوا عن منصات الخطابة ومنابر الصحافة، أو دخلوا في الحق وناصروا أهله لما سطع لهم نوره، وظهر لهم رشده، وانزاح عن قلوبهم حجب الشبهات والجهالة، فما أوجب النصيحة لدين الإسلام على أهل الإسلام وما أعظم حقه عليهم، ولقد قام بهذا الواجب جم غفير من علماء الإسلام ودعاة الإصلاح في هذا العصر، وإني لأرجو لهم التوفيق والثبات ومزيد القوة والنشاط في الحق وهدم حصون الضلال وقلع أسس الباطل، وأني لأرى لزاماً على الذين لم يساهموا في هذا الميدان من القراء النابهين والعلماء المبرزين أن ينفضوا عنهم غبار الكسل وشبهة التواكل، وأن يقتحموا الميدان بصدق وشجاعة وعلم وحلم حتى ينصروا دينهم ويحموا شريعتهم ويهدوا الناس إليها ويرشدوهم إلى الصراط المستقيم، ولهم بذلك مثل أجور أتباعهم إلى يوم القيامة كما قال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم : ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً ) والله المسئول أن يهدينا وجميع إخواننا صراطه المستقيم، وأن يعيذنا جميعاً من طريق المغضوب عليهم والضالين إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وأله وصحبه.


الرد على : صالح محمد جمال

قال الشيخ عبد العزيز بن باز في ( مجموع فتاوى ومقالات متنوعة ) 1/401

الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى أله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

أما بعد : فقد اطلعت على ما نشرته صحيفة ( الندوة ) في عددها الصادر في 24/5/1387هـ بقلم الأخ صالح محمد جمال تحت عنوان : ( الآثار الإسلامية ) فألفيت الكاتب المذكور يدعو في مقاله المنوه عنه إلى تعظيم الآثار الإسلامية، والعناية بها، يخشى أن تندثر ويجهلها الناس. ويمضي الكاتب فيقول : ( والذين يزورون الآن بيت شكسبير في بريطانيا، ومسكن بتهوفن في ألمانيا لا يزورنها بدافع التعبد والتأليه، ولكن بروح التقدير والإعجاب لما قدمه الشاعر الإنجليزي والموسيقى الألماني لبلادهما وقومهما مما يستحق التقدير فأين هذه البيوت التافهة من بيت محمد ودار الأرقم بن أبي الأرقم وغار ثور وغار حراء وموقع بيعة الرضوان وصلح الحديبية، إلى أن قال : ومنذ سنوات قليلة عمدت مصر إلى تسجيل تاريخ ( أبو الهول ) ومجد الفراعنة، وراحت ترسلها أصواتاً تحدث وتصور مفاخر الآباء والأجداد، وجاء السواح من كل مكان يستمعون إلى ذلك الكلام الفارغ إذا ما قيست بمجد الإسلام، وتاريخ الإسلام ورجال الإسلام في مختلف المجالات،  ويريد الكاتب من هذا الكلام أن المسلمين أولى بتعظيم الآثار الإسلامية كغار حراء وغار ثور، وما ذكره الكاتب معهما آنفاً من تعظيم الإنجليز والألمان للفنانين المذكورين، ومن تعظيم المصريين لآثار الفراعنة، ثم يقترح الكاتب أن تقوم وزارة الحج والأوقاف بالتعاون مع وزارة المعارف على صيانة هذه الآثار والاستفادة منها بالوسائل التالية :

1- كتابة تاريخ هذه الآثار بأسلوب عصري معبر عما تحمله هذه الآثار من ذكريات الإسلام ومجده عبر القرون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

2- رسم خريطة أو خرائط لمواقع الآثار في كل من مكة المكرمة والمدينة المنورة.

3- إعادة بناء ما تهدم من هذه الآثار على شكل يغاير الأشكال القديمة، وتحلية البناء بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية على لوحة كبرى يسجل بها تاريخ موجز للأثر وذكرياته بمختلف اللغات.

4- إصلاح الطرق إلى هذه الآثار، وخاصة منها الجبلية كغار ثور وغار حراء، وتسهيل الصعود إليها بمصاعد كهربائية كالتي يصعد بها إلى جبال الأرز في لبنان مثلاً مقابل أجر معقول.

5- تعيين قيم أو مرشد لكل أثر من طلبة العلم يتولى شرح تاريخ الأثر للزائرين، والمعاني السامية التي يمكن استلهامها منه بعيداً عن الخرافات والبدع، أو الاستعانة بتسجيل ذلك على شريط يدار كلما لزمت الحاجة إليه.

6- إدراج تاريخ هذه الآثار ضمن المقررات المدرسية على مختلف المراحل. انتهى نقل المقصود من كلامه.

ولما كان تعظيم الآثار الإسلامية بالوسائل التي ذكرها الكاتب يخالف الأدلة الشرعية وما درج عليه سلف الأمة وأئمتها من عهد الصحابة رضي الله عنهم إلى أن مضت القرون المفضلة، ويترتب عليه مشابهة الكفار في تعظيم أثار عظمائهم، وغلو الجهال في هذه الآثار، وإنفاق الأموال في غير وجهها ظناً من المنفق أن زيارة هذه الآثار من الأمور الشرعية، وهي في الحقيقة من البدع المحدثة، ومن وسائل الشرك، ومن مشابهة اليهود والنصارى في تعظيم آثار أنبيائهم وصالحيهم واتخاذها معابد، ومزارات. رأيت أن أعلق على هذا المقال بما يوضح الحق ويكشف اللبس بالأدلة الشرعية والآثار السلفية، وأن أفضل القول فيما يحتاج إلى تفصيل، لأن التفصيل في مقام الاشتباه من أهم المهمات، ومن خير الوسائل لإيضاح الحق، عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( الدين النصيحة ) قيل لمن يارسول الله قال : ( لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) فأقول والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا به :

 

قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) أخرجه الشيخان وفي لفظ لمسلم : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم الجمعة : ( أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة ) والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهذه الآثار التي ذكرها الكاتب كغار حراء وغار ثور وبيت النبي صلى الله عليه وسلم ودار الأرقم بن أبي الأرقم ومحل بيعة الرضوان وأشباهها إذا عظمت وعبدت طرقها وعملت لها المصاعد واللوحات لا تزار كما تزار آثار الفراعنة، وآثار عظماء الكفرة، وإنما تزار للتعبد والتقرب إلى الله بذلك، وبذلك نكون بهذه الإجراءات قد أحدثنا في الدين ما ليس منه، وشرعنا للناس ما لم يأذن به الله وهذا هو نفس المنكر الذي حذر الله عز وجل منه في قوله سبحانه { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله } الشورى، وحذر منه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) وبقوله صلى الله عليه وسلم : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) قالوا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : ( فمن ؟! ) متفق على صحته، ولو كان تعظيم الآثار بالوسائل التي ذكرها الكاتب وأشباهها مما يحبه الله ورسوله لأمر به صلى الله عليه وسلم أو فعله، أو فعله أصحابه الكرام رضي الله عنهم، فلما لم يقع شئ من ذلك علم أنه ليس من الدين بل هو من المحدثات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم. وحذر منها أصحابه رضي الله عنهم، وقد ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أنكر تتبع آثار الأنبياء، وأمر بقطع الشجرة التي بويع النبي صلى الله عليه وسلم تحتها في الحديبية لما قيل له إن بعض الناس يقصدها، حماية لجناب التوحيد وحسماً لوسائل الشرك والبدع والخرافات الجاهلية. وأنا أنقل لك أيها القارئ ما ذكره بعض أهل العلم في هذا الباب لتكون على بينة من الأمر :

 

قال الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوش في كتابه ( الحوادث والبدع ) صفحة (135) : ( فصل في جوامع مع البدع ) ثم قال : " وقال المعرور بن سويد : خرجنا حجاجاً مع عمر بن الخطـاب رضي الله عنه فلقينا مسجداً فجعـل الناس يصلون فيه، قال عمر : أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم باتباع مثل هذا حتى اتخذوها بيعاً، فمن عرضت له فيها صلاة فليصل ومن لم تعرض له صلاة فليمض . ثم نقل في صفحة (141) عن محمد بن وضاح أن عمر بن الخطاب أمر بقطع الشجرة التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم لأن الناس كانوا يذهبون تحتها فخاف عمر الفتنة عليهم ".

 

ثم قال ابن وضاح : " وكان مالك وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار بالمدينة ماعدا قباء وأحد، ودخل سفيان بيت المقدس وصلى فيه ولم يتبع تلك الآثار ولا الصلاة فيها، وكذلك فعل غيره أيضاً ممن يقتدى به، ثم قال ابن وضاح : فكم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من الناس كان منكراً عند من مضى، وكم من متحبب إلى الله بما يبغضه الله عليه ومتقرب إلى الله بما يبعده منه " و انتهى كلامه رحمه الله.

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في صفحة (123) من جزء (26) من مجموع الفتاوى ما نصه : " وأما صعود الجبل الذي يعرفه ويسمى جبل الرحمة فليس سنة، وكذلك القبة التي فوقه التي يقال قبة آدم لا يستحب دخولها ولا الصلاة فيها، والطواف بها من الكبائر وكذلك المساجد التي عند الجمرات لا يستحب دخول شئ منها ولا الصلاة فيها. وأما الطواف بها أو بالصخرة أو بحجرة النبي صلى الله عليه وسلم وما كان غير البيت العتيق فهو من أعظم البدع المحرمة ". وقال في صفحة (144) من الجزء المذكور : " وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام كالمسجد الذي تحت الصفا وما في سفح أبي قبيس ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كمسجد المولد وغيره فليس قصد شيء من ذلك من السنة. ولا استحبه أحد من الأئمة، وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام خاصة. والمشاعر عرفة ومزدلفة ومنى والصفا والمروة، وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة غير المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى، مثل جبل حراء والجبل الذي عند منى الذي يقال إنه كان فيه قبة الفداء ونحو ذلك فإنه ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم زيارة شيء من ذلك بل هو بدعة، وكذلك ما يوجد في الطرقات من المساجد المبنية على الآثار والبقاع التي يقال إنها من الآثار لم يشرع النبي صلى الله عليه وسلم زيارة شيء من ذلك " . وقال في صفحة (134) من الجزء (27) من المجموع المذكور : " فصل : وأما قول السائل هل يجوز تعظيم مكان فيه خلوق وزعفران لكون النبي صلى الله عليه وسلم رؤى عنده ؟ فيقال بل تعظيم مثل هذه الأمكنة واتخاذها مساجد ومزارات لأجل ذلك هو من أعمال أهل الكتاب الذي نهينا عن التشبه بهم فيها. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في السفر فرأى قوماً يبتدرون مكاناً فقال : ما هذا ؟ فقالوا : مكان صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال : ومكان صلى فيه رسول لله صلى الله عليه وسلم ؟!. أتريدون أن تتخذوا آثار أنبيائكم مساجد ؟ من أدركته فيه الصلاة فليصل وإلا فليمض. وهذا قاله عمر بحضرة من الصحابة رضي الله عنهم، ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في أسفاره في مواضع، وكان المؤمنون يرونه في المنام في مواضع، وما اتخذ السلف شيئاً مسجداً ولا مزاراً. ولو فتح هذا الباب لصار كثير من ديار المسلمين أو أكثرها مساجد ومزارات فإنهم لا يزالون يرون النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقد جاء إلى بيوتهم , ومنهم من يراه مراراً كثيرة. وتخليق هذه الأمكنة بدعة مكروهة إلى أن قال : ولم يأمر الله أن يتخذ مقام نبي من الأنبياء مصلى إلا مقام إبراهيم بقوله { واتخذوا من مقام إبراهيم مُصلّى } البقرة،  كما أنه لم يأمر بالاستلام والتقبيل لحجر من الحجارة إلا الحجر الأسود، ولا بالصلاة إلى بيت إلا البيت الحرام، ولا يجوز أن يقاس غير ذلك عليه باتفاق المسلمين بل ذلك بمنزلة من جعل للناس حجاً إلى غير البيت العتيق، أو صيام شهر مفروض غير صيام رمضان، وأمثال ذلك. ثم قال : وقد تبين الجواب في سائر المسائل المذكور بأن قصد الصلاة والدعاء عندما يقال أنه قدم نبي أو أثر نبي أو قبر بعض الصحابة أو بعض الشيوخ أو بعض أهل البيت أو الأبراج أو الغيران من البدع المحدثة المنكرة في الإسلام لم يشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كان السابقون الأولون والتابعون لهم بإحسان يفعلونه، ولا استحبه من أئمة المسلمين بل هو من أسباب الشرك وذرائعه " والكلام على هذا مبسوط في غير هذا الجواب. ثم قال في صفحة (500) من الجزء المذكور : ( ولم يكن أحد من الصحابة بعد الإسلام يذهب إلى غار ولا يتحرى مثل ذلك فإنه لا يشرع لنا بعد الإسلام أن نقصد غير أن الجبال ولا نتخلى فيها. إلى أن قال : وأما قصد التخلي في كهوف الجبال وغيرانها، والسفر إلى الجبل للبركة مثل جبل الطور وجبل حراء وجبل ثور أو نحو ذلك فهذا ليس بمشروع لنا بل قد قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ) انتهى كلامه رحمه الله.

 

وقال ابن القيم رحمه الله في ( إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ) صفحة (204) بعد كلام له سبق في التحذير من قصد القبور للتبرك بها، والدعاء عندها : " وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير فروى غير واحد عن المعرور بن سويد قال : صليت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طريق مكة صلاة الصبح ثم رأى الناس يذهبون مذاهب. فقال : أين يذهب هؤلاء ؟ فقيل : يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم فهم يصلون فيه، فقال : إنما هلك من كان قبلكم  بمثل هذا كانوا يتبعون آثار أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعاً فمن أدركته الصلاة منكم في هذه المساجد فليصل ومن لا فليمش ولا يتعمدها، وكذلك أرسل عمر رضي الله عنه أيضا‌ً فقطع الشجرة التي بايع تحتها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " انتهى كلامه رحمه الله.

 

وكلام أهل العلم في هذا الباب كثير لا نحب أن نطيل على القارئ بنقله ولعل فيما نقلناه كفاية ومقنعاً لطالب الحق.. إذا عرفت ما تقدم من الأدلة الشرعية وكلام أهل العلم في هذا الباب علمت أن ما دعا إليه الكاتب المذكور من تعظيم الآثار الإسلامية كغار ثور ومحل بيعة الرضوان وأشباهها وتعمير ما تهدم منها والدعوة إلى تعبيد الطرق إليها، واتخاذ المصاعد لما كان مرتفعاً منها كالغارين المذكورين واتخاذ الجميع مزارات ووضع لوحات عليها، وتعيين مرشدين للزائرين – كل ذلك مخالف للشريعة الإسلامية التي جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وسد ذرائع الشرك والبدع وحسم الوسائل المفضية إليها . وعرفت أيضاً أن البدع وذرائع الشرك يجب النهي عنها ولو حسن قصد فاعلها أو الداعي إليها لما تفضي إليه من الفساد العظيم وتغيير معالم الدين وإحداث معابد ومزارات وعبادات لم يشرعها الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله عز وجل { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } المائدة،  فكل شيء لم يكن مشــروعاً في عهده صلى الله عليه وسلم وعهد أصحابه رضي الله عنهم لا يمكن أن يكون مشروعاً بعد ذلك. ولو فتح هذا الباب لفسد أمر الدين ودخل فيه ما ليس منه، وأشبه المسلمون في ذلك ما كان عليه اليهود والنصارى من التلاعب. ولهذا قال الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة في زمانه رحمه الله كلمة عظيمة وافقه عليها أهل العلم قاطبة. وهي قوله : " لن يصلح أخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ". ومراده بذلك أن الذي أصلح أولها هو التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والسير على تعاليمهما، والحذر مما خالفهما، ولن يصلح أخر هذه الأمة إلا هذا الأمر الذي صلح به أولها. ولقد صدق في ذلك رحمة الله فإن الناس لما غيروا وبدلوا واعتنقوا البدع وأحدثوا الطرق المختلفة تفرقوا في دينهم، والتبس عليهم أمرهم وصار كل حزب بما لديهم فرحون وطمع فيهم الأعداء، واستغلوا فرصة الاختلاف وضعف الدين، واختلفت المقاصد، وتعصب كل طائفة لما أحدثته من الطرق المضلة، والبدع المنكرة حتى آلت حال المسلمين إلى ما هو معلوم الآن من الضعف والاختلاف وتداعي الأمم عليهم. فالواجب على أهل الإسلام جميعاً هو الرجوع إلى دينهم والتمسك بتعاليمه السمحة وأحكامه العادلة، وأخذها من منبعها الصافي : الكتاب العزيز والسنة الصحيحة المطهرة، والتواصي بذلك، والتكاليف على تحقيقه في جميع المجالات التشريعية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغير ذلك، والحذر كل الحذر من كل ما يخالف ذلك أو يفضي إلى التباسه أو التشكيك فيه. وبذلك ترجع إلى المسلمين عزتهم المسلوبة، ويرجع إليهم مجدهم الأثيل وينصرهم الله على أعدائهم ويمكن لهم في الأرض كما قال عز وجل { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شياً } النور، وقال سبحانه { ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور } الحج.

 

وأما اقتراح الكاتب إدراج تاريخ هذه الآثار ضمن المقررات المدرسية على مختلف المراحل فهذا حق ولا مانع منه إذا كان ذلك سبيل الدعوة إلى التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أصابه من المشاق والأذى الشديد في سبيل الدعوة إلى الحق والتذكير بأحواله صلى الله عليه وسلم في بيته، وفي دار الأرقم، وفي غار ثور وحراء، والاستفادة من الآيات والمعجزات التي حصلت في غار ثور، في مكة المكرمة، وفي طريق الهجرة، وفي المدينة المنورة، وكون الله سبحانه حماه من مكائد أعدائه في جميع مراحل الدعوة، لاشك أن التحدث عن هذه الأمور وما فيها من العبر والمعجزات، والدلالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما دعا إليه، والشهادة له بأنه رسول الله حقاً، وما أيده الله به من الآيات والمعجزات كل ذلك مما يقوي الإيمان في القلوب. ويشرح صدور المسلمين، ويحفزهم إلى التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم والسير على منهاجه، والصبر على المشاق والمتاعب، ولقد أدرك علماء المسلمين هذه المعاني الجليلة، وصنفوا فيها الكتب، والرسائل وذكروها في المقررات المدرسية على اختلاف أنواعها ومراحلها، ولا ريب أنه ينبغي للمسئولين عن التعليم في جميع البلاد الإسلامية أن يعنوا بهذا الأمر وأن يعطوه ما يستحقه من إيضاح وتفصيل حتى تكون ناشئة المسلمين على غاية من البصيرة بما كان عليه نبيهم وأمامهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأخلاق الكريمة، والأعمال الصالحة والجهاد الطويل والصبر العظيم حتى لحق بربه وصار إلى الرفيق الأعلى عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام … والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، وأن يوفقهم وقادتهم للتمسك بدين الله والاستقامة عليه وتحكيمه، والتحاكم إليه، والسير على منهاجه القويم الذي ارتضاه لعباده وتركهم عليه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وسار عليه صحابته الكرام، وأتباعهم بإحسان، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وأله وصحبه.


 

الفصل السابع

حرمة دخول ديار المعذبين ورعاية آثارهم

 

ومما سبق يتبين بياناً جلياً حرمة الاهتمام بالآثار ورعايتها وصيانتها وأنها بدعة محرمة تفضي إلى الشرك وتضل الأمة، فإذا كان هذا الخطر العظيم ناتج عن رعاية الآثار الإسلامية، فكيف سيكون الحكم برعاية آثار القوم الكافرين الذين عذبوا ؟، لا شك أنه أشد حرمة وهو أقرب إلى كفر بالله منه إلى التحريم فقط، لأنه تشبه بهم وحب لهم ورضى بصنيعهم، لذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم دخول ديارهم، إلا على حال من الخوف والبكاء رجاءً لله ألا يعاقبنا بمرورنا، وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل بل أسرع وتقنع بثوبه وتجاوز أرضهم، هذا حكم الدخول إلى ديارهم فما، بالك برعاية آثارهم والافتخار بهم وبفنهم المعماري ؟ رغم أن هذا العمل لا يمكن أن ينتج إلا عن محبة ورضى في القلب، وما يبين الفرق بين رعاية آثار المسلمين أنها محرمة ورعاية آثار الكافرين أنها أقرب إلى الكفر نصوص العلماء في الفصل الأول، وأيضاً هذه النصوص :

 

قال شيخ الإسلام بن تيمية في ( اقتضاء الصراط المستقيم ) 1 /80 " وفي الصحيحين عن نافع عن ابن عمر ( أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة ) ورواه البخاري من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها فقالوا قد عجنا منها واستقينا فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا ذلك الماء ) وفي حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( لما مر بالحجر لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فان لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم )، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا مع البكاء خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم ونهى عن الانتفاع بمياههم حتى أمرهم مع حاجتهم في تلك الغزوة وهي غزوة العسرة وهي أشد غزوة كانت على المسلمين، أن يعلفوا النواضح بعجين مائهم، وكذلك أيضا روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة في أماكن العذاب فروى أبو داود أن عليا رضي الله عنه مر ببابل وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال ( إن حبيبي النبي صلى الله عليه وسلم نهاني أن أصلي في المقبرة ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة ) ورواه أيضا عن أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أيضا أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة عن الحجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري عن علي بمعناه ولفظه فلما خرج منها مكان برز وقد روى الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله بإسناد أصح من هذا عن علي رضي الله عنه نحوا من هذا أنه كره الصلاة بأرض بابل وأرض الخسف أو نحو ذلك، وكره الإمام أحمد الصلاة في هذه الأمكنة اتباعا لعلي رضي الله عنه، وقوله ( نهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة ) يقتضي أن لا يصلي في أرض ملعونة والحديث المشهور في الحجر يوافق هذا فإنه إذا كان قد نهى عن الدخول إلى أرض العذاب دخل في ذلك الصلاة وغيرها من باب أولى ويوافق ذلك قوله سبحانه عن مسجد الضرار { لا تقم فيه أبدا } فإنه كان من أمكنة العذاب قال سبحانه { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم } وقد روى أنه لما هدم خرج منه دخان، وهذا كما أنه ندب إلى الصلاة في أمكنة الرحمة كالمساجد الثلاثة ومسجد قباء فكذلك نهي عن الصلاة في أماكن العذاب فأما أماكن الكفر والمعاصي التي لم يكن فيها عذاب إذا جعلت مكانا للإيمان والطاعة فهذا حسن، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف أن يجعلوا المسجد مكان طواغيتهم وأمر أهل اليمامة أن يتخذوا المسجد مكان بيعة كانت عندهم وكان موضع مسجده صلى الله عليه وسلم مقبرة للمشركين فجعله صلى الله عليه وسلم مسجدا بعد نبش القبور، فإذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار في المكان الذي حل بهم فيه العذاب فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها واستحقوا بها العذاب، فإنه إذا قيل هذا العمل الذي يعملونه لو تجرد عن مشابهتهم لم يكن محرما ونحن لا نقصد التشبه بهم فيه، فنفس الدخول إلى المكان ليس بمعصية لو تجرد عن كونه أثرهم ونحن لا نقصد التشبه بهم بل المشاركة في العمل أقرب إلى اقتضاء العذاب من الدخول إلى الديار فإن جميع ما يعملونه مما ليس من أعمال المسلمين السابقين إما كفر وإما معصية وإما شعار كفر أو شعار معصية وإما مظنة للكفر والمعصية وإما أن يخاف أن يجر إلى المعصية وما أحسب أحدا ينازع في جميع هذا ولئن نازع فيه فلا يمكنه أن ينازع في أن المخالفة فيه أقرب إلى المخالفة في الكفر والمعصية، وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من حصولها في المكان، ألا ترى أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في أعمالهم أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم، وأيضا مما هو صريح في الدلالة ما روى أبو داود في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من تشبه بقوم فهو منهم )  وهذا إسناد جيد، وهذا الحديث أقل أحواله أنه يقتضي تحريم التشبه بهم وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم كما في قوله { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } وهو نظير ما سنذكره عن عبد الله بن عمرو أنه قال من بنى بأرض المشركين وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة فقد يحمل هذا على التشبه المطلق فإنه يوجب الكفر ويقتضي تحريم أبعاض ذلك وقد يحمل على أنه صار منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرا أو معصية أو شعارا للكفر أو للمعصية كان حكمه كذلك.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ( شرح العمدة ) 4 /507 " صل ولا يصلى في مواضع الخسف نص عليه في رواية عبد الله و احتج بما رواه بإسناده عن حجر بن عنبس الحضرمي قال خرجنا مع علي بن أبي طالب إلى النهروان حتى إذا كنا ببابل حضرت صلاة العصر فقلت الصلاة فسكت مرتين فلما خرج منها صلى ثم قال ما كنت اصلي بأرض خسف بها ثلاث مرات، و روى أبو داود في سننه عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن عليا رضي الله عنه مر ببابل و هو يسير فجاءه المؤذن يؤذن بصلاة العصر فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال ( إن حبيبي نهاني أن أصلي في المقبرة و نهاني أن أصلي في ارض بابل فإنها ملعونة ) و لأن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن الدخول إلى المساكن الذين ظلموا أنفسهم و سن إن اجتزنا بها الإسراع فروى ابن عمر ( أن النبي صلى الله عليه و سلم لما مر بالحجر قال لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل الذي أصابهم ثم قنع رسول الله صلى الله عليه و سلم رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي ) متفق عليه، و قد قيل أنه صلى الله عليه و سلم أسرع السير بوادي محسر صبيحة مزدلفة وسن للحجيج الإسراع فيه لأنه المكان الذي نزل على أهل الفيل فيه العذاب و حسر فيلهم فيه أي انقطع عن الحركة إلى جهة مكة و يقال أنه يخسف بقوم فيه فإذا كان المكث في مواقع العذاب و الدخول إليها لغير حاجة منهي عنه فالصلاة بها أولى و لا يقال فقد استثنى ما إذ كان الرجل باكيا لأن هذا الاستثناء من نفس الدخول فقط فأما المكث بها و المقام و الصلاة فلم يأذن فيه بدليل حديث علي و لأن مواضع السخط و العذاب قد اكتسبت السخط بما نزل ساكنيها و صارت الأرض ملعونة كما صارت مساجد الأنبياء مثل مسجد إبراهيم و محمد و سليمان صلى الله عليهم مكرمة لأجل من عبد الله فيها و أسسها على التقوى فعلى هذا كل بقعة نزل عليها عذاب لا يصلى فيها مثل ارض الحجر و ارض بابل المذكورة و مثل مسجد الضرار لقوله تعالى { لا تقم فيه أبدا } ، فإن صلى فهل تصح صلاته فعلى ما ذكره طائفة من أصحابنا تصح لأنهم جعلوا هذا من القسم الذي تكره الصلاة فيه و لا تحرم لأن أحمد كره ذلك و لأنهم لم يستثنوه من الأمكنة التي لا يجوز الصلاة فيها و لأصحابنا في الكراهة المطلقة من أبي عبد الله وجهان أحدهما أنه محمول على التحريم و هذا أشبه بكلامه و أقيس بمذهبه لأنه قد قال في الصلاة في مواضع نهي النبي صلى الله عليه و سلم عنها يعيد الصلاة و كذلك عند القاضي و الشريف أبي جعفر و غيرهما طرد الباب في ذلك بان كل بقعة نهي عن الصلاة فيها مطلقا لم تصح الصلاة فيها كالأرض النجسة و هذا ظاهر فإن الواجب إلحاق هذا بمواضع النهي لأن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عنه كما نهى عن الصلاة في المقبرة و نهى الله نبيه أن يقوم في مسجد الضرار و نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن الدخول إلى مساكن المعذبين عموما فإذا، كان الله نهى عن الصلاة في الأماكن الملعونة خصوصا و نهى عن الدخول إليها خصوصا و عمل بذلك خلفاؤه الراشدون و أصحابه مع أن الأصل في النهي التحريم و الفساد لم يبق للعدول عن ذلك بغير موجب وجه لا سيما و النهي هنا كان مؤكدا و لهذا لما عجنوا دقيقهم بماء آل ثمود أمرهم أن يعلفوه النواضح و لا يطعموه فأي تحريم أبين من هذا قوم مجاهدون في سبيل الله في غزوة العسرة التي غلب عليهم فيها الحاجة و هي غزوة تبوك التي لم يكن يحصي عددهم فيها ديوان حافظ و خرجوا في شدة من العيش و قلة من المال و مع هذا يأمرهم أن لا يأكلوا عجينهم الذي أعز أطعمتهم عندهم فلو كان إلى الإباحة سبيل لكان أولئك القوم أحق الناس بالإباحة فعلم أن النهي عن الدخول والاستقاء كان نهي تحريم ثم أنه قد قرن بين الصلاة في الأرض الملعونة و الصلاة في المقبرة ثم جميع الأماكن التي نهى عن الصلاة فيها إذا صلي فيها لم تصح صلاته فما بال هذا المكان يستثنى من غير موجب إلا عدم العلم بالسنة فيه.

وقال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى  15 / 324 " وفى صحيح مسلم عن عمران ابن حصين حديث المرأة التى لعنت ناقة لها فأمر النبى صلى الله عليه وسلم فأخذ ما عليها وأرسلت وقال ( لا تصحبنا ناقة ملعونة ) وفى الصحيحين عنه أنه لما اجتاز بديار ثمود قال ( لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لئلا يصيبكم ما أصابهم ) فنهى عن عبور ديارهم إلا على وجه الخوف المانع من العذاب، وهكذا السنة في مقارنة الظالمين والزناة وأهل البدع والفجور وسائر المعاصى لا ينبغى لأحد أن يقارنهم ولا يخالطهم إلا على وجه يسلم به من عذاب الله عز وجل وأقل ذلك أن يكون منكرا لظلمهم ما قتا لهم شانئا ما هم فيه بحسب الإمكان كما في الحديث ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ".

قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة 3 / 1245 " فصل حكم حضور أعياد أهل الكتاب وكما أنهم لا يجوز لهم إظهاره فلا يجوز للمسلمين ممالاتهم عليه ولا مساعدتهم ولا الحضور معهم باتفاق أهل العلم الذين هم أهله وقد صرح به الفقهاء من أتباع الأئمة الأربعة في كتبهم فقال أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الفقيه الشافعي ولا يجوز للمسلمين أن يحضروا أعيادهم لأنهم على منكر وزور وإذا خالط أهل المعروف أهل المنكر بغير الإنكار عليهم كانوا كالراضين به المؤثرين له فنخشى من نزول سخط الله على جماعتهم فيعم الجميع نعوذ بالله من سخطه ثم ساق من طريق ابن أبي حاتم حدثنا الأشج ثنا عبدالله بن أبي بكر عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة { والذين يشهدون الزور } قال لا يمالئون أهل الشرك على شركهم ولا يخالطونهم ونحوه عن الضحاك، ثم ذكر حديث عبدالله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله ( لا تدخلوا على هؤلاء الملعونين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم ) والحديث في الصحيح وذكر البيهقي بإسناد صحيح في باب كراهية الدخول على أهل الذمة في كنائسهم والتشبه بهم يوم نيروزهم ومهرجانهم عن سفيان الثوري عن ثور بن يزيد عن عطاء بن دينار قال قال عمر رضي الله عنه لا تعلموا رطانة الأعاجم ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم فإن السخطة تنزل عليهم ".

 

وقال ابن القيم في زاد المعاد 2 / 255 " فلما أتى بطن محسر حرك ناقته وأسرع السير وهذه كانت عادته في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه فإن هنالك أصاب أصحاب الفيل ما قص الله علينا ولذلك سمي ذلك الوادي وادي محسر لأن الفيل حسر فيه أي أعيى وانقطع عن الذهاب إلى مكة وكذلك فعل في سلوكه الحجر ديار ثمود فإنه تقنع بثوبه وأسرع السير ".

 

وقال أيضاً في زاد المعاد 3 /560 " ومنها أن الماء الذي بآبار ثمود لا يجوز شربه ولا الطبخ منه ولا العجين به ولا الطهارة به ويجوز أن يسقى البهائم إلا ما كان من بئر الناقة وكانت معلومة باقية إلى زمن رسول الله ثم استمر علم الناس بها قرنا بعد قرن إلى وقتنا هذا فلا يرد الركوب بئرا غيرها وهي مطوية محكمة البناء واسعة الأرجاء آثار العتق عليها بادية لا تشتبه بغيرها ومنها أن من مر بديار المغضوب عليهم والمعذبين لم ينبغ له أن يدخلها ولا يقيم بها بل يسرع السير ويتقنع بثوبه حتى يجاوزها ولا يدخل عليهم إلا باكيا معتبرا   ومن هذا إسراع النبي السير في وادي محسر بين منى وعرفة فإنه المكان الذي أهلك الله فيه الفيل وأصحابه ".

 

قال القرطبي في تفسير القرطبي 10 / 45 " الحجر ديار ثمود وهو المراد هنا أي المدينة قاله الأزهري قتادة وهي ما بين مكة وتبوك وهو الوادي الذي فيه ثمود، قال الطبري هي أرض بين الحجاز والشام وهم قوم صالح روى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها فقالوا قد عجنا واستقينا فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهرقوا الماء وأن يطرحوا ذلك العجين ) وفي الصحيح عن ابن عمر ( أن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر أرض ثمود فاستقوا من آبارها وعجنوا به العجين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا ويعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من البئر التي تردها الناقة ) وروي أيضا عن ابن عمر قال مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحجر فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصابهم ثم زجر فأسرع )  قلت ففي هذه الآية التي بين الشارع حكمها وأوضح أمرها كراهية دخول تلك المواضع وعليها حمل بعض العلماء دخول مقابر الكفار فإن دخل الإنسان شيئا من تلك المواضع والمقابر فعلى الصفة التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم من الاعتبار والخوف والإسراع وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا تدخلوا أرض بابل فإنها ملعونة ) مسئلة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهرق ما استقوا من بئر ثمود وإلقاء ما عجن وخبز به لأجل أنه ماء سخط فلم يجز الانتفاع به فرارا من سخط الله وقال اعلفوه الإبل، قلت وهكذا حكم الماء النجس وما يعجن به، منع بعض العلماء الصلاة بهذا الموضع وقال لا تجوز الصلاة فيها لأنها دار سخط وبقعة غضب قال ابن العربي فصارت هذه البقعة مستثناة من قوله صلى الله عليه وسلم ( جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ) فلا يجوز التيمم بترابها ولا الوضوء من مائها ولا الصلاة فيها، رواه معمر عن الزهري فقال ( اخرجوا عن الموضع الذي أصابتكم فيه الغفلة ) وقول علي ( نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة ) وقد روي عن علي بن أبي طالب قال ( نهاني حبيبي صلى الله عليه وسلم أن أصلي في المقبرة ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة ) وإسناده ضعيف مجتمع على ضعفه وأبو صالح الذي رواه عن علي هو سعيد ابن عبد الرحمن الغفاري بصري ليس بمشهور ولايصح له سماع عن علي ومن دونه مجهولون لا يعرفون قال أبو عمر وفي الباب عن علي من قوله غير مرفوع حديث حسن الإسناد رواه الفضل بن دكين قال حدثنا المغيرة بن أبي الحر الكندي قال حدثني أبو العنبس حجر بن عنبس قال خرجنا مع علي إلى الحرورية فلما جاوزنا سويا وقع بأرض بابل قلنا يا أمير المؤمنين أمسيت الصلاة الصلاة فأبى أن يكلم أحدا قالوا يا أمير المؤمنين قد أمسيت قال بلى ولكن لا أصلي في أرض خسف الله بها والمغيرة بن أبي الحر كوفي ثقة قاله يحيى بن معين وغيره وحجر بن عنبس من كبار أصحاب علي وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري " أهـ بتصرف.

 

قال ابن حجر في فتح الباري 1 /530 " قوله باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب أي ما حكمها وذكر العذاب بعد الخسف من العام بعد الخاص لأن الخسف من جملة العذاب قوله ويذكر أن عليا هذا الأثر رواه بن أبي شيبة من طريق عبد الله أين أبي المحل وهو بضم الميم وكسر المهملة وتشديد اللام قال كنا مع على فمررنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى إجازة أي تعداه ومن طريق أخرى عن على قال ما كنت لأصلي في أرض خسف الله بها ثلاث مرار والظاهر أن قوله ثلاث مرار ليس متعلقا بالخسف لأنه ليس فيها إلا خسف واحد وإنما أراد أن عليا قال ذلك ثلاثا ورواه أبو داود مرفوعا من وجه آخر عن على ولفظه ( نهاني حبيبي  صلى الله عليه وسلم  أن أصلي في أرض بإبل فإنها ملعونة ) في إسناده ضعف واللائق بتعليق المصنف ما تقدم والمراد بالخسف هنا ما ذكر الله تعالى في قوله { فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم.. }الآية. ذكر أهل التفسير والأخبار أن المراد بذلك أن النمرود بن كنعان بني ببابل بنيانا عظيما يقال إن ارتفاعه كان خمسة آلاف ذراع فخسف الله بهم، قال الخطابي لا أعلم أحدا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل فإن كان حديث على ثابتا فلعله نهاه أن يتخذها وطنا لأنه إذا أقام بها كانت صلاته فيها يعني أطلق الملزوم وأراد اللازم قال فيحتمل أن النهي خاص بعلي إنذارا له بما لقي من الفتنة بالعراق قلت وسياق قصة الأولى يبعد هذا التأويل والله اعلم.

 

قوله ( لا تدخلوا ) كان هذا النهي لما مروا مع النبي  صلى الله عليه وسلم  بالحجر ديار ثمود في حال توجههم إلى تبوك وقد صرح المصنف في أحاديث الأنبياء من وجه آخر عن بن عمر ببعض ذلك قوله هؤلاء المعذبين بفتح الذال المعجمه وله في أحاديث الأنبياء ( لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم قوله إلا أن تكونوا باكين ) ليس المراد الاقتصار في ذلك على ابتداء الدخول بل دائما عند كل جزء من الدخول وأما الاستقرار فالكيفية المذكورة مطلوبة فيه بالأولوية وسيأتي أنه صلى الله عليه وسلم  لم ينزل فيه البتة قال بن بطال هذا يدل على إباحة الصلاة هناك لأن الصلاة موضع بكاء وتضرع كأنه يشير إلى عدم مطابقة الحديث لأثر علي قلت والحديث مطابق له من جهة أن كلا منهما فيه ترك النزول كما وقع عند المصنف في المغازي في آخر الحديث ( ثم قنع  صلى الله عليه وسلم رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي ) فدل على أنه لم ينزل ولم يصل هناك كما صنع علي في خسف بابل، وروى الحاكم في الإكليل عن أبي سعيد الخدري قال ( رأيت رجلا جاء بخاتم وجده بالحجر في  بيوت المعذبين فأعرض عنه النبي  صلى الله عليه وسلم واستتر بيده أن ينظر إليه وقال القه فألقاه ) لكن إسناده ضعيف وسيأتي نهيه صلى الله عليه وسلم أن يستقي من مياههم في كتاب أحاديث الأنبياء إن شاء الله تعالى.

 

قوله ( لا يصيبكم ) بالرفع على أن لا نافية والمعنى لئلا يصيبكم ويجوز الجزم على أنها ناهية وهو أوجه وهو نهى بمعنى الخبر وللمصنف في أحاديث الأنبياء أن يصيبكم أي خشية أن يصيبكم ووجه هذه الخشية أن البكاء يبعثه على التفكر والاعتبار فكأنه أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير الله تعالى على أولئك بالكفر مع تمكينه لهم في الأرض وأمهالهم مدة طويلة ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه وهو سبحانه مقلب القلوب فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك والتفكر أيضا في مقابلة أولئك نعمة الله بالكفر وأهمالهم وإعمال عقولهم فيما يوجب الإيمان به والطاعة له فمن مر عليهم ولم يتفكر فيما يوجب البكاء اعتبارا باحوالهم فقد شابههم في الإهمال،  ودل على قساوة قلبه وعدم خشوعه فلا يأمن أن يجره ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه ما أصابهم، وبهذا يندفع اعتراض من قال كيف يصيب عذاب الظالمين من ليس بظالم لأنه بهذا التقدير لا يأمن أن يصير ظالما فيعذب بظلمه وفي الحديث الحث على المراقبة والزجر عن السكنى في ديار المعذبين والإسراع عند المرور بها وقد أشير إلى ذلك في قوله تعالى { وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم } ".

 

وقال الحافظ أيضاً في فتح الباري 13 /61 " ويدل على تعميم العذاب لمن لم ينه عن المنكر وان لم يتعاطاه قوله تعالى { فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم } ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة هذا إذا لم يعنهم ولم يرض بأفعالهم فإن أعان أو رضي فهو منهم ويؤيده أمره  صلى الله عليه وسلم بالإسراع في الخروج من ديار ثمود ".

 

قال ابن القيم في الجواب الكافي 1 /42 " ومن آثار الذنوب والمعاصي إنها تحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه والهوى والزرع والثمار والمساكن قال تعالى { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون } قلت أراد أن الذنب سبب الفساد الذي ظهر وإن أراد أن الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها فيكون قوله ليذيقهم بعض الذي عملوا لام العاقبة والتعليل وعلى الأول فالمراد بالفساد والنقص والشر والالآم التي يحدثها الله في الأرض بمعاصي العباد فكل ما أحدثوا ذنبا أحدث لهم عقوبة كما قال بعض السلف كل ما أحدثتم ذنبا أحدث الله لكم من سلطانه عقوبة والظاهر والله أعلم إن الفساد المراد به الذنوب وموجباتها ويدل عليه قوله تعالى { ليذيقهم بعض الذي عملوا } فهذا حالنا وإنما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا فلو أذاقنا كل أعمالنا لما ترك على ظهرها من دابة ومن تأثير معاصي الله في الأرض ما يحل بها من الخسف والزلازل ويمحق بركتها وقد مر رسول الله على ديار ثمود فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون ومن شرب مياههم ومن الاستسقاء من أبيارهم حتى أمر أن يعلف العجين الذي عجن بمياههم لنواضح الإبل لتأثير شؤم المعصية في الماء وكذلك شؤم تأثير الذنوب في نقص الثمار وما ترى به من الآفات وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال وجدت في خزائن بعض بني أمية حنطة الحبة بقدر نواة التمرة وهي في صرة مكتوب عليها كان هذا ينبت في زمن من العدل، وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء انهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن وكثير من هذه الآفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونها وإنما حدثت من قرب ".

و ما يحدث لنا الآن من ضيق حال وفساد أحوال وكثرة للشر والبطالة،  والهوان على أهل الأرض جميعاً هو بسبب ما اقترفناه ولا يظلم ربك أحداً.

 

وبعد هذا كله فإني لا أظن أن من يريد الحق لم يبن له الحق بعد، كما أني لا أظن إلا أنه قد تبين للخاص قبل العام، ما ستفضي إليه القرارات الأخيرة التي لم تراعي للشريعة حقاً، حتى أصبحت الشريعة ألعوبة في ألسنة كثير ممن لا يرجون لله وقارا، وكلمة الحق التي لا بد أن تقال وبكل صراحة أننا أصبحنا في زمان لا نعرف من الدين إلا إسمه ولا من القرآن إلا رسمه، مهما تمسحنا به وتشدقنا في ذلك، وعندما تطابق النصوص في مختلف المجالات على واقعنا تجد أننا بعيدين كل البعد عن ما تدل عليه النصوص وتأمر به أو تحرمه، ففي الوقت الذي ننتظر من المسؤولين في بلاد الحرمين إصدار قرار يقضي بطرد العمالة الكافرة وتطهير جزيرة العرب، نفاجأ بما يجعل الحليم حيرانا، نفاجأ بقرارات متتالية تطير العقول، وتفتح باب انتهاك الشريعة ومخالفة النصوص وعصيان الله ورسوله على مصراعيه، نسأل الله أن يرد الجميع إلى دينه رداً جميلاً، كما نسأله ألا يسلط علينا بذنوبنا من لا يخافه ولا يرحمنا.

 
 

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 
أعلى الصفحة

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games