كان يجب أن تكون
مقالة اليوم وداعا للعام الذي انقضي
قبل يومين وانقضي به القرن العشرون
والألف الثانية كلها, أو تكون
تحية للعام الجديد والقرن الجديد
والألفية الثالثة. لكني رأيت أن
حديثا خطيرا كهذا الحديث يحتاج إلي
استعداد كاف يجب أن أعطيه مايستحق من
وقت, وأن أجعل مقالة اليوم وصلا
لما انقطع بيني وبين القراء الأعزاء
خلال شهر رمضان الذي أعتاد الأهرام
أن يتركنا فيه لشئوننا الخاصة.
وكنت قد تلقيت خلال الشهر الكريم عدة
رسائل يسألني فيها القراء أن أوضح
مابدالهم غامضا فيما ذكرته عن تراث
المصريين في العصر المسيحي الذي سبق
دخول الإسلام مصر, وذلك في مقالتي
الأخيرة التي نشرت في آخر أربعاء سبق
رمضان بعنوان كل مصري قبطي.
لقد حاولت في هذه المقالة أن ألفت
النظر لظاهرة جديدة توسمت فيها أن
تكون بداية يقظة ثقافية نراجع فيها
موقفنا من تاريخنا الوطني, نعيد
الاعتبار لعصر كامل من عصور هذا
التاريخ لا نعرف عنه إلا القليل,
ونختلف في تسميته, ونسقطه أحيانا
من تاريخنا الوطني, ونخرجه من
مناهج الدراسة, غير مدركين أن
إهمالنا له اهمال لتراثنا القومي
كله, وأن تجاهلنا له واستهتارنا
به وخطأنا في تقديره يفسد علاقتنا
بتراثنا كله وتاريخنا في كل العصور.
وأنا أتحدث عن العصر الذي نسميه خطأ
العصر القبطي, وهو الذي يبدأ من
دخول المسيحية مصر في القرن
الميلادي الأول, وينتهي بالفتح
العربي الإسلامي في القرن السابع.
ويتمثل خطأ هذه التسمية ـ وهذا هو
خطؤنا الأول ـ في ظننا أن القبطي هو
المسيحي وحده. والحقيقة أن كلمة
قبط تركيب من تعبير مصري فرعوني يشير
الي مدينة منف باعتبارها مقر الآله
بتاح, وهو في الديانة المصرية
القديمة رب الفن والفنانين.
فكلمة قبط إذن اسم من أسماء منف التي
كانت عاصمة للبلاد, ومن هنا أطلق
الاسم علي البلاد كلها, وعرفت به
في اللغات الأجنبية, فمصر في هذه
اللغات هي إيجبت, والمصريون
جميعا أقباط, سواء كانوا مسلمين
أو مسيحيين.
ويستطيع القراء أن يعودوا إلي كتاب
الدكتور رأفت عبد الحميد الفكر
المصري في العصر المسيحي الصادر في
مكتبة الأسرة في العام الماضي ليجدو
شرحا ممتعا لهذه النقطة, وحديثا
مستفيضا عن الفكر المصري الذي ظهر في
العصر المسيحي بتياراته الوثنية,
والفلسفية, والمسيحية.
وكانت الطبعة الأولي لهذا الكتاب قد
ظهرت في السبعينيات, فكانت بداية
حركة تتسع يوما بعد يوم, وتتناول
التراث المصري كله في ذلك العصر
بصوره المختلفة, وتستلهمه في
أعمال جديدة وهي الظاهرة التي كتبت
مقالتي السابقة أنوه بها, ألفت
النظر إليها تصحيحا لعلاقتنا
بتاريخنا القومي, أي بماضينا
وحاضرنا معا, بوجودنا بأفرادنا
وجماعتنا, بأنفسنا وبالآخرين,
أي بوجودنا كله في صوره المادية
وتجلياته الثقافية.
إن وجودنا كله مشروط بصحة فهمنا
لتاريخنا, ولحركتنا في هذا
التاريخ, وللقوانين التي نظمت
هذه الحركة, وللدروس المستخلصة
من هذا التاريخ. وإلا فالخطأ الذي
نقع فيه, أو التضليل الذي ننساق
إليه يعوق حركتنا, ويفرق جماعتنا.
بعضنا ينظر الي التاريخ القومي من
زاوية التزامه الديني بالمعني الضيق
الذي يكون فيه الانتماء للدين ناقضا
للانتماء للوطن, وتكون فيه كل ملة
أمة مستقلة, وكل ديانة مخالفة
جاهلية. يجب نبذها والتبرؤ منها,
والنتيجة هي التضحية بأزهي مافي
تاريخنا الوطني من عصور, وبكل
ماحققناه فيها من أعمال لاتزال
شاخصة شامخة, وكل ماوصلنا إليه من
كشوف وخبرات نقلت البشرية من الظلمة
الطويلة التي سبقت التاريخ إلي
التاريخ بطرقه الواضحة وشمسه
المشرقة.
وهناك من يظن أن التراث المصري في
العصر المسيحي تراث أجنبي, لأنه
يعود الي عصر فقدت فيه مصر استقلالها,
وأصبحت ولاية تابعة للرومان
والبيزنطيين. ومن المؤسف أن يكون
هذا الخطأ دراجا شائعا يقع فيه
العوام كما يقع فيه أكثر المتعلمين
وغير قليل من المثقفين الذين
يختزلون مصر فيسمونها باسم حاكم أو
أسرة حاكمة فيقولون مصر البلطلمية,
ومصر الرومانية, ومصر البيزنطية,
وينسبون ماأنجزته في تلك العصور إلي
هولاء الحكام الأجانب, أو
يسقطونه من حسابهم كما يفعلون مع
التراث المصري في العصر المسيحي,
غير مدركين هنا أيضا أن العقلية التي
تنسب هذا التراث للرومان
والبيزنطيين هي العقلية التي تنسب
تراثنا العربي الإسلامي للأمويين,
والعباسيين, والفاطميين,
والأيوبيين, والمماليك,
والأتراك, وتتبني بالتالي أسوأ
مايمكن أن يتبناه إنسان من أفكار عن
وطنه وأمته.
لقد حول الغزاة والطغاة المستبدون
الدين الي أداة استخدموها في قهرنا,
فعبثوا بتاريخنا القديم, وأفسدوا
علاقتنا به, وأدعوا لأنفسهم كل
ماحققناه في وجودهم, ولم يتركوا
لنا إلا أشق الأعمال وأحطها, فهم
الأمراء والعلماء, والشعراء,
والقادة, ونحن رقيق الأرض نحرم من
كل مجد نستحقه ونعمل غصبا وسخرة.
هكذا يكون جهل الجاهلين بتاريخهم
الوطني سببا في أن يخاصموا وطنهم,
ويكرهوا أنفسهم, ويفقدوا الشعور
بالكرامة, ويرددوا كالببغاوات
مايقوله المستبدون فيهم, ويرضوا
بأن يكون مكانهم في وطنهم هو مكان
التابع الذليل!
يسألني السيد محمد فراج إبراهيم
المحاسب ببنك التنمية والائتمان
الزراعي في أبو قرقاص بمحافظة
المنيا عن الفنون والعلوم التي
ابتدعها الأقباط قبل الفتح العربي
وبعده, لأنه لا يعرف مما قدموه
إلا الكنائس والأديرة وماتحويه من
تصاوير وأشكال وهي متناثرة في مصر
مما يعني ـ حسب ماأعتقد ـ أنهم لم
يقيموا دولة في مصر لها طابعها الخاص
واستقلالها, بل كانوا دائما
جماعات عاشت تحت سيطرة وحكم غيرهم.
وأنا أبدأ جوابي بتنبيه القاريء
العزيز إلي أن هؤلاء الأقباط الذين
يسألني عن إبداعاتهم هم آباؤه
وأخواله وأعمامه, لأن المسلمين
في مصر ليسوا شعبا أجنبيا غزا مصر
وفرض نفسه علي أهلها, بل المسلمون
المصريون هم الأقباط الذين اعتنقوا
الإسلام. أما العرب الفاتحون فلم
يكونوا إلا آلافا ذابت في المصريين
الذين كانوا وقت الفتح ثمانية
ملايين نسمة, خصوصا بعد أن أسلم
معظم المصريين وتعربوا جميعا,
فلم يعد هناك مايمنع اندماج
الفاتحين في أهل البلاد.
هذا التنبيه ضروري في البداية حتي
ندرك أن هؤلاء الأقباط منا, وأننا
منهم, وحتي لا نتحدث عنهم كما لو
كانوا أمة أخري, وحتي ندرك أن
جهلنا بهم هو جهل بأنفسنا يجب أن
نبرأ منه, لأنه لا يغتفر.
فإذا اتفقنا علي أن المصريين شعب
واحد, وأن بناة الكنائس والمساجد
هم أنفسهم بناة الأهرام, وأن
تاريخهم واحد متصل الحلقات, وأن
كل عصر من عصوره استمرار لما قبلة
وأصل لما بعده ـــ إذا اتفقنا علي
هذا فقد وجب علينا أن نبحث عن أصول
التراث المسيحي المصري في التراث
الفرعوني والهلليني, ونتتبع أثره
في التراث العربي الاسلامي وتأثره
به كذلك, لأن المسيحية المصرية
سبقت الإسلام من ناحية, وعاشت في
ظله من ناحية أخري.
بل ينبغي علينا أيضا أن ندرس علاقة
التراث المصري في ذلك العصر بتراث
الأمم المجاورة وحضارة البحر
المتوسط كلها, فقد ظهرت لدي
المثقفين المصريين آنذاك نزعة قوية
للارتحال في مدن العالم القديم بحثا
عن المعرفة, والاتصال بتمراث
العقل الإنساني كما نجد في سيرة
أوريجين الاسكندري الذي ولد في
أواسط العقد التاسع من القرن الثاني
الميلادي, وعاش إلي أواسط العقد
السادس من القرن الثالث.
وهو من آباء المسيحية المصرية,
وكان رئيسا للمدرسة اللاهوتية في
المدينة.
ويدل اسمه ــ كما يقول الأستاذ يوسف
كرم ـــ علي صلة أسرته الوثيقة
بالتراث الفرعوني, فهو مضاف
ومضاف إليه.
حور الذي ينطقه الأجانب هور أو أور,
وهو اسم الإله المصري القديم حورس
المنتقم لأبيه أوزيريس, وجيني
التي تدل في اللغة اليونانية علي
العنصر الذي يورثه الكائن الحي
لنسله, ويكون شبيها به وامتدادا
له. وأوريجين إذن معناه ابن حورس,
أو هبته, أو عطيته. وهو بذاته
دليل علي تفاعل التراث المصري
والتراث اليوناني.
وقد أخذ أوريجين المسيحية عن أسرته
التي كانت قد تنصرت حديثا, كما
أخذ الفلسفة عن الأفلاطونيين الجدد,
ورحل إلي روما, وعاد منها إلي
الإسكندرية, ثم عاود الرحلة إلي
فلسطين, ورجع إلي وطنه ليرحل من
جديد إلي فلسطين وقد بلغ الخامسة
والستين من عمره فيعتقله الرومان
ويذيقونه ألوانا من العذاب احتملها
بشجاعة حتي انهار جسده فتوفي غريبا
في مدينة صور قريبا من مدينة بيبلوس
التي أوي إليها تابوت أوزوريس من قبل!
هذا القلق المصري الخلاق في ذلك
العصر يتمثل أيضا في سيرة أفلوطين
الذي عاش في القرن الثالث وكان من
زعماء الأفلاطونية الجديدة. وقد
ولد في مدينة أخميم في مصر الوسطي,
ورحل إلي الاسكندرية ليدرس الفلسفة
علي أيدي أساتذتها, ثم قرر أن يشد
رحاله إلي فارس والهند ليقف علي
الافكار الفارسية والهندية,
فالتحق بالجيش الروماني الذي جرد
علي فارس, لكن هذا الجيش الذي طرد
الفرس من سوريا انهزم أمامهم في
العراق, فلجأ أفلوطين الي
أنطاكية, ثم رحل إلي روما وكان في
الأربعين من عمره ليقيم بها بقية
حياته ويؤسس مدرسة فلسفية وفق فيها
بين الفلسفة والدين. والدين هنا
هو الأفكار الشرقية عامة وليس
المسيحية بالذات.
الفكر المصري إذن في هذه المرحلة
تيارات مختلفة تحاور فيها العقل
المصري مع العقل اليوناني والعقل
السوري, وازدهرت فيها الفلسفة
مستقلة عن الدين حينا, ومتصلة
بالدين ومدافعة عنه في أغلب الأحيان.
وكانت ثمرة هذا الاتصال الفكر
المسيحي الذي أرست الكنيسة المصرية
أسسه, وأعلت أركانه, وقدمته
للكنائس الأخري التي أخذت باجتهادات
المصريين في فترة من الفترات, ثم
خرجت علي هذه الاجتهادات بعد ذلك,
فنشأ الخلاف بين كنيسة مصر وكنيستي
روما وبيزنطة, واتخذ دفاع
المصريين عن كنيستهم معني وطنيا إذ
واجهوا الرومان الذين اضطهدوهم
والبيزنطيين الذين أرادوا أن يفرضوا
عليهم مذهبهم, فأصبحت الكنيسة
المصرية في هذه المواجهات الأليمة
رمزا لمصر المدافعة عن عقيدتها
وحريتها. والخلاف بين كنيستنا
الوطنية والكنائس الأخري يطول شرحه,
وإن كنا نستطيع أن نجمله ونقول إنه
خلاف بين الموحدين والمعددين.
فالمصريون يعتقدون أن المسيح طبيعة
واحدة لايجوز فصل الإلهي فيها عن
البشري, أما البيزنطيون
والرومانيون فيذهبون إلي العكس,
أي فصل اللاهوت عن الناسوت.
والتراث المصري في العصر المسيحي
ليس دينا وفلسفة فحسب, ولكنه أدب
أيضا أنشأه المصريون بلغتهم القبطية
وباللغة اليونانية كذلك, وإن كان
معظم ما أنشأوه بالقبطية شفاهيا
ولهذا ضاع. والتراث المصري في ذلك
العصر هو أيضا تصوف نظري وعملي,
وعمارة وتصوير, وغناء وموسيقي
لاتزال آثارها ماثلة حية في الكنائس
والأديرة والأيقونات, والتراتيل
الدينية والوجوه الجنائزية ومنها
الوجوه المكتشفة في الفيوم التي
تقدم لنا صورة بديعة من صور الاتصال
بين الفن الفرعوني والفن الروماني.
وإذا كان المصريون في العصر المسيحي
هم أول المترهبين فأحفادهم في العصر
الإسلامي هم أول المتصوفين.
ويقول العلامة رينولد نيكولسون عن
ذي النون المصري المتوفي سنة245
هجرية إنه أحق رجال الصوفية علي
الإطلاق بأن يطلق عليه اسم واضع أسس
التصوف. ومما يقال في نسب ذي
النون ونشأته إنه قبطي أو نوبي نشأ
في أخميم ــ أي في المدينة التي نشأ
فيها أفلوطين قبله بسبعة قرون ــ
وأنه برع في صناعة الكيمياء وعلم
الباطن, وأشرف علي كثير من علوم
الفلسفة. وكان كثير الملازمة
للآثار الفرعونية في بلده أخميم,
فإنها كما يقول ابن القفطي بيت من
بيوت الحكمة القديمة, وفيها
التصاوير العجيبة والمثالات
الغريبة التي تزيد المؤمن إيمانا
والكافر طغيانا. ويقال إنه فتح
عليه علم مافيها بطريق الولاية.
وكانت له كرامات
ذو النون المصري هو وريث أوريجين,
وأفلوطين, وإخناتون أول الموحدين!