بناء الداعية قبل بناء المسجد

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

قضايا و اراء

2001 يناير 15 الأثنين

بناء الداعية قبل بناء المسجد
بقلم‏: ‏د‏.‏ عبدالفتاح الشطي

جعل الله ـ تعالي ـ الأرض مسجدا لنبيه ـ صلي الله عليه وسلم ـ ولأتباعه ينشرون عليها النور الذي أنزل معه‏,‏ كما جعلها طهورا ـ بفتح الطاء ـ يتيممون من ترابها الطاهر‏,.‏ وقت يعز الماء الطهور‏.‏
وانطلق المصطفي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ منذ وافه الأمر الإلهي بالهدي ودين الحق‏,‏ يدعو إلي الله ـ تعالي ـ في السر والعلن‏,‏ يعانده الكفار تاره‏,‏ ويؤذيه زبانيتهم تارات‏,‏ ويناهضونه وأتباعه بسوء القول والفعل‏.‏ وربما تغلبت الشجاعة النبوية يدعمها التأييد الإلهي‏,‏ فإذا بمحمد صلي الله عليه وسلم يتوجه ـ تدفعه الغضبة لله والحق ـ ليؤدي الصلاة بالمسجد الحرام علي أنف شانئيه‏,‏ ورغم شدة بطشهم‏,‏ وعتو الطغاة منهم‏,‏ أمثال أبي جهل‏,‏ وعقبة بن أبي معيط ـ بضم الميم وفتح العين‏,‏ وأمية بن خلف‏,‏ فتصيبهم الرعدة والرسول يتلو قوله تعالي‏:‏ كلا إن الانسان ليطغي أن رآه استغني‏,‏ إن إلي ربك الرجعي الفلق‏6‏ ـ‏8.‏

وما إن اتجه الرسول صلي الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم إلي المدينة مهاجرين حتي أقاموا بقباء أول مسجد‏(‏ أسس علي التقوي‏)‏ وحين أدركته الجمعة في الطريق أدي صلاتها بمسجد بناة بعض المسلمين‏(‏ بنو سالم‏)‏ في بطن واديهم‏,‏ فكانت اول جمعة صلاها بيثرب‏.‏ ولم تمض بضعة أشهر من اقامته حتي أقام مع صحابته ـ يده مع أيديهم ـ مسجد المدينة الذي عني بتجديده‏,‏ وإعادة بنائه الراشدون والأمويون من بعده‏.‏
ومنذ عهد المصطفي ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فدا المسجد ـ وهو دائر للصلاة والعبادة ـ ملتقي العابدين‏,‏ ومنتدي المتحدثين والمتشادرين في أمور الدين‏,‏ كما غدا المسجد دارا للعلم والقضاء‏,‏ حين كان محمد أول قاض للمسلمين‏.‏

وظلت مساجد الله في كل ربوع الأرض من بعد منارات للهدي‏,‏ وفي ظل الحضارة العربية الإسلامية الزاهرة‏,‏ غدت مساجد بغداد والكوفة والبصرة وغيرها في الشرق‏,‏ كما غدت مساجد قرطبة واسبيليه وغيرها بالغرب أشبه بجامعات أهلية يقصدها ـ مع العبادة ـ طلاب العلوم العربية والاسلامية والمعارف النافعة يقصدونها للتعلم‏,‏ والتلقي‏,‏ والتحاور البناء‏,‏ والتشاور في خير الأمة‏.‏ وفي غرناطة تحول المسجد إلي المدرسة‏,‏ أي‏:‏ الجامعة التي يلتقي فيها طلاب أوروبا علي أرضية الاندليس ليتلقوا العلوم التي اشقت النور علي أرجاء العالم‏.‏
هذه هي رسالة المسجد اتي مثلها لقرون طوال‏:‏ الأزهر الشامخ جامعا وجامعة من بعد‏,‏ ولا يزال‏.‏
لذلك بألم المرء عندما يمر في الشوارع ويتساقط إلي سمعه خطابه الكثير من المساجد الأهلية‏,‏ والتي يقع أكثرها بأسفل دور السكني وعمائرها‏,‏ هذه المساجد التي ينسبها بناتها غالبا إلي أنفسهم في غير ورع‏,‏ ناسين أو متناسين قوله تعالي‏:(‏ وأن المساجد لله‏,‏ فلا تدعوا مع الله احدا‏)‏ ـ
الجن‏18.‏

لقد أتي علينا حين من الدهر كان من يريد بناء بيت‏,‏ ويجعل الدور الأرضي مه زاوية أو مسجدا صغيرا يعفي من بعض الرسوم و الضرائب‏,‏ ويدعم في مواد البناء‏,‏ الأمر الذي أغري البعض بأن يجعلوا تحت عمائرهم وبيوتهم زاوية أو مسجدا‏..‏ قبل التفكير فيمن سيدعوا لمصلين علي علم وبصيرة‏,‏ فكثرت امساجد وكثر معها الدخلاء علي الدعوة والخطابة‏,‏ وعلا المنبر الأدعياء وقاصرو العلم والأداة‏,‏ وفيهم من يخطئ في قراءة القرآن ولا يحفظون الضروري منه لهذا الموقف الرهيب‏.‏
وإني لأطالب بتشريع ـ بفصل تماما ـ فيما بعد ـ بين دور السكني والراحة‏,‏ وبين دور العبادة‏,‏ فمن غير المناسب ان يجبر المصلون ـ أثناء صلاتهم ـ علي سماع أغنية عاطفية تتسلل اليهم من بعض البيوت‏,‏ كما أن هناك من يرفع صوته ومكبراته أثناء أدائه الشعائر ناسيا أو متناسيا قول الله لنبيه ـ وهو هادي الأمة‏:(‏ ولا تجهر بصلاتك‏,‏ ولا تخافت بها‏,‏ وابتغ بين ذلك سبيلا‏)‏ ـ الاسراء ـ‏110.‏
ولأن الذي يصعد إلي المنبر للدعوة يخلف في ذاك المكان الرفيع نبي الامة صلي الله عليه وسلم في أداء الرسالة‏,‏ وتبليغ الأمانة‏,‏ وتوجيه ابناء الأمة‏,‏ لذلك وجب ألا يتعرض لهذا الموقف الجليل الا القادرون عليه علميا‏,‏ وفكريا‏,‏ وروحيا‏,‏ والأ حفظ لكتاب الله‏.‏

إن لكل أمر أدواته الضرورية‏,‏ وأول أدوات الداعية التمكن من العربية‏,‏ اعني الفصحجي نحوا‏,‏ وصرفا‏,‏ كلمات وجملا‏,‏ وتراكيب وفهما لنظام اللغة وعلاقات ما بين الكلم‏.‏
كذلك يحمل أن تكون له ثقافة أدبية رفيعة من التراث العربي والبلاغي القديم‏,‏ بحيث يكون لعبارته من عذوبة المنطلق ذلك التأثير الفكري والوجداني علي السامع‏,‏ إضافة إلي الثقافة الاسلامية الواسعة‏,‏ واتقان ما يحفظ من كتاب الله قراءة وترتيلا‏,‏ وتفسيرا‏,‏ مع علم وافر بالسيرة النبوية الشريفة‏,‏ وفهم للتاريخ الاسلامي‏,‏ ومعايشة كاملة للحديث النبوي‏,‏ وما بشرق فيه من الهدي الالهي الخالد‏.‏ ولنا في الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله تعالي ـ القدوة في ذلك‏,‏ كما أن لنا في علمائنا الكبار‏:‏ الامام محمد سيد طنطاوي‏,‏ والدكتور أحمد عمر هاشم النموذج المشرق والدليل علي ما نقول‏.‏

لكل ما ذكرت فإن هذه المساجد والزوايا الأهلية أشد احتياجا إلي رقابة الدولة متمثلة في الأزهر‏,‏ ووزارة الأوقاف وعلمائها ومفتشيها‏.‏ إنني أطالب بسرعة تكوين لجان منهم لاستماع‏,‏ وعزل من لا يصلح من غير المؤهلين فورا‏.‏ أطالب بإعادة ترتيب بعض الأوراق‏,‏ كأنه يعي ـ بالقطعة ـ فورا أبناؤنا الشباب المؤهلون خريجو الأزهر‏,‏ إلي أن يحين دورهم الرسمي في التعيين دعاة وأئمة‏,‏ فهم أكثر قدرة علي أداء أمانة الدعوة‏,‏ وذلك قبل أن ينسوا ما حفظوه‏,‏ ودرسوه‏,‏ ووعوه‏,‏ إذا لا تجوز إمامة الجاهل مع وجود العالم‏.‏ إن كثيرين من الحاصلين علي أعلي الدرجات العلمية يتنجون ـ تأدبا وورعا ـ عن هذا الموقف الجليل‏,‏ في حين يتقدم لأداء خطبة الجمعة وإمامة المصلين من لا يستطيع قراءة القرآن في المصحف‏,‏ ومن لا يعرف فرق الفتحة من الكسرة‏.‏
كذلك أنبه إلي أن حصيلة بعض صناديق التبرعات ببعض الزوايا الأهلية لم تعد تنفق في أبواب البر والخير‏,‏ أو تذهب إلي المحتاجين‏,‏ بل علي العكس أصبحت صناديق هذه المساجد تصل إلي بطون البعض نارا وسحتا‏,‏ ولا تصل إلي مستحقيها‏,‏ ولا تصل إلي الله‏,‏ مما يحتاج معه إلي ر قابة أجهزة الدولة المختصة‏.‏

إن ثقتنا بغير حدود في كبار القائمين علي سلامة الدعوة الاسلامية‏:‏ وهم علماء الأزهر‏,‏ ووزارة الأوقاف‏,‏ ووزيرها الغيور‏,‏ أن يتداركوا فورا هذه المساجد والزوايا‏,‏ وجمهورها الظامئ إلي الكلمة الصحيحة الواعية‏,‏ وإلي أن ترشد أموال الزكاة في هذه المساجد الأهلية فتصل إلي أبواب الخير والبر‏,‏ ورعاية المحتاجين‏.‏
عاش لمصر علماؤها المخلصون‏,‏ وشبابها الورعون‏,‏ وحمي الله مصر الايمان من الأدعياء‏,‏ والدجالين‏,‏ ومكن لعلمه ودينه علي أيدي دعاتنا الصادقين‏:‏ ولينصرن الله من ينصره‏,‏ إن الله لقوي عزيز الحج ـ‏40.‏

بداية الصفحة

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games