جعل
الله ـ تعالي ـ الأرض مسجدا لنبيه ـ
صلي الله عليه وسلم ـ ولأتباعه
ينشرون عليها النور الذي أنزل معه,
كما جعلها طهورا ـ بفتح الطاء ـ
يتيممون من ترابها الطاهر,. وقت
يعز الماء الطهور.
وانطلق المصطفي ـ صلوات الله
وسلامه عليه ـ منذ وافه الأمر
الإلهي بالهدي ودين الحق, يدعو
إلي الله ـ تعالي ـ في السر والعلن,
يعانده الكفار تاره, ويؤذيه
زبانيتهم تارات, ويناهضونه
وأتباعه بسوء القول والفعل.
وربما تغلبت الشجاعة النبوية
يدعمها التأييد الإلهي, فإذا
بمحمد صلي الله عليه وسلم يتوجه ـ
تدفعه الغضبة لله والحق ـ ليؤدي
الصلاة بالمسجد الحرام علي أنف
شانئيه, ورغم شدة بطشهم, وعتو
الطغاة منهم, أمثال أبي جهل,
وعقبة بن أبي معيط ـ بضم الميم وفتح
العين, وأمية بن خلف, فتصيبهم
الرعدة والرسول يتلو قوله تعالي:
كلا إن الانسان ليطغي أن رآه استغني,
إن إلي ربك الرجعي الفلق6 ـ8.
وما إن اتجه الرسول صلي الله عليه
وسلم وصحابته رضوان الله عليهم إلي
المدينة مهاجرين حتي أقاموا بقباء
أول مسجد( أسس علي التقوي)
وحين أدركته الجمعة في الطريق أدي
صلاتها بمسجد بناة بعض المسلمين(
بنو سالم) في بطن واديهم,
فكانت اول جمعة صلاها بيثرب. ولم
تمض بضعة أشهر من اقامته حتي أقام
مع صحابته ـ يده مع أيديهم ـ مسجد
المدينة الذي عني بتجديده,
وإعادة بنائه الراشدون والأمويون
من بعده.
ومنذ عهد المصطفي ـ صلوات الله
وسلامه عليه ـ فدا المسجد ـ وهو
دائر للصلاة والعبادة ـ ملتقي
العابدين, ومنتدي المتحدثين
والمتشادرين في أمور الدين, كما
غدا المسجد دارا للعلم والقضاء,
حين كان محمد أول قاض للمسلمين.
وظلت مساجد الله في كل ربوع الأرض
من بعد منارات للهدي, وفي ظل
الحضارة العربية الإسلامية
الزاهرة, غدت مساجد بغداد
والكوفة والبصرة وغيرها في الشرق,
كما غدت مساجد قرطبة واسبيليه
وغيرها بالغرب أشبه بجامعات أهلية
يقصدها ـ مع العبادة ـ طلاب العلوم
العربية والاسلامية والمعارف
النافعة يقصدونها للتعلم,
والتلقي, والتحاور البناء,
والتشاور في خير الأمة. وفي
غرناطة تحول المسجد إلي المدرسة,
أي: الجامعة التي يلتقي فيها
طلاب أوروبا علي أرضية الاندليس
ليتلقوا العلوم التي اشقت النور
علي أرجاء العالم.
هذه هي رسالة المسجد اتي مثلها
لقرون طوال: الأزهر الشامخ
جامعا وجامعة من بعد, ولا يزال.
لذلك بألم المرء عندما يمر في
الشوارع ويتساقط إلي سمعه خطابه
الكثير من المساجد الأهلية,
والتي يقع أكثرها بأسفل دور السكني
وعمائرها, هذه المساجد التي
ينسبها بناتها غالبا إلي أنفسهم في
غير ورع, ناسين أو متناسين قوله
تعالي:( وأن المساجد لله, فلا
تدعوا مع الله احدا) ـ
الجن18.
لقد أتي علينا حين من الدهر كان من
يريد بناء بيت, ويجعل الدور
الأرضي مه زاوية أو مسجدا صغيرا
يعفي من بعض الرسوم و الضرائب,
ويدعم في مواد البناء, الأمر
الذي أغري البعض بأن يجعلوا تحت
عمائرهم وبيوتهم زاوية أو مسجدا..
قبل التفكير فيمن سيدعوا لمصلين
علي علم وبصيرة, فكثرت امساجد
وكثر معها الدخلاء علي الدعوة
والخطابة, وعلا المنبر الأدعياء
وقاصرو العلم والأداة, وفيهم من
يخطئ في قراءة القرآن ولا يحفظون
الضروري منه لهذا الموقف الرهيب.
وإني لأطالب بتشريع ـ بفصل تماما ـ
فيما بعد ـ بين دور السكني والراحة,
وبين دور العبادة, فمن غير
المناسب ان يجبر المصلون ـ أثناء
صلاتهم ـ علي سماع أغنية عاطفية
تتسلل اليهم من بعض البيوت, كما
أن هناك من يرفع صوته ومكبراته
أثناء أدائه الشعائر ناسيا أو
متناسيا قول الله لنبيه ـ وهو هادي
الأمة:( ولا تجهر بصلاتك, ولا
تخافت بها, وابتغ بين ذلك سبيلا)
ـ الاسراء ـ110.
ولأن الذي يصعد إلي المنبر للدعوة
يخلف في ذاك المكان الرفيع نبي
الامة صلي الله عليه وسلم في أداء
الرسالة, وتبليغ الأمانة,
وتوجيه ابناء الأمة, لذلك وجب
ألا يتعرض لهذا الموقف الجليل الا
القادرون عليه علميا, وفكريا,
وروحيا, والأ حفظ لكتاب الله.
إن لكل أمر أدواته الضرورية,
وأول أدوات الداعية التمكن من
العربية, اعني الفصحجي نحوا,
وصرفا, كلمات وجملا, وتراكيب
وفهما لنظام اللغة وعلاقات ما بين
الكلم.
كذلك يحمل أن تكون له ثقافة أدبية
رفيعة من التراث العربي والبلاغي
القديم, بحيث يكون لعبارته من
عذوبة المنطلق ذلك التأثير الفكري
والوجداني علي السامع, إضافة
إلي الثقافة الاسلامية الواسعة,
واتقان ما يحفظ من كتاب الله قراءة
وترتيلا, وتفسيرا, مع علم
وافر بالسيرة النبوية الشريفة,
وفهم للتاريخ الاسلامي, ومعايشة
كاملة للحديث النبوي, وما بشرق
فيه من الهدي الالهي الخالد.
ولنا في الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه
الله تعالي ـ القدوة في ذلك, كما
أن لنا في علمائنا الكبار:
الامام محمد سيد طنطاوي,
والدكتور أحمد عمر هاشم النموذج
المشرق والدليل علي ما نقول.
لكل ما ذكرت فإن هذه المساجد
والزوايا الأهلية أشد احتياجا إلي
رقابة الدولة متمثلة في الأزهر,
ووزارة الأوقاف وعلمائها ومفتشيها.
إنني أطالب بسرعة تكوين لجان منهم
لاستماع, وعزل من لا يصلح من غير
المؤهلين فورا. أطالب بإعادة
ترتيب بعض الأوراق, كأنه يعي ـ
بالقطعة ـ فورا أبناؤنا الشباب
المؤهلون خريجو الأزهر, إلي أن
يحين دورهم الرسمي في التعيين دعاة
وأئمة, فهم أكثر قدرة علي أداء
أمانة الدعوة, وذلك قبل أن ينسوا
ما حفظوه, ودرسوه, ووعوه,
إذا لا تجوز إمامة الجاهل مع وجود
العالم. إن كثيرين من الحاصلين
علي أعلي الدرجات العلمية يتنجون ـ
تأدبا وورعا ـ عن هذا الموقف الجليل,
في حين يتقدم لأداء خطبة الجمعة
وإمامة المصلين من لا يستطيع قراءة
القرآن في المصحف, ومن لا يعرف
فرق الفتحة من الكسرة.
كذلك أنبه إلي أن حصيلة بعض صناديق
التبرعات ببعض الزوايا الأهلية لم
تعد تنفق في أبواب البر والخير,
أو تذهب إلي المحتاجين, بل علي
العكس أصبحت صناديق هذه المساجد
تصل إلي بطون البعض نارا وسحتا,
ولا تصل إلي مستحقيها, ولا تصل
إلي الله, مما يحتاج معه إلي ر
قابة أجهزة الدولة المختصة.
إن ثقتنا بغير حدود في كبار
القائمين علي سلامة الدعوة
الاسلامية: وهم علماء الأزهر,
ووزارة الأوقاف, ووزيرها الغيور,
أن يتداركوا فورا هذه المساجد
والزوايا, وجمهورها الظامئ إلي
الكلمة الصحيحة الواعية, وإلي
أن ترشد أموال الزكاة في هذه
المساجد الأهلية فتصل إلي أبواب
الخير والبر, ورعاية المحتاجين.
عاش لمصر علماؤها المخلصون,
وشبابها الورعون, وحمي الله مصر
الايمان من الأدعياء, والدجالين,
ومكن لعلمه ودينه علي أيدي دعاتنا
الصادقين: ولينصرن الله من
ينصره, إن الله لقوي عزيز الحج ـ40.