دخلت
المسيحية مصر, والرومان فيها
سنة61 م وكان في الاسكندرية صراع
حام بين الأجناس والمذاهب المختلفة
لم تجد, فيه حركة التوفيق
Syncretism.
وقد عادي الرومان, المسيحية,
عداء مرا من أول الأمر وبلا تفكير,
مما عطف أهل الاسكندرية عليها وكان
الرومان قد اتخذوها عاصمة لأنها
أقرب المواقع المصرية الي عاصمتهم
الأصلية, روما.
عطف المصريون وتعاطفوا, في
الاسكندرية, مع المسيحية نكاية
في الرومان ومخالفة لهم,
للتعبير عن المقت والعناد ولتأكيد
وجود مصر وإظهار شخصيتها بحرية
الاختيار والمغايرة, وبذا اتسعت
شقة الخلاف بين مصر والرومان, إذ
أصبح سياسيا ودينيا وإن كان في
الحقيقة شيئا واحدا, فطالما
لجأت مصر الي المقاومة الروحية في
نزاعها السياسي.
ومضت مصر في الجهاد يتقدمها
أوريجانوس, يضيء لها طريقه,
أرواح غالية استشهدت في سبيل
المسيحية بل في سبيلها هي, فما
كانت المسيحية إلا السبب الظاهر
والذريعة.
لقد مصرت مصر, المسيحية, حتي
غدت فيها دون غيرها, قبطية.
وكلما صالت الآراء, اتخذت مصر
موقفا وقالت برأي خاص بها من فرط
احساسها بذاتها وطاقة التحدي فيها,
ولم يزايل مصر, الشعور بنفسها بل
اعتدادها بما أدت وما أعطت حتي كان
اثناسيوس السكندري(296 ـ373)
فيما نقل عنه المؤرخ( جيبون)
يخاطب الأباطرة مخاطبة الند للند.
وبلغ من مقاومة مصر أن بطاركتها,
كانوا يصدرون الرسائل والكتب
للدعوة الي مزيد من الاستشهاد,
وكانت الجموع رائحة غادية ما بين
السجن وساحة الاستشهاد علي وقع
الأناشيد الحماسية, إمعانا في
التحدي, وإذلالا للرهبوت الذي
ظن أنه علي ارهابها, لقادر.
وإمعانا في التحدي سموا التقويم
المصري( تقويم الشهداء).
وطار صواب البغي طويلا ثم ثاب,
فأوقف الجبابرة المذابح وانتهي
الأمر باعتناق الأمبراطور(
قسطنطين) المسيحية... وابتسمت
مصر.
لقد كانت عاصمة الدولة الرومانية
تابعة في العرف الديني لكنيسة
الاسكندرية, لأنها أقدم الكنائس
وأكبرها في الشرق والغرب.
وشملت الصحوة اللغة والأدب,
فحارب المصريون لغة الحكام انتصارا
للقبطية, وغدت اللهجة الصعيدية
هي اللهجة الأدبية للكنيسة القبطية
في أزهي عصورها.
وفي القرن السابع الميلادي,
كانت اللغة القبطية هي لغة الأدب
والحديث معا وأودعها الأقباط ترجمة
الكتاب المقدس, وسير القديسين,
والآداب الكنسية.
واهتمت أوروبا في عصر النهضة
بالمخطوطات القبطية, فتوالت
الزيارات علي مصر لهذا الغرض,
وامتلأت المتاحف والمكتبات العامة
في أوروبا بكتابات مصر المسيحية,
وقامت لتدارسها أقسام خاصة
بالجامعات, وذاعت في اللغات
الأوروبية, ألفاظ قبطية متعددة
مثل الواحة و(إيزيس) و(السوسن)
و(اسقيط), ومنها الناسك في
اللغات الأوروبية بل إن الأبجدية
الروسية دخلت عليها حروف قبطية
مأخوذة من الديموطيقية.
كتبت مصر المسيحية, وتلقف
كتابتها علماء الشرق والغرب
مترجمين وشارحين, بل كان أساتذة
الاسكندرية وبطاركتها عمد اللاهوت
في العالم المسيحي كله, وحظيت
كتاباتهم بمركز الصدارة من شهرة
ذائعة.
وعن مصر نقلت ايطاليا, مركز
البابوية, واليونان وايرلندا,
مراسم النسك حتي بلغ من أسوة مصر
وغلبة شخصيتها أن دير مونت كاسينو
في ايطاليا لايكاد يختلف عن أي دير
باخومي في قنا.
وأخذت مصر المسيحية دورا لامعا في
المجامع العالمية( المسكونية)
التي كان الأباطرة يدعون اليها
أساقفة مندوبين عن كنائس العالم
المسيحي كله.
ومصر المسيحية هي المصدر الأول
لعلم اللاهوت, بما خطه فيه
اثناسيوس الذي تألق في مجمع نيقية
سنة325 م وأن مؤلفاته التي وضعها
عن( تجسيد الكلمة) و(الرد
علي الأريوسيين) و(الروح
القدس), لتعد ركيزة لكل ما كتبه
مشاهير اللاهوتيين, وقد سجل
الغرب أثر مصر الروحي في كتب:
(بستان الرهبان) و(المعاهد)
و(المقابلات).
كما أثرت تعاليم باخوميوس في حركة
الاصلاح الكوني, تلك الحركة
الكبري التي كان لها أثرها في توجيه
المدنية في العصور الوسطي.
لباخوميوس المصري تدين, في
نشأتها جماعات الفرنسيسكان
والدومنيكان, بل اليه ينسب
الفضل في قيام النهضة الأدبية
الفكرية الأولي في القرنين الثاني
عشر والثالث عشر, بما هي أثر من
آثار تلك الهيئات الديرية, وبما
أقترن بها من قيام العلوم
الإنسانية ونشأة الجامعات في
العصور الوسطي.
لم تنشأ المسيحية في مصر, بل
جاءتها, ومع هذا فإن مصر هي التي
حملت رسالتها, فعلي يد مصر دخلت
المسيحية الحبشة في منتصف القرن
الرابع الميلادي, كما دخل
الاسلام فيما بعد قلب إفريقيا علي
يد مصر أيضا.
وعلي يد مصر, وصل التبشير
بالمسيحية الي الجزر البريطانية
مما فصله بتلر
Butlar
بل إن مصر هي التي نشرت المسيحية في
فرنسا الجنوبية وبلجيكا وسويسرا.
وإننا لنعجب لمصر, كيف كانت في
القرون الأولي للمسيحية تابعة
للرومان, ثم تستطيع أن تتبع
الآخرين لها, ومن بينهم روما..
فمصر لا روما ولا أثينا هي التي
كانت مصدر التشريع الكنسي للعالم
المسيحي كله.. من مصر قام
القديسون اثناسيوس, وجيروم,
ويوحنا وكاسياس وأوغسطينوس
وباسيليوس وباتريك بنقل قوانينها
وحياة رجالها الي ايطاليا
ومارسيليا واليونان وايرلندا في
القرنين الرابع والخامس
الميلاديين, يقول: ج,م
كريد
J.MCreed
ما من بلد أثر في انتشار الدين
المسيحي أعمق مما فعلت مصر
ويقول( هرناك) المؤرخ
الألماني فيما رواه عنه الدكتور
مراد كامل:
(إن النساك المصريين كانوا
يعتبرون في جميع العصور ـ حتي في
نظر الغرب, آباء ونماذج الحياة
المسيحية الحقيقية).
إن في كتاب( حياة انطونيوس)
الذي وضعه الأنبا اثناسيوس قد أشعل
روح الرهبنة والنسك في بلاد الغرب.
وكما تميزت شخصية مصر في المسيحية,
تميزت في( الغنوسطية) التي
أخذت في مصر طابعا شاعريا له جمال
وروعة ففالنتينوس المصري هو مؤسس
أعمق وأمتع الأنظمة الغنوسطية,
وأكثرها تأثيرا ورواجا, وقد
أنبتت الكشوف الحديثة في نجع حمادي
عطاء مصر في هذا الميدان.
أما الأفلاطونية الحديثة فهي وليدة
مصر التي حولت الهلينية الي لاهوت,
فصارت مدرسة الاسكندرية العاصمة
الثقافية للعالم المسيحي كله.
وعلي يد مدرسة الاسكندرية ورجالها
المصريين تخرج في المعهد اليوناني
والروماني علماء العالم القديم في
الطب والتشريح والكيمياء والصيدلة
والهندسة والفلك, كما تخرج بعد
هذا علماء العالم المسيحي في هذه
العلوم.
وعلي مصر تتلمذ جالينوس ولها شهد(
نيتولتسكي) في كتابه( الطب
الشعبي المقارن), كما اصطنعت مصر
البحث العلمي بفضل اقليدس صاحب(
المباديء).
وأخيرا أقول إن موسيقي مصر الكنسية
كانت( أقدم مدرسة موسيقية
معروفة في العالم, وأغناها بما
انبثقت عنه من موسيقي مصر
الفرعونية التي تحمل أسماءها الي
اليوم, ألحانا).