مصر موئل الأديان

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الكتاب

2001 يناير 17 الأربعاء

‏[2]‏ مصر موئل الأديان
بقلم‏:‏ د‏.‏ نعمات أحمد فؤاد

نص المقال

دخلت المسيحية مصر‏,‏ والرومان فيها سنة‏61‏ م وكان في الاسكندرية صراع حام بين الأجناس والمذاهب المختلفة لم تجد‏,‏ فيه حركة التوفيق
‏Syncretism.‏
وقد عادي الرومان‏,‏ المسيحية‏,‏ عداء مرا من أول الأمر وبلا تفكير‏,‏ مما عطف أهل الاسكندرية عليها وكان الرومان قد اتخذوها عاصمة لأنها أقرب المواقع المصرية الي عاصمتهم الأصلية‏,‏ روما‏.‏
عطف المصريون وتعاطفوا‏,‏ في الاسكندرية‏,‏ مع المسيحية نكاية في الرومان ومخالفة لهم‏,‏ للتعبير عن المقت والعناد ولتأكيد وجود مصر وإظهار شخصيتها بحرية الاختيار والمغايرة‏,‏ وبذا اتسعت شقة الخلاف بين مصر والرومان‏,‏ إذ أصبح سياسيا ودينيا وإن كان في الحقيقة شيئا واحدا‏,‏ فطالما لجأت مصر الي المقاومة الروحية في نزاعها السياسي‏.‏

ومضت مصر في الجهاد يتقدمها أوريجانوس‏,‏ يضيء لها طريقه‏,‏ أرواح غالية استشهدت في سبيل المسيحية بل في سبيلها هي‏,‏ فما كانت المسيحية إلا السبب الظاهر والذريعة‏.‏
لقد مصرت مصر‏,‏ المسيحية‏,‏ حتي غدت فيها دون غيرها‏,‏ قبطية‏.‏
وكلما صالت الآراء‏,‏ اتخذت مصر موقفا وقالت برأي خاص بها من فرط احساسها بذاتها وطاقة التحدي فيها‏,‏ ولم يزايل مصر‏,‏ الشعور بنفسها بل اعتدادها بما أدت وما أعطت حتي كان اثناسيوس السكندري‏(296‏ ـ‏373)‏ فيما نقل عنه المؤرخ‏(‏ جيبون‏)‏ يخاطب الأباطرة مخاطبة الند للند‏.‏
وبلغ من مقاومة مصر أن بطاركتها‏,‏ كانوا يصدرون الرسائل والكتب للدعوة الي مزيد من الاستشهاد‏,‏ وكانت الجموع رائحة غادية ما بين السجن وساحة الاستشهاد علي وقع الأناشيد الحماسية‏,‏ إمعانا في التحدي‏,‏ وإذلالا للرهبوت الذي ظن أنه علي ارهابها‏,‏ لقادر‏.‏
وإمعانا في التحدي سموا التقويم المصري‏(‏ تقويم الشهداء‏).‏

وطار صواب البغي طويلا ثم ثاب‏,‏ فأوقف الجبابرة المذابح وانتهي الأمر باعتناق الأمبراطور‏(‏ قسطنطين‏)‏ المسيحية‏...‏ وابتسمت مصر‏.‏
لقد كانت عاصمة الدولة الرومانية تابعة في العرف الديني لكنيسة الاسكندرية‏,‏ لأنها أقدم الكنائس وأكبرها في الشرق والغرب‏.‏
وشملت الصحوة اللغة والأدب‏,‏ فحارب المصريون لغة الحكام انتصارا للقبطية‏,‏ وغدت اللهجة الصعيدية هي اللهجة الأدبية للكنيسة القبطية في أزهي عصورها‏.‏

وفي القرن السابع الميلادي‏,‏ كانت اللغة القبطية هي لغة الأدب والحديث معا وأودعها الأقباط ترجمة الكتاب المقدس‏,‏ وسير القديسين‏,‏ والآداب الكنسية‏.‏
واهتمت أوروبا في عصر النهضة بالمخطوطات القبطية‏,‏ فتوالت الزيارات علي مصر لهذا الغرض‏,‏ وامتلأت المتاحف والمكتبات العامة في أوروبا بكتابات مصر المسيحية‏,‏ وقامت لتدارسها أقسام خاصة بالجامعات‏,‏ وذاعت في اللغات الأوروبية‏,‏ ألفاظ قبطية متعددة مثل الواحة و‏(‏إيزيس‏)‏ و‏(‏السوسن‏)‏ و‏(‏اسقيط‏),‏ ومنها الناسك في اللغات الأوروبية بل إن الأبجدية الروسية دخلت عليها حروف قبطية مأخوذة من الديموطيقية‏.‏
كتبت مصر المسيحية‏,‏ وتلقف كتابتها علماء الشرق والغرب مترجمين وشارحين‏,‏ بل كان أساتذة الاسكندرية وبطاركتها عمد اللاهوت في العالم المسيحي كله‏,‏ وحظيت كتاباتهم بمركز الصدارة من شهرة ذائعة‏.‏

وعن مصر نقلت ايطاليا‏,‏ مركز البابوية‏,‏ واليونان وايرلندا‏,‏ مراسم النسك حتي بلغ من أسوة مصر وغلبة شخصيتها أن دير مونت كاسينو في ايطاليا لايكاد يختلف عن أي دير باخومي في قنا‏.‏
وأخذت مصر المسيحية دورا لامعا في المجامع العالمية‏(‏ المسكونية‏)‏ التي كان الأباطرة يدعون اليها أساقفة مندوبين عن كنائس العالم المسيحي كله‏.‏
ومصر المسيحية هي المصدر الأول لعلم اللاهوت‏,‏ بما خطه فيه اثناسيوس الذي تألق في مجمع نيقية سنة‏325‏ م وأن مؤلفاته التي وضعها عن‏(‏ تجسيد الكلمة‏)‏ و‏(‏الرد علي الأريوسيين‏)‏ و‏(‏الروح القدس‏),‏ لتعد ركيزة لكل ما كتبه مشاهير اللاهوتيين‏,‏ وقد سجل الغرب أثر مصر الروحي في كتب‏:‏
‏(‏بستان الرهبان‏)‏ و‏(‏المعاهد‏)‏ و‏(‏المقابلات‏).‏

كما أثرت تعاليم باخوميوس في حركة الاصلاح الكوني‏,‏ تلك الحركة الكبري التي كان لها أثرها في توجيه المدنية في العصور الوسطي‏.‏
لباخوميوس المصري تدين‏,‏ في نشأتها جماعات الفرنسيسكان والدومنيكان‏,‏ بل اليه ينسب الفضل في قيام النهضة الأدبية الفكرية الأولي في القرنين الثاني عشر والثالث عشر‏,‏ بما هي أثر من آثار تلك الهيئات الديرية‏,‏ وبما أقترن بها من قيام العلوم الإنسانية ونشأة الجامعات في العصور الوسطي‏.‏
لم تنشأ المسيحية في مصر‏,‏ بل جاءتها‏,‏ ومع هذا فإن مصر هي التي حملت رسالتها‏,‏ فعلي يد مصر دخلت المسيحية الحبشة في منتصف القرن الرابع الميلادي‏,‏ كما دخل الاسلام فيما بعد قلب إفريقيا علي يد مصر أيضا‏.‏

وعلي يد مصر‏,‏ وصل التبشير بالمسيحية الي الجزر البريطانية مما فصله بتلر
‏Butlar
بل إن مصر هي التي نشرت المسيحية في فرنسا الجنوبية وبلجيكا وسويسرا‏.‏
وإننا لنعجب لمصر‏,‏ كيف كانت في القرون الأولي للمسيحية تابعة للرومان‏,‏ ثم تستطيع أن تتبع الآخرين لها‏,‏ ومن بينهم روما‏..‏ فمصر لا روما ولا أثينا هي التي كانت مصدر التشريع الكنسي للعالم المسيحي كله‏..‏ من مصر قام القديسون اثناسيوس‏,‏ وجيروم‏,‏ ويوحنا وكاسياس وأوغسطينوس وباسيليوس وباتريك بنقل قوانينها وحياة رجالها الي ايطاليا ومارسيليا واليونان وايرلندا في القرنين الرابع والخامس الميلاديين‏,‏ يقول‏:‏ ج‏,‏م كريد
‏J.MCreed
ما من بلد أثر في انتشار الدين المسيحي أعمق مما فعلت مصر‏
ويقول‏(‏ هرناك‏)‏ المؤرخ الألماني فيما رواه عنه الدكتور مراد كامل‏:‏
‏(‏إن النساك المصريين كانوا يعتبرون في جميع العصور ـ حتي في نظر الغرب‏,‏ آباء ونماذج الحياة المسيحية الحقيقية‏).‏

إن في كتاب‏(‏ حياة انطونيوس‏)‏ الذي وضعه الأنبا اثناسيوس قد أشعل روح الرهبنة والنسك في بلاد الغرب‏.‏
وكما تميزت شخصية مصر في المسيحية‏,‏ تميزت في‏(‏ الغنوسطية‏)‏ التي أخذت في مصر طابعا شاعريا له جمال وروعة ففالنتينوس المصري هو مؤسس أعمق وأمتع الأنظمة الغنوسطية‏,‏ وأكثرها تأثيرا ورواجا‏,‏ وقد أنبتت الكشوف الحديثة في نجع حمادي عطاء مصر في هذا الميدان‏.‏
أما الأفلاطونية الحديثة فهي وليدة مصر التي حولت الهلينية الي لاهوت‏,‏ فصارت مدرسة الاسكندرية العاصمة الثقافية للعالم المسيحي كله‏.‏

وعلي يد مدرسة الاسكندرية ورجالها المصريين تخرج في المعهد اليوناني والروماني علماء العالم القديم في الطب والتشريح والكيمياء والصيدلة والهندسة والفلك‏,‏ كما تخرج بعد هذا علماء العالم المسيحي في هذه العلوم‏.‏
وعلي مصر تتلمذ جالينوس ولها شهد‏(‏ نيتولتسكي‏)‏ في كتابه‏(‏ الطب الشعبي المقارن‏),‏ كما اصطنعت مصر البحث العلمي بفضل اقليدس صاحب‏(‏ المباديء‏).‏
وأخيرا أقول إن موسيقي مصر الكنسية كانت‏(‏ أقدم مدرسة موسيقية معروفة في العالم‏,‏ وأغناها بما انبثقت عنه من موسيقي مصر الفرعونية التي تحمل أسماءها الي اليوم‏,‏ ألحانا‏).‏

بداية الصفحة

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games