عقلية التحريم

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

قضايا و اراء

2001 يناير 15 الأثنين

عقلية التحريم‏!‏
بقلم‏: ‏السيد يسين

نص المقال

هل يمكن لنا كعرب أن ندخل القرن الحادي والعشرين بأقدام ثابتة وأعين مفتوحة وبفكر جسور يقتحم جميع المشكلات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تواجهنا‏,‏ بغير ممارسة كاملة لحرية التفكير وحرية التعبير؟
إن الثقافة العربية المعاصرة المحاصرة بالاستبداد السياسي‏,‏ تضع قيودا متعددة علي حرية التفكير‏.‏ ولو تأملنا تاريخ التقدم في مختلف الحضارات‏,‏ لأدركنا أنه كان محصلة لممارسة حرية التفكير بغير قيود ولا حدود‏.‏ فلننظر لتاريخ التقدم الغربي‏,‏ وسنجد أن أوروبا لم تستطع أن تخرج من عباءة القرون الوسطي بكل تخلفها وأثقالها‏,‏ إلا بعدما حطمت المؤسسات التي كانت تحجر علي الفكر‏,‏ وتضع قيودا لا حدود لها علي العقل الإنساني‏,‏ بل وتمارس البطش الشديد والقمع بمختلف صوره علي كل مفكر أو مثقف أو باحث جرؤ علي تحدي المسلمات العلمية أو الفكرية أو السياسية أو الدينية السائدة‏.‏ لم تستطع أوروبا أن تنفذ من أبواب التقدم إلا بعد أن حققت ثورتها الثقافية الكبري‏,‏ من خلال تحطيم استبداد الكنيسة‏,‏ التي أرادت بسيف الإرهاب الديني الباطش أن تختم علي عقول الناس‏,‏ وأن تجبرهم علي التسليم بمذاهبها المتهافتة‏,‏ والتي تعكس رؤيتها المتدهورة للعالم‏.‏ وبذلك فتحت أوروبا الناهضة من خلال ركام القرون الوسطي الباب واسعا عريضا أمام العقل لكي يجوب الآفاق‏,‏ ويستطلع أسرار الكون‏,‏ ويحاول استكشاف المجهول‏,‏ من خلال بلورة منهج عقلي متكامل يحاول بالمنطق بحث مختلف المشكلات‏,‏ ويسعي بالمنهج العلمي إلي دراسة مختلف الظواهر الطبيعية والاجتماعية‏.‏ ومن هنا نستطيع أن نفهم الدلالة الكبري لكتاب الفيلسوف ديكارت الشهير مقال في المنهج الذي كان فتحا في بابه وقت صدوره‏,‏ لأنه رسم طريقا جديدا للتفكير المنهجي‏,‏ ووضع دليلا للعقل الإنساني الناهض لكي يتفحص أي مشكلة‏,‏ ويدرس مختلف جوانبها‏,‏ ويصل في النهاية إلي نتائج محددة‏,‏ بعضها يتسم بصفة ليقين‏,‏ وبعضها يتحول إلي فروض علمية قابلة للدحض والاثبات‏.‏

ويمكن القول بغير مبالغة أن كتاب ديكارت كان يمثل إحدي علامات التقدم البارزة‏,‏ التي دفعت العقل الاوروبي إلي الأمام‏,‏ وجعلته يؤسس من بعد للعلوم الاجتماعية الحديثة‏,‏ وفي مقدمتها علم الاجتماع وعلم السياسة وعلم الاقتصاد‏.‏ ولو طالعنا كتاب ديكارت اليوم‏,‏ كما فعلت منذ سنوات بعيدة وأنا في مطالع الصبا حين قرأته في ترجمته الانجليزية في عطلة صيفية‏,‏ لاندهشنا من القيمة العالية التي اكتسبها في تاريخ الفكر الاوروبي‏.‏ وذلك لسبب بسيط مؤداه أنه يضع قواعد التفكير المنهجي كما يمارسه ملايين الناس في عالم اليوم‏,‏ وفق قواعد تبدو لنا اليوم في غاية البساطة‏,‏ بل وتكاد أن تكون بديهية‏!‏ فهل هناك اليوم من يعتقد أن قاعدة تقسيم المشكلة ــ أي مشكلة تخضع للبحث ــ إلي أجزاء محددة قبل التعرض لبحثها كانت حين وضعها ديكارت تمثل هي وغيرها من القواعد المنهجية ثورة فكرية في زمانها؟
لقد سمحت حرية التفكير للعقل الاوروبي بأن يستطلع آفاق ميادين الاجتماع والسياسة والاقتصاد من خلال بلورة علوم متكاملة تدرسها‏,‏ ولكنها دفعت به ايضا إلي تنمية المنهج العلمي المنضبط لدراسة الظواهر الطبيعية بمختلف تجلياتها وفي هذا المجال لم يتردد العقل الاوروبي إطلاقا في أن يبني علي القواعد الراسخة التي وضعها المسلمون في مجال البحث العلمي بمختلف فروعه‏,‏ في الطبيعة والكيمياء والفلك والطب‏.‏ لم يزعم بعض الأوروبيين أن الفكر العلمي الإسلامي فكر وافد لاينبغي الاستعانة به‏,‏ ولم ترتفع أصوات غبية ترفع شعارات الغزو الثقافي أو تندد بالتبيعية الثقافية‏,‏ كما يحدث اليوم في مواجهة الفكر الإنساني المتقدم‏.‏ بل إن الأوروبيين أرسلوا بعثات منظمة إلي الأندلس لدراسة الفكر العلمي الإسلامي‏,‏ ولتعلم اللغة العربية‏,‏ لكي يترجموا النصوص الأساسية المكونة لهذا الفكر‏.‏ ومن هنا يمكن القول أن الحضارة الغربية الراهنة حضارة إنسانية‏,‏ بغض النظر عن بعض جوانبها السلبية‏,‏ التي توجد علي كل حال في أي حضارة‏,‏ لأنها أخذت من الحضارة الإسلامية‏,‏ كما أخذت من غيرها من الحضارات‏,‏ بالرغم من إنكار سجلات الحضارة الاوروبية ذلك‏,‏ في محاولة للزعم بأن الحضارة الغربية الراهنة هي امتداد للحضارة اليونانية القديمة‏.‏ وأيا ما كان الأمر فقد تكفل المؤرخ الأمريكي مارتن برنال بتفنيد هذه المزاعم في كتابه الشهير أثينا السوداء والذي حدد فيه الأصول الآسيوية والافريقية للحضارة اليونانية‏.‏

حرية التعبير
لم تكن حرية التفكير هي فقط مدخل أوروبا للدخول في عالم الحداثة‏,‏ ولكن رافقتها حرية التعبير ولايجوز لنا الظن أن حرية التفكير التي حصل عليها العقل الاوروبي قد تبلورت بسهولة‏,‏ ذلك أن المفكرين والباحثين والمثقفين عموما خاضوا في سبيل امتلاكها معارك ضارية مع السلطة‏,‏ بل أن بعضهم وقعت عليه عقوبات بدنية بالغة القسوة‏,‏ وبعضهم سيقوا للموت جزاء وفاقا لممارستهم حرية التفكير وخاض هؤلاء الرواد معارك أخري للحصول علي حق حرية التعبير‏.‏ ذلك أن قيود النشر كانت ثقيلة‏,‏ لأن السلطة السياسية والدينية عمدت إلي فرض رقابة محكمة علي ماينشر‏,‏ حتي لاتتهدد مصالحها بتأثير قوة الكلمة المكتوبة وهكذا يمكن القول أن أوروبا حلقت في فضاء التقدم مستخدمة جناحي حرية التفكير وحرية التعبير‏.‏
واذا ولينا وجوهنا الآن الي الوضع في العالم العربي‏,‏ لأدركنا أننا حققنا منذ بداية النهضة العربية الاولي خطوات متواضعة في مجال حرية التفكير وحرية التعبير ذلك أنه اذا كنا قد شهدنا بناء المدارس والجامعات الحديثة في مختلف ربوع الوطن العربي‏,‏ حيث يدرس المنهج العلمي‏,‏ ويستخدم في بحث مختلف الظواهر الطبيعية‏,‏ فانه يجابه صعوبات جمة في التطبيق في ميادين السياسة والاجتماع والاقتصاد‏.‏

في مجال السياسة يضيق إلي حد كبير هامش حرية التفكير وحرية التعبير نظرا لسيادة الاستبداد‏,‏ وممارسة القهر المنظم علي فئة المثقفين والباحثين‏,‏ التي تمنعهم من طرح الاسئلة الصحيحة عن طبيعة النظم السياسية السائدة‏,‏ وعن شرعيتها‏,‏ وعن مظاهر استبدادها‏,‏ وعن كيفية الخلاص من ربقتها‏,‏ من خلال تبديد الوعي الزائف الذي تنشره هذه النظم من خلال التحكم في الاعلام وفي منابر الثقافة المتعددة‏,‏ ونشر الوعي الاجتماعي الصحيح‏.‏ وهناك حالات متعددة لاحقت فيها السلطة المفكرين ووضعتهم في السجون‏,‏ أو صفتهم تصفية جسدية جزاء لجسارتهم الفكرية‏,‏ وطرحهم لمشكلة استبداد النظام أو تحكم السلطة‏.‏ بل إن بعض المجتمعات العربية أفسحت للمواطنين العاديين الذين ينتمون لأكثر التيارات الفكرية محافظة ورجعية أن يرفعوا دعاوي قضائية ضد المفكرين الذين يرون أنهم قد تخطوا بابداعهم ــ سواء كان ذلك بحثا علميا أو دراسة تحليلية أو رواية أو حتي أغنية ــ الخطوط الحمراء للحرام كمل يحددونها هم ولعل الأحداث التي برزت في السنين الاخيرة في بعض البلاد العربية‏,‏ حيث صدر حكم بتطليق أحد المفكرين من زوجته بتهمة الردة‏,‏ وصدرت أحكام أخري بسجن مبدعات عربيات بزعم أن ابداعهن فيه تطاول علي الذات الإلهية‏,‏ كل هذه الأحداث تبين أننا ــ في الوطن العربي ــ مازلنا نعيش أجواء القرون الوسطي التي تجاوزتها أوروبا خصوصا‏,‏ والبلاد المتقدمة عموما منذ قرون طويلة وفي تقديرنا أن المشكلات التي تواجه العرب ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين‏,‏ والتي يرد جانب كبير منها إي الفجوة الواسعة بين تخلفنا وتقدم الآخرين‏,‏ يقف وراءها بشكل أساسي مايمكن أن نطلق عليه عقلية التحريم فمادام العقل العربي المعاصر ممنوعا من التحليق في آفاق حرية التفكير‏,‏ باسم الدين أو التقاليد‏,‏ فلن يتاح لنا أن نستطلع الآفاق المجهولة‏,‏ ولا حتي أن نسير في الدروب المطروقة التي سلكتها مثلنا الشعوب لمعاصرة التي استطاعت تحقيق التقدم‏.‏

ولعل الظاهرة اللافتة للنظر حقا في الحياة السياسية المعاصرة‏,‏ هو تواطؤ المؤسسة السياسية ــ أيا كانت طبيعتها واتجاهاتها ومدي انغلاقها أو انفتاحها ــ مع المؤسسة الدينية لممارسة حظر حرية التفكير وحرية التعبير ولعل هذا أحد أهم أسباب التخلف في الوطن العربي‏.‏
لقد وصلنا إلي نهاية القرن العشرين وبدأنا قرنا جديدا ومن واجبنا أن نتأمل حصاد هذا القرن عربيا‏,‏ لكي نشخص السلبيات البارزة‏,‏ ونضع أيدينا علي جوانب القصور‏,‏ ولكي نحدد ايضا الميادين القليلة التي استطعنا فيها أن نحقق نوعا من التقدم النسبي‏.‏
ولاينبغي لنا أن نتطور تحت تأثير تهديدات العولمة‏,‏ بل انه من الضروري لنا ممارسة النقد الذاتي بصورة بصيرة‏,‏ في تشخيص مشكلاتنا ونضع لها الحلول التي تتفق مع تاريخنا الاجتماعي‏,‏ والتي لاتحاول القفز فوق الواقع العربي بكل تناقضاته وأوضاعه‏.‏ العولمة السياسية ترفع شعارات الديمقراطية والتعددية واحترام

حقوق الإنسان والعولمة الاقتصادية تدعو لتحرير الاقتصاد وفتح السوق‏,‏ والعولمة الثقافية تركز علي الانفتاح الثقافي وحوار الحضارات‏,‏ والعولمة الاتصالية فتحت باب الاتصال غير المحدود بين بني البشر من خلال الانترنت‏.‏
هذه كلها دعوات صريحة لمختلف بلاد العالم وخصوصا تلك التي تسودها الأنظمة الاستبدادية والفكر المنغلق‏,‏ علي ان تتحرر من ربقة الماضي وتدخل العالم الجديد‏.‏

ومعني ذلك أننا نحتاج الي عملية إحياء ثقافي تتكفل بالقضاء علي ثقافة الاستبداد‏,‏ وتؤسس لثقافة الديمقراطية‏,‏ وتغرس مبادئها في الأسرة والمدرسة والجامعة وفي فضاء المجتمع المدني كله‏,‏ ومن ناحية اخري ينبغي توسيع دائرة حرية التفكير وحرية التعبير الي غير مامدي‏,‏ وتحكم العقل في صنع السياسات وصنع القرار‏,‏ والاستفادة من التجارب المقارنة الناجحة‏,‏ ولابد من إعادة صياغة العلاقة بين الدول العربية ومواطنيها‏,‏ حتي يتحولوا من وضع الرعايا الي مكانة المواطنين ذوي الأهمية السياسية والثقافية‏.‏
إن تأمل أوضاع العولمة الراهنة‏,‏ يدفعنا الي القول إننا إن لم نتطور اختيارا‏,‏ ونفتح الأبواب المغلقة‏,‏ فإن رياح التغيير العالمية من شأنها أن تحطم قلاع الاستبداد السياسي وحصون الرجعية الفكرية‏.‏

بداية الصفحة

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games