قرار الوزير‏..‏ والتنوير

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

قضايا و اراء

2001 يناير 14 الأحد

قرار الوزير‏..‏ والتنوير
بقلم : عبده مباشر

نص المقال

 
يخطئون كثيرا هؤلاء الذين يربطون بين التنوير والتطاول علي الأديان‏,‏ خاصة الدين الإسلامي‏,‏ ويتمادي في الخطأ كل من يعلن أن الإبداع هو البذاءة‏,‏ أو هو الطعن في الرسول المصطفي صلي الله عليه وسلم‏,‏ أو إنكار وجود الخالق وصفه جل جلاله بما لا يليق‏.‏
وفي بلد تجذر فيه الإيمان بالخالق حتي قبل أن يبدأ عصر الرسالات‏,‏ ونبتت فيه فكرة الضمير لأول مرة في التاريخ الإنساني‏,‏ يتحمل أهل الكلمة مسئولية احترام العقائد الدينية وتجنب المساس بها‏,‏ أو التورط فيما يجرح مشاعر وأحاسيس المتدينين‏.‏

وإذا كان هناك من اليساريين من ينكر الخلق والخالق من منطلق عقيدي أو فكري أو فلسفي‏,‏ فإن من الفطنة ألا يصطدموا بالرأي العام‏.‏
وإذا كان من حقهم أن يختاروا‏,‏ فإن من حق الآخرين الدفاع عن اختيارهم‏,‏ والصورة أوضح إذا كان هذا النفر قد اختار الإلحاد طريقا واقتناعا ومذهبا وفكرا وأيديولوجيا‏,‏ فإن من حق المؤمنين بالله وكتبه ورسله أن يدافعوا عما يؤمنون به‏.‏
وأعتقد أن أحدا أيا كان موقعه يمكنه أن يجادل في ذلك‏.‏

وعندما يثور هؤلاء المؤمنون ويعبرون عن غضبهم من تطاول هذا الروائي علي الذات الإلهية وشخصية المصطفي أو من إسراف ذلك الكاتب أو القاص في استخدام المفردات أو الصياغات الجنسية والألفاظ البذيئة أو جنوح بعض الشعراء‏,‏ فإن أحدا لا يمكنه أن يصف غضبتهم بالتخلف‏,‏ أو أن يتهمهم بالعداء للتنوير والإبداع‏.‏
وإذا كان العالم الإسلامي قد انتفض غضبا علي سلمان رشدي عندما أصدر روايته آيات شيطانية‏,‏ وثار علي تسليمة نسرين عندما خطت علي نفس الطريق‏,‏ فلماذا لم يتعلم الآخرون الدرس؟

لماذا كتب السوري حيدر حيدر روايته وليمة لأعشاب البحر بكل ما فيها من خروج علي الدين؟ ولماذا وافق من وافق علي إعادة نشر هذه الرواية بالقاهرة؟ وهل كان يدري حقيقة ما تتضمنه الرواية من تجاوز؟ أم أنه لم يكن يدري؟
لكن الجميع أصبحوا علي علم عندما ثار الرأي العام والمؤسسات الدينية علي الرواية‏,‏ فلماذا استمروا علي موقفهم ولم يسارعوا بالاعتذار عن الوقوع في هذا الخطأ؟ لماذا أصروا علي الاستمرار في موقفهم المؤيد للرواية وكاتبها؟ ولماذا أعلنوا تحديهم للجميع؟ ولماذا بدأوا في حملة للتبرير والالتفاف من حول القضية؟ ولماذا اتهموا الجميع بالتخلف والعداء للمجتمع المدني والعمل بإصرار علي هدم هذا المجتمع؟

ألا يقوم المجتمع المدني إلا علي أكتاف أعداء الدين؟ ومن قال بذلك؟ وهل يكفي أن يردد البعض ذلك في مجالسهم أو في المقاهي التي يترددون عليها لكي يقتنعوا بما يقولون؟
إن فكرة المجتمع المدني لا تعني أبدا أحادية الموقف‏,‏ ولا أن يكون هذا الموقف بالضرورة يساريا ملحدا‏.‏

ولقد كان من الخطأ الإصرار علي هذا النهج‏,‏ وإصدار ونشر مزيد من القصص والروايات التي تتضمن تحريفا وتطاولا‏.‏
وبالضرورة كان يجب أن يدرك هذا النفر أنهم ماضون بإصرار علي الاصطدام بالجميع‏,‏ بالرأي العام والسلطتين التنفيذية والتشريعية والأزهر و‏...‏ و‏...‏
هل كانت حساباتهم تعتمد علي أن النظام في حاجة إليهم وإلي كل قوي
اليسار وهو يخوض معركته ضد الإرهاب؟
وإذا كان الأمر كذلك ـ فلماذا فاتهم ان الحكومة قد نجحت في تحجيم هذا التيار وحصاره؟
وحانت لحظة الصدام بطلب الاحاطة الذي تقدم به النائب محمد حشمت عضو مجلس الشعب‏.‏

ورأي وزير الثقافة فاروق حسني ان الموقف يقتضي الحسم‏,‏ ولايمكن السماح ببقاء من ورطوا الوزارة في هذا الخطأ في مواقعهم‏,‏ فكان أن قدر ابعاد المسئول وتوالت قرارات تصحيح الموقف‏,‏ ومرة أخري يندفع هذا التيار علي طريق الصدام‏,‏ ويقرر بعض الافراد الاستقالة من مناصبهم‏,‏ ونبدأ حملة جمع توقيعات مناهضة لقرار الوزير‏.‏؟
وبدأوا في دق الطبول لاستنفار المناصرين والمشايعين للضغط علي الوزير أولا والحكومة ثانيا‏,‏ ولتضليل الرأي العام ثالثا‏.‏

وعادت نفس الأقلام اليسارية لتزويد مقولات التنوير والابداع السقيمة والتي تربط بين التحريف والتطاول علي الذات الألهية والرسل والتنوير والابداع‏.‏
ولم يدركوا أن الوزير فاروق حسني قد اقدم علي تصحيح مسار كان يجب تصحيحه منذ سنوات فمن غير المقبول ان تظل هذه القوي في مواقع المسئولية والتأثير بوزارة الثقافة‏.‏

وأظن ان الوزير قد أدرك ان هذا النفر لايعمل إلا لحساب الأحداث التي يسعي إليها والفكر الذي يؤمن به‏,‏ حتي ولو تعارض مع أهداف وسياسات الوزارة بل حتي ولو تعارض مع أهداف وسياسات الحكومة والنظام السياسي‏.‏
وها هو فاروق حسني يعلن أنه فوجيء بكم الاباحية وامتهان الدين والعادات والتقاليد في الروايات الثلاث التي صدرت عن سلسلة أصوات أدبية‏.‏

والذي لاشك فيه أن هذه الروايات لا تختلف عن رواية وليمة لاعشاب البحر أو رواية آيات شيطانية‏,‏ بالاضافة إلي ما تحتويه من خدش للحياء وخروج علي الآداب العامة‏.‏
ومن المدهش أن يري افراد هذه المجموعة ومن ينتصر لهم من أهل اليسار أنهم هم وحدهم المثقفون‏,‏ وكأن الثقافة مقصورة عليهم أو أنها حكر لهم‏,‏ ان في ذلك بالقطع مغالطة فادحة‏,‏ وهم يعلمون ذلك يقينا‏,‏ ولكنهم أرادوا ان ينفردوا بالساحة‏,‏ مثلما انفردوا بوزارة الثقافة وببافي وسائل الإعلام منذ زيارة خروشوف لمصر عام‏1964.‏

لقد استنكر الزعيم السوفيتي في ذلك الوقت أن يزور بلدا يسجن فيه الشيوعيون فما كان من الرئيس عبدالناصر إلا ان اطلق سراح جميع المعتقلين والمسجونين الشيوعيين‏,‏ وتحت ضغط الزعيم السوفيتي تم فتح ابواب العمل امامهم فاختاروا العمل في في مجالي الإعلام والثقافة‏.‏
وخلال فترة المد اليساري ثبتت هذا المجموعة أقدامها‏,‏ وفتحت الابواب علي مصراعيها امام باقي افراد المجموعات الشيوعية واليسارية‏.‏

وليس ثمة شك في أن المثقفين في مصر وفي باقي الاوطان يمثلون كل القوي والتيارات السياسية والفكرية‏,‏ وليسوا ابدا ابناء مدرسة سياسية واحدة‏.‏
وهناك نقطة أخري فقرارات ابعاد أو عزل هذا أو ذاك بسبب رواية أو ثلاث روايات لايمكن ان توصف بأنها اعتداء علي حرية الرأي أو التعبير‏,‏ فليس من حرية الرأي أو التعبير التطاول علي الذات الإلهية أو الطعن في الرسل أو جرح المشاعر الدينية للرأي العام‏,‏ ولايمكن لعاقل أن يجادل في هذا الأمر‏,‏ والوزير لم يفعل بقراراته أكثر من محاولة تصحيح خطأ وقع فيه من امتهنوا الاديان السماوية‏.‏

وليس من المنطق في شيء أن يعلن هذا أو ذاك من المبعدين أو المقالين أو المستقيلين‏,‏ أنه سيواصل معركته من أجل التنوير وحماية
الابداع فليس في الأمر تنوير أو ابداع‏,‏ إلا إذا كان مفهوم التنوير والابداع لديهم هو الاجتراء علي الأديان السماوية‏.‏
 
 
 
 
بداية الصفحة

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games