|
تحقيق ـ سارة
العيسوي
ما بين الإحصاءات
الرسمية والدولية التي تتناول قضية
الفقر في مصر هوة كبيرة.. فحتي
العام الماضي ووفق آخر تقرير
للتنمية البشرية في مصر الصادر عن
معهد التخطيط القومي عام1996 فإن
حد الفقر مقداره1098 جنيها في
السنة.. ويعتبر التقرير أن من
يزيد متوسط إنفاقهم السنوي علي هذا
الحد غير فقراء.. ويوضح أن نسبة
غير الفقراء تمثل%52 من عدد
السكان أي أن%48 من إجمالي عدد
السكان يقعون تحت خط الفقر..
الأكثر من ذلك أن التقرير صنف
الفقراء ثلاثة مستويات: الأول
فقراء معتدلون بمتوسط إنفاق للفرد
من814=1098 جنيها سنويا ونسبتهم%25.1
من عدد السكان أي ما يمثل14.9
مليون نسمة والمستوي الثاني فقراء
بمتوسط إنفاق للفرد يقع بين594=814
سنويا ويمثلون%15.5 من عدد السكان
أي حوالي9.02 مليون نسمة وأخيرا
فقراء مدقعون بمتوسط إنفاق سنوي
يقل عن594 جنيها ويمثلون%7.4 من
عدد السكان بمجموع يصل إلي4.4
مليون نسمة.. وبصفة عامة ووفق
هذا التقرير وفي ضوء الدراسات التي
أجريت في تاريخ إعداد التقرير فإنه
يمكن استنتاج أن ربع سكان مصر علي
الأقل فقراء بجميع المقاييس وأن
ربعا آخر يقف علي هامش خط الفقر.
وبينما يري المسئولون أن مستوي
المعيشة تحسن والأحوال تسير نحو
الأفضل فإن بعض الخبراء يؤكدون أن
الإحصاءات التي تتعلق بنسبة
الفقراء يعتريها الشك ويكتنفها
الغموض.
غير أن الدراسة التي أجراها الجهاز
المركزي للتعبئة العامة والإحصاء
حول الدخل والإنفاق في الأسرة
المصرية لعام99/2000 جاءت لتقلب
المقاييس وترفض ما سبقها من
إحصاءات ودراسات حين يؤكد اللواء
أهاب علوي ـ رئيس الجهاز المركزي
للتعبئة العامة والإحصاء ـ أن هناك
تحسنا ملحوظا في مستوي المعيشة
للمواطن المصري وطبقا لنتائج
الدراسة المشار إليها والتي تحمل
رقم(7) في سلسلة هذه النوعية من
الدراسات والتي قام بها الجهاز فإن%50
من الأسر المصرية يتراوح دخلها بين6
ــ12 ألف جنيه سنويا و%20 دخلهم
أقل من6 آلاف جنيه بينما%2.8
فقط يحصلون علي دخل أقل من3 آلاف
جنيه. وهذه النتائج تؤكد عدم صحة
الإحصائيات السابقة بأن%45 من
المصريين يعيشون تحت خط الفقر..
فهذا الرقم مبالغ فيه إلي حد كبير
ولا يعبر عن حقيقة الأوضاع
الاقتصادية والمعيشية في المجتمع
المصري.
ويضيف رئيس الجهاز المركزي للتعبئة
العامة والإحصاء بعدا آخر للقضية
مشيرا إلي أن نسبة الـ%45
للمصريين تحت خط الفقر تم حسابها
بشكل خاطيء حيث اعتبرت أن كل من يقل
دخله عن دولار واحد في اليوم يعتبر
تحت الخط.. وهذه الطريقة غير
دقيقة في التقرير لأن القيمة
الشرائية للدولار تختلف من دولة
لأخري.. فالدولار في أمريكا مثلا
هو قيمة زجاجة مياه غازية بينما
يبلغ ثمن نفس الزجاجة في مصر75
قرشا.. وبالتالي لابد أن يتم
حساب قيمة الدولار تبعا للقوة
الشرائية أي عدد السلع التي يمكن
شراؤها به في مصر وليس علي أساس
السعر الذي يباع ويشتري به الدولار.
ويضيف اللواء أهاب علوي أن نوعية
الإنفاق في الأسرة المصرية اختلفت
في عام99/2000 عن عام95/96 وهذا
الاختلاف نحو الأفضل, فالإنفاق
علي الطعام انخفضت نسبته في الريف
والحضر ففي الريف انخفض الإنفاق من%5,56
عام95/96 إلي%50 عام99/2000 وفي
الحضر انخفضت النسبة من47 إلي%39
في نفس الفترة وهذه التطورات تعطي
مؤشرا إيجابيا لأن انخفاض الإنفاق
علي الطعام يعني ارتفاع مستوي
المعيشة.. كما زاد الإنفاق علي
جوانب أخري تؤكد ارتفاع المستوي
المعيشي مثل المسكن والملبس
والرعاية الصحية والثقافة
والرياضة والترفيه.
وإذا كانت قضايا الفقر وتوزيع
الدخل ترتبط بشكل وثيق بقضية
التصور في استخدام عنصر العمل ومن
ثم شيوع البطالة حيث إن العمل
المنتج هو أفضل أسلوب لإتاحة الفرص
للفئات الفقيرة للحصول علي نصيب
أكبر من الدخل الكلي.. فإن
البطالة هي أهم وأخطر القضايا في
مصر حاليا ووفقا لأحدث التقارير
الرسمية يبلغ معدل البطالة علي
مستوي الجمهورية ما يقارب من%9
وهي نسبة مرتفعة إذا ما قورنت بـ%5.4
في أمريكا الشمالية و%6.1 في دول
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
وتعد معدلات البطالة في الحضر أقل
منها في الريف إذ تبلغ%8.7 ثم%.9.1
لكن اللواء أهاب علوي يشير إلي أن
نسبة البطالة في مصر وصلت%8.1 من
قوة العمل وهي نسبة غير كبيرة إذا
قورنت بالنسب الأخري علي مستوي
العالم.. بل تزيد هذه النسبة في
كثير من الدول المتقدمة عن مصر..
لكن حل هذه المشكلة يتطلب وقتا
طويلا لأن هناك960 ألف فرد يدخلون
سنويا إلي سوق العمل.. وإذا
حذفنا من هذا العدد الذين يخرجون
بسبب الوفاة أو المعاش سنجد أن
القوة الإضافية الفعلية تصل إلي
حوالي470 ألف فرد والمطلوب من
الحكومة توفير وظائف لكل هذا العدد..
بالإضافة للبطالة المتراكمة من
السنوات السابقة.
لكن هناك تطورا مهما يؤكد اللواء
أهاب علوي وهو أن ثورة التكنولوجيا
في كل المجالات تسهم بدور كبير في
زيادة نسب البطالة فالمصنع الذي
كان يعمل به100 فرد أصبح يعمل به
الآن30 عاملا فقط ومع ذلك تتمتع
مصر بقدرتها علي امتصاص البطالة في
مجالين مهمين هما السياحة والزراعة.
الدكتور عثمان محمد عثمان ـ مدير
معهد التخطيط القومي يؤكد أن
الدراسة التي أعدها جهاز التعبئة
العامة والإحصاء لها أهمية خاصة في
الوقت الراهن حيث تعطي مؤشرات يمكن
من خلالها تقدير الاستهلاك العائلي
من السلع المختلفة وبالتالي
التخطيط لإنتاج نوعيات معينة من
السلع واستبدال أنواع أخري حسب
اتجاهات الطلب المحلي..
وبالنسبة لقضية الفقر فإن نسبة
الفقراء في مصر لا تتعدي%20.1 وذلك
طبقا لدراسة تقييم الفقر التي
أعدها معهد التخطيط بالتعاون مع
البنك الدولي. وهذه النسبة تم
حسابها علي أساس أن من يقل دخله عن2.25
جنيه في اليوم يعتبر تحت خط الفقر.
ويوضح أن نسبة%45 التي تحدث عنها
الكثيرون, ترجع إلي الخلط بين
بعض المسميات. ففي دراسة الدخل
والإنفاق لعام95/96 حدث خلط بين
تقدير نسبة الفقراء وبين دراسة
خريطة مستويات المعيشة والنسبة
الصحيحة للفقراء سنة95/96 هي%23
ولكن أضيف لهذه النسبة%22 وهي
نسبة تمثل الشريحة السفلي من
الطبقة الوسطي مما جعل حاصل جمعهما%45
واعتبر البعض أن هذه هي نسبة
الفقراء في مصر. وهذا يفسر لنا
سر هذا الرقم.
والهدف الحقيقي ليس هو تحديد نسبة
الفقراء لأن المسألة ليست مقاييس
صارمة, وهناك نسبة خطأ مقبولة
ومعروفة في الدراسات العلمية يمكن
أن تزيد النسبة قليلا أو تخفضها,
لذلك ليس المهم أن النسبة انخفضت من%23
عام95/96 إلي%20 عام99/2000 ولكن
المهم هو ربط مستوي المعيشة
بالظواهر الاقتصادية الأخري مثل
خصائص الأسر من يدخر ومن لا يدخر
والتمييز بين الفئات المختلفة
وسلوكها الاستهلاكي وأظهرت
الدراسة أيضا أن السياسات
الاقتصادية التي اتبعت لم يترتب
عليها زيادة نسبة الفقر وكذلك لم
تنجح في تخفيض هذه النسبة بشكل
ملموس, ولكنها علي الأقل
استطاعت أن تمنع تفاقم المشكلة.
اللافت في الأمر هو عدم وجود سياسة
رسمية محددة لمواجهة مشكلة الفقر ـ
علي حد قوله ـ ولكن أصبح الخطاب
السياسي في مصر ـ بفضل الوعي بنتائج
مثل هذه الدراسات ـ يراعي الأبعاد
الاجتماعية عند وضع السياسة العامة.
ومن أهم نتائج هذه الدراسة أنها
أوضحت أن الفقراء ليسوا الوحيدين
الذين يستفيدون من البرامج
الاقتصادية التي توضع لمساعدتهم
ولمراعاة الأبعاد الاجتماعية,
وذلك لأن هناك عقبة رئيسية تظهر
دائما تتمثل في اتجاه نسبة من
الإنفاق العام علي الخدمات
الاجتماعية صحة ـ تعليم ـ دعم..
إلي الأغنياء الذين لا يحتاجون
إليها. وبالتالي هناك مزاحمة من
جانب الأغنياء علي الموارد
المحدودة لمخصصات الإنفاق. وهذا
الأمر يحمل الدولة أعباء إضافية.
د. عثمان ينهي كلامه بضرورة
تركيز الاهتمام في المرحلة القادمة
علي النشاط الاقتصادي لمواجهة
مشكلة الفقر وأن سياسات إعادة
توزيع الدخل ليست هي المهمة ولكن
الأهم هو زيادة الدخل القومي من
خلال عملية التنمية.
أما الدكتور مختار هلوده ـ الرئيس
السابق للجهاز المركزي للتعبئة
العامة والإحصاء ـ فيري أن نتائج
دراسة الدخل والإنفاق في الأسرة
المصرية لا يمكن فهمها علي نحو صحيح
إلا إذا قارنا أنفسنا بأنفسنا وليس
الأخرين علي مستوي العالم الذين
تختلف ظروفهم عنا.
وبالنسبة للخلاف حول نسبة الفقر
فهذا الأمر يتطلب توافر مزيد من
الشفافية والوضوح في البيانات
والإحصاءات الخاصة بتحديد نسب
الفقراء والإعلان عن الرقم الحقيقي
لمن هم تحت خط الفقر وكذلك تحديد
الأساس الذي يتم عليه حساب نسب
الفقراء.
ويشير إلي أن نسبة2.8% التي توضح
الدراسة أنهم يحصلون علي دخول أقل
من3 آلاف جنيه في السنة هي نتيجة
مستحيلة ومشكوك فيها ولا تعبر عن
الواقع الحقيقي للدخول في مصر.
غير أن الدكتور حمدي عبدالعظيم ـ
رئيس مركز البحوث بأكاديمية
السادات ـ يشير إلي أن هناك بالفعل
تحولا في معدلات الإنفاق يعكس
تحسنا في مستويات المعيشة خاصة
بالنسبة لفئة الطبقة المتوسطة
والأعلي منها, كذلك ظهرت أنماط
جديدة للإنفاق لم تكن موجودة من قبل
مثل الإنفاق علي الاتصالات
والتليفونات المحمولة والإنفاق
علي السلع المعمرة والملابس وهذه
السلع زاد الإنفاق عليها من قبل هذه
الفئة لكن هذا التحسن يرجع في جزء
كبير منه إلي اضطرار التجار في ظل
أزمة الكساد إلي اللجوء إلي نظام
التقيسط وهذا النظام يساعد أصحاب
الدخول الثابتة علي الحصول علي هذه
السلع بطرق ميسرة وكذلك هذه الأمور
توضح وجود تحسن في مستوي المعيشة
إلا أن التحسن في الدخل لم يكن بنفس
المستوي والدليل علي ذلك كساد
الأسواق والاتجاه نحو التقسيط الذي
يمكن الناس من الحصول علي سلع لم
يكن من الممكن أن يحصلوا عليها من
قبل.
وبالنسبة لقضية الفقر
فإن خط الفقر يحسب علي أساس الأفراد
الذين يقل دخلهم عن دولار في اليوم
أي30 دولارا في الشهر بما يساوي120
جنيها مصريا. وهذا الدخل في
الحقيقة لا يكفي لتسديد الاحتياجات
الأساسية للإنسان من مأكل ومشرب
وملبس.. وهذه الشريحة تعتبر تحت
خط الفقر وتصل نسبتها إلي%38 من
المجتمع المصري.. وهناك عدة
دراسات تؤكد هذه النسبة منها دراسة
تقدير البعد الاجتماعي والإصلاح
الاقتصادي ودراسة التنمية
الاجتماعية التي أعدها مجلس الشعب.
أما النتيجة التي
تشير إلي أن%2.8 فقط من الأسر
المصرية دخلها أقل من3 آلاف جنيه
فهي نسبة غير صحيحة بالتأكيد*
|