محمد بن محمد بن منصور المولود بمدينة سوهاج
عاصمة مديرية جرجا فى شهر مارس سنة 1871
(( فهرست
))
|
بدء حياته المسيحية وسفره إلى
رومه لمقابلة البابا ثم رجوعه وإشتراكه فى الكنيسة الإنجيلية |
|
منظومة أسماء الله الحسنى التى نظمها وهو مسلم |
|
نموذج من خطه |
|
كلمة فى أخلاقه لصديقه الأستاذ الشيخ عوض واصف
نائب الطائفة الإنجيلية |
|
الخاتمة |
|
طبع بمطبعة المحيط بالفجالة بمصر نمرة 54 سنة
1929 |
د
(الشيخ ميخائيل منصور)
إن المقياس الحقيقي للحياة ليس التعمير طويلا
في هذه الدنيا وانما هو تمجيد الله بما يخلده الحي من الاعمال السامية.
وخير ما يبقي خالداً
من الأعمال هو التضحية وانكار الذات في سبيل خدمة الله والإنسان فإن
البطولة الحقيقية لا تتحقق إلا في هذه الناحية من مناحي الحياة... فإلي خدام الله
العلي ومحبي النفوس والعائشين لأجل الآخرين أقدم فذلكة من تاريخ حياة أخ لهم
راجياً الصفح عما يجدونه فيها من القصور في الوصول بهم إلي كل ما حواه تاريخ حياته
تفصيلياً لاسيما ما ألقاه من المحاضرات وجميع ما كتبه من النظم والنثر فقد كان قليل
الحرص علي ما كتب. كذا أطلب الصفح عن التأخير بهذا الكتاب إلي هذا التاريخ الذي
ظهر فيه فقد أدت إلي ذلك حوائل كثيرة لا مكان لذكرها اليوم. وإني أسأل الرب أن
يحمل هذا الكتاب قراءة علي تمجيد المسيح وأعلاء ذكره في هذه البلاد وغيرها.
كامل منصور
(بقلم
جناب الدكتور زويمر)
إننا نرحب بكتاب جديد في باب تراجم مشاهير الرجال – وقليل ما
هو عندنا في اللغة العربية من هذا النوع الذي يحدثنا عن عمل نعمة الله في الحياة البشرية
– إن أعظم كتاب في العالم هو كتاب التراجم. تراجم رجال ونساء في قاعة اعلان الله
المعلقة فيها صور رجال ونساء. أكرمهم الله بأن كلمهم في قديم الأيام. وكانوا من
الذين ساروا مع الله وصارعوا مع الله بالصلاة فحصلوا علي غفران منه وقوة فخدموا
عصرهم وجيلهم بنعمة الله المتفاضلة عليهم. أن الكتاب المقدس كتاب تراجم لا نظير
له. فالكتبة الأطهار وضعوا لنا رسوماً حقيقة فكانت خطوط رسومهم الدقيقة وألوانها
الباهرة مطابقة للحقيقة لأنهم بالإيمان غلبوا وبالنعمة ثبتوا ومعلوم أن يسوع
المسيح هو هو أمساً واليوم وإلي الأبد.
إن إله ابراهيم واسحق ويعقوب هو أيضاً إله موسى ويشوع
وصموئيل. وهو الذي أعطى سليمان حكمة وإيليا شجاعة واليشع حنواً وأيوب صبراً. وهو
الذي دعا أشعياء وحزقيال وأرميا في العهد القديم واختار يوحنا المعمدان وبطرس
وبولس الرسولين في العهد الجديد. ولاشك أنه هو الذي دعا واختار رجال كثيرين من ذلك
اليوم الذي فيه وجد أندرواس أخاه بطرس بجانب البحيرة إلي يومنا الحاضر. وفي هذه
الدعوة يتضح لنا بجلاء أن الله لا يأخذ بوجوه الأشخاص أو الأمم بل إن نعمته
المتفاضلة وحكمته التي لا تستقصي لا تزال تتجلي في جماهير خدامه الأمناء الذين
يدعوهم لأعمال عظيمة في كل زمان وكل مكان
ومن هؤلاء الخدام العظام الذين أكرمهم الله وأغدق عليهم سوابغ
نعمته وحكمته نذكر المرحوم الشيخ ميخائيل منصور. فهذا إذ عرف حق الله كما هو معلن
في كتبه المقدسة "وجد أولا أخاه كاملا وأتي به إلي يسوع"
فما كان هذا الكتاب الذي وضعه الشيخ كامل منصور الا اعترافاً بالفضل من أخ لاخيه. ولو أن قد مضي
زمن طويل مذ فارقنا الشيخ ميخائل منصور وانطلق إلي راحته الأبدية ولكن ذكره يبقي
إلي الأبد وصورته تظهر لنا الآن ادق وأوضح مما كانت سابقاً لأننا نراها من بعد
فتظهر لنا كل أجزائها بوضوح وجمال لا يظهران عن قرب. أن ألوانها حقيقية والمصور قد
غمس ريشته في دم حياته ولب محبته فجاءت الصورة معبرة عن الحقيقة. إنه لا يستطيع
أحد أن يقرأ سطور هذا الكتاب إلا ويرفع الشكر لله لأجل علامات قوة الإنجيل مركز
العالم الإسلامي
أن الكنيسة الأنجيلية بمصر مديونة ديناً عظيماً لموسى المحبوب
ولاخيه يشوع اللذين بالإيمان قادا الكنيسة إلي أرض الموعد التي تضم الملايين
العديدة من اخوتنا واخواتنا المسلمين. فهل يخامرنا شك بأن الله الذي أعطي الباكورة
الصالحة لا يعطي حصاداً غنياً وافراً ؟
اقرأ الكتاب. أنه سيحرك قلبك وينهض قواك ويبعث فيك شهوة جديدة
فيها شهوة جديدة للتبشير كما فعل بي.
(زويمر)
فهرست
هو محمد بن محمد بن منصور ولد بمدينة سوهاج عاصمة مديرية جرجا
في شهر مارس سنة 1871 وأدخل مكتباً لتلقي القرآن حسب عادة أكثر أهل البلاد في ذلك
الحين. وذلك في مسجد "العارف بالله" بسوهاج علي يد مقرءٍ مشهور بحسن
التربية يدعي الشيخ مسعود العزازي فأتقن الفقيد عليه حفظ القرآن في سنوات قليلة
وظهرت عليه بوادر الذكاء والفطنة فأرسله والده إلي بلدة قريبة من سوهاج تدعي
بلصفورة للتعلم. حيث بها مسجد معد لتدريس العلوم الإسلامية يؤمه الطلبة من كل جهات
الصعيد. وذلك لأن القائم بالتدريس هناك كان مشهوراً بقوة رسوخ قدمه في العلوم
النقلية والعقلية وغزارة مادته فيما يدرسه فضلا عن أنه كان مرشداً لكثيرين من
الطلبة الذين ينتظمون في سلك الطريقة الصوفية الخلوتية وهو المرحوم الشيخ علي بدر
العالم المالكي الصوفي الخلوتي وحيد عصره وبديع زمانه في تلك الانحاء
فلما انتظم الفقيد في عقد التلمذة عليه أحبه حباً جماً لما
شاهده فيه من قوة الفهم وجودة الفطنة. فنظرة بعين عنايته في التهذيب والتعليم.
ورعاه بجميل رعايته في انماء قوة ذكائه وحسن ادراكه.
وانكب الفقيد علي موائده انكباب الجائع علي الطعام يلتقط درر
فرائده، ويقتبس حسن فوائده، عشر سنوات كاملات. بمواظبة تامة ورغبة فائقة، وفطنة
باهرة، وطاعة نادرة، فأكمل علي شيخه المذكور فقه الامام مالك وتلقي عنه في تفسير القرآن الكشاف والبيضاوي والجلالين. وفي الحديث الاربعين النبوية وصحيح مسلم والبخاري،
وكثيراً من كتب التوحيد واللغة والصرف والنحو والبيان والمنطق وقرض الشعر وأدب
اللغة والفلسفة والتاريخ والاصول، وطائفة كبيرة من كتب السادة الصوفية، ومهر في كل
ذلك مهارة فائقة بهرت في ذلك الحين رفقاءه، وأعجب بها شيخه. يدلنا علي ذلك جملة
شواهد تنبيئ عن فضل الفقيد. منها وضعه تعليقا في علم النحو يستحق الذكر. ومما يؤسف
له أن هذا التعليق قد امتدت إليه يد الضياع فلم أعثر فيما تركه من الاوراق إلا علي
مقدمته. علي انني قد رأيته عنده في حياته. وها أنا أثبت هنا تلك المقدمة. قال:
"اللهم يامن شواهد صنعك ظاهرة البرهان. وعوامل أثارك محكمة البيان الخ"
أما بعد فيقول ذو التقصير والقصور محمد بن محمد بن منصور هذا
تعليق طفيف علي شواهد. مغني اللبيب، عن كتب الأعاريب، حملني عليه من لاترد اشارته،
ولا يسعني مخالفته. العالم العلامة الشيخ علي بدر متع الله الأمة بوجوده وأفاض
عليهم من جم انعامه وجوده. وإني وإن كانت بضاعتي مزجاة (وللشئ علي الشئ مقاييس
وأشباه) جعلت علي مولاي إعتمادي وبه اعتقادي فقلت وعليه توكلت"
فهذه المقدمة وإن كانت في ذاتها لا تدل علي كبير فضل ولكنها
تشير إلي مبلغ ما كان عليه الفقيد من المقدرة وهو تلميذ بعد. إذ لولا ذلك لما
توجهت إليه ثقة استاذه في القيام بأمر ليس بالهين اليسير علي طالب!
ومنها انه وضع وهو تلميذ أيضاً منظومة في التوسلات الصوفية
ضمنها أسماء الله الحسنى كلها حكم عالية، ودرر غالية، سنثبتها للقراء فيما يأتي من
منظوماته، استجلاء لنفسيته الإسلامية.... وقد كتب كثيراً من النثر والنظم سيرى
القارئ بعضه فيما هو آت-
غادر صاحب الترجمة ربوع التعليم وودع حلقات الدروس وعاد إلي
مدينة سوهاج في أواخر سنة1891 فكان في أول هذا العهد كثير التفكير، قليل الكلام،
ميالا إلي الانفراد، منكبا علي تصفح المطولات من الكتب أكثر نهاره. صارفا في
العبادة والذكر أكثر ليله. سالكاً مسلك كبار الصوفيين، عاشقاً مفتوناً بالامور
الباطنية، غارقاً في بحار البحث وراء الأسرار الإلهية ثم أخذ يكتب الفصول الرائقة،
وينظم القصائد الشائقة، فأشرقت شمس فضله. وأزهرت رياض علمه، فأقبل عليه كثيرون
للاستضاءة بمصابيح نوره واستنشاق شذي زهوره، يوضح المعميات، ويحل المشكلات. حتي
زاعت شهرته، وشاعت خبرته، وشاقت رؤيته فمال عن الانفراد إلي المعاشرة. وكثر
أصدقاؤه فدعي للخطابة والإئتمام بهم في أشهر مساجد سوهاج ثم فتح مدرسة هو وبعض
أصدقائه فملئت منذ أول نشأتها بالطالبين.
في سنة 1893 قام في ذهنه أن يبحث في أمر الدين المسيحي
مدفوعاُ إلي ذلك بوازع غيرته علي الإسلامية.. وحبه العظيم لنصرتها. فدرس كتاب
إظهار الحق لرحمة الله الهندي الموضوع في الردود علي المسيحية. واستأذن شيخه الشيخ
علي بدر في دعوة المسيحيين إلي الإسلام ومجادلتهم، فلم يوافقه الشيخ علي بدر علي
هذه الفكرة وكان فيما قاله له في هذا الصدد هذه العبارة:"أخذت علينا العهود
ألا نعترض علي نصاري ولا يهود،" وذلك خوفا علي تلميذه من أن يقع في الخيلاء
والكبرياء.. فناقشه في ذلك مبيناً له أن الدعوة إلي الإسلام، ومجادلة من خالفه من
أهل الاديان، أمر من الله، وواجب علي كل مسلم، تبعاُ لقول:"وادع إلي سبيل ربك
بالحكمة والموعظة الحسنه وجادلهم بالتي هي أحسن
":فقال نعم إن الأمر كذلك ولكني أخشي أن تضيع وقتك في غير تهذيب نفسك
وتنقيتها من الشوائب، والمرء يحث عليه أن يعصي نفسه وهواه، ويوفي ما أمره به مولاه...
فسكت ولم يرقه هذا الرد، وأصر علي ما عول عليه من مباحثة المسيحيين ولاشك أن هذا
كان بدء عمل الروح القدس في إيجاد الأسباب وتعيين الطرق الموصلة إلي الخلاص حيث قد
كان مدفوعاً بقوة عظمي لهذا الأمر....
وأول من فتح الحديث معه في هذا الشأن رجل صباغ يدعي ميخائيل
كان قد تعرف عليه من ذي قبل. فلما خاطبه في الأمر أجابه بأنه لا يعرف شيئاً في
الدين. وقال له إذهب إلي من يعرف ذلك من القسوس... ولما ألح عليه في ذلك أخذه إلي
قسيس أرثوذكسي يدعي القمص منقريوس، فلم يقنعه وأرشده إلي عريف أعمي فلم يشأ العريف
أن يباحثه، وقال له أنا أعرف أنه لا يمكن أن يجيبك علي أسئلتك هذه إلا قسيس
الإنجيليين... فتعال معي إلي الجمعية الإنجيلية وكان دخولهما أثناء الخدمة. فأدهشه
منظر العبادة، وراقه جلوس جماعة المصلين بإصغاء تام لواعظهم الذي كان يشرح لهم بعض
آيات الكتاب المقدس، وسر بما رآه من التسابيح والصلوات الروحية وأفكار الواعظ عن
الله لأنه لم يكن يخطر في باله مثل كثيرين من المسلمين أن المسيحية فيها مثل هذا
النوع من العبادة... حيث أن أغلبهم يظن أن عبادة المسيحيين محصورة في السجود
لتماثيل المسيح والقديسين مما يعدونه ضرباً من ضروب الوثنية.
ولما انتهت الخدمة قدمه العريف المذكور إلي خادم الكلمة وبعد
التعارف ومعرفة الغرض عينا زمانا ومكاناً للمناقشة. ولما اجتمعا حسب الموعد
المضروب تناقشاً في الوحدانية والثالوث وأفاضا في هذا الموضوع أخذاً ورداَ وطالت
مناقشتهما علي غير طائل. بل إنه شعر بعد الجدال بتفوق الإسلامية علي المسيحية وعظم
اعتقاده بفساد العقائد الإنجيلية. ولكنه قبل انصرافه قال له المبشر "كل امريء
يطلب من ربه الهداية وأنا أنصحك أن تطلب من الله الارشاد إلي الحق" فقابل هذا
الكلام بنوع من الاستهزاء قائلاَ له "وهل أنا أشك في عقيدتي؟ معاذ الله إن كل
مسلم يطلب من الله الهداية كل يوم خمس مرات في صلواته ودعواته" بيد أنه بعد
مفارقته له دار في خلده ما طلبه منه المبشر "أنا أنصحك أن تطلب من الله
الارشاد إلي الحق" وأخذت نعمة الروح القدس تعمل عملها في قلبه ... فتسرب إلي
نفسه الشك في ما هو عليه وأخذ يناجي نفسه هل أنت علي الحق حقاً؟. وما يدريك لعلك
علي باطل؟ وظل يردد هذه الافكار وما مماثلها حتي وقع في هم مضن وغم مبرح وقد أثر
فيه هذا الفكر تأثيراً كلياً فأخذ يجاهد نفسه ليتخلص منه وينزع أثره من قلبه فلم
يفلح ولم تجد الجهود التي بذلها نفعاً. وظل يتخبط بين الشك واليقين، وليس هناك من
براهين تجذبه إلي المسيحية، ولا أسباب تنفره من الإسلامية، بل الروح القدس وحده...
ثم ازداد هذا الفكر عنده حتي اعتقد بأنه ليس دين أولي
بالاتباع من الآخر إلا بالنظر والاستدلال وحينئذ رأي جميع الأديان في مستوي واحد،
وأن الإنسان العاقل الحر المختار يصطفي منها لنفسه ما يشاء
ثم أخذ يسأل ويبحث، ويتردد علي الكنيسة الإنجيلية في بعض
الليالي يسمع الكلمة، وقد أثر فيه بنوع خاص موضوعان سمعهما حينذاك من جناب القس
ميخائيل أبادير راعي الكنيسة الإنجيلية بالأسكندرية حينما كان يبشر في سوهاج
أخذهما عن قول الرسول "أمين هو الله الذي به دعيتم إلي شركة ابنه يسوع المسيح
ربنا" 1كو9:1
والثاني من المزمور الخمسين – "ذابح الحمد يمجدني
والمقوم طريقة أريه خلاص الله" مز23:50 وهو في كل هذه المدة يقاسي ما يقاسي
من العناء الزائف الذي انتابه بتنازع الافكار، حديثها وقديمها ينفي ويثبت، ويشك
ويتيقن، حتي لقد ظننا انه قد أصيب بمرض عقلي. فقد كان يدخل غرفته ويغلق بابها عليه
طول النهار وقد شحب لون وجهه وظهرت عليه علائم القلق والارتباك وكثيراً ما أراد
والده وبعض أصدقائه أن يقفوا علي أسباب قلقه منه فلم يجب بشئ – ولقد عكف علي قراءة
الكتاب المقدس من أول الأمر مفتشاً عن الحق الإلهي فيه أناء الليل وأطراف النهار.
فقد كنت أراه معه في كل وقت. ولكنه كان يحاذر جهده أن يراه أحد غيري معه وقد أمرني
بعدم إخبار أحد به. وبعد مدة ظهرت علي وجهه علامات السرور والبهجة وعاودته بشاشته
القديمة، وما ذلك إلا أن أنوار الفادي شملته وأشرقت علي نفسه "شمس البر
والشفاء في أجنحتها" بما رآه في الإنجيل من تقرير الصفات الإلهية وتمثيلها
للعيون بابدع مثال وأجل كمال. لقد تجلي له المسيح بمحبته الفائقة، وقدرته النادرة،
وسمو مبادئه، وجلال عظمته، وجمال تعليمه، وعلم إنه وحده الطريق والحق والحياة، وأن
الإنسان خاطيء وجاهل وعبد ولا يخلصه غير المسيح.
ثم كثر اختلاطه بالمسيحيين وامتلآت مكتبته بالكتب المسيحية
فأخذ بعض المسلمين أولا يهمسون بميله إلي المسيحية، ولا يقدرون أن يجهروا بقولهم،
لإنه لا يصدق عن مثله ذلك فهو العالم المحقق، التقي الورع، الصوفي العابد. من يصوم
نهاره ويقوم ليله
ثم كثر المشتبهون وتوجهت إليه الأنظار فأنكروا عليه مخالطة
المسيحيين ودخوله إلي منازلهم. فكان يداريهم جهد استطاعته ولا يذهب إلي منزل أحد
المسيحيين الا متخفياً وغالباً تحت ستار الليل. غير أن ذلك لم يفد فإنه قد كثر
مضايقوه ورموه بالإلحاد والكفر وفي ذلك يقول:-
|
فقد زعموا إني بحبك ملحد |
وإني بتصديقي كتابك كافر |
|
وقالوا
مضل جبه الله وجهه |
وأحرمه
نيل المني وهو قادر |
|
فإن كان حب الله جل جلاله |
وتصديقه كفرا فاني كافــر |
ولما رأى منهم ذلك ورأى أيضاً أن المجاهرة بايمانه وزراً
عليه، وحملا ثقيلا تنوء به نفسه، طلب من الكنيسة الانجيلية أن تعمده فتوانت
الكنيسة خوفاً وقابلت طلبه بفتور لم يكن ينتظره فرأي موقفه صعباً أمام الله أولا،
والناس ثانياً فاطلع قسيس الأقباط الكاثوليك هناك علي هذا الأمر وكانت بينهما
معرفة فأجابه بأن الكنيسة الكاثوليكية مستعدة أن تعمدك حالا بمساعدتي. وكتب تواً
إلي البطركخانة الكاثوليكية في القاهرة بخبرة فطلبت منه إرساله إليها.
فلم نشعر إلا وفاجأنا بفكرة سفره. فسلم المدرسة إلي شريكه
فيها وترك كل شئ...
وسافر علي جناح السرعة وانضم إلي الكنيسة الكاثوليكية
بالقاهرة وذلك في أواخر سنة 1894 واختار أن يدعي "ميخائيل" وهكذا عن
عماده باسم الآب والابن والروح القدس...
ولكن ما كاد يمر أسبوع واحد علي سفره حتي شاع في كل أنحاء
سوهاج والبلاد التي تجاورها خبر تنصره فتوافد الناس إلي منزلنا أفواجاً أفواجاً،
يسألون عن الحقيقة ولم يكن المسئول بأعلم من السائل حينئذ. فسافر والده إلي
القاهرة في الحال ليقف علي جليه الأمر وظل خبر تنصره حديث الناس وموضوع تحدثهم
كباراً وصغاراً ليلاً ونهاراً.
أما حال أمه وإخوته وسائر أفراد عائلته وأصدقائه فلا يستطيع
قلمي العاجز وصفها فقد أخذت والدته في
العويل والصياح والندب والبكاء. وكذا إخواته وخالاته كأنه قد مات. وامتلأ البيت
بالنساء والرجال يعزون ويتأسفون ويطلبون من الله عدم تحقيق الخبر.
ولم أنس شيخه الشيخ علي بدر وهو يبكي بكاء
الثكلي قائلاً "لا يوجد عندنا غيره في علمه ومقدرته اللهم لا تحقق ما
سمعناه" وغير ذلك كثير مما تقتضيه الحال
أما والده فلما وصل القاهرة وبحث عنه وجده في دار البطركخانة
القبطية الكاثوليكية فأخبره بما شاع في سوهاج عنه فأجابه بأن كل ما سمعته حق لاشك
فيه... فاني قد وجدت راحتي في الإيمان بالمسيح مخلصاً.... فنزل هذا القول علي
والده نزول الصاعقه. وانسحق قلبه حزناً، وكاد يجن غضباً، وأخذ يهدده تارة، ويتوسل
إليه بالدموع طوراً، وهو لم يزدد الا تثبتا في إيمانه وتمسكا بأهداب فاديه.
وأي بليغ يستطيع أن يصف مثل هذا الموقف الذي يقطع نياط القلوب
ويحرق الأكباد. موقف تجلت فيه العواطف بجانب الواجبات. والد يبكي متوسلاً أمام
ابنه وابن يجيبه – ببكاء أمر من بكائه – يبكي الوالد بكاء الراجي في الحصول علي
فائت ويبكي الابن بكاء المتيقن من ضياع رجاء
أبيه.
يبكي الوالد علي أكبر أبنائه من قصر همه علي تعليمه وتهذيبه
وحصر فيه آماله، وشيد عليه قصور مجده وفخره، وإذا بلآمال قد زالت وشيكا، والقصور
قد انهارت سريعاً...
يبكي الوالد علي سهم كان يعده لأن يطعن به قلب صروف الزمان،
وإذا الطعنة قد ارتدت إلي فؤاده!
ويبكي الابن اشفاقاً علي والده وتوجعاً لحرمانه من عطفه،
وحرقته علي استلاله من بين والديه واخوته، كالمقله استلت من الاشفار.
يبكي الابن لانه يرى نفسه مضطراً لمعصية والده في طاعة المسيح
ولما لم يجد البكاء ولم ينفع الوعد ولا الوعيد طلب منه أبوه أن يرسل معه عدة رسائل
إلي كبار أهل البلد يكذب فيها خبر تنصره اسكاتاً للألسنه، وفراراً من العار الذي
لحق العائلة، فلم يوافقه علي ذلك قائلاً له "فضلاَ عما في هذا من إثم الكذب
فإن المسيح قال من أنكرني أمام الناس أنكره أمام أبي الذي في السموات"...
فرجع والده إلي سوهاج ينوء بحمل أحزانه وأخبرنا بما دار
بينهما ولكنه طلب منا كتمانه ومن كان يستطيع منا أن يقر بتنصره.... واشتدت عندنا
حال الحزن والأسف فظل والده منزوياً مدة من الزمن تكتنفه عوامل الحزن والأسف
الشديد ويحيق به تأثير المصيبة والعار.
أما إخواته فقد كتبوا إليه عدة رسائل، بعضها بالاستفهام عن
الحقيقة وبعضها بالادلة والبراهين علي صدق الاسلامية وفساد المسيحية منها رسالة
مطولة كتبها جناب العلامة الشيخ علي بدر مشحونه بالأقوال الكثيرة ضد الكتاب المقدس
والعقائد المسيحية. وإني وأن لم استطع اثباتها هنا فقد رأيتها وقرأتها عدة مرات إذ كانت محفوظة
عند الفقيد زمناً طويلاً. ومنها رسالة صديق له يسمي الشيخ حسين مقلد هذا نصها.
"جناب العالم الكبير والفاضل الخطير: يعلم الله أن
قلوبنا فتتها الخبر السئ الذي وقع عليها وقوع الصاعقة ألا وهو خبر اعتناقكم
الديانة المسيحية الأمر الذي لا تكاد عقولنا تصدقه، وتنبو آذاننا عن سماعه نسأل
الله ألا يحققه، فإنه ضربة علي الاسلام والمسلمين، وقذي في عيون المريدين
والمرشدين، وأذي في قلوب الاهل والمحبين، فتكرم بما ينفي ما ردده المرجفون، وأسرع
بتكذيب ما فاه به اللائمون، وبردْ حر لظي القلوب، وفرج عن الصدور الكروب، واذكر
قوله تعالي. "ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم" ومنها رساله
لجناب العلامة الشيخ محمد عبد ربه خادم العلم الشريف بسوهاج أرسلها للشيخ بكر
الحداد المعروف بالقاهرة قال فيها بعد السلام والتحية
"شاع أن حضرة الشيخ محمد بن محمد منصور يريد أن يعتنق
النصرانية فتأسفت لذلك نفوس المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وكادت أرواحنا
تزهق دون أن نسمع بمثل هذا عن مثله" فأرسل الشيخ بكر الحداد في طلب الفقيد
وسلمه الرساله المذكورة بعد أن ناقشه في الدين طويلاً.
ومنها قصيدة عامرة الأبيات أرسلها إليه جناب الشاعر العربي
الكبير الشيخ محمد عبد المطلب حيث كان وقتئذاك معلما بمدرسة الحكومة بسوهاج.
وهي مملوءة بالعواطف السامية والرقة المنسجمة والشاعرية
العظمي. وحيث أن الشعر من قديم الزمان ديوان العرب، به يستدل علي الحوادث ويستخرج
منه الأخبار، فقد ضمن حضرة الشاعر قصيدته حقائق راهنة توضح الحال التي كانت في ذلك
الوقت –وهأنا مورد هنا كثيراً من أبياتها للاستدلال علي ما كان.
قال في مطلعها يصف الشوق الذي كان لصاحب الترجمة من أهله وأصدقائه
والحرقة التي أصابتهم بفراقه:-
|
أيــحلو لهــا هــذا
التنائي فتـهجع |
ومــنزلهــا بيــن
المنــازل بلقع |
يحــن فيستبــكي الغمائــم رحمـة
|
ومِــن وجــده ورق الحمائم تسجـع
|
ولـولا نوي
الأحــباب ما استعذب اللقا
|
ولــو
شـتات الشـمل مالـذ مـجمع
|
|
أغـالبـها والوجــد
يغلـب مهجتــي |
فـما جـزعـت الا
وقلـبي أجــزع |
|
لــه زفــرات لـو
تقسمـن في الورى |
وأدرك رضـوي بعضـها
يـتصــدع |
ومنها يشير إلي مفاجأة قومه بالسفر من غير أن يودع
أحداً من أصدقائه
|
خليــلي عنــي
بلُغاهــم تحــيتي |
ولــو أنهم ماسلموا
يــوم ودعوا |
|
تجمعــت الاضــداد
يــوم تـرحلوا |
لهيــب يـذكيـه مـن
العـين مدمع |
ومنها يصف أمل آله في رجوعه إلي الإسلامية وذلك كان
لسان حال كل من عرفه حيث كان من البعيد المنكر أمر تنصره واستمراره في النصرانية
لما كان عليه من شدة تمسكه بالاسلامية:-
ديارك يــا ســلمي علي العهد لم يزل
|
بــها أمــل أن الليالي ســترجع
|
|
ويــادارهــا لا
تجــزعي أن بينها |
سحــابه صـيف عن
قـريب تقشع |
|
هبي انــها بانت
فــما كل ظــاعن |
لــديه مـواثيق
العــهود تــضيع |
|
وإن خــيمت ربــعاُ
سواك فأنــما |
جــرت عـادة الدنـيا
مغـيب ومرجع |
|
ويــارب بين لا يـرجي
انقــطاعه |
ويــارب نــار شـاقه
العود بعدمـا |
ويــارب داع لا
يجــاب وإنمــا
|
دعــوت فتي يصـغي
إلي ويســمع
|
وإن نصـح النصــاح
من لا يطيعهم
|
فإن إبن منصــور إلي
النصـح أسمع
|
دعـوت أخـا الآداب
دعـوة مشفق
|
وعـهدي بـه ذاك
الأديـب السميـذع
|
أخــا الادب المشهور
والسيرة التي
|
عــبير شـذاها
بــيننا يــتضوع
|
عــرفتك بالاداب في
قـومك الألي
|
تـركتهم والــكل آسٍ
وموجــــع
|
فإن كنت في شــك فما
أنت بالذي
|
لـه شبه الجــهال في
الحــق تخدع
|
أخــا الحق بالله
الذي أنـت عبده
|
بأي دليل أنــت
للقــوم تتـــبع
|
فإن جــهلوا هل أنت
تجهل مثلهم
|
بـلي أنت عـن أهـل
الجـهالة ارفع
|
أخا الفضل حتام
التواني عن الهدي
|
وحتي متي للمــنهج
الحق تــرجع
|
يــعيرنا قوم شرحـت
صـدورهم
|
بــأمر هـو المـر
الذي نتــجرع
|
ولو كان حــقاً ما
أتيت لما انكوت
|
قــلوت ولا سـالت من
العين أدمـع
|
|
نصحتك فاقبل إن تشأ
واطرح الهوي |
ولا تتبع قوماً أضيـعوا
وضــيعوا |
ثم شفع هذه
القصيدة بكتاب موجز قال فيه:-
"كتابي إليك ومن يرد الله أن يهديه
يشرح قلبه للاسلام. فتذكر معاهدك في مشهد ـ ألست بربكم ـ ولا تكن ممن طاشت بهم الاحلام
فضلوا سواء السبيل والسلام .
إلي هنا وقد انتهي ملخص حياته الاسلامية
خلع الانسان العتيق بميوله ورغائبه. وألبس الانسان الجديد
بميول جديدة. وطباع جديدة. بل هوذا قد صار الكل جديداً. فنقض
الاسم القديم محمد بن محمد بن منصور بعد أن دعي به نيفاً وعشرين عاما! وقام
علي أنقاضه الاسم الجديد ميخائيل
منصور... وتحول مجرى سبيله إلي الله إلي السبيل الحق الموصل
للأمجاد. وتغيرت كيفية الصلوات والابتهالات واتجهت الاشواق القلبية إلي نقطة مركز
دائرة الخلاص، وسر الهداية، ونور العالم، المذخرة فيه كل كنوز العلم والحكمة سيدنا
يسوع المسيح .
تعمد باسم الاب والابن والروح القدس في
أواخر سنة 1894 كما ذكر وفي اغسطس سنة 1895 سافر صحبة وفد كاثوليكي إلي رومه
فقابل البابا ليون الثالث عشر بزيه الاسلامي مقابلة ذات شأن حيث قربه إليه وباركه
وطلب من الله أن يثبته في الايمان المسيحي.. وأهدي إليه جملة من الصور والتحف
الثمينة، وكانت هذه الزيارة موضوع اعجاب كل من رآه أو سمع به في روما، ولقد قصده
في الفندق الذي كان نازلا به بروما جملة مصورين لاخد صورته كذا صور في طريقه إلي
الفاتيكان عدة مرات بعمته وقفطانه.
وبعد رجوعه من روما ظل بضعة شهور يبحث في المسيحية طائفياً...
ولما لم يجد في الكنيسة الكاثوليكية التعاليم والمباديء التي تلقاها في بدء بحثه
مع الطائفة الانجيلية من جهة حصر الخلاص في المسيح وحده، والاقتصار علي تعاليم
الكتاب. فقد رأي الرجوع إلي الكنيسة الانجيلية واجباً فعاد إليها وإنضم إلي
عضويتها في كنيسة الازبكية يوم 26 ديسمبر سنة 1897 علي يد مجلسها الذي كان يرأسه
المرحوم الدكتور هرفي حينئذاك ولقد قال عن نفسه في هذا الصدد " وتعلمت كثيراً
من أخلاق المرسلين عن المسيحية الفضلي التي جذبتني إلي المسيح أكثر وعرفت من لباب
الاتجيل إن المسيح وحده مخلص العالم"
إنني لا أعمد نفسي مبالغاً إذا قلت إني لم أرّ في من رأيت
شخصاً تمجد المسيح في صعوباته وآلام نفسه مثله وابتدأت هذه الآلام منذ عقد النية
علي قبول المسيح رباً ومخلصاً فقد كان محباً لوالديه واخوته وباقي أفراد عائلته
حباً جماً لم يتوفر إلا في قليل من أمثاله فكانت نفسه مضطربة جداً عندما عول علي
مفارقة العائلة وظهرت علي ملامحه الآلام مجسمة ولكن ظل الايمان يحارب في داخله هذه
العواطف حتي انتصر عليها فأطاع الذي يقول "من أحب أباً أو أماً أو اخوة أو
أخوات اكثر مني فلا يستحقني" أذكر أنه كتب إلي وإلي كثيرين من المسيحيين
مستفهماً عن كل ما جرى وما يجرى من الصغيرة والكبيرة قائلاً في إحدي رسائله إلي
"أريد أن تصور لي أحوال العائلة كلها كما لو كنت مشاهداً لها بنفسي فأكتب لي
عن المحادثات والأكل والشرب والنوم والخروج والدخول وكلام الأطفال الخ الخ"
وظل تواقا إلي هذه الأمور مملوءاً قلبه بالحب إلينا حتي آخر حياته. ففي أيام احتضاره قال لي "اكتب إلي العائلة فرداً فرداً وقل لهم إني مت متمتعاً بسلام المسيح
عسي أن يأتوا إليه فيخلصوا.."
كذا قد قابل آلاماً في مجاهدة الاميال القديمة فقد كان المثل
الحسن في تمسكه بالاخلاق والعادات الاسلامية المحصنة وكانت نفسه قد توطنت وألفت
العبادة الاسلامية من قيام بصلاة وصيام وتهجد حسب الطريقة الصوفية التي كان
منظوماً في سلكها. ولكن (أن كان
أحد في المسيح فهو خليقة جديدة... هوذا الكل قد صار جديداً)
كذا قد تألم كثيراً قبل عماده مما لهج به الناس من الذم وما
واجهوه به من الاحتقار والاستهزاء والمضايقة وقوارص الكلام ولكنه قبل عماده ببضعة
أيام أظهر عدم الاعتداد بكل ما يقال فجاهر أمام كثيرين بمقصوده بلا خوف ولا رهبة
واحتمل بصبر وسرور كل مضايقة. وعلي أثر تحقق
العائلة من صدق عماده سافر خاله من سوهاج بغير علم أحد إلي مصر قاصداً قتله
وتخليص العائلة من عار تنصيره وظل يبحث عنه حتي عرف محل إقامته وراقب مواعيد خروجه
ودخوله ثم كمن له في إحدي زوايا درب الجنينة قرب بطركخانة الاقباط الكاثوليك في
ليلة من الليالي وعند ما مر الفقيد هوي عليه بسكين ولكنه انتبه قبل أن يمسه وعاجله
بضربة من عصاه علي يده أسقط بها السكين وقبض عليه بقوة فلم يستطع أن يفلت من يده.
وبدلا من أن يسوقه إلي دائرة البوليس أظهر له روح المسيحية فلاطفه وقال له هأنا
قادر أن استغيث الآن واسلمك إلي الحكومة متلبساً بجريمتك. ولكن المسيح الذي اعتقدت
به يطلب مني أن أسامحك. ولا أجازيك عن شرك بمثله. فقط تتعهد لي أن تسافر الليلة
إلي سوهاج. فشكره خالي وتعهد له بالسفر فشيعة إلي المحطة وكلمة كثيراً عن خلاص المسيح
وظل معه ملاطفاً له حتي سافر به القطار. وقد كتب إلينا بما حدث في تلك اليلة فهلعت
قلوبنا خوفاً عليه وأقسم أبي يميناً ألا يدخل خالي البيت بعد أن هدده وقال له
"ألا تعلم أنه إبني وفلذه كبدي. فضلاً عن أنه ربما عاد إلي الاسلام"
وهكذا ظل خالي بسبب هذا الحادث لا يدخل بيتنا أكثر من سنتين ـ وغير هذا لم يحصل
عليه تعد من أفراد العائلة. أما من أهل سوهاج فقد وقعت عليه عدة إهانات سباً
وشتماً واحتقاراً من بعضهم عندما كانوا يرونه في مصر.
كذلك تحرش به
كثيرون وأهانوه ومرات هوجم ليلا في طريقه فتخلص وذلك من أشخاص معروفين له وغير
معروفين ولولا أنه كان جريئاً مقداماً ومهاباً وقوراُ لكان قد فتك به مضطهدوه أما
خطابات التهديد والوعيد التي كانت تتوالي عليه فكثيرة جداً ومخيفة ولكن في كل ذلك
لم يظهر عليه أدني تأثر ولا تسربت إلي نفسه الرهبة من أحد بل في جميعها مجد الله
وقد عظم انتصارة بالذي أحبه. وبرهن علي أنه معضد بالنعمة.
كان قوي الإيمان بالمسيح مفتخراً به فلم
ينكر سيده لا بالقول ولا بالفعل ولا بالاشارة ولا بالصمت عن إظهار ما يحق إظهاره في
أي ظرف من الظروف ومع أي كان من الناس لا في السر ولا في العلانية مكرراً مانظمه فيه صباح مساء.
وكشفت لي عن نور وجهك في الدجي
فشهدتُ
من معناك ما لا يوصف
وعلمت إني كنت أعمي بائساً
والآن
أبصر ماتشاء وأعرف
قال لي عند زيارتي له لاول مرة وقد كنت أكلمه عما فاته بتنصره
من المزايا الاسلامية. هل تقول إني ضحيت بتنصرى؟ قلت نعم. فقال ماذا ضحيت؟ فقلت
ضحيت كثيراً. ضحيت عائلتك. ضحيت شهرتك العلمية. ضحيت ما كنت لابد واصلاً إليه من
المراتب العالية والوظائف السامية. ثم صمت. فقال عدد واذكر ما شئت مما هو في نظرك
تضحية ولكن كل ذلك لا توازى قيمته قيمة ساعة واحدة من الوجود مع المسيح وفيه.
والحق يقال إني هزأت بهذا الكلام فلم أكن وقتئذ أدرك قيمة معرفة المسيح التي
تحسَبُ خسارة كل الاشياء معها نفاية.
وأذكر أيضاً أن في السنة الاولي من تنصره طلبنا منه أن يزيل
خطاباته التي يرسلها إلينا باسمه الأول محمد منصور فأبي إباء كلياً. فعرضنا عليه
أن يزيل الخطابات بكتابة م.م ويعتبرها هو ميخائيل منصور ونتمكن بذلك نحن من مغالطة الناس باعتبارها كناية عن محمد منصور
فأجابنا بقوله إن هذا لا يمجد يسوع ولست اريد أن أحداً يشك في إيماني
وزارني مرة في منزل كنت أسكن فيه بجوار الأزهر مع لفيف من
الطلبة الأزهريين فاجتمعوا حوله وتحدثنا في امور كثيرة فقال أحدهم نحن هنا بعيدون
عن المسيحيين فهل حقيقة أنت تؤمن أن المسيح إله؟ فما أتم الاستاذ جملته حتي وقف
منتصباً وألقي خطابا مملوءاً بالحماس والغيرة عن لاهوت المسيح حتي لقد خفت عليه
حينئذ من خطر يلحقه ـ ومرة اخرى حضر إليَّ مع المرحوم الخواجا عطية حنا الذي كان
محرراً لمجلة المرشد وقابلاني مع جملة من التلامذة خارجين من الازهر فقال له أحد
معارفه ألم تأسف علي ما فعلت من تنصرك فقال إنما أسفي علي الزمن الذي قضيته بعيداَ عن المسيح
ونعمته قبل تنصري..
ويجدر بي هنا أن أذكر أول شئ راقه
في المسيحية وجذبه للمسيح حتي ندرك قيمة عوامل الجذب فيكون أمامنا منهاجاً
لربح النفوس وأكتفي هنا بما قرره عن نفسه في هذا الصدد فقال "لما أتاح الله لي
من أعطاني الكتاب المقدس عكفت عليه من أوله فوجدت شيئاً لم تسمع به أذني ولم تره عيني ولم يحلم به لبي من قبل" ذلك
إني رأيت تاريخ الخليقة علي اسلوب عجيب وتدبير فائق. وعرفت منه تاريخ الانبياء
مفصلا ولم أعرفه من القرآن الا مجملا. وزال من نفسي كثير من المشاكل التاريخية
التي جاءت في القرآن كوزير فرعون هامان وتكليفه إيان أن يبني له صرحاً
"برجا" وكمريم إبنة عمران وكذي القرنين وغيرهما. وليس ذلك شيئاً إذا قيس
بما جاء به الانجيل الطاهر كقوله "هكذا أحب الله العالم حتي بذل إبنه الوحيد
لكي لا يهلك كل من يؤمن به. بل تكون له الحيوة الأبدية"
وقوله: مما يظهر
روحية الشريعة الالهية "قد سمعتم إنه قيل للقدماء لا تقتل ومن قتل يكون
مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم أن كل من يغضب علي أخيه باطلاً يكون مستوجب
الحكم" وقوله في بيانه سمو السجايا وكمال الاخلاق " قد سمعتم إنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك وأما أنا فأقول لكم أحبوا
أعداءكم باركوا لاعنيكم أحسنوا إلي مبغضيكم وصلوا لاجل الذين يسيئون إليكم
ويطردونكم لكي تكونوا أبنا ابيكم الذي في السموات فإنه يشرق شمسه علي الاشرار
والصالحين ويمطر علي الابرار والظالمين لأنه أن أحبيتم الذين يحبونكم فأي اجرلكم" وغير ذلك كثير مما لم أطل به فشعرت بحب شديد وميل كلي لاتباع يسوع المسيح
وعلمت أن الإنسان خاطيء ولايخلصه الا يسوع المسيح"
انتهي ما قاله عن نفسه بخصوص بدء إيمانه. ومنه نعلم أن
الإنجيل وحده كان السبب في هدايته فهو "قوة الله للخلاص لكل من
يؤمن"....
كان طيب القلب كثير الصفح ميالاً جهده إلي المسالمة تتدفق من
قلبه أنهار المحبة للجميع دائم البشاشة والبشر لا يري عابساً إلا نذراً فلا تلبث
عبوسته إلا ريثما تحل محلها طلاقة شائقه. ولا يخلو حديثه من فكاهات تأسر لب سامعيه.
ولذا كان محبوبا من جميع من يعرفه فكان إذا جلس علي قهوة التف حوله عشرات من محبيه
والمعجبين به. وكان إذا مر في أي شارع حياه كل من يلاقيه أو يمر عليه تحية
الاحترام والحب الخالص وليس ذلك من المسيحيين فقط بل من المسلمين أيضاً. وكان
وقوراً تلمح في وجهه هيبة خاصة تحملك علي احترامه واكباره من أول وهلة. وكان
كريماً جداً يشفق علي الفقراء ويعطف عليهم كل العطف فكان إذا تحقق من أن السائل في
حاجة أعطاء فوق ما يحتاج ومن ذلك إنه كان يصرف علي بعض الايتام والارامل مع فقره
مدة من السنين ويقول إني غني بالمسيح. وكان لا يتأخر عن مساعدة من يقدر أن يساعده بالذات أو بالواسطة في أي
أمر من الامور ولو كبده تعباً أو ناله ضرر في هذا السبيل.
أما شجاعته الادبية فحدث عنها ولا حرج فهو
جريء القلب لا يرهب في سبيل الوصول إلي الحق امراً. ولا يهاب في طريق الهدي
والارشاد خطراً، فقد وقف عدة مواقف رهيبة كأنه قد من جندل.
ففي ليلة من ليالي اجتماع الازبكية اجتمع
نحو 700 سبعمائة شخص فيهم كثيرون من كبار الاشقياء وأشرار البلد وكانوا يصرخون
نريد أن نقتله لا ننصرف حتي نميته فخاف المرسلون عليه وأشاروا أن يهرب من الباب
الخلفي للكنيسة فأبي ووقف علي طرف المنبر ثم كشف عن صدره وصرخ قائلاً من يريد أن
يقتلني فليتقدم فلست أفضل ممن مات لاجلي... ولست أدري بأي شيء أعلل ما حدث في هذه
الآونة؟ فإن الحماس الشديد قد زال من المتحمسين للشر في الحال وكأنما قد اصيبوا
بذهول فصمتوا جميعاُ ثم تلاشت صرخاتهم وخرجوا وخرج معهم وبعضهم أوصله إلي بيته
بهدو وسكينة.
وعندما حملت جريدة اللواء المصري علي التبشير
والمبشرين لسببه وعرَّضت باتخاذ طرق الشدة لإخفات صوت المنادين بالانجيل ذهب بنفسه
إلي إدارة اللواء وقابل المرحوم مصطفي كامل باشا وطلب منه أن يضع حداً لحملات اللواء فأجابه مصطفي كامل باشا
إننا نقاومكم بأقلامنا وإن لم تنفع فبنارنا وحديدنا. فقال له الفقيد ولكنكم لا تستطيعون أن تحملونا علي الصمت والكف عن
التبشير وإننا سنقابل ناركم وحديدكم بمحبة المسيح فنغلبكم... فهدأت ثورة مصطفي باشا وقال إنما كل ما نطلبه منكم ألا تجرحوا عواطفنا في ديننا فقال هذا ما طلبه منا المسيح
قبل سعادتكم. ومع ذلك فكيف نجذبكم للمسيح إن جرحنا عواطفكم؟ وهكذا إنتهي الحديث بالمصالحة والمصافاة.
ومرة حمل جماعة من الإزهريين علي حركة
التبشير أيضاً فكتب خطاباً مفتوحاً نشر بجريدة مصرإلى
شيخ الازهر ومفتي الديار المصرية مطالباً باسكات العلماء عن السباب والقذف ومبيناً
أن التبشير واجب من أقدس واجبات المسيحية لا يسوغ السكوت عنه وأمضي كتابه هذا
بميخائيل منصور المتنصر. وكثير
غير هذا مما لا أستطيع له عداً من مواقف الشجاعة الكبري.
كان الفقيد في
أول تنصره مقتصراً علي الاشتغال بالتدريس فدرس بمدارس الكاثوليك ثم سافر إلي كلية
أسيوط فدرس هناك بضعة شهور ثم طلب أن يقيم بمصر فرجع إليها وظل مدة يدرس بكلية
الجزويت ويعلم بعض المرسلين الاميريكيين اللغة العربية. ففي يوم كان يدرس جناب
الدكتور هنت في سفر أشعياء النبي فوقع في قلبه الكلام الذي سمعه النبي من فم
السيد. إش 8:6 و9 "ثم سمعت صوت السيد قائلاً من أرسل ومن يذهب من أجلنا فقلت
هأنذا أرسلني فقال إذهب وقل لهذا الشعب اسمعوا سمعاً ولا تفهموا.
وأبصروا إبصاراً ولا تعرفوا" فبعد التأمل قال لجناب الدكتور
هنت "أنا أشعر إني مسؤول من جهة تبشير إخوتي المسلمين وأن الله يريد أن
يرسلني من أجلهم" فتأثر جناب الدكتور هنت. وبعد استشارة الرب والصلاة معه من
أجل ذلك أجابه بأن الفكر من الرب.. وفي نفس هذا الاسبوع عقد مجتمعاً للمسلمين في
كنيسة الازبكية فحضره عدد قليل من المسلمين ثم نما العدد حتي صار مئات وجلهم من
المتعلمين بل من العلماء القادرين والاجلاء المطلعين فكانوا يباحثونه فيرد عليهم
بكلام مؤثر وغيره فائقة وعلم واسع وحجج لا تقبل الدحض وبراهين لا تحتمل النقض
مستشهداً بنصوص من القرآن والحديث وسائر الكتب العلمية الكبري المعول عليها في
الاسلام فكان موضوع دهشة الجميع.
قال لي أحد العلماء مرة أنت أخو ميخائيل منصور فقلت نعم. فقال
ان أخاك رجل فذ لم تسمح بمثله الايام. فقلت له ولماذا. قال لي كنت في أول سماعي له
متهماً له بالكذب فيما يرويه من الكتب الاسلامية وذلك لكثرته وتفرقه في الكتب
المطولة لانه يبعد أن يحفظ عالُم كثرة هذه الشواهد في كل موضوع يفتح أمامه فيتكلم
عنه هكذا مرتجلاً!. وفي ليلة من الليالي اردت إن أكتب كل ما يستشهد به فاستشهد
بجملة شواهد عددتها في نهاية كلامه فإذا بها من إثني عشر كتابا من الكتب المهمة.
وفي اليوم التالي ذهبت إلي مكتبة الازهر وبحثت عنها في المصادر التي ذكرها فإذا هي
بحروفها ومواضعها!!. فأكبرت الرجل وتأكدت أنه من العلماء الذين يرحل إليهم. وقال
لي صديقي الشيخ محمد المنوفي العالم الازهري إنني ذهبت في ليلة أنا والشيخ علي منا
العالم لكي نسمع أخاك فوجدنا في شخصه عشرين عالما وكنا معولين قبل رؤيته علي
مباحثته فلما سمعناه عدلنا عن المباحثة لأن الإعجاب به تملك كل مشاعرنا .
ومن المواقف المشهورة مباحثاته التي ظلت أشهراً مع الشيخ زكي
الدين سند الذي كان رئيساً لجمعية مكارم الاخلاق الاسلامية وأخرى مع الشيخ الفاضل
خيرت بك راضي المحامي الشرعي الشهير وكذا مع الدكتور محمود صدقي والشيخ احمد علي
المليجي والشيخ محمد علي المليجي وغيرهم من كبار المباحثين في الديانة المسيحية.
ومع كون أجوبته كانت مسكته وبراهينه كانت مفحمة فقد كانت أيضاً مطفئة للنيران التي
كانت تتأجج في صدور مباحثيه وذلك لأنه كان يصوغها في قالب كله محبة ولطف ودعة
واحترام لمن يناظره فاكتسب محبة أكثرهم وامتلك قلوبهم وحاز اعجابهم العظيم، فكان
مئات منهم يحضرون محاضراته وهم مدفوعون بمحبتهم لشخصه وتقديرهم لمعرفته العلمية
وشدة عارضته وسرعة خاطره.
أما لغته في القاء محاضراته فكانت سامية عذبه جذابة تتخللها
الاقوال المأثورة من الامثال الحكميَّة والفلسفة المنطقية فعند سماعك لها تسمع
فصولا رائقة ومختارات شائقة ومع ذلك فكانت واضحة مفهومة تدخل إلي الاذهان بوصولها
إلي الآذان وتتدفق معانيها في ظهور مبانيها وبالجملة فكانت محاضراته روضة غناء حوت
أجمل أزهار الادب وأينع ثمار العلم والفضل .
وكانت هذه المحاضرات الجدلية تدور حول هذه المواضيع وأمثالها.
اثبات
صحة الكتاب المقدس ـ اثبات لاهوت المسيح ـ التجسد
ـ الثالوث ـ الخلاص ـ حكمة الفداء
الخ.
نعم كان في بدء عمله يتعرض لمواضيع مثيرة للخواطر
وكانت هذه المواضيع داعية إلي الاضطراب في بعض الليالي حتي لقد تدخلت الحكومة عدة
مرات بقوات الجنود لارجاع النظام واستتاب الامن ولكنه بعد
قليل اعترف بأن المواضيع السلبية المذكورة لا جدوي من ورائها في ميدان ربح النفوس.
وذلك في مقال نشرته له مجلة بشائر السلام إذ قال ما
معناه: وجدت إن النقد ومس كرامة الكتب والاشخاص تضر أكثر مما تفيد فعدلت عنها إلي
المواضيع الايجابية التي تقرر حق المسيح والمسيحية فرأيت بعد الاختبار أن الربح
مضمون واننا لا نستطيع أن نربح نفوسنا للمسيح إلا بطرق المحبة واللطف والتضحية.
الأمور التي استعملها المسيح وربح نفوس المفديين
بواسطتها.
* * * * * *
هذا من جهة مواضيعه الجدلية البحثية أما من جهة مواضيعه
الروحية التي كان يلقيها للوعظ والتعليم فكان لها تأثيرها الفعال ونتائجها العظمي.
تثير العواطف وتسيل المدامع وتحكم النفوس فتقربها من الملكوت بل تجذبها لمخلصها
العظيم. ومما يدلنا علي شدة تأثير مواعظه إنك تري مئات من الذين كانوا يسمعونه
يحفظون له مواعظ باغلب اجزائها. وأن صدي هذه المواعظ لا يزال يتردد في كثير من
كنائس القطر المصري. فهو وإن مات لم يزل يتكلم. ومما يروق في مواعظه الروحية أن
جميع أجزائها مبنية علي أساس كلمة الله وذلك أمر طبيعي لأنه لعدم معرفته اللغة
الإنكليزية الموضوع بها كتب التفاسير لم تكن له إلا الكتاب المقدس
وإنا نورد هنا جزءاً من كلامه في رسالة كعينة لمواعظه الآنفة
الوصف ـ قال:
"إخواني. قد كلمتكم عن قيمة نفوسكم
الخالدة فبادروا إلي فكها من فخاخ الخطية واشراك الجهالة وقيود العبودية وأرجو أن
يأتي يوم تقبلون فيه علي المسيح أفواجاً وحينئذ يتمجد فيكم إسمه والأرض تهتف لكم
وملائكة السموات تفرح بكم. فتعالوا للمعين من قبل الآب لرفع خطية العالم تعالوا
إليه تجدوه براً وقداسة وحكمة ونور إعلان للامم ومجداً لشعبه اسرائيل ـ تعالوا
إليه لتخلصوا وتسعدوا حالاً ومآلا ـ تعالوا إليه تجدوه شمس البر والشفاء في
اجنحتها ـ تعالوا إليه لأنه يشبع نفوسكم من نعمته لأن أمامه شبع سرور وفي يمينه
نعم إلي الأبد. والله قادر أن يملأ جميع احتياجاتكم حسب غناه في يسوع المسيح"
وكذلك صلواته كانت عليها مسحة انجيلية مثل قوله:
يا من تريد أن جميع الناس يخلصون وإلي معرفة
الحق يقبلون تجل علي نفوس المسلمين واكشف لهم اسرارك واعلن لعيونهم أنوارك وقيض
لهم غيورين علي حقك ومحبين لاسمك يبذلون كل شيء لأجل الانجيل حتي نفوسهم وهم فرحون
لأجل اسم الرب يسوع آمين.
وكان العمل في حقل الفادي يستغرق كل وقته فكان أينما حل أو
ارتحل شاهداً حياً للمسيح. كان في أول الأمر يدير مجتمعين للمسلمين في الاسبوع
أحدهما بالازبكية والثاني بالقللي ثم أدار ثالثاً بالخرنفش وصفاً لمدرسة الأحد غير
المقابلات الشخصية وبعض الزيارات والكتابات في الجرائد والمجلات وكان يلبي كل
دعوة من الكنائس في الوجه البحري والوجه
القبلي وكان يكتب بعض النبذ وينسق بعض الكتب ويعطي بعض الدروس الاسلامية في صف
اللاهوت ومدرسة المبشرين وغير ذلك مما يدل علي أنه كان مكرساً حياته لمن بذل نفسه
عنه
ومما هو حري بالذكر في هذا الموضع أن تبشيره للمسلمين كان
بوازع نفساني ومحبة خالصة لربح النفوس بل كان قلبه ملتهباً التهاباً حقيقياً غيرة
علي نشر الانجيل بين قومه وجيله مع ما فيه من الصعوبات الكثيرة بالنسبة لحداثة
العمل في مصر
وإن نسيتْ ذاكرتي اموراً كثيرة فلم أنس ولن أنسي الفرح العظيم الذي ملأ قلبه
والبشر الجليل الذي تلألأ به محياه ثم الدموع التي بللت ملابسه من شدة سروره عندما
طلبت منه الانجيل أول مرة. وقال لي منذ شهور طويلة أطلب من الله بدموع لأجلك حتي
تطلب الإنجيل فترى فيه خلاص نفسك. والحق يقال انى كنت فى أول الأمر خجلا به رازحاً
مع سائر افراد العائلة تحت ثقل عار تنصره وكنت طوراً أطلب من المشائخ بعض الدعوات
لله من أجله ليرجع وتارة كنت أبحث عن المشهورين بالعلم والذكاء لآخذهم إليه حتي
يرجعوه. وأحياناً كنت ألجأ إلي بعض الاشرار ليهددوه ولكني لما وجدته ثابتاً كالطود
الشامخ في المسيح يسوع مستعذباً في حبه له كل عذاب فكرت طويلا "و أنا أدرى
الناس به" فى لماذا تنصر؟ إني
علي يقين تام بأنه لم تكن له غاية عالمية، فقد بدا لعيني واضحاً إخلاصه في
المسيحية فوجدت نفسي بعد هذا التفكير مدفوعاً لطلب الانجيل منه فقابلني هذه
المقابلة البهجة
وهكذا ظل نحو ربع قرن يعمل باخلاص وهمة وشجاعة وفرح في حقل
مولاه فكان قدوة لكثيرين منا في العمل بلا خوف وسن لنا طريقا إلي طاعة المسيح
بخدمة ابناء وطننا المحبوبين ودعوتهم إلي خلاص الرب يسوع المسيح الذي هو الطريق
والحق والحياة، ونشكر الله لأنه كان أيضاً سبباً في هداية كثيرين من الخطاة الذين
أولهم أنا إلي مجد الفادي.
مرض بالزلال
مدة من الزمن وهو غير دار بذلك إذ كانت قوة بنيته الجسمية متغلبة علي ظهور عوارض
المرض وفجأة كثرت الكمية الزلالية حتي تسمم بها الجسم وصحب ذلك وقوف الكلي عن
افراز البول فإشتدت وطأة التسمم الزلالي فعز الشفاء ولم ينجح فيه دواء مع شدة
العناية بمعالجته وكثرة الاطباء.
وإذا المنية أنشبت أظفارها الفيت كل تمية لا تنفع
ولقد أبدى وهو علي فراش المرض ما يملأ أفئدتنا تعزية من شدة تمسكه
بالمسيح واتكاله علي غزير فضله وفائق نعمته. ظل يومين كاملين يكرر هذا القول
"بالنعمة أنتم مخلصون" وفي كل مرة يعقبها بقوله "أشكره لأنه خلصني بالنعمة"
وقد سألته مرة ماذا تحب أن أقرأ لك من الكتاب فقال لي المزمور
الذي فيه "أنقذ من الحفرة حياتك" ودخل عليه المرحوم القس شنودة حنا وقال له هل أنت خائف أن تموت ياشيخ
ميخائيل فأجاب بسرور وبهجة "كيف
اخاف وعين يسوع تسندني". ثم
كرر بعد ذلك ثلاث مرات
"لاخوف فقد سبقني إلي القبر وأزال مخاوفه".
ومما يفرح ويدل علي تسليمه التام لإرادته أنه رأي إحدي قريبات
زوجته متأهبة للخروج من البيت فقال لها إلي أين ذاهبة فقالت إلي الكنيسة لأصلي
فقال وماذا تقولين في صلاتك؟ فقالت أقول يارب إشف الخواجا ميخائيل فقال لا
"فربما كان طلبك هذا ليس منطبقاً علي إرادته قولي يارب تمم إرادتك في
ميخائيل ثم وجه نظره إليَّ وقال أفهمت؟"
وغير ذلك كثير من الأقوال الكتابية والحكم المنشورة والمنظومة
التي تدل أن فكره كان محصوراً في الإلهيات وقلبه موجهاً إلي المسيح نسأل الله أن
يميتنا في المسيح ويمتعنا بسلامه في ساعة الموت فنرقد فيه علي رجاء قيامة الأموات.
وما أزفت ساعة موته وهي الساعة الخامسة من مساء الأربعاء الموافق
29 مايو سنة 1918 حتي انتشر الخبر في كل أنحاء المدينة وظللت تلك الليلة في أخذ و
رد مع زوجته اختلافاً علي كيفية دفنه فقد كانت مع أهلها متشبثة بإرادة دفنه في
مقابر الكاثوليك وأصرت علي ذلك فلم نشأ أن يكبر الخلاف وتتسع دائرته بيننا في مثل
هذا الظرف الصعب فاستشرت كبار المرسلية الذين كانوا حاضرين معي عندئذ وكذلك قادة
الكنيسة الإنجيلية في اجابة طلب زوجته فوافقوا علي ذلك. وفي يوم الخميس احتفل به
إحتفالاً عظيما مشي لتشييعه فيه مئات من المسيحيين علي اختلاف طوائفهم وكثيرون من
المتنصرين والمسلمين وكلهم آس حزين متأسف علي شبابه النضر وقوته العظمي كيف ذبلت.
وما هي إرادة الله في تعجيل موت عامل نافع عظيم في خدمته؟ ولكن " ما أبعد
احكامه عن الفحص وطرقه عن الإستقصاء."
ولقد أمطرتني مصلحتا التلغراف والبريد بمئات من رسائل التعزية
من جميع أنحاء القطر المصري. ومما يسر أن بينها كثيراً من مسلمين أجلاء وفضلاء
كامل
منصور
مات الشيخ ميخائيل منصور العالم المدقق والبحاثة المحقق والخطيب
المفوه والشاعر المفلق والكاتب المتبحر
مات الشيخ ميخائيل منصور بعد أن خدم جيله عشرين سنة ونيفاً
واعظاً ومرشداً ومباحثاُ ومقنعاً
مات الشيخ ميخائيل منصور
رجل المنابر وبطل الاعواد والمحابر ومقدام الباحثين وقادة المتكلمين
مات الشيخ ميخائيل منصور بعد أن انتصر علي صعوبات الوسط الذي
شب فيه فقام قومة بطل شجاع وجاهر بصحة ما اقتنع به ضميره غير خائف معه شر ما
سيلاقيه من مقاطعة الوالدين والأهلين وعداوة المعارف والجيران والمجاورين ومعاكسة
المحكومين والحاكمين.
عاش الشيخ ميخائيل منصور نحو ربع قرن وهو يجاهر بالحق الانجيلي
خطابة ومباحثة ويفحم مناظريه بما له من قوة الحجة وسديد البرهان وسعة الاطلاع فكان
يتألب حوله مئات الازهريين من علماء مشهود لهم وطلبة متحمسين وهو بطيبة خلقه
وعذوبه لفظه وقوة برهانه يطفئ لهيب نار حماسة هذا ويسكت احتجاج ذاك وفي الوقت ذاته
لا يبقي له في نفوسهم غير الاعجاب بل الاحترام
بل الرغبة في معاودة الكرة للاستزادة في الانارة بهذا القبس المنير.
عاش الشيخ ميخائيل نحو ربع قرن وهو فريد في بابه، وجمع في
مفرده، وصف من الناس في شخصه، وفريق كامل في ذاته، فلم يكن له قرن في نوع عمله،
ولم يكن له مثيل في مقدرته عليه، ولم يصل أحد إلي ما وصل إليه من حيث الجرأة مع حكمة، والبطش مع محبة، والغلبة علي مناظره مع
اكتساب إحترامه له، فلم يكن له بهذا المعني عدو بين هؤلاء الملايين الذين وقف في
وجوههم وقفة الاسد، وهذه مقدرة لا يصل إليها كثيرون من بني جنسنا فلا عجب أن قلنا
أن الرجل لم يمت بل هو حي يذكر بيننا وبينهم بالاعجاب والتجلة والإكرام.
عاش الشيخ ميخائيل منصور نحو ربع قرن عاملاً نشيطاً في كرم
الرب فلم يتأخر مرة عن اجابة دعوة لوعظ في الجهات ولا امتنع عن تأدية واجب في سبيل
خدمته التي كرس لها نفسه فكان مثال العمال الامناء المجتهدين.
توفاه الله يوم الاربعاء 29 مايو الساعة الخامسة مساء فاهتزت
للخبر أركان القلوب وتصدعت الافئدة لاجل هذه الخسارة التي لا تعوض وقد أصرت زوجته
ـ وهي كاثوليكية ـ علي أن تقوم كنيستها بتجنيزه فلم تجد الإرسالية الأميركية ولا
الكنيسة الإنجيلية بداً من اجابة طلبها لانها صاحبة القول الفصل في مثل هذه الحال
فاحتفل بدفنه يوم الخميس عصراً احتفالاً شائقاً ودفن مبكياً عليه من الجميع عزي
الله زوجته وكريمته وأخاه الفاضل كامل أفندي منصور وسائر أفراد عائلته.
وقالت مجلة الشرق والغرب بقلم الكانن
جاردنر
كان الجزء السالف من هذه المجلة تحت الطبع عند ما بلغنا نعي
صديقنا المرحوم الاستاذ ميخائيل منصور ولذلك لم ينفسح لنا المجال لإيفائه حقه من
واجب التأبين. وقد رأينا أن نعرب الآن عما ألم بنا بفقد هذا الراحل العزيز.
لما قدم كاتب هذه السطور إلي مصر منذ 19 عاماً اتخذ له الفقيد
مدرساً ليعلمه القراءة باللغة العربية. وقد قال لي أحد زملائي يومئذ إنني سعيد
لحصولي علي مثل ذلك الاستاذ ولا أزال اذكر الدروس الاولي التي تلقيتها عليه كأنها
كانت بالامس واذكر أيضاً صراحة نطقة وحسن تجويده وشدة غيرته علي اللغة وكرهه للحن
حتي في الكلام. أضف إلي ذلك صبره وطول اناته وخبرته في التعليم وتلقينه النطق
الصحيح للأجانب. وإذ لم يكن يعرف اللغة الانكيزية كان تلميذه يضطر إلي محادثته
باللغة العربية منذ أول عهده وكثيراً ما كانت تلك المحادثات تتناول المواضيع
الدينية التي تستخرج من مطالعة الانجيل وكتاب الصلاة وهما الكتابان اللذان كان
يستعين بهما علي التدريس. ومنذ ذلك الحين نشأت بيني وبينه صداقة روحية ولم يقطع
الموت حبلها. وقد زرته قبيل وفاته بقليل لاستشيره في أمر فعلمت أن الداء العضال قد
استحكم به
|
وكم وكم ليلة لما رأيت سنا |
مصباحه في الدجي يممته طلبا |
|
والدار كم جئت استجلي محاسنها |
والآن قد اظلمت والنور قد هربا |
اجل قد قضي الاستاذ فترك وراءه فراغاً يصعب سده وقد تحتم علي
صديقه كاتب هذه السطور أن يحلي ذكراه باكليل الثناء المستطاب.
كان المرحوم ذا شخصية لا يمكن أن تخفي علي أحد وقد ولد وترعرع
مسلماً واتقن اللغة العربية وتضلع بالديانة الإسلامية. ولما خرج من الازهر وقع
بيده كتاب صغير اكب علي مطالعته بكل شوق وانتباه. وما أتي علي آخره حتي أثر ذلك
الكتاب فيه أي تأثير وثبت له أن اتهام المسيحيين بتحريف الانجيل وتزويره إنما هي
تهمة باطلة وشعر أن ذلك الكتيب يدعوه "إلي الطريق والحق والحياة". ولا
يخفي مالا بد أن يتحمله المرء في سبيل ذلك في هذه البلاد لاسيما إذا لم يحتط
للعواقب.
وقد صمم المرحوم أن يتبع صوت ضميره تاركا المصير إلي الله.
ولا حاجة إلي القول بأن أعداءه أشاعوا عنه الإشاعات الكثيرة. وأكثروا من الأراجيف
ولكنه لم يعبأ بأقوالهم بل أصبح مسيحياً وعاش مسيحياً وتزوج مسيحية وربي إبنته علي
الديانة المسيحيةوحمل أحد إخوته علي التنصر وأخيراً مات مسيحياً فصلي عليه
المسيحيون ودفن في قبر مسيحي. وقد كان يعلم إن نهايته قريبة. ولا يخفي ان المرء
إذا وقف علي عتبة الخلود وأدرك أنه ذاهب لمقابلة مولاه فلا يستمع إذ ذاك إلا صوت
ضميره الحق فيندم علي ما يعتقد أنه أخطأ فيه. ويتشبث بما يعتقد أنه أصاب فيه. ومما
يجدر بالذكر أن الفقيد المرحوم أظهر وهو في ساعته الأخيرة أعظم ثقة بيسوع المسيح
وأن إيمانه ساعتئذ كان أشد منه في كل وقت مضي. فقد كان حديثه عن النعمة التي
أنقذته ودم الفادي الذي اشتراه. وكانت رنة الاخلاص والاستقامة تتخلل جميع أقواله.
إن الفقيد المرحوم لم يكن رجلاً كاملاً معصوما عن الخطأ لأن
العصمة لله وحده بل كان ككل واحد منا ذا هفوات. ولكنه أحب المسيح ومات في المسيح.
وقد قضي عشرين عاماً يخطب ويعظ ويجاهر بعقيدته مجادلا ومناضلا. ولا ريب في أن خطبه
ومواعظه جديرة بأن تجمع وتطبع إذا لم يكن معظمها قد ضاع إذ المعروف عنه إنه لم يكن
يدون من تلك الخطب سوي رؤوس أقلام لانه كان يرتجل الكلام فصيحاً كما يكتبه حتي لقد
كان في النية تدوين خطبه الارتجالية بالكتابة المختزلة. ومن بواعث الاسف أن هذا
المشروع لم يدر في خلد أحد الا قبيل مرضه بقليل
أما مواعظه الجدلية فكان يسكبها بقالب خاص به. وكان شديد
الوطأة علي مناظره ولهذا كثيراً ما كان يحدث شغب عند
القائه المباحث الجدلية ومع ذلك لم يكن له أعداء. وكان شديد السلطة علي
عواطفه لا يندفع عن غضب ولا يدع للحنق مجالاً. ولذلك نعتقد أن وفاته ستترك أثراً
في نفوس جميع أصحابه المسلمين والمسيحيين .
قلنا أن الفقيد كان فصيح الكلام إلي درجة سامية. ولكن علمه
كان علي درجة أسمي. فقد كان حافظاً للقرآن ملماً باحديث متضلعاً من الفقه. وقد
قصدته لآخر مرة لاستشيره في أمر لم يكن غيره ليستطيع أن يفتيني فيه. ولكني رأيت
الموت مخيماً علي وجهه ولا يشعر ولا يعي.
ففي حفظ الله أيها الفقيد المحبوب. لقد جاهدت الجهاد الحسن
وأكملت السعي وأخ يراً نلت الاكليل الذي أعده لك الله والذي يعده لجميع خائفيه
ومتقيه.
جاردنر
وقد كتبت وقتئذ هذه الكلمة الصغيرة مقدمة لفذلكة تاريخية
اللهم تعزيه. اللهم صبراً. إنه لينحبس لساني وينفطر جناني من هول الخطب والفاجعة
المريعة التي ثلت عرش الفضل ودكت طود النبل ومزقت فؤاد البلاغة وشقت مرارة البراعة
واليراعة.
حقاً لقد تبكي القوافي محكمها والرسائل منسقها والمشاكل
حلالاً لعقدها والمسائل كشافا لغامضها والمجالس زينتها والمحافل جوهرتها. تبكيك
ياشقيقي الاقلام والمحابر والمواعظ والمنابر. تبكيك المحاضرات والخطب. تبكيك
المجلدات والكتب. يبكيك النثر والنظم. يبكيك الذكاء والفهم. تبكيك الشجاعة
الادبية. تبكيك الصراحة والحرية. تبكيك مكارم الاخلاق السامية والآداب العالية.
أبكيك ياشقيقي لانك تركتني بلا شقيق في الناس. بل بلا أهل فقد كنت كل أهلي
|
فحسبي شجوا أن أرى الدار بلقعاً |
خرابا واشلاء الحبيب
تراباً |
أبكيك ! لأنك كنت الباب الاول الذي دخلت منه إلي الفادي
والدرجة الاولي من السلم الذي صعدت عليه إلي سماء خلاصي. وأول زهرة شممت فيها
رائحة المسيح الزكية بل الصحيفة الاولي التي قرأت فيها رسالته.
أجل فقد كنت الشهادة الحية لفاديك،والحجة الدامغة أمام قومك
جاهدت الجهاد الحسن في حقل مولاك بقوة نادرة وجراءة فائقة
تجري من بطنك أنهار ماء حي وتدافع عن الحق بغيرة يشتعل أوارها ومحبة لا يطفأ
لهيبها واخلاص تصحبه نعمة روحه القدوس.
ولولا رجاء في الله ويقين في محبته وثقة بمواعيده الصادقة
واتكال علي نعمته الكافية لقضى علينا اليأس وعز العزاء
كامل
منصور
مصر للمسيح
نحمدك يامن اطلعت علي العالمين أنوارك، وأشهدتهم اسرارك وجعلت
منهم أنبياءك واصطفيت منهم أصفياءك ومنحتهم معرفتك وأغدقت عليهم نعمتك. وبعد فإن الواجب
الادبي والديني يقضي علي صاحبه بمحبة الناس اجمعين لاسيما أهل الوطن العزيز الذي
تقلنا غبراؤه وتظلنا سماؤه. مصرنا المحبوبة التي منها خرجنا، وعلي بساطها درجنا،
وليس ثم أسمي من الدعوة إلي الله وأدل علي المحبة الفائقة من الهدي إلي الصراط
المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم وأنبأهم الحق، ووعدهم الصدق، انهم في الاولي
بجبرون وفي الاخرى يسعدون فلأجل ذلك أوجه إليك كلمة يامصر أرجو أن تكون باعثاً علي
دفع الضر عنك وجر الخير إليك واسعادك سعادة لا يعبر عنها لسان ولا يصورها بيان
لانها لا تدرك تمام الادراك إلا بالجنان، ولا تذاق الا بالوجدان.
وهذه الكلمة هي "يسوع المسيح
النصيب الصالح الذي لن ينزع منك"
لا يستطيع فرد أو هيئة أن تنزعه من النفس المؤمنة في أي حال.
يمكن أن ينزع المال لص أو يثلم الشرف باغ أويزهق الروح أثيم ولكن النصيب الصالح لن ينزعه شيء فلا الشدة تبليه، ولا الاضطهاد
يفنيه، ولا الخطر يلاشيه ولا السيف يخفيه ولا النار تحرقه ولا الماء يغرقه ولا
الشيطان يسرقه ولا خليقة أخري تزهقه لان النصرة فائقة جداً بالنصيب الصالح. فيا
مصر هلمي إليه ليغفر آثامك ويشفي كل أمراضك ويفدي من الحفرة حياتك ويكللك بالرحمة
وارأفة ويشبع بالخير عمرك فيتجدد مثل النسر شبابك
يا مصر هلمي إليه
لأنه وحده المستحق أ، يكون وسيطاً بين الله والناس. قال يوحنا
في رسالته الاولي ص1:2 "إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الاب يسوع المسيح البار
وهو كفارة لخطايانا"
يامصر هلمي إليه
لأن الذبيحة التي قدمها عن الخطاة فائقة جداً لأنها كاملة
والهية ولاجل ذلك قال كاتب الرسالة إلي العبرانيين عب19:10 "فإذ لنا أيها
الاخوة ثقة بالدخول إلي قدس الاقداس بدم يسوع طريقاً لنتقدم بقلب صادق في يقين
الإيمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة أجسادنا بماء نقي"
يا مصر هلمي إليه
لأنه "حمل الله الذي يرفع خطية العالم" يا مصر هلمي إليه
لأن
كهنوته مختص بقدس الاأقداس السماوي وشفاعته لا ترد
ولا تزول.
يا مصر هلمي إليه
لأنه يزيل جهالتك الكثيفة وظلمتك التي تكاد تلمس.
لأنه كلمة الله الأزلي ومصدر كل معرفة ومنشأ كل حكمة. فأنت جاهلة يا مصر ويسوع استاذك الأعظم ومعلمك الامين. فهلمي إليه ليعلمك إرادة الله الصالحة الكاملة المرضية بكلامه وروحه
ويبين لك ما هية الملكوت السماوي ويعلن لك روح قصد الله وأنه الطريق والحق والحياة. يا مصر إن
الله يريد أن تخرجي من الظلمة إلي النور في يسوع المسيح النصيب الصالح الذي قال في
صلاته الشفاعية: "أنا أظهرت إسمك للناس"
يا مصر أقبلي عليه فهو شمس البر والشفاء في أجنحتها "ونور العالم
ومن يتبعه فلا يمشي في الظلمة".
كشف النقاب عن الصفات الإلهية وأعلن أسمي مطاليب الفرائض الإنسانية. إقرئي من
إنجيل متي الإصحاح الخامس والسادس والسابع فهناك تشعرين إنه ليس في الإمكان أبدع
مما كان
يا مصر هلمي إليه
لينقذك من رق الشيطان بقوته القادرة وعزته
القاهرة ويحررك من الميول الممقوتة ويرفعك من حضيض الدركات إلي أعلي الدرجات .
يا مصر أنت ضعيفة فهلمي إلي من رئاسته علي
كتفه واسمه عجيب مشير إله قدير.
يا مصر اسمعي ما
قال الملاك لامه مبشراًبه "وستحبلين وتلدين إبناً وتسمينه يسوع هذا يكون
عظيماً وإبن العلي يدعي ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك علي بيت يعقوب ولا
يكون لملكه نهاية"
" وهو الذى له كل سلطان فى السماء وعلى الأرض وأخضع كل
شيء تحت قدميه واياه جعل رأساً للكنيسة التي هي جسده ملء الذي يملأ الكل في
الكل"
ولا ريب إنك إذا أقبلت عليه وجدت ضالتك
المنشودة وبغيتك المفقودة فسعدت مادة وأدباً وديناً.
يا قطب دائرة النبوة
والهدي
|
أوليتنا نعم الفدا
متجسداً
|
|
فالانبياء تهللوا لما رأوا |
رب الخلاص وأن فيك الموعدا |
|
فغدا خليلك مؤمناً بك طائعاً |
ورأي لاسحق الذبيح بك الفدا |
|
وبنسله أمم الوجود تباركت |
والنسل لا الانسان عاين مفردا |
|
وأتي الكليم مبشرا بك قومه |
وأبان وعد الحق فيك واكـدا |
|
ورأي اشعياء جمالك باخراً |
فشجاه لألاء الجمال فـغردا |
|
كل تنبأ عنك يانور الورى |
ودعاك رب العالمين السيدا |
|
حتي إذا ملء الزمان اتي بذا |
خـبر النبوة رافعاً للمبتدا |
|
فولدت من عذراء كللها التقي |
في مذود فرفعت ذاك المذودا |
|
ورضيت مولدك الحقير تنازلاً |
وأبيت قصراً بالنضار مشيدا |
|
ولو ابتغيت لكان مهدك دارة |
للشمس واخترت الكواكب مقعداً |
|
لكنك اخترت الفقير وكنته |
ومددت بالخير الجزيل له اليدا |
|
ومنحت روحك للأولي بك آمنوا |
ليكون فيهم حكمة طول المدي |
|
وحفظت بيعتك التي أسستها |
بالحب حتي لا يساورها الردى |
|
ومددتها في الخافقين بقوة |
لم تخش ماكرً الزمان مهدداً |
|
سطع الضياء فليس ينكرك امرؤ |
رام الوصول ومن هواه تجرداً |
|
والرمد ان لم يبصروا شمس الضحي |
فضياء شمس البر يعشى الارمدا |
|
وإليك نضرع أن تجيب دعاءنا |
يامغني العافي ومتسمع الندا |
ميخائيل منصور
النسخ
في اللغة معناه الازالة أو النقل كنسخث الشمس الظل أو نسخت الكتاب وفي الاصطلاح
رفع الحكم بعد ثبوته.
وهو من متممات الاجتهاد إذ الركن الاعظم في باب الاجتهاد
معرفة النقل الذي من فوائده معرفة الناسخ والمنسوخ ولذلك مر علىُ على قاض فقال أتعرف
الناسخ و المنسوخ فقال لا فقال له هلكت واهلكت.
وقد أجمع المسلمون علي جوازه وأنكره اليهود ظناً منهم أنه
بداءُ كالذي يري الرأي ثم يبدو له
واختلف العلماء فقيل لا ينسخ القرآن إلا بقرآن لقوله ما ننسخ
من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وأجيب بقوله وما ينطق عن الهوي وبقوله وما
أتاكم الرسول فخذوه الخ
لا يقع النسخ الا في الاحكام ولو قبل امتثالها فلا يقع في
الاخبار ولا في الامور العقلية.
والقرآن باعتبار الناسخ والمنسوخ أقسام قسم ليس فيه ناسخ ولا
منسوخ وهو ثلاث وأربعون سورة. الفاتحة ويوسف ويس والحجرات والرحمن والحديد والصف
والجمعة والتحريم والملك والانفطار وثلاث بعدها والفجر إلي آخر القرآن إلا التين
والعصر والكافرين
وقسم فيه
الناسخ والمنسوخ وهو خمس وعشرون. البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والحج. والنور
والفرقان والشعراء والاحزاب وسبأ والمؤمن وشورى والذاريات والطور والواقعة
والمجادلة والمزمل والمدثر والشمس كورت والعصر
وقسم فيه
الناسخ فقط وهو الاربعون الباقية
والنسخ علي ثلاثة اضرب أحدها ما ينسخ تلاوة وحكما قالت عائشة كان فيما
نزل عشر رضعات[1] معلومات
فنسخن بخمس رضعات معلومات (1) أى لا يحرم زواج الاخت من الرضاعة إلا بعشر رضعات
معلومات.
وثانيها ما نسخ حكما لا
تلاوة كقوله "كتب عليكم إذا حضر احدكم الموت أن ترك خيراً الوصية للوالدين
والاقربين بالمعروف حقاً علي المتقين فإنها
نسخت بيوصيكم الله في أولادكم ألخ"
وبقول الحديث لا وصية لوارث علي خلاف
حكاه العلماء وقيل بالاجماع ومن هذا الباب "لايحل لك النساء من بعد" منسوخة بقوله "يا
أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك".
ومنه "قم الليل الا قليلاً" منسوخ بما قيل "فاقرأوا ما تيسر منه". ومنه "فأينما تولوا فثم وجه الله" فإنها منسوخة بقوله "فولّ
وجهك شطر المسجد الحرام". وثالثها
ما نسخ تلاوة لا حكماً ومنه
"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البته نكالا من الله والله عزيز
حكيم" وقالت عائشه كانت سورة الاحزاب تعدل سورة
البقرة فلما غير عثمان المصاحف لم نقرأ منها إلا ما هو موجود الآن. قال ابو واقد الليثي كان رسول الله إذا أوحي إليه
أتيناه فعلمنا مما أوحي إليه. قال فجئت ذات يوم فقال أن الله يقول إنا أنزلنا
المال لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ولو إن لإبن آدم وادياً لأحب أن يكون له الثاني
ولو كان إليه الثاني لأحب أن يكون إليهما الثالث ولا يملأ جوف إبن آدم إلا التراب
ويتوب الله علي من تاب.
واعلم ان نزول المنسوخ بمكة كثير ونزول
الناسخ بالمدينة كثير ففي سورة البقرة "إن الذين آمنوا والذين هادوا
والنصارى والصابئون من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند
ربهم" فإنها منسوخة بقوله "ومن يبتغ غير الاسلام الخ" ومنها " لا اكراه في الدين قد تبين الرشد
من الغي". فإنها منسوخة
بقوله "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا
باليوم الآخر ". ومنها "كتب عليكم القصاص
في القتلي الحر بالحر والعبد بالعبد والانثي بالانثي". فإنها منسوخة
بقوله "ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه
سلطاناً فلا يسرف في القتل" وبقول النبي في الحديث وقتل الحر بالعبد اسراف
وقتل المسلم بالكافر كذلك. ومنه
" يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع الناس واثمهما اكبر من
نفعهما". منسوخة بقوله "يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من
عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون". والمعتمد فيه النقل الصحيح والتاريخ دون الرأي
والاجتهاد.
فيظهر مما تتقدم(1) أن الأحكام
الشرعية عند المسلمين ليست مبنية علي ذات الله وصفاته وحقه بل علي الأهواء
والأحوال بخلاف ما عندنا معشر المسيحيين فإن الأحكام مبنية علي الله
نفسه كما يظهر من آيات الكتاب الكثيرة التي منها قوله "نظير القدوس الذي دعاكم كونوا أنتم أيضاً
قديسين"
(2) يظهر أيضاً مما تقدم
أن النسخ عند المسلمين ليس التكميل واصلاح المعوج بخلاف ما يسميه البعض عندنا
بالنسخ كقول المسيح "ما جئت لانقض الناموس بل لاكمل" . ومما يوضح ذلك
تمام التوضيح ما قاله السيد المسيح في انجيل متي "قد سمعتم إنه قيل للقدماء
لا تقتل. ومن قتل يكون مستوجب الحكم وأما أنا فاقول لكم أن كل من يغضب علي أخيه
باطلاً يكون مستوجب الحكم. ومن قال لاخيه رقاً يكون مستوجب المجمع. ومن قال يا
أحمق يكون مستوجب نار جهنم... قد سمعتم إنه قيل للقدماء لا تزن. وأما أنا فأقول
لكم إن كل من ينظر إلي إمرأة ليشتهيها فقد زني بها في قلبه.... وقيل من طلق امرأته
فليعطها كتاب طلاق. وأما أنا فأقول لكم إن كل من طلق إمرأته إلا لعلة الزني يجعلها
تزني. ومن يتزوج مطلقة فأنه يزني
أيضاً سمعتم إنه قيل للقدماء لا تحنث بل أوف للرب أقسامك وأما
أنا فاقول لكم لا تحلفوا البتة. لا بالسماء لأنها كرسي الله ولا بالأرض لانها موطيء
قدميه. ولا باورشليم لأنها مدينة الملك العظيم. ولا تحلف برأسك لأنك لا تقدر أن
تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء.
بل ليكن كلامكم نعم نعم لا لا. وما زاد علي ذلك فهو من الشرير.
سمعتم إنه قيل عين بعين وسن بسن. أما
أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر. بل من لطمك علي خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً.
ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب
معه اثنين من سألك فاعطه ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده
سمعتم إنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك.
وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلي مبغضيكم. وصلوا
لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم. لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات. فإنه
يشرق شمسه علي الأشرار والصالحين ويمطر علي الأبرار والظالمين. لانه إن أحببتم
الذين يحبونكم فأي أجر لكم. أليس العشارون أيضاً يفعلون ذلك. وإن سلمتم علي اخوتكم
فقط فأي فضل تصنعون. اليس العشارون أيضاً يفعلون هكذا. فكونوا أنتم كاملين كما أن
أباكم الذي في السموات هو كامل"(انظر انجيل متي ص5)
(3) يظهر مما تقدم أن النسخ عند المسلمين يكون في وقت واحد
علي لسان نبي واحد وهذا ينافي قولهم أن النسخ للمصلحة الانسانية إذ لا يعقل أن
تتغير المصلحة الانسانية في يوم أو يومين مثلا بخلاف ما عندنا في الكتاب المقدس
فإن موسي لم ينسخ موسى مثلا ولا المسيح نسخ المسيح لو سلمنا أنه نسخ
(4) يظهر مما تقدم أن كثيرا من النسخ عند المسلمين لم يقع
لغرض كالمنسوخ تلاوة لا حكما والمنسوخ حكما لا تلاوة. فعلي المسلم أن يقرأ الكتاب
المقدس دون سواه لأنه تنزيل من حكيم حميد لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه. وما أجمل ما قاله بولس الرسول في هذا المعني "كل الكتاب هو موحي به من
الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله
كاملاً ومتأهباً لكل عامل صالح"
فنسأله تعالي أن ينير أذهان إخوتنا
المسلمين، ويرشدهم إلي حقه القويم حتي يروا نور حكمته الالهية الساطع في كتابه
المقدس وينالوا الخلاص الثمين.
ميخائيل
منصور
إنه يوجد إله واحد لا إله إلا هو. وقد عرفنا ذلك من شهادة الله
وشهادة العقل. أما شهادة الله ففي اشعياء 6:44 "هكذا يقول الرب ملك اسرائيل
وفاديه رب الجنود أنا الاول وأنا الآخر ولا إله غيري" وفي أشعياء أيضاً 18:45
لأنه هكذا قال الرب خالق السموات هو الله مصور الأرض وصانعها هو قررها لم يخلقها
باطلا. للسكن صورها أنا الرب وليس آخر".
وقد قرر ذلك المسيح في كثير من كلامه فقد أجاب بعض الكتبة
عندما سأله: إيه وصية هي الأولي بأن أول كل الوصايا هي "اسمع يا اسرائيل الرب
الهنا رب واحد" مرقس 29:12 وبقوله "وهذه هي الحياة الابدية أن يعرفوك
انت الاله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي ارسلته"
وقد نهج طريق هذا التعليم الجليل الرسل الأفاضل والأنبياء
الأطهار فقد قال بولس الرسول في 1كورنثوس
6:8 "لنا إله واحد الآب الذي منه جميع الأشياء ونحن له"
ولو أردنا أن نستقصي الآيات التي وردت في الكتاب المقدس لضاق
نطاق هذه المجلة عن إيرادها ولكن ما ذكرناه فيه الكفاية وأما شهادة العقل فلأنه لو
تعدد الإله كأن يكون إلهان أو أكثر لما وجد شيء من العالم. لكن العالم موجود
بالمشاهدة فعدمه وما يؤدي إليه باطلاً أيضاً وهو التعدد وحيث بطل التعدد ثبت أن
الله واحد لا إله إلا هو لأن الالهين مثلاً إما أن يتفقا أو يختلفا فإن إتفقا فإما
أن يخلقا معاً وهذا باطل لإجتماع مؤثرين على أثر واحد.
وإما أن يخلقا مرتباُ وهذا باطل أيضاً للزوم تحصيل الحاصل.
وإما أن يوجد أحدهما البعض والآخر البعض الآخر وهذا باطل أيضاً لأنه لما تعلقت
قدرة أحدهما بإيجاد ذلك البعض سد علي غيره باب الإيجاد فلم يستطع ذلك وهذا عجز.
وإن إختلفا فأراد أحدهما مثلاً إيجاد العالم والآخر إعدامه
ونفذ مرادهما معاً فهذا باطل لإجتماع الضدين وإن ينفذ مراد أحدهما لزم عجز من لم
ينفذ مراده أيضاً لإنعقاد المماثلة بينهما .
والمراد بهذه الوحدانية وحدانية الذات ووحدانية الصفات
ووحدانية الأفعال فإما وحدانية الذات فتنفي الكم المتصل في الذات وهو تركيب ذاته
من أجزاء ونحن ننفي ذلك الكم أيضاً فلم نقل ولا نقول ولن نقول أن الآب ثلث الذات
والابن الثلث الثاني والروح القدس الثلث الثالث
وتنفي وحدانية الذات الكم المنفصل في الذات وهو أن يكون هناك
ذات مثل ذاته تعالي ونحن ننفي ذلك الكم ايضاً فننزه الله تعالي عن الشبيه والمثيل
والنظير ليس كما مثله شيء وهو السميع البصير
وأما وحدانية الصفات فتنفي الكم المتصل في الصفات وهو تعدد كل
صفه من صفاته كأن يكون له علمان أو قدرتان ونحن ننفي ذلكم الكم أيضاً لأننا لم
ننسب للأب قداسة غير قداسة الابن أو الروح القدس إذ الاقانيم الثلاثة متساوون في
كل الصفات ما عدا الأقنومية.
وتنفي أيضاً الكم
المنفصل في الصفات وهو أن يكون لغير الله عز وجل من الحوادث صفات كصفاته ونحن ننفي
هذا الكم ايضاً فلا ننسب للأنياء مثلاً العلم والقدرة والسلطان
وأما وحدانية الافعال فتنفي الكم المتصل في الافعال وهو أن
يكون لغير الله تعالي فعل من الأفعال علي وجه الخلق والإيجاد.
ونحن ننفي هذا الكم ايضاً فلا ننسب إلا لله الخلق والتأثير
لأنه علي كل شيء قدير.
بقي علينا أن نقول كلمة عن ما ندعوه عندنا
ثالوثا،ً فنقول اننا لم نقل ولا نقول ولم نقول بثلاثة آلهه بل نعتقد بإله واحد
مثلث الآقانيم وإن المسلمين معزورون إذ لم يفهموا المراد بها ـ فإن كان خوفهم من
تعدد الذوات فنحن لم نقل أن عندنا ذوات ثلاثة بل ذات واحدة.
وإن كان خوفهم من تعدد الصفات فنحن لم
نعتقد بقداسات واحدة للآب وأخرى للابن وأخرى للروح القدس بل قداسة الله شاملة الآب
والابن والروح القدس. وان كان خوفهم من تعدد الافعال فعندنا ان الله تعالي يعز من
يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو علي كل شيء قدير.
فلا عذر للمسلم إلا إذا عذر ذلك المعتزلي الذي فر
من تعدد القدماء لتعدد صفات المعاني فقال إن الله قادر بذاته وعالم بذاته ومريد
بذاته لا بقدرة زائدة علي ذاته ولا بعلم ورادة كذلك لئلا يلزم تعدد القدماء فلا
تكون الوحدانية لله تعالي.
وهنا لي نصيحة أقولها للمسلم بعد أن أتيت له بالادلة
والبراهين علي عدم منافاة التثليث للعقل السليم إ ن الامور الالهية يجب أن يعتقد بها لان
الله الامين الحكيم قررها وأمر بها ومتي صح ذلك فمن المحال أن يقرر الله أمراً أو
يأمر به يكون منافياً للعقل لأنه إذا كان العقل من أفعاله فما قرره أو أمر به من
أقواله ولا تناقض بين اقواله وافعاله.
وإذا كان السائل عن قوله الرحمن علي العرش استوي أجيب:
|
قل لمن يفهم عني ما أقول |
قصر القول فذا شرح يطول |
|
ثم سر غامض من دونه |
قصرت والله اعناق الفحول |
|
أنت لا تعرف إياك ولا |
تدري من أنت ولا كيف الوصول |
|
لا ولا تدرى صفات ركبت |
فيك حارت في خفاياها العقول |
|
أين منك الروح في جوهرها |
هل تراها فتري كيف تجول |
|
فــإذا كانت طوايــاك التي |
بين جنبيك كذا فيها ضلول |
|
كيف تدرى من على العرش استوى |
لاتقل كيف استوى كيف النزول |
فكيف السائل عن ذاته تعالي وهو عز وجل لا تدركه الابصار وهو
يدرك الابصار. فيا صاحبي إن قلت ماهو فلا ماهية له والقديم تعالي لا جنس له وان
قلت كم هو فهو واحد في ذاته متفرد بصفاته فما تصوره العيون ولا تخالطه الظنون.
|
كلما ترتقي اليه بوهم |
من جلال وعزة وسناء |
|
فالذي أوجد البرية أعلي |
منه ستحان مبدع الاشياء |
هو الأول والآخر والظاهر والباطن الذي ليس كمثله شيء وهو
السميع البصير.
هذه الوحدانية ظاهرة في الخلائق
|
وفي كل شيء له آية |
تدل علي انه الواحد |
يجب أن يعبد هذا المتفرد بالصفات والأفعال وحده ويحب من كل
القلب والنفس والقوة
(م.م)
ورد سؤال من حضرة الفاضل الشيخ حسن من
نقاليفه فيوم يخصوص ماذكرته في عدد شهر يناير من هذه السنه عن "التثليث
والتوحيد" وللرد عليه أقول:
حضرة المحترم
وافاني سؤالك أيها العزيز عن حقيقة الثالوث وإنه لسؤال يدل
علي شدة رغبتكم في فهم الحقائق الالهية وإني مجيبك بما يدفع عن قلبك كل شبهة ويدرأ
عن نفسك كل ريبة لان أكثر ما يعترض به المسلمون علي حقائق الدين المسيحي ناشيء عن جهلهم
إياها ولا يبعد ان كثيرين منهم يرون يقيناً ما لدينا من الحق الناصع والبينات
الجلية فيرعوون عن اعتقادهم بأننا مشركون لاننا مثلثون فاقول:
شهد الله في كتابه انه واحد لا شريك له في ذاته وصفاته
وأفعاله ولا يستطيع المرء أن يحصي ما ورد في الكتاب المقدس من النصوص الدالة علي
وحدانيته تعالي فكيف يعقل أن قوما لديهم هذا الكتاب الذي يوحد الله في كل سفر من
اسفاره وفصل من فصوله يخالفون نصوصه وعنها يعدلون أو بها يكفرون. معاذ الله فإن
النصرانية بقوتها الالهية هى التي اعتقت بنى البشر في فينيقية ومصر ورومية وبلاد
العرب من التعدد وشر عبادة الاوثان. فلو كان المسيحيون يعبدون ثلاثة آلهة كما يفهم
المعترض لكانوا بلا ريب عابدي اوثان كافرين بالله الذي فطر السموات والارض
ومخالفين لكتابهم الذي يأمرهم بتوحيد الله وينهاهم عن الاشراك به وصح فيهم ماقيل:
سارت مشرقه وسرت مغرباً شتان بين مشرق ومغرب
علي ان العقل الصحيح
يعزز هذه الوحدانية ويأبي التعدد إذ "لو كان فيهما آلهة الا الله
لفسدتا" ولكنهما لم تفسدا فثبت التوحيد وانتفي الاشراك. فيا أيها المسلم ثق
ان ديننا يشهد صريحاً "أن لا إله إلا الله" غير إن التثليث لم يكن تثليث
ذوات ولا تثليث صفات ولا تثليث أفعال إذ "الرب إلهنا رب واحد" ذات واحدة
وصفات غير متعددة وأفعال له دون غيره
وما التثليث عندنا إلا في الاقانيم كما تقول مثلا القدرة تقدر
والارادة تريد دون أن تقول القدرة تريد والارادة تقدر فإذا قلنا الآب فإننا نريد به الخالق وإذا قلنا الابن فإننا نريد به الفادي وإذا
قلنا الروح القدس فإننا نريد به المعزى
وإذا قلت بعد ذلك لم لا يسمي المسيحيون هذه
الاقانيم مجرد صفات فأقول لك نحن نتحاشى تسمية الاقانيم بالصفات لان عندنا الصفة
ذات الموصوف كما أن هذه الاقانيم في ذات الله عز وجل وذلك حسب مذهب المعتزلة عند
المسلمين الذين يقولون ان الله قادر بذاته ومريد بذاته لا بشيء زائد عن ذاته
وهذه الاقانيم قديمة
لم يتقدم أحدها عن الآخر ثانية ولم يكن بعضها علة والبعض الآخر معلولا
فهذه صعوبة التثليث تراها ايها المسلم
شيئاً سهلا إذا نبذت الغرض وراء ظهرك وكشفت عن قلبك الغطاء فحينئذ يكون بصرك
حديداً وايمانك وطيداً وعيشك سعيداً
(م.
م.)
مديونية المسيحيين
للمسلمين
نحمدك يا من أرسلت نورك هدي للناس أجمعين وكلمتهم بالنبيين
والمرسلين وأعلنت لهم محبتك في أعمالك الغراء وخصوصاً في عمل الفداء وانعمت عليهم
في المسيح يسوع بنعم سامية في العاجل والآجل فلك الشكر الذي لا نستطيع أن نقوم به
إلا إذا وازرتنا بنعمائك وغمرتنا بضيائك. وبعد فإن الدعوة إلي الله في المسيح حسب الإنجيل عهد في عنق المسيحي لا يهدأ باله
ولا تقرعينه إلا إذا ادَّاه وقام به حق القيام ذلك لأنه مدين للمسيح الذي اطاع
وتألم ومات له، وقد شعر الرسل القديسون بذلك فلم يبعثهم علي دعوة الخلق إلي
الحق إلا شعورهم بهذا الواجب العظيم وإن صراخ بولس الرسول في مسامع الرومانيين
بهذا القول إني مديون لليونانيين والبرابرة والحكماء والجهلاء (رمية 14:1) يجب أن
يطن فى آذان كل مسيحي.
) للكتاب بقية)
|
A technical blog News, reviews and previews of PlayStation games |