12

مكانة المرأة فى الإسلام

قائمة محتويات الكتاب| قائمة الكتب| الصفحة الرئيسية   

 

تعدد الزوجات

 يقول القرآن: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولوا" ( النساء 3:4). أن تعدد الزوجات كان ظاهرة منتشرة في المجتمع الجاهلي أيام محمد مثله مثل الشعوب السامية آنذاك. وحصر محمد العدد بأربع، وأما الإماء فسنعالجها في فصل مستقل.

لقد فهم المفسرون القدامى الأذن الوارد في الآية كأقصى ما يمكن تصوره في الزواج الشرعي: ولا تنكحوا منهم إلا من واحدة إلي الأربع ولا تزيدوا علي ذلك. وان خفتم ألا تعدلوا أيضا في الزيادة علي الواحدة فلا تنكحوا إلا ما تخافون أن تجوروا فيهن من واحدة أو ما ملكت أيمانكم. ويعود تعدد الزوجات إلي ذلك الصنف من الأحكام القرآنية التي لم تستطع إثبات وجودها في الشعوب الإسلامية فأغلب المسلمين متزوجون من زوجة واحدة. انه ليست فقط العراقيل الاقتصادية التي تحول دون ذلك، بل لا ينبغي أن ننسي هنا الجانب الاجتماعي لهذه المشكلة، فزواج الرجل ثانية عار علي عائلة زوجته الأولى. أضف إلي ذلك محاولات المسلمين المعتدلين تأويل هذه الآية بشكل يناسب متطلبات العصر. فقد ذهب قاسم أمين علي سبيل المثال إلي أنه بوسع المسلم أن يستنتج من النساء 3:4 تحريم تعدد الزوجات، لان العدل الذي اشترطه القران لهذا الأذن لا يمكن تحقيقه.

غير أن المسلم الملتزم، الذي يشعر نفسه مدعوا للدفاع عن كل ما ورد في كتابه الكريم وتبريره، يستشهد ب"القديم" و"الجديد" علي الحكمة الإلهية الكامنة في تعدد الزوجات فيقول: "إن تعدد الزوجات نظام قديم، ولكنه كان فوضى منظمة قبل الإسلام، وكان تابعا للهوى والاستمتاع، فجعله الإسلام سبيلا للحياة الفاضلة. والحقيقة التي ينبغي أن يعلنها كل إنسان أن إباحة تعدد الزوجات مفخرة من مفاخر الإسلام، لأنه استطاع أن يحل مشكلة عويصة من أعقد المشاكل التي تعانيها الأمم والمجتمعات اليوم فلا نجد لها حلا إلا بالرجوع إلي حكم الإسلام وبالأخذ بنظام الإسلام".

إن الحجج والتبريرات التي يذكرها الكتاب المسلمون توحي بان تعدد الزوجات لن ينص عليها إلا تكريما للمرأة وإحسانا لها "ماذا نصنع حين يختل التوازن ويصبح عدد النساء أضعاف عدد الرجال؟ أ نحرم المرأة من نعمة الزوجية ونعمة الأمومة ونتركها تسلك طريق الفاحشة والرذيلة كما حصل في أوربا من جراء تزايد عدد النساء بعد الحرب العالمية الأخيرة؟ أم نحل هذه المشكلة بطرق شريفة فاضلة نصون فيها كرامة المرأة، وطهارة الأسرة، وسلامة المجتمع؟ أيهما اكرم وافضل لدى العقال أن ترتبط المرأة برباط مقدس تنضم فيه مع امرأة أخرى تحت حماية رجل بطريق شرعي شريف، أم نجعلها خدينة وعشيقة لذلك الرجل، وتكون العلاقة بينهما علاقة إثم وإجرام؟"

 ويضيف سيد قطب في تفسيره: "في حالة عقم الزوجة مع رغبة الزوج الفطرية، يكون أمامه طريقان لا ثالث لهما:

1-                أن يطلقها ليبدل بها زوجة أخرى تلبي رغبة الإنسان الفطرية في النسل.

2-                أو أن يتزوج بأخرى ويبقي علي عشرته مع الزوجة الأولى.

وقد يهذر قوم من المتحذلقين، ومن المتحذلقات، بإيثار الطريق الأول. ولكن تسعا وتسعين زوجة، علي الأقل، من كل مائة ستتوجهن باللعنة إلي من يشير علي الزوج بهذا الطريق. الطريق الذي يحطم عليهن بيوتهن بلا عوض منظور. فقلما تجد العقيم وقد تبين عقمها راغبا في الزواج، وكثيرا ما تجد الزوجة العاقر أمنا واسترواحا في الأطفال الصغار، تجئ بهم الزوجة الأخرى من زوجها، فيملأون عليهم الدار حركة وبهجة، وأيا كان ابتئاسها لحرمانها الخاص".

 ليس من السهل أن يعتقد المرء وهو يقرأ هذا النوع من الدفاع عن تعدد الزوجات، والذي يشبه شيئا من التهكم بأن المفكر سيد قطب لم يكن يعرف ما هو التبني أو أن يسأل نفسه ما الحيلة إذا كان الرجل نفسه يعاني العقم أو أين تبقي علاقة الود والمحبة التي تربط الزوجين بعضهما ببعض!! إن العلماء والمفكرين المسلمين المحدثين لا يقفون في الدفاع عن التعدد عند "النص" و "الواقع" فحسب، بل هم يحرصون علي تأييد وجهة نظرهم من خلال ما سمعوا أو قرأوا من أفكار الأوروبيين. فيخبرنا الصابوني مثلا" لقد اختارت ألمانيا ( المسيحية) التي يحرم دينها التعدد، فلم تجد خيرة لها إلا ما أختاره الإسلام، فأباحت تعدد الزوجات رغبة في حماية المرأة الألمانية من احتراف البغاء، وما يتولد عته من أضرار فادحة وفي مقدمتها كثرة اللقطاء. وتنقلنا ما قالت أستاذة ألمانية في الجامعة دون ذكر أي مصدر: "إن حل مشكلة المرأة الألمانية هو في إباحة الزوجات. إني افضل أن أكون زوجة مع عشر نساء لرجل ناجح علي أن أكون الزوجة الوحيدة لرجل فاشل تافه. إن هذا ليس رأيي وحدي بل هو رأي نساء كل ألمانيا".

 يدعي الأستاذ الصابوني أن مؤتمر الشباب الألماني في ميونخ بألمانيا عام 1948 أوصى بإباحة تعدد الزوجات حلا لمشكلة تكاثر النساء وقلة الرجال بعد الحرب العالمية الثانية. وهذا هو  العقاد يستشهد تارة بالفلاسفة وتارة أخرى بمن اشتهروا بنزعتهم العنصرية من الكتاب الغربيين لكي يبصر القارئ بعالمية التعدد فيقول: "ويري وستر مارك أن مسألة تعدد الزواج لم يفرغ منها بعد تحريمه في القوانين الغربية، وقد يتجدد النظر في هذه المسألة كرة بعد أخرى، كلما تحرجت أحوال المجتمع الحديث، فيما يتعلق بمشكلات الأسرة، فتساءل في كتابه المتقدم ذكره: "هل يكون الاكتفاء بالزوجة الواحدة ختام النظم ونظام المستقبل الوحيد في الأزمنة المقبلة؟ ثم أجاب قائلا: إنه سؤال أجيب علي أراء مختلفة، إذ يرى سبنسر أن نظام الزوجة الواحدة هو ختام الأنظمة الزوجية، وأن كل تغيير في هذه الأنظمة لا بد أن يتأدى إلي هذه النهاية، وعلي نقيض ذلك يرى الدكتور Le Bon أن القوانين الأوروبية سوف تجيز التعدد، ويذهب الأستاذ Ehernfels إلي حد القول بأن التعدد ضروري للمحافظة علي بقاء "السلالة الآرية" ثم يعقب وستر مارك بترجيح الاتجاه إلي توحيد الزوجة إذا سارت الأمور علي النحو الذي أدى إلي تقريره".

يمكن أن نلخص أهم الحجج المذكورة في مؤلفات الكتاب المسلمين اليوم دفاعا عن تعدد الزوجات وتبريرا لوجوده في أربع نقاط:

1-                يدعون أن عدد النساء في العالم يفوق على عدد الرجال، حيث تجاوز نسبة أربع إلي واحد. فان تعدد الزوجات أحسن حل لهذه المشكلة.

2-       يحتجون بأن فترة الإخصاب في الرجل تمتد إلي سن السبعين أو ما فوقها، بينما هي تقف في المرأة عند سن الخمسين أو حواليها، فلا بد من التعدد، لان عمران الدنيا بالتكاثر والانتشار.

3-       يتحدثون عن حالات واقعية مثل رغبة الزوج في إرواء الوظيفة الفطرية ( أي العلاقة الجنسية) مع رغبة الزوجة عنها لعائق من السن أو من المرض. فالتعدد هو الحل الوحي لهذه المشكلة.

ويضاف إلي تلك الحالات الخاصة التي تبيح تعدد الزوجات حيض المرأة إذا طال، ولا يسع الرجل أن يجامعها، أو اشتياق الرجل البالغ إلي النكاح والذي لا يمكن شفاؤه بامرأة واحدة، فيحتاج أكثر من زوجة لإراحة النفس. إن الإسلام قد أباح لمثل هؤلاء الرجال تحقيق أمنيتهم في إطار شرعي لكيلا يكلمهم تضليل الشيطان. أما محمد رشيد رضا فلا يذكر حالات خاصة، بل ينطلق من كيان أو طبيعة الرجل التي تجعله من المستحيل أن يكتفي بامرأة واحدة.

4-       مشكلة العقم: والذي يقرأ ما يقول به الكتاب والعلماء المسلمون في العصر الحديث وهم يأتون بمشكلة العقم عند المرأة ويشرحونها نصرا لدعواهم بان للتعدد حكما لا يسبر غورها، يلاحظ أن العقم أقوى حجة لديهم. ولا نستغرب ذلك، إذ الولد أو دوام النسل هو سبب وجود النكاح الذي يعني الوطء، ويستعمل بمعنى الزواج مجازا كما رأينا في الأبواب السابقة. وإذا درسنا سيرة رسول الله، نرى أن المسلم ليس بحاجة إلي الاستشهاد بالمشاكل الاجتماعية أو بالحالات الخاصة أو بما أقره "مؤتمر ميونخ" وما قالته أستاذة ألمانية لتبرير تعدد الزوجات، فإن محمدا الذي يقول عنه القرآن: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" ( الأحزاب 21:33) خير مثال علي أن تعدد الزوجات سنة مؤكدة وليس فقط مباحا، إذ قال رسول الله: "ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فانتهوا". والسنة كما هو المعروف هي المصدر الثاني للشريعة الإسلامية، ومن جهل بها فليس له مرشد في غياهب الشك. ويروى عن هذا المرشد قوله: "فإن خير هذه الأمة أكثرها نساء".

 لقد حاول المسلمون المعتدلون الذين لا حظوا ما للشريعة من عيوب ونقائص إصلاح النظام الديني وتوفيقه مع متطلبات القرن العشرين. وكانت المحاولة الأولى من هذا القبيل ما قام به المصلح والمفكر الكبير جمال الدين الأفغاني (1837-1937) ونصح عدم تطبيق هذه الآية لاستحالة "العدل" إذا كان للرجل أكثر من امرأة.

بدأت مناقشة ظاهرة تعدد الزوجات منذ بداية القرن العشرين في الأوساط المتحررة، وما تزال تثور حولها موجة سخط وغضب. لقد عالج الكتاب العرب هذا الموضوع في مؤلفاتهم التي لا تقل عن الدراسات الاجتماعية الأوروبية صرامة في الانتقاد للمجتمع، أمثال الكاتبة المصرية نوال السعداوي والأستاذة المغربية فاطمة مرنيسي.

 وما يتصل بالوضع القانوني لتعدد الزوجات في العالم الإسلامي فانه يقع تحت معاقبة القانون في تركيا وتونس. وصدر في مصر سنة 1979 قانون جاء بقيود إضافية للتعدد تمهيدا لإلغائه نهائيا، وذلك بإيحاء من الرئيس الراحل أنور السادات وقد سماه الأصوليون المسلمون "قانون جيهان السادات" وقد نص هذا القانون علي أن للمرأة أن تطلب الطلاق فورا وتحتفظ بالمسكن إذا تزوج زوجها امرأة ثانية في حالة حملها. وهناك من يرى تفسير آية التعدد تفسيرا عصريا خروجا علي الله.   

Back ] Next ]

قائمة محتويات الكتاب| قائمة الكتب| الصفحة الرئيسية

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games