إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

 

26 مارس 1844

تذكار استشهاد القديس سيدهم بشاي

في مثل هذا اليوم تحتفل الأمة القبطية بتذكار استشهاد القديس سيدهم بشاي بدمياط في يوم 17 برمهات سنة 1565 ش (25 مارس سنة 1844م) لاحتماله التعذيب على اسم السيد المسيح حتي الموت. وكان استشهاده سببا في رفع الصليب علنا في جنازات المسيحيين. فقد كان هذا الشهيد موظفا كاتبا بالديوان بثغر دمياط في أيام محمد علي باشا والي مصر وقامت ثورة من الرعاع بالثغر، وقبضوا على الكاتب سيدهم بشاي واتهموه زورا انه سب الدين الاسلامي وشهد عليه أمام القاضى الشرعي بربرى وحمّار. فحكم عليه بترك دينه أو القتل. ثم جلده وأرسله إلى محافظ الثغر. وبعد أن فحص قضيته حكم عليه بمثل ما حكم به القاضى. فتمسك سيدهم بدينه المسيحي، واستهان بالقتل، فجلدوه وجروه على وجهه من فوق سلم قصر المحافظ إلي أسفله، ثم طاف به العسكر بعد أن أركبوه جاموسة بالمقلوب في شوارع المدينة، فخاف النصارى وقفلوا منازلهم. أما الرعاع فشرعوا يهزأون به ويعذبونه حتى الاستشهاد وتفاصيل قصته كالتالي:

 وقد حدث قبل استشهاد القديس مارسيدهم بشاي بنحو أسبوعين أن حضر رجل أرمني صنعته دخاخنى بثغر الإسكندرية قام باستئجار محل ولكن لما رأى ضيق الحال أراد أن يهاجر خارج الديار المصرية ولم يكن له تذكرة الخروج ، وحاول الحصول عليها باطلاً مما أضطره بدافع من كثيرين أن يقدم طلب إسلامه للمحافظة الذي أسرع بالموافقة فصارت له زفة كبيرة في الشوارع بالطبول والزمر والبارود ، حيث أركبوه على حصان وكانوا يطوفون به البلدة ويرجمون بيوت المسحيين بالحجارة ويهللوا عليهم .

بعد تلك الحادثة بعدة أيام كان المعلم إلياس يوسف باش كاتب شئون الأصناف خارجاً من بيته صباحاً ومتوجهاً إلى محل عمله فصادف في الطريق ولد شرير ظل يسير وراءه متحركاً بالشتائم الرديئة وكان يسبه بدينه وقد أنضم إلى الولد أيضاً آخرين ، وأبتدأوا يرجمون المعلم بالحجارة أخيراً تحركت الغيرة في المعلم إلياس وأراد أن يضرب الولد ففر هارباً لكنه توجه إلى المحكمة وأشتكى عليه زوراً قائلا "إن النصراني ضربني بالكف" ، فحالاً استدعاه القاضي وأرسل معه مكتوباً إلى المحافظ ليعرضوا عليه الإسلام ... ولكن لما أحضروه أمام المحافظ دبرت العناية الإلهية وجود الخواجة فرنسيس دبانة والخواجة يعقوب يكن وغيرهما من كبراء القناصل ولولا وجودهم لحدث له الكثير من العذاب والضرب وربما إنتهى إلى القتل .
 

حادثة القديس مارسيدهم بشاي
حدث فى شهر مارس سنة 1844م ، كان القديس مارسيدهم بشاي يقضى بعض الوقت بالثغر نازلاً طرف أخيه بدمياط وفى يوم 21 مارس كان ماراً بطريق الكنيسة التى كانت مدافن الأقباط فى ذلك الوقت وقد حنق عليه بعض المسلمين الأشرار فدبروا طريقة لمنعه. وبينما هو سائر فى طريقه بحارة الكنيسة إحتك به أحد الأشخاص المسلمين وطفق يمنعه من المسير إلى الكنيسة لكن القديس مارسيدهم بشاي لم يعبأ به ولم يلتفت إلى أمره مما أثار سخط هذا الشرير، فهاج وثار بالشتائم الردية حتى تجمهر حوله بعض الغوغاء والصبية.. وتصادف مرور مفتى البلدة فسألهم عن السبب، فأخبروه كذباً بالأمر مدعين على القديس مارسيدهم بشاي زوراً ووجهوا إليه أتهامات باطلة خاصة بالدين فجعل المفتي يستشيط غضباً وغيظاً وصرخ قائلاً : "كيف تقولون أن الرجل النصرانى إستخف بالإسلام والمسلمبن وتطاول على نبيهم المرسل؟!!".

محاكمة القديس زوراً

أخذ المفتى من تلك الزمرة شاهدا زور وتوجها إلى المحكمة وبواسطتهما أثبتوا الإدعاءات الكاذبة على القديس مارسيدهم بشاي، الذى كان يزيد عمره على الأربعين عاماً هادئ الطبع مملوءاً محبة للجميع ومشهوداً له بالحلم والروية وسعة الصدر والورع ولا يمكن أن يتفوه بمثل ما نسب إليه، وقد أمرت المحكمة بإحضاره من الكنيسة فمروا به على شارع السوق ، وفى أثناء مروره بالطريق كان يضرب ويهان من كل من صادفه فى الطريق وعندما يعلمون أمره كان ينهلون عليه بالضرب بالجريد على ظهره وعلى رجليه ونتفوا نصف لحيته ونصف شاربه بقصد الأستهزاء به وظلوا فى إضطهادهم لهم حتى مثل أمام القاضى الذى لم ينتهرهم ليسكتوا.

دفاع صديقه عنه
وتصادف مرور أحد أصدقائه وهو المعلم بانوب فرح إبراهيم وكان رجلاً شهماً ذا مكانة مرموقة بالبلدة فتدخل آملاًَ إنقاذ صديقه حيث قال للجمع : "أما كفاكم ضربه أفتجرونه أيضاً على وجهه!!" ، فحالاً ألتصقوا به أيضاً ولم ينج من أذاهم إذ قامت الجموع عليه وأوسعوه ضرباً بالجريد على رأسه كونه تكلم بهذا الكلام , وتذكر المخطوطة أنه كان ما يزال مريضاً من الضرب والرعب ولم تمض أيام على حالته هذه إلا وتنيح وقد وجد جسده مدفوناً أسفل جسد القديس مارسيدهم بشاي .

شهادة القديس أمام القاضي
أحضروا القديس أمام القاضى وبعد الضرب والتهديد ظنوا أنه ينثنى أو يستكين لكنه ثبت فى إيمانه ، فأصدر القاضى هذا الحكم :
"من حيث أن المدعو سيدهم سب الدين الإسلامى وتطاول على حضرة النبى فقد حكمت المحكمة إما بدخوله الإسلام فيشفع له أو قتله فورا". ولكن القديس محب الإله تعجب من طلبهم ولم يجب إلا بالرفض حينئذ خلع الحاضرون أحذيتهم وضربوه على وجهه حتى سال منه الدم .

القديس داخل سجن المحكمة
تركوه داخل سجن المحكمة ينتظر مصيره المحتوم إلى حين يفكروا فيما سيعملون له ؟!
وكان هذا اليوم مخوفاً فى المدينة لتجمهر الرعاع من الشعب بلا ضابط ، حيث أحدثوا شغباً عظيماً ولم يستطع أحد من المسيحيين أن يخرج من عقر داره . كما أنه لم يتدخل أحد من كبار القوم فى المدينة ليصرفوا الجمع الذين كانول يهتفون : "يقتل النصرانى الملعون" والآخرون يحرق ... وآخرون يشنق . وهم قوم منهم ليحضروا حطباً ليحرقوه عند الكنيسة والبعض كانوا يقولون عقبال باقى النصارى

القديس يشهد أمام المحافظ
في اليوم التالي أجتمع كل الجماعة بديوان المحافظة بحضور المحافظ (خليل أغا) والشيخ على خفاجة والشيخ البدرى ونقيب الأشراف والقاضى والتجار وبقية المشايخ وميرلاى الرديف، وأرسلوا بعض العسكر مع البكباشى ( مصطفى فطين ). فأحضروا القديس سيدهم من السجن مقيداً بالضرب والإهانة طوال الطريق حتى أوصلوه دار المحافظة، فلما رأى المحافظ شدة تمسكه وإيمانه ورفضه لمشوراتهم حكم عليه بما حكم القاضى سابقاً فجروه على وجهه من أعلى سلالم المحافظة إلى أسفل حتى تشوه وجهه وصار القضاء عليه أمام محفل الجمع أن يضرب خمسمائة كرباج فى ميدان المحافظة حتى غاب عن الوعى ، فطرحوه على الأرض ومضوا ، ثم لما أستفاق أعادوا الكرة عليه حيث جروه فى شوارع المدينة ليحصل له الجرسة كون المفتى أصدر فتوى بقتله .

صبره وتمسكه بإلهه

فى اليوم الرابع أعادوا الكرة عليه حيث عروه من ثيابه بقصد الأستهزاء ومروا به فى شوارع البلدة وأركبوه على جاموسة بالمقلوب (كان أحد الجزارين يزفها للذبح) وعلقوا على لحيته صليباً لوثوه بالقاذورات ، وصاروا يزفونه فى كل البلدة كأنه للذبح !! وكانت البلدة أشبه بمسرح للطائشين . ولم يكفوا عن الضرب بالعصي والسياط والأحذية حتى برز لحمه من عظمه والقديس فى كل ذلك صابر غير متذمر لا ينطق بشئ سوى أنه كان يصلى قائلاً : " يا طاهرة .. يا يسوع ". وبعض من الواقفين كانوا يستهزئون به قائلين : " هوذا ينادى امرأته " .

تورط المسئولين فى قضيته

أما جماعة المسئولين ومنهم الشيخ على خفاجة والشيخ البدرى والقاضى وبقية علماء المسلمين والتجار الذين كانوا بديوان المحافظة نزلوا وجلسوا على باب الحمزاوى بناحية السوق لكى يتفرجوا على هذه العجيبة ولم يقوموا بدورهم كمسئولين، ولم ينتهروا الجمع الطائش ليكفوا عن الخطأ .... بل تركوهم ثائرين فى الشوارع والحارات يشتموا المسيحيين ويرجمون بيوت القناصل بالأحجار وضربوا أحد أبنائهم ويهاجمون الوكالات والحانات. مما أثار سخط هؤلاء الأجانب ، فشكوا إلى حكوماتهم ووصلت الأخبار بسرعة إلى الأسطول الإنجليزى المرابط بشواطئ البلاد منتهزاً أية فرصة للتدخل ... ولم يفكر أولئك المسئولون أن وجودهم هكذا فى مكان الشغب سيعرضهم للمساءلة.

تجلى السيـدة العـذراء أمام القديـس

أخيراً ساقوا القديس متوجهين ناحية منية دمياط حيث منزل أخيه فى منية دمياط ، وطرحوه أمام منزل أخيه متجمهرين عند الباب ينتظرون فتحه لينهبوا المنزل ، وبقى الرجل مطروحاً على الباب مقدار ساعتين حيث تقدم أحدهم المدعو عبده مشرفة وصنعته خشاب ووظيفته يوزباشى بالرديف ، لما رأى القديس فيه نسمة الحياة أحضر قطران فى القدر من على النار ورشه فى وجه القديس وأمام هذه الأتعاب الكثيرة التى لا يقدر على تحملها بشر تجلت السيدة العذراء أمام عينى القديس فى صورة نورانية .

وقد كان القديس طوال وقت أستشهادة يناديها ويتشفع بها وكانت معه طوال عذاباته ، وكان الشهيد فى الروح ولم يدر بما يتكلم فطلب من صديقه مليكة الذى كان بالقرب منه أن يحضر كرسياً من الحديقة المجاورة لتجلس عليه السيدة العذراء ولم يكن يتكلم من ذاته بل تكلم مسوقاً من الروح القدس ، وكان ما تكلم به إنما هو نبؤة تمت فعلاً .

نيــاحتـــه
نبوءة سيدهم بشاى تتم
كان القديس وهو ممتلئ بالروح القدس في حالة هيام روحي وقد نسى آلامه في ساعة أحتضاره فتكلم بنبوة تمت بحذافيرها ، حيث تحولت هذه المنطقة التى أستشهد فيها إلى كنيسة على اسم السدية العذراء وقد ألت إلى الأقباط الأرثوذكس منذ عام 1968م بعد أكتشاف جسده المبارك وقد تم توقيع العقد الإبتدائى لملكية هذه الكنيسة فى 29/10/1969م ثم سجل العقد .

شكوي قناصل الدول
لسوء الطالع ولسبب مرض محمد على باشا في أواخر أيامه حيث أعتكف في قصره بشبرا ... حدث إن أتصل قناصل الدول المقيمين بالثغر بالأسطول الواقف في عرض البحر فانتهزت هذه الدول فرصة سانحة وأرسلوا باخرتين حربيتين إلى ثغر دمياط ، لكن الخديوي أسرع وأرسل مندوباً رسمياً للتحقيق وهدأ خواطر القناصل وقد أسفر التحقيق على إدانة المحافظ (رغم أنه كان من المقربين للبلاط) والقاضى والشيخ البدرى وتجريدهم من مناصبهم كي يعود السلام إلى المدينة.

تشييع جنازة الشهيد رسمياً
ولحكمة الخديوى أراد تهدئة النفوس فأمر بتكريم الشهيد سيدهم فى كل أنحاء البلدة وتشييع جنازته رسمياً ، وأصدر أمره برفع الأعلام والصلبان فى جنازته .. وقام بالأحتفال جميع الطوائف وتقلد الكثيرون الأسلحة وسار الموكب فى حراسة جمع غفير من الجنود ، ولبس الكهنة ملابسهم الكهنوتية وعلى رأسهم القمص يوسف ميخائيل وطافوا فى كل البلدة مع لفيف من الشمامسة حتى وصلوا به إلى الكنيسة حيث أتموا مراسيم الصلاة ودفنوه بأرض كنيسة مارجرجس التى كانت ما تزال مدافن الأقباط ( أستمرت كمدافن حتى سنة 1910م تقريباً ).

التصريح برفع الصليب جهاراً
كانت هذه الحادثة سبباً فى رفع الصليب جهاراً كما رفع فوق قباب الكنائس فى كل مكان وفى جنازات المسيحيين حتى اليوم وفى المناسبات الدينية وليس فى دمياط وحدها بل على مستوى الكنيسة كلها . وقد حدث في أيام البابا كيرلس الرابع , بعد رجوعه من رحلة بلاد الحبشة سنة 1858م , استقبله الشعب استقبالاً عظيماً , ودعاه الأرخن الكبير ميخائيل عمدة أقباط حارة السقايين إلي منزلة , وبعد ذلك خرج البابا إلي الكنيسة بموكب حافل سار فيه الإكليروس رافعين الصليب ولأول مرة بالقاهرة ! وحدث نفس الشيء بعد ذلك بقليل حين استقبل أول مطبعة دخلت مصر حيث رفع الصليب والهتاف بالألحان إلي دار البطريركية بالدرب الواسع ..

فاعترض كثيرون علي رفع الصليب , وذكروا الأمر إلي سعيد باشا , الذي استدعي البابا البطريرك وسأله عن سبب ذلك ؟ فأجابه : إن هذا احتفالاً دينياً معتاداً , وأما رفع الصليب فقد تصرح به منذ أيام حادثة بشاي الشهيد الدمياطي , وصرح به والي البلاد محمد علي باشا.

 بركة ايمان هذا الشهيد العظيم تكون معنا. ولربنا المجد دائماً. آمين

<<<  >>>  

من قول الأبريزى للعلامة المقريزى

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار