|
مجمع
البحوث الإسلامية يوصي بعدم تداول
كتاب
يشكك في القرآن والسنة النبوية
قضية يناقشها: د.
أحمد إبراهيم البعثي
 |
| د.
المطعنى |
في إطار الجهود التي
تبذل للتصدي لظاهرة الكتب التي تتطاول
علي الأديان السماوية وتنال من قيم وآداب
أمتنا وتحاول هدمها بمعاول تحت مسميات
زائفة وحجج واهية لحرمة الفكر والإبداع
فقد أوصي مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر
الشريف أخيرا بمنع تداول كتاب المرأة
والجنوت في الإسلام.
ولما كان الأهرام حريصا كل الحرص علي
رعاية حرية الفكر والإبداع بالضوابط
المتفق عليها بقدر حرصه علي حماية عقيدة
الأمة وقيمها وأعرافها فقد كان من
المتعين معرفة الأسباب التي من أجلها
صدرت هذه التوصية.
في إجابته عن هذا السؤال أوضح د.عبدالعظيم
المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر الذي أعد
تقرير المجمع عن هذا الكتاب أنه يقع في
نحو300 صفحة من القطع الكبير ومؤلفته
سيدة مصرية تقيم في أمريكا.
وأضاف أنه بعد قراءة الكتاب وفحصه تبين
بكل الوضوح أن الهدف الموضوع من أجله
الكتاب هو أن الإسلام لم يأت برؤية ولا
حضارة جديدة بل هو مزيج مركب من حضارات
الأمم والشعوب الأخري والعقائد الوضعية
والدينية لشعوب الشرق الأوسط وأن القرآن
الكريم اقتبس مادته التاريخية والقصصية
من أسفار سابقة كما أن تشريعات الإسلام
خضعت للتأثر بأعراف الشعوب المجاورة
وخاصة كما يزعم الكتاب في أثناء الغزوات
الإسلامية وقد كررت هذا المعني عدة مرات
في صفحاته ولم تذكر ولو مرة واحدة كلمة
الفتوحات. كما أنها لم تذكر وصف محمد
برسول الله ولا مرة واحدة ولم تذكر أي وصف
يدل علي تقديره وتعظيمه مثل صلي الله
عليه وسلم أو عليه السلام علما بأنها
أكثرت من ذكر اسمه مجردا محمد وفي الوقت
نفسه إذا ذكرت باحثا غربيا أوفته حقه من
التقدير والاحترام.
ويواصل د. المطعني حديثه فيقول إن
المؤلفة عمدت إلي تحريف كثير من الوقائع
في السيرة النبوية معتمدة في النقل عن
كثير من المستشرقين مثل مونتجمري وات
وعدد من الكتب الأخري مثل الأغاني
للأصفهاني متتبعة الروايات الضعيفة وما
فيها من مساس بحقائق الدين.
وقد عمدت المؤلفة إلي التشكيك في القرآن
الكريم والزعم بأن الآيات القرآنية التي
بين أيدي المسلمين الآن ليست هي التي
كانت معروفة في حياة الرسول بل جمعت من
الروايات الشفهية بعد حياة الرسول في حين
أن أنصار الإسلام التقليدي يتمسكون بأن
ما في المصحف الآن هو القرآن الذي نزل به
الوحي وذلك علي خلاف الحقيقة حسب زعمها.
وتذكر أن اليهودي هارون بن موسي هو أول من
أشار إلي اختلاف القرآنين القديم
والجديد. كما زعمت أن القرآن الكريم
حافل بالتناقض وزعمت أن نبوة سيدنا محمد
صلي الله عليه وسلم لم تكن من عند الله بل
هي فكرة وضعية حيث قررت أن الإسلام قام
علي الانتساب إلي الثقافات الكلاسيكية
القائمة في المنطقة حينذاك وقد اعتبر
الإسلام محمدا نبيا تبعا لمفهوم
الديانات السابقة للنبوة.
ويواصل محدثنا فيقول إن من أخطر ما
افترته هذه الكاتبة أن الأصل في شريعة
الإسلام وجوب تطبيقها علي الجيل الأول
الذي نزل القرآن في حياته أما الأجيال
التالية فلا تسري عليها هذه الشريعة.
وتؤسس علي هذا النهج المغلوط أن أحكام
الشريعة في العصر الحالي نادرا منها ما
يكون له صلة بالقرآن أما ما عداه فلا صلة
له بالقرآن وإنما هو من تراكمات العصور
اللاحقة وذلك كما ورد في ص99 من الكتاب.
هل اقتصر الكتاب علي المساس
بحقائق الدين وتشويه العقيدة الإسلامية
والتشكيك في نبوة سيدنا محمد؟
لم يقتصر الأمر علي ذلك بل ذهبت مؤلفة
الكتاب إلي مدي لا يقبله أحد حيث زعمت في
كتابها المرأة والجنوت في الإسلام أن
الزنا عادة مقبولة وأن المرأة الحرة لا
تلام إذا زنت حيث ذكرت ذلك في ص49.
وأضافت أن الإسلام عندنا جعل ثبوت الزنا
عن طريق أربعة شهود فقد كان ذلك اعترافا
منه بأن الزنا عادة مقبولة وتمارس علانية
لدرجة أن رؤية أربعة أشخاص لطرف الزنا في
حالة التلبس كانت من الميسور ليبني عليها
أحكام ثبوت التهمة, ويعلق علي ذلك
محدثنا بأن هذا تأويل مرفوض لحكمة هذا
الشرط لأن الإسلام يحرص علي سمعة وشرف
الأفراد والعائلات من اتهامات باطلة
مغرضة فأراد بهذا الشرط أن يوفر الحماية
الكاملة لسمعة وأعراض أفراد المجتمع.
لكل هذه الأسباب العلمية فقد أوصي مجمع
البحوث الإسلامية بمصادرة الكتاب ومنع
تداوله.
يحاول البعض استثمار هذه
النوعية من المؤلفات الفكرية والأدبية
في إثارة قضايا الحرية والإبداع واتهام
الشريعة الإسلامية بأنها شريعة القيود
والأغلال الرجعية والأسوار العالية
المنغلقة علي فكر قرون قديمة لم يعد
صالحا لمجتمعاتنا المعاصرة... فما مدي
صحة هذا الاتهام؟
في رده أكد د. جمال رجب سيد رئيس قسم
العلوم الاجتماعية بكلية التربية جامعة
قناة السويس أن الفكر والأدب لهما دور
كبير في حياة الأمم, فالفكر الصحيح
والأدب الصادق يعبران عن الأمة وواقعها
وآمالها والأمم الجادة هي التي تربي
أبناءها علي الآداب الرفيعة لتنمية قيم
الحق والخير والجمال. ومن هذا المنطلق
فإن الإسلام يرسم المنهاج لرؤية إسلامية
للفكر والفنون والآداب ولا يصادر علي
الإبداع والعطاء مع مراعاة أن حرية
المفكر أو الأديب هي الحرية المسئولة.
ما هو المقصود بالحرية
المسئولة وفقا للمنهج الإسلامي؟
الحرية المسئولة للمفكر أو الأديب تعني
أنها تحافظ علي قيم المجتمع وثوابت
العقيدة وبعد هذا فلهما أن يطلقا العنان
للإبداع في مختلف نواحي الحياة المختلفة,
أما منهج الإسقاط النفسي وإثارة الغرائز
فالحرية والإبداع من هذا الفهم براء.
ولكن هناك من يحتج بأن تحقيق
الواقعية في البناء الفني والموقف
الدرامي في الأعمال الأدبية يستلزم
العرض لبعض الرغبات والمشاعر الإنسانية
وكيفية إشباعها!!! فكيف يتعامل المنهج
الإسلامي مع هذه الواقعية علي النحو الذي
يحفظ للمجتمع قيمه وآدابه ولا يثير
غرائزه وشهواته؟
في رده أشار محدثنا إلي قصة سيدنا
يوسف وقال إن هذه القصة القرآنية يستطيع
كل من يبحث عن الواقعية والإبداع أن
يتلمس فيها ما ينشده, ففي هذه القصة
التي يحكي عنها القرآن الكريم نحن نقص
عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا
القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين كما
أن الأديب يجد فيها منهجا راقيا ودراميا
رائعا من حيث الموضوع وزمانها أيام يعقوب
بن إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام,
والمكان بأرض كنعان, والبطل يوسف
وإخوته, والمأساة التي حلت بأبويه
وصراع الخير والشر من خلال حبكة درامية
راقية وكيف أن الخير هو الذي انتصر في
النهاية, وذلك كما جاء في قوله تعالي
في كتابه الكريم: رب قد آتيتني من
الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر
السموات والأرض أنت ولي في الدنيا
والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين.
وفي هذه القصة القرآنية نجد أنه تم تصوير
قضية السقوط البشري ولحظات الضعف
ومراودة امرأة العزيز لسيدنا يوسف
بأسلوب راق رفيع نظيف عفيف لا يخدش حياء
المرأة ولا يكشف النقاب عن وجهها.
وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت
الأبواب وقالت هيت لك. قال معاذ الله
إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون.
وإذا كان البعض يقول إن البناء الفني
والموقف الدرامي يستلزم العرض لبعض
لحظات السقوط نرد عليهم بأن في مثل هذه
المواقف تظهر براعة الأديب وتمكنه
فالكلمة قد تغني عن الصفحات والإشارة
تغني عن العبارة علي نحو لا يثير الغرائز
والشهوات ولا ينال من قيم المجتمع وآدابه.
ولنا فيما تركه الأدب والفكر الإسلامي من
تراث ثري أسوة حسنة.
|
|