‏ سقوط الإرهاب وصعود التيار التقليدي

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر

2001 فبراير 9

كتاب جديد      ملفات الأهرام

لا اله الا الله
مصر والإسلام‏:‏ سقوط الإرهاب وصعود التيار التقليدي

قراءة‏:‏ رضا هلال

المؤلفة‏:‏ جنيفا عبدو
 
ثارت وهدأت أزمة الروايات الثلاث التي اعتبرها نائب إخواني في مجلس الشعب‏,‏ خارجة عن الأخلاق الإسلامية‏.‏ وفي العام الماضي‏,‏ انفجرت ثم انفرجت أزمة رواية وليمة لأعشاب البحر‏,‏ التي اعتبرت منافية للدين والأخلاق‏.‏ وقبل ذلك‏,‏ حكمت محكمة بالتفريق بين الأستاذ الجامعي نصر حامد أبو زيد وزوجته‏,‏ لاتهامه بالكفر‏.‏ وحظر الأزهر الشريف العديد من الكتب‏.‏ وأصبحت النقابات المهنية في قبضة التيار الإسلامي‏.‏ فهل من تفسير لكل تلك الظواهر؟

‏..‏ هذا الكتاب‏,‏ يجيب عن السؤال‏..‏
مؤلفة هذا الكتاب‏,‏ هي الكاتبة جنيفا عبدو‏(‏ أمريكية من أصل عربي لبناني‏),‏ وعملت كزميلة أبحاث في قسم الشرق الأوسط بجامعة برينستون‏,‏ ومراسلة لصحيفة الجارديان ومجلة الإيكونوميست في العديد من دول الشرق الأوسط‏.‏ وأقامت بالقاهرة لسنوات‏,‏ كمراسلة لصحيفة ذا دالاس مورننج نيوز‏.‏ وأجرت مئات المقابلات مع المصريين من المسئولين ورموز التيار الإسلامي والعوام‏,‏ كانت حصيلتها كتابها‏:‏ لا إله إلا الله‏.‏ والفرضية الأساسية التي تنطلق منها جنيفا عبدو‏,‏ وتحاول إثباتها عبر مقدمة الكتاب وفصوله الثمانية وخاتمته هي‏:‏ هزيمة الإرهاب‏(‏ جماعات العنف الديني‏)‏ مقابل انتصار الأخلاق الإسلامية المحافظة‏.‏

النظام الاجتماعي الجديد
يبدأ الكتاب بمشهد للمؤلفة‏,‏ بعد أن استقرت في القاهرة عام‏1993,‏ عندما أطلت من بلكونة شقتها في الزمالك‏(‏ الحي الأرستقراطي العريق‏),‏ في يوم جمعة‏,‏ فوجدت رجالا يفرشون الحصر والسجاد‏,‏ ثم انخرطوا في الصلاة‏,‏ ووصل إلي سمعها تكبيرهم الله أكبر‏.‏
وقد أدهش المؤلفة أن أولئك الرجال الذين ينتمون إلي الطبقة الوسطي والطبقة الوسطي العليا‏,‏ قد خرجوا من الشقق والفيلات والقصور الفارهة‏,‏ التي كانت ـيوماـ سكنا للباشوات والأمراء‏,‏ لأداء الصلاة في زاوية متربة في شارع أحمد حشمت‏.‏
ذلك المشهد‏,‏ قاد المؤلفة إلي تغيير إدراكها الذي كونته من قراءاتها‏(‏ الغربية‏),‏ وهو إدراك كان يربط الإحياء الديني في مصر بالفقراء والفقر‏.‏ ولكنها بعد أن رأت المصلين‏(‏ في زاوية أحمد حشمت‏)‏ يرتدون أزياء من بيوت الموضة العالمية مثل بيير كاردان‏,‏ وبعد أن عرفت زوجات رجال أعمال ووزراء وفنانات‏,‏ يجتمعن حول أحد الشيوخ في جلسة وعظ بالدقي‏(‏ حي آخر للطبقة المتوسطة العليا‏),‏ وبعد أن شاهدت المحجبات في حرم جامعة القاهرة‏..‏ غيرت إدراكها الغربي‏.‏
وفي مشاهداتها ولقاءاتها وبحثها‏,‏ توصلت المؤلفة إلي عدة فرضيات‏.‏
الفرضية الأولي‏:‏ هي أن تدين المصريين ليست وراءه الحتمية الاقتصادية‏.‏ وبمعني آخر أن تدين المصريين لم تحتمه الظروف الاقتصادية‏.‏ فالتدين قد لامس كل الطبقات‏:‏ الدنيا والوسطي والعليا‏.‏
الفرضية الثانية‏:‏ هي هزيمة جماعات العنف الديني التي مارست الإرهاب‏,‏ ليس فقط بسبب قدرة أجهزة الأمن‏,‏ وإنما أيضا بسبب أن الشخصية المصرية ترفض التطرف والعنف‏.‏
الفرضية الثالثة‏:‏ أن هناك حركة نشطت داخل الجامعات والنقابات‏,‏ والمحاكم‏,‏ والأزهر‏,‏ والشوارع‏,‏ وتحاول تغيير النظام الاجتماعي أي تغيير المجتمع من أجل أن يتبني الشعارات والممارسات الدينية‏,‏ وصولا إلي تطبيق الشريعة‏,‏ اعتمادا علي أن الدستور ينص علي أن الشريعة هي المصدر‏(‏ الـ‏)‏ أساسي للتشريع‏.‏
تلك الحركة التي نشطت لتغيير النظام الاجتماعي في مصر‏(‏ من تحت‏),‏ قد وضعت في اعتبارها سيكولوجية المصريين‏.‏
فمن ناحية‏,‏ المصريون متدينون بطبعهم منذ بدء التاريخ‏.‏
ومن ناحية ثانية‏,‏ ليس من طبع المصريين تأييد الجماعات الخارجة والمارقة علي الدولة‏,‏ حتي عندما كان يحكم الدولة حكام أجانب‏.‏
ومن ثم رأت الحركة ـبعد صدامات مع الدولة منذ تأسيس حسن البنا لجماعة الإخوان المسلمين عام‏1928‏ ـ تغيير المجتمع‏.‏
ومن ناحية ثالثة‏,‏ ليس من طبع المصريين التزمت أو معاداة الحداثة‏.‏
ولذلك‏,‏ حاولت الحركة أن تظهر نفسها علي أنها تجمع بين الأخلاق الدينية والحداثة‏,‏ أو بين الجهاد وعالم ماك‏(‏ ماكنتوشـ ماكدونالدز‏..).‏

هزيمة الإرهاب
عبدالناصر ـ الخمينى ـ البنا ـ عثمان احمد عثمان
بعد أن اندلعت الثورة الإسلامية في إيران عام‏1979,‏ اعتبرتها جماعات العنف في مصر مثل الجماعة الإسلامية والجهاد‏,‏ ملهما لها‏,‏ في اعتماد أسلوب التغيير بالعنف‏.‏ وبعد عامين اغتالت جماعة الجهاد الرئيس أنور السادات‏.‏ وفي أوائل الثمانينيات‏,‏ انتشرت جماعات العنف في المساجد غير المرخصة‏,‏ والزوايا‏,‏ والعشوائيات‏,‏ في القاهرة والصعيد‏.‏ فبين‏46‏ ألف مسجد عام‏1981,‏ كان عدد المساجد التي تشرف عليها وزارة الأوقاف‏6‏ آلاف مسجد فقط‏.‏ وسيطر المتطرفون علي مناطق في امبابة وعين شمس والمنيا وأسيوط‏.‏
ولأن تلك الجماعات كانت حلقية وتفتقد إلي زعامة مثل آية الله خميني في إيران‏,‏ لم تصب نجاحا خلال الثمانينيات إلا عمليات إرهاب متفرقة‏.‏ ولكن جماعات العنف عاودت النشاط في أوائل التسعينيات مع عودة المجاهدين من أفغانستان‏.‏
وبعد حوادث الإرهاب التي طالت السياح الأجانب وبعض الكتاب والمسئولين‏,‏ قررت الدولة الدخول في معركة حاسمة ضد الإرهاب الذي بات يهدد الاقتصاد والاستقرار في مصر‏.‏
وتقول المؤلفة إن رد فعل عموم المصريين تجاه جماعات العنف‏,‏ كان في البداية هو رفض العنف‏,‏ ثم تحول إلي غضب عندما أدركوا أن الإرهاب يضر باقتصاد مصر‏,‏ ويضر بسمعة بلدهم التي عرفت بالتسامح والاعتدال وكرم الضيافة تجاه الأجانب‏.‏
وتلمس جنيفا عبدو أحاسيس المصريين‏,‏ لدي المحاولة الفاشلة للاعتداء علي موكب الرئيس مبارك في أديس أبابا عام‏1995,‏ قائلة‏:‏ لقد ترجم المصريون حادث الاعتداء علي حياة مبارك علي أنه إهانة لمشاعرهم الوطنية القوية‏,‏ وإرباك لمصر في الجماعة الدولية‏.‏ وأظهر المجتمع المصري تأييدا متدفقا غير مسبوق للرئيس‏.‏ وتجمع الآلاف أمام قصر الرئاسة معبرين عن أحر التمنيات للرئيس‏.‏
ثم تتوقف المؤلفة عند مذبحة الأقصر عام‏1997,‏ التي راح ضحيتها‏58‏ سائحا وأربعة مصريين‏,‏ وما ارتبط بها من أعمال وحشية مثل بقر جثث القتلي والتمثيل بها‏.‏
وتقول إن مذبحة الأقصر كانت النفس الأخير لجماعات الإرهاب في معركتها مع الدولة المصرية‏,‏ ونهاية لأيديولوجيا العنف الديني التي كانت تري النموذج الإيراني مثالا لها‏.‏
لقد نشطت جماعات العنف‏,‏ وحدثت انشقاقات بين مجموعات الداخل ومجموعات الخارج‏,‏ وطرحت مبادرة وقف العنف‏.‏ وانتصرت مصر علي جماعات الإرهاب‏,‏ وكان أهم عناصر النصر هو رفض المجتمع المصري ـفي النهايةـ لأفكار وممارسات تلك الجماعات‏.‏
بيد أن هزيمة جماعات الإرهاب في مصر‏,‏ لا تعني نهاية الإرهاب الديني‏.‏ فمازالت هناك شبكة دولية تنتشر من أفغانستان إلي باكستان إلي السودان إلي نيويورك ونيوجيرسي‏.‏ وذلك ما أظهره حادث تفجير سفارتين لأمريكا في إفريقيا عام‏1998‏ هذا درس أول‏.‏
أما الدرس الثاني‏,‏ والمهم بالنسبة لمصر‏,‏ أن هزيمة جماعات الإرهاب‏,‏ استفادت منه حركة نشطت في الجامعات والنقابات والمحاكم والأزهر والشارع‏,‏ لتغيير المجتمع في مصر‏,‏ وتحقيق ما فشلت فيه جماعات الإرهاب‏.‏

عندما دعمت الدولة التيار الإسلامي
مبارك يحيى الاف المهنئين بسلامته عقب حادث اديس ابابا
أيها الإخوان‏..‏ أنتم لستم حزبا سياسيا أو منظمة بلدية‏..‏ ولكنكم الغرس الطيب في قلب هذه الأمة ليمنحها الحياة‏...‏
تلك كانت رسالة حسن البنا‏,‏ مؤسس حركة الإخوان‏,‏ إلي أتباعه عام‏1943,‏ وهي الرسالة التي وجهت الإخوان إلي التربية كأداة لتغيير المجتمع‏.‏
وفي هذا الإطار‏,‏ نشط التيار الديني في الجامعات خلال السبعينيات‏,‏ بعد أن أطلق الرئيس السادات سراح العديد من الإخوان المسلمين الذين سجنوا خلال حكم الرئيس عبدالناصر‏.‏ ونشط شيوخ الحركة مثل الشيخ محمد الغزالي وعمر التلمساني وغيرهما‏,‏ في الجامعات والمساجد وبين آلاف الطلبة‏,‏ علي هدي من كتابات حسن البنا وسيد قطب‏.‏ وأصبح الإسلاميون ينظمون معسكرات للطلبة‏,‏ أشبه بمعسكرات التدريب علي السلاح‏,‏ لإقناع الطلاب بالأيديولوجية الجديدة بعد هزيمة الأيديولوجيا الناصرية‏(‏ الاشتراكية والقومية العربية‏)‏ في حرب يونيو‏1967.‏ فكان الإسلاميون يعتقدون أن الأمة‏(‏ جماعة المسلمين‏)‏ في حاجة إلي الدعوة‏.‏ وما لبث أن دخل الطلاب الإسلاميون في صدام مع الطلاب اليساريين ومن يتبعون نظاما حياتيا مختلفا‏.‏ وتدخلوا لحظر الحفلات الجامعية ولفرض الفصل بين الطلاب والطالبات وتشجيع ارتداء الطالبات للحجاب‏.‏
وعندما اندلعت مظاهرات الطلبة عامي‏1971‏ و‏1972,‏ تطالب بالحرب ضد إسرائيل لتحرير سيناء‏,‏ استخدمت الدولة الطلاب الإسلاميين للحد من نفوذ الطلاب اليساريين والناصريين في الجامعات‏.‏ واستغلت حركة الإخوان الظرف لتنشط داخل الجامعات منه خلال الطلاب الأعضاء فيها وأبناء كوادر الإخوان‏.‏
وفي إحدي المقابلات التي أجرتها مؤلفة الكتاب‏,‏ قال لها أحد نشطاء الطلاب الإخوان في السبعينيات‏:‏ لقد استدعينا للقاء محمد عثمان إسماعيل‏()‏ وأعطانا عشرة آلاف جنيه قائلا‏:‏ خذوا هذا المبلغ لتمويل أنشطتكم‏.‏ وسوف ننظم معسكرا صيفيا لكل المجموعات الإسلامية في جامعات مصر‏..‏ وستكون أنت الزعيم‏.‏
وكان لدي محمد عثمان إسماعيل أمين عام الاتحاد الاشتراكي‏,‏ نظرية مفادها أنه إذا حصل الطلاب الإسلاميون علي التمويل اللازم لأنشطتهم‏,‏ فإنهم سيحلون محل الطلاب اليساريين المعارضين للسادات‏.‏
ويستطرد الناشط الإسلامي قائلا‏:‏ إن محمد عثمان إسماعيل عرض عليه مليون ونصف المليون جنيه لتقويض نشاط الطلاب اليساريين في جامعة القاهرة‏.‏ ثم أقام ـبعد ذلكـ معسكرا للمجموعات الإسلامية خارج الإسكندرية‏,‏ واتبع سياسة لتجنيد طلاب الجامعات في مجموعات إسلامية‏.‏
وفي عام‏1973,‏ شكل الطلاب الإسلاميون ما أصبحت تسمي الجماعة الإسلامية‏,‏ من شباب الإخوان‏,‏ وكان من قادتها عبدالمنعم أبو الفتوح وإبراهيم الظفراني‏.‏
وبحلول عام‏1976,‏ سيطرت الجماعة الإسلامية علي ثمانية اتحادات من اتحادات الطلبة الإثني عشر‏,‏ في مختلف جامعات مصر‏.‏ وما لبثت أن شكلت الجماعة ما يشبه قوة أمن في كل جامعة لفرض أسلوب حياتها علي الطلاب الآخرين المتفرنجين والمتغربين والعلمانيين‏.‏
وبانتهاء السبعينيات‏,‏ كانت الجماعة الإسلامية في المعسكرات الصيفية والمدن الجامعية‏,‏ قد فرضت فرعين من القيادات‏.‏ فرع قيادات جماعات العنف‏(‏ الجهاد والجماعة الإسلامية‏)‏ الذي بلغ به المدي اغتيال الرئيس السادات الذي دعمهم في مواجهة اليسار‏.‏ أما الفرع الآخر‏,‏ فقد تولي مهمة السيطرة علي النقابات المهنية‏.‏

الإسلاميون يسيطرون علي النقابات
حادث الدير البحرى
من بين القيادات الإسلامية للاتحادات الطلابية في السبعينيات‏,‏ اختارت حركة الإخوان المسلمين من يفرضون سيطرتها علي النقابات المهنية‏.‏ وتحت قيادة عبدالمنعم أبو الفتوح رئيس اتحاد الطلاب في جامعة القاهرة بين عامي‏1974‏ و‏1977,‏ وضعت خطة ليسيطر شباب الإخوان علي النقابات‏.‏ واختير أبو الفتوح وعصام العريان للترشيح في نقابة الأطباء‏,‏ وعصام سلطان ومختار نوح لنقابة المحامين‏,‏ ومحمد علي بشر ثم أبو العلا ماضي ـبعد ذلكـ لنقابة المهندسين‏.‏
وقد كان للمهندس عثمان أحمد عثمان‏,‏ مؤسس شركة المقاولون العرب ووزير التعمير ثم نقيب المهندسين‏(‏ فيما بعد‏)‏ دور في رصف الطريق إلي النقابات المهنية أمام الإخوان المسلمين‏.‏
تقول المؤلفة‏:‏ إن إخلاص عثمان أحمد عثمان لحركة الإخوان‏,‏ بدأ منذ طفولته في الإسماعيلية‏(‏ بلد حسن البنا‏).‏ إذ كان حسن البنا يدرس لعثمان في المدرسة الابتدائية‏,‏ كما كان يزور زوج أخت عثمان الذي كان شيخا بالأزهر‏.‏ ثم أصبح عثمان عضوا في جماعة الإخوان‏.‏ وبرغم أنه تخلي عن واجباته العضوية بعد فترة‏,‏ إلا أنه ظل وفيا لمبادئ الإخوان وحافظ علي ارتباطه بها‏.‏ وبعد ذلك‏,‏ وظف عثمان المهندسين من جماعة الإخوان في عمليات شركة المقاولون في الدول الخليجية‏,‏ الأمر الذي أزعج الرئيس عبدالناصر عندما علم به‏,‏ وجعل يسأله مستنكرا‏:‏ هل هي شركة مقاولات أم وكر للإخوان‏.‏ وأجاب عثمان بأنه أخذ موافقة كتابية من أحد أجهزة الدولة لعمل ذلك‏.‏
وتكشف المؤلفة عن أن عثمان خلال توليه منصب نقيب المهندسين‏(1979‏ ـ‏1990),‏ أعطي دورا مهما للإخوان المسلمين في إدارة شئون النقابة‏.‏ ولكن أهم دور قام به عثمان هو تغيير دور النقابات في مصر من مؤسسات تعيش علي معونات الدولة إلي مؤسسات ربحية ومنخرطة في عالم البيزنس لتمويل شبكة خدمات اجتماعية للأعضاء‏.‏ وقد بني الإسلاميون ـفيما بعدـ علي تلك القاعدة لتكون شبكة البرامج الاجتماعية ذات مضمون ديني‏.‏
فخلال تولي عثمان منصب نقيب المهندسين‏,‏ بنت النقابة مستشفي وأسست بنكا ومجموعة للتأمين‏,‏ وشيدت عمارات سكنية‏,‏ وأقامت معارض السلع المعمرة‏,‏ ووضعت نظاما للتقاعد‏,‏ بالإضافة إلي إقامة نادي المهندسين في الزمالك‏.‏
وفي عام‏1987,‏ سيطر الإسلاميون علي مجلس نقابة المهندسين‏,‏ للمرة الأولي‏.‏
وفي عام‏1992,‏ كرر الإخوان المسلمون السيناريو نفسه في نقابة الأطباء‏,‏ وسيطر الإسلاميون علي‏20‏ مقعدا من مقاعد مجلس النقابة الـ‏25.‏ وأصبحت البرامج الاجتماعية للنقابة تقدم بوصفها دينية‏.‏
وفي العام نفسه‏(1992),‏ سيطر الإسلاميون علي‏18‏ مقعدا من مقاعد مجلس نقابة المحامين الـ‏24.‏ واحتفالا بالنصر‏,‏ اجتمع آلاف المحامين في شارع عبدالخالق ثروت‏,‏ يهتفون‏:‏ نعم نريدها إسلامية‏..‏ الإسلام هو الحل‏.‏
وتحلل المؤلفة أسباب سيطرة الإخوان في النقابات المهنية في الثمانينيات والتسعينيات‏.‏ فهناك سبب نزوع المجتمع المصري ككل إلي التدين خلال السبعينيات والثمانينيات‏.‏
وهناك سبب اختراق الإخوان للنقابات من خلال الخدمات الاجتماعية‏.‏
وهناك سبب تدني نسبة التصويت في انتخابات النقابات المهنية إلي حدود‏20%.‏ وعادة ما تكون غالبية تلك النسبة ممن يحشدهم الإخوان‏.‏
وهناك سبب أخير‏,‏ هو أن الإخوان استغلوا انشغال الدولة في ا لمواجهة مع جماعات العنف خلال حوادث الإرهاب في الصعيد واستهداف المسئولين والكتاب والاعتداء علي السياح الأجانب‏.‏
وكان المشهد أن الدولة تخوض معركة حاسمة ضد الإرهاب المتستر بالدين‏,‏ بينما يخوض الإخوان معركتهم الحاسمة للسيطرة علي مؤسسات المجتمع المدني‏.‏ وعندما لاحت للإخوان أوهام النصر‏,‏ بدأوا في إجراء اتصالات سرية مع السفارة الأمريكية‏.‏
وعندئذ‏,‏ تدخل الرئيس مبارك وأوقف تلك الاتصالات‏.‏ وخاطب الأمريكيين في حديث لمجلة نيويوركر عام‏1995,‏ قائلا‏:‏ هذه الاتصالات كانت سرية جدا‏,‏ وتمت دون علمنا في البداية‏.‏ هل تعتقدون أنكم تصححون أخطاءكم في إيران حيث لم تكن لكم اتصالات مع آية الله خميني وجماعته المتشددة قبل أن يصل إلي السلطة؟ إنني أؤكد لكم أن هذه الجماعات لن تصل أبدا إلي السلطة في مصر‏.‏ كما خاطب مبارك الأوروبيين من خلال دير شبيجل قائلا‏:‏ انظروا إلي الجزائر‏..‏ ماذا حدث هناك؟ لقد نصحت الرئيس الجزائري بألا يسمح بقيام أحزاب دينية‏,‏ لكنه لم يأخذ بنصيحتي‏.‏ وكانت النتيجة ما تواجهه الجزائر من مشكلات‏..‏ إنني أعرف جيدا ماذا يعنيه خلط الدين بالسياسة‏.‏ إن كل ما يهم الإسلاميين هو السلطة والنفوذ والمال‏.‏ وطالما ظللت رئيسا فإن الفصل بين الدين والسياسة سيستمر‏.‏ إننا نعرف كل أنشطة السياسيين للإسلاميين منذ عام‏1928(‏ العام الذي تأسست فيه حركة الإخوان‏).‏ وبعد تدخل مبارك‏,‏ أوقفت السفارة الأمريكية اتصالاتها السرية‏,‏ والتفتت الدولة إلي النقابات التي سيطر عليها الإخوان‏.‏

الأزهر والحجاب والمحاكم
لقد كانت حركة الإخوان قد استفادت من أجواء انفجار عنف الجماعات الإرهابية‏,‏ فإن شيوخ الأزهر‏(‏ التقليديين‏)‏ قد نشطوا في تلك الأجواء‏,‏ سواء داخل أروقة الأزهر الشريف أو في المساجد‏.‏ فقد أصبح للأزهر دور وقالب علي الكتب والأقلام‏.‏
ففتاوي الشيوخ التقليديين في الأزهر‏,‏ كانت وراء تكفير فرج فودة ثم اغتياله‏,‏ ومنع عرض فيلم المهاجر للمخرج يوسف شاهين وتكونت جبهة علماء الأزهر‏,‏ كجبهة معارضة للأزهر الرسمي‏.‏
وعارضت فتوي أن ختان البنات ليس أمرا شرعيا‏.‏ ونشطت خلال أزمة د‏.‏نصر حامد أبو زيد وطالبت بفصله من الجامعة‏.‏ ووفرت غطاء دينيا وشرعيا للرؤي والممارسات الإخوانية التقليدية بفتاواها أو بخطب أعضائها في المساجد‏,‏ أي أنها رديف قوي لحركة الإخوان في سعيها لتغيير المجتمع في مصر‏.‏
بيد أن هذا المسعي لتغيير النظام الاجتماعي‏,‏ كان ولابد أن يركز علي النساء‏,‏ من منطلق أن الأسرة هي نواة المجتمع وأن المرأة لها دور محوري من حيث إنها حاملة الثقافة والقيم في المواجهة مع غزو الثقافة الغربية‏.‏
ويرصد الكتاب الحركة النشيطة من أجل إغراء أو إقناع ممثلات وراقصات ومغنيات بارتداء الحجاب‏.‏ ويكشف عن انتشار مجالس الوعظ النسائية في بيوت الطبقة الوسطي والطبقة الوسطي العليا‏.‏
حيث تتحلق سيدات وآنسات في الزمالك والدقي والمهندسين حول أحد الشيوخ في مجلس وعظ أسبوعي‏.‏
ويرفض الكتاب مقولة إن ارتداء المصريات للحجاب قد حدث بسبب الفقر‏,‏ أو ضغط الأزواج‏,‏ أو الإحباط من عمل المرأة‏,‏ بل يضع ظاهرة الحجاب في إطار سعي حركة الإخوان والإسلاميين لتغيير المجتمع المصري‏.‏
وفي الإطار نفسه‏,‏ امتدت الحركة إلي المحاكم‏,‏ بما انعكس في أحكام قضية نصر حامد أبو زيد‏,‏ وفتوي مجلس الدولة بحق الأزهر في الرقابة علي المطبوعات والأفلام‏,‏ وقضية الختان‏,‏ وقضية الحجاب‏,‏ ووقف عرض فيلمي المهاجر والإرهابي‏.‏

مستقبل مصر
ونعود للسؤال‏,‏ لماذا ثارت أزمة الروايات الثلاث وأزمة وليمة لأعشاب البحر‏.‏ وما قد سبق وسيأتي من أزمات مماثلة؟
تقول جنيا عبدو في خاتمة كتابها لا إله إلا الله‏:‏ إن نموذج التغيير بالعنف الديني قد واجه هزيمة مرة في مصر‏.‏ ولذلك لم تتحول مصر إلي إيران أو الجزائر‏.‏ ولكن نموذج التغيير من تحت يواصل حركته في المجتمع المصري‏.‏ وتنقل عن أحد قادة التيار الديني قوله‏:‏ إننا لا نحتاج الانقلاب علي الدولة بالعنف‏,‏ لأننا نحقق أهدافنا بغير العنف‏.‏
ولكن إلي أي حد يمكن أن يواصل نموذج التغيير من تحت حركته؟
تجيب الكاتبة بأن الإجابة تتوقف علي المدي الذي ستصل إليه قوة الشيوخ الجبهة المعارضة في الأزهر‏,‏ في مواجهة شيخ الأزهر الإمام طنطاوي‏,‏ والمدي الذي سيصل إليه القضاة والمحامون في العمل بالفتاوي الدينية في مواجهة القانون‏,‏ والمدي الذي سيتراجع عنده المسئولون والوزراء عن قرارهم تنازلا أمام الشيوخ‏.‏ ويظل العامل المهم في الإجابة هو مدي استجابة مؤسسات المجتمع المصري الذي يرفض التزمت‏.‏ فالمصريون في شهر رمضان‏,‏ يصومون النهار‏,‏ ويأكلون في الليل ما لذ وطاب بأكثر من أي شهر آخر‏,‏ ولا يجدون تعارضا بين الصيام والانغماس في الملذات‏.‏
والأزهر الذي يعتبر منارة الإسلامي السني يضم شيوخا محافظين تقليديين‏.‏ والجامعات والنقابات المهنية والمحاكم‏,‏ التي تأسست كحوامل لمصر إلي الحداثة والحضارة العربية‏,‏ تضم إسلاميين يهدفون إلي تغيير أدوارها‏.‏ ونساء الطبقتين العليا والوسطي اللائي يرتدين أزياءهن من بيوت الموضة الغربية‏,‏ يقمن مجالس وعظ للشيخ عبدالكافي‏.‏
وحتي الآن‏,‏ فإن المجتمع المصري يحاول الجمع بين الحداثة الغربية والإسلام المعتدل‏.‏
 
بداية الصفحة

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 
 

الأهرام: نص الخبر

 

 

 

 

 

 

 

 

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games