لقد
كنت أقرأ نصوص فعاليات ندوة عقدت في
واشنطن د. س في26 مايو من عام1994,
وكان موضوعها الصحوة الإسلامية في
الشرق الأوسط, والمتحدثون
الرئيسيون في تلك الندوة هم خبراء
في شئون الشرق الأوسط: السفير
السابق للولايات المتحدة في
القاهرة روبرت بيلترو ومساعد وزير
الخارجية لشئون الشرق الأدني حاليا,
ودانيل بايبس محرر فصلية الشرق
الأوسط, وجون ايزبوزيت مدير
مركز التفاهم الإسلامي ـ المسيحي
بجامعة جورج تاون.. والثلاثة
خبراء من الوزن الثقيل وأقصد بذلك
إن مواقعهم فيما يتعلق بالشرق
الأوسط المعاصر معروفة جدا من خلال
إنتاجهم الغزير في هذا المجال.
إن أكثر ما ذكره هؤلاء الخبراء ـ
طبقا لكتاباتهم السابقة ـ وكان
يمكن التنبؤ به.. فلقد تناول
السيد بيلترو أهداف السياسة
الأمريكية الراهنة, والمتمثلة
أساسا في إيجاد سلام دائم وعادل بين
إسرائيل وجيرانها العرب, وتحقيق
أمن إسرائيل ورفاهيتها, ووضع
إطار للأمن في منطقة الخليج بما
يضمن عدم انقطاع البترول عن
الولايات المتحدة, وكذلك منع
انتشار أسلحة الدمار الشامل..
والحد من انتشار الأسلحة وترويج
فكرة المشاركة السياسية واحترام
حقوق الإنسان, وإنهاء أشكال
الإرهاب, خاصة الإرهاب المدعم
من دول بعينها, ودعم التنمية
الاقتصادية والاجتماعية من خلال
عمليات الخصخصة واقتصاديات السوق..
وأخيرا العمل علي تشجيع رجال
الأعمال الأمريكيين علي اقتناص فرص
الاستثمار.
أما فيما يتعلق بالإسلام, فلقد
أفاد السيد بيلترو أن صحوة الإسلام
إنما تتعلق برد الفعل تجاه النظام
الحالي من باب الاعتقاد بأن
الإسلام ينبغي أن يكون الأساس الذي
تنطلق منه سياسة الحكومات.
وأفاد بيلترو بأن حكومة الولايات
المتحدة ليس لديها أي نزال أو نزاع
مع الإسلام( ويالها من طريقة
غريبة لإقرار الأمور), ولكن
النزاع مع هؤلاء الذين يستخدمون
الدين كأداة لتعميق الشعور المناهض
للغرب.
كل ما سبق كان يمكننا التنبؤ به
وليس جديدا, ولكن ما هو أكثر
أهمية تمثل في ملاحظات دانيل بايبس,
الذي كعادته, كان مستعدا لأن يضع
النقاط فوق الحروف حين تسأل: هل
الإسلام هو العدو؟ وأجاب: بلا,
ثم وضع السؤال التالي: هل هناك
ما يمكن اعتباره بالأصوليين
الطيبين والأصوليين الأشرار؟
وأجاب: بلا. وأضاف أنهم كلهم
أشرار والسبب هو أنهم وببساطة
وبسبب طبيعة الأصولية في حد ذاتها,
فإن الأصوليين الإسلاميين هم ضد
الغرب. وبالتالي فإن علي
الولايات المتحدة أن تعد الحملات
النشيطة ضدهم.
حاول أن تتأمل دلائل مثل وجود جبهة
الإنقاذ الإسلامية في الحكم في
الجزائر, ناهيك عن أن العملية
الديمقراطية هي التي أحضرتها
للساحة. إن حزب هذه الجبهة لن
يتمخض عنه حكومة ستكون لها علاقات
طيبة مع الغرب, ولذلك لابد من
حرمانهم من فرصة وصولهم إلي موقع
الحكم. ويستمر بايبس في كلامه
فيذكر أن علي الغرب أن يمارس ضغوطه
علي دول مثل إيران والسودان
وأفغانستان, إلي أن يتخلوا عن
أساليبهم الحربية.
كذلك فإنه ينبغي علي الولايات
المتحدة أن تقدم كل ماتملكه من
تأييد لأمثال سلمان رشدي الذي وقف
في وجه الأصوليين.
وفي النهاية, أشار جون
ايزبوزيتو إلي أن المملكة العربية
السعودية هي دولة أصولية بعد كل شيء..
فهل هذا يعني أنه ينبغي علي
الولايات المتحدة أن تعارضها,
وهي الدولة التي تربطها بالولايات
المتحدة علاقات طيبة منذ تاريخ
طويل؟! بالطبع الإجابة بلا,
وبالتالي, يضيف ايزبوزيتو,
أن علينا أن نتعلم التعايش مع
الأصوليين.
ويقول إن الحقيقة تقول إنه وفي دول
إسلامية تسمح بوجود أحزاب إسلامية
تعمل بحرية كما في باكستان
وماليزيا, علي سبيل المثال,
فإن مثل هذه الأحزاب قد تصبح في
حالة من التآلف مع الآخرين. ليس
فقط هذا, بل إنه وبانفتاح النظام
السياسي, فإن فرص النمو والنضج
لمثل هذه النوعية من الأحزاب تظل
قائمة مثلما تظل فرص الاضطراب
والتمزق قائمة هي الأخري.
إن وجهات نظر الباحثين الثلاثة
برغم ظلال الاختلافات في أساليب
التناول لكل منهم, إلا أنها كلها
تفترض أن الأصولية الإسلامية وبغض
النظر عما قد تعنيه الكلمة, هي
قوة لابد من احتوائها.. إنه قد
يناسب الغرب أن يعمل في مناسبات مع
الأصوليين, كما حدث علي سبيل
المثال في أفغانستان, ولكن هذا
لا يعني بأي حال الاتفاق معهم فيما
يعتنقونه.
بالتأكيد أنه نحن وهم والأمل
الوحيد لهم في أن نقترب منهم يتمثل
فقط في أن يكون هم مثلنا أكثر فأكثر..
إن هذا يعني أن يتخلوا عن إيمانهم
أو علي الأقل بعض منه.
إنه وبالإشارة إلي كل تلك
الملاحظات السخية عن الإسلام
وتاريخه المجيد من قبل الخبراء
الثلاثة ـ الذين أكدوا في معرض
أحاديثهم احترامهم العميق للدين
الإسلامي ـ إلا أن هناك قضية تغاضوا
عنها فيما عدا دانيل بابيبز الذي
طرق وبقوة نقطة مهمة وهي المتمثلة
في أن من المبادئ الأساسية في الدين
الإسلامي الطاعة في جميع الأحوال,
برغم وجود أي دلائل متناقضة.
وهذا الأمر يشترك فيه كل من
المسلمين المعتدلين والأصوليين
إذا ما أرادوا أن يكونوا من
المسلمين الصالحين.
إن الطاعة ليست من القيم التي
يحبذها ويقدرها الغربيون أكثر من
غيرهم.. ولكن القيمة الأعلي في
ميزان القيم الغربية هي الحرية..
الحرية لأن نفكر وأن نتصرف, وأن
نؤمن بما نود أن نؤمن به, طبقا
لما يمليه عليه عقل وضمير الفرد.
إنه وبالطبع, فإن كل حرية كانت
من مصادر سيئات الغرب, كما كانت
من مصادر سعادته وحسناته, ولكن
ليست هذه هي القضية. إن الإسلام
والغرب قد يشتركان في نظام القيم
نفسها في نقاط عديدة.
ولكن كل من الغرب والإسلام ينظران
بطريقة مختلفة إلي الله وإلي
العالم الذي خلقه الله. وهذا,
علي ما يبدو لي, هو السبب
الرئيسي لمصادر الاحتكاك والعزل
فيما بينهما.
ومن هنا, فإن دانيل بايبس علي حق
تماما, لأن هؤلاء الذين يصرون
علي النظر إلي العالم من خلال عيون
الأنبياء بدلا من تبني نظرة
الواقعيين( البراجماتيين)
سيتسببون في المتاعب, بغض النظر
عن ادعائهم بأنهم يمثلون إرادة
الله.