الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية

 

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية |إلى صفحة الأخبار

التفاصيل

تحديد المفاهيم أولا
الحرية الدينية في الشريعة الإسلامية
بقلم‏: ‏د‏.‏محمد سيد طنطاوي
شيخ الازهـر

يتردد بين الحين والحين كلام عن الحرية الدينية‏,‏ ويأتي أقوام من بلادهم إلي بلاد أخري ليتساءلوا عن حال الحرية الدينية في تلك البلاد الأخري‏..‏
وليس كلامنا في هذا المقال متجها الي الرضا بمجيئهم أو عدم الرضا بهذا المجئ‏,‏ فهذه مسألة يملك الحكم عليها أولو الأمر وأهل الاختصاص في كل دولة‏,‏ وانما كلامنا في هذا المقال عن الأدلة المتعددة والمتنوعة‏,‏ التي تؤكد ان الحرية الدينية ركن من الأركان التي قامت عليها الشريعة الاسلامية‏,‏ وهاك جانبا من هذه الأدلة‏.‏

ان للدين كعقيدة راسخة في كيان الانسان‏,‏ هو الفطرة التي فطر الله ـ تعالي ـ الناس عليها‏,‏ كما قال ـ سبحانه ـ‏(‏ فأقم وجهك لدين حنيفا‏,‏ فطرة الله التي فطر الناس عليها‏,‏ لا تبديل لخلق الله‏,‏ ذلك الدين القيم‏,‏ ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏)(‏ سورة الروم‏:‏ الآية‏30)‏
والمعني‏:‏ اثبت ـ ايها الإنسان العاقل ـ علي الدين الحق الذي يقوم علي اخلاص العبادة لله ـ تعالي ـ وحده ـ‏,‏ فان هذا الدين هو الملة وهو العقيدة التي أوجد ـ سبحانه ـ الناس عليها‏,‏ ولا تبديل ولاتغيير لما فطر الخالق الناس عليه‏,‏ ولكن كثيرا من الناس الذين استحوذ عليهم الشيطان لايدركون هذه الحقيقة‏,‏ فضلوا عن الصراط المستقيم‏,‏ وانحرفوا عن سواء السبيل‏..‏

وفي الحديث القدسي‏:‏ اني خلقت عبادي حنفاء‏,‏ فاجتالتهم الشياطين عن دينهم أي‏:‏ إني خلقت عبادي ميالين بطبيعتهم الي الحق‏,‏ فجاءت الشياطين فحولتهم من الحق الي الباطل‏,‏ ومن الخير الي الشر‏.‏
وللأستاذ عباس محمود العقاد ـ رحمه الله ـ كلام نفيس عن حاجة الانسان إلي الدين في كتابه الله ص‏14,‏ فهو يقول ماخلاصته‏:‏ في الطبع الإنساني جوع إلي الاعتقاد كجوع المعدة إلي الطعام‏,‏ ولنا أن نقول‏:‏ ان الروح تجوع كما يجوع الجسد‏,‏ وان طلب الروح لطعامها كطلب الجسد لطعامه‏.‏ حق لايقبل الجدل أن الحاسة الدينية بعيدة الغور في طبيعة الإنسان‏.‏ وحق لايقبل المراء أن الإنسان يجب أن يؤمن‏,‏ ولايستقر في وسط هذه العوالم بغير إيمان‏...‏

وهو قد وجد في وسط هذه العوالم لا مراء‏,‏ فإذا كان الإيمان هو الحالة التي يتطلبها منه وجوده‏,‏ فضعف الإيمان شذوذ يناقض طبيعة التكوين‏,‏ ويدل علي خلل في الكيان‏.‏
ثم يقول رحمه الله‏:‏ وقد اتفق علماء المقابلة بين الأديان‏,‏ علي تأصل العقيدة الدينية في طبائع بني الإنسان من أقدم أزمنة التاريخ

‏2‏ ـ إن الدين كعقيدة راسخة في كيان الإنسان لا اكراه عليها‏,‏ ولاتباع ولاتشتري‏,‏ لأنها مرتبطة بالقلب وبالذات الإنسانية‏,‏ وما كان كذلك لاسلطان لشئ من القوي الخارجية عليه‏.‏
ومن الآيات القرآنية التي أكدت هذه الحقيقة قوله تعالي ـ‏:(‏ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيث فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي لا انفصام لها والله سميع عليم‏){‏ سورة البقرة‏:‏ الآية‏256}‏

والإكراه معناه‏:‏ إجبار الغير علي قول أو فعل لايريده‏,‏ عن طريق التخويف أو التعذيب أو مايشبه ذلك‏.‏
‏,‏معني الآية الكريمة بإيجاز‏:‏ ليس في الدين الذي هو تصديق بالقلب‏,‏ وإذعان في النفس‏,‏ إكراه أو إجبار‏,‏ وإنما الذي فيه هو الاختيار المطلق‏,‏ والرضا التام بما يطمئن إليه قلب الإنسان من اعتقاد‏,‏ وقد ظهر الحق سافرا لكل ذي عقل سليم‏,‏ فمن آمن به سعد وفاز‏,‏ ومن أعرض عنه خسرو وضاع‏,‏ ومن يكفر بكل عبادة سوي عبادة الله ـ تعالي ـ وحده‏,‏ فقد ثبت أمره واستقام علي الطريقة المثلي التي لا انقطاع لها‏,‏ وأمسك من الدين القيم بأقوي سبب‏,‏ وبأحكم رباط‏,‏ والله ـ تعالي ـ هو السميع للأقوال‏,‏ ولهمسات القلوب ولخلجات النفوس‏,‏ وهو العليم بما يسره الناس وبما يعلنونه‏,‏ وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب‏.‏
وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية الكريمة ان رجلا من الانصار يقال له الحصين دخل في الإسلام‏,‏ وكان له ولدان علي غير دين الإسلام‏,‏ فقال للرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ يارسول الله‏,‏ ألا أكرههما علي الدخول في الإسلام‏,‏ فإني يحزنني أن أري بعضي في النار وأنا أنظر إليه‏,‏ فنزلت هذه الآية‏.‏

‏3‏ ـ ذكر القرآن الكريم في آيات متعددة أن الرسل بصفة عامة‏,‏ وان الرسول صلي الله عليه وسلم بصفة خاصة‏,‏ وظيفتهم‏:‏ التبليغ والتذكير‏,‏ والتبشير والإنذار‏,‏ والنصح والإرشاد وليس من وظيفتهم إجبار الناس أو إكراههم علي الايمان بما جاء به هؤلاء الرسل الكرام من عند ربهم ـ عز وجل ـ
ومن الآيات القرآنية التي قررت هذه الحقيقة بالنسبة للرسل جميعا قوله تعالي‏:{‏ومانرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين‏,‏ فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون‏}(‏الانعام‏:48)‏

والمعني‏:‏ تلك هي سنتنا وطريقتنا في الناس‏,‏ أننا نرسل الرسل إليهم بوظيفة محددة‏,‏ ألا وهي تقديم البشارة للمهتدين‏,‏ وتقديم الانذار للضالين‏,‏ فم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأصلح قوله وعمله‏,‏ فلا خوف عليهم من المستقبل‏,‏ ولاهم يحزنون علي ماضيهم‏.‏
أما الآيات القرآنية التي نهت الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ عن إكراه أحد علي الدخول في الاسلام فهي كثيرة‏,‏ ومنها قوله ـ تعالي ـ‏{‏ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا افأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين‏,‏ وماكان لنفس ان تؤمن إلا بإذن الله‏,‏ ويجعل الرجس علي الذين لايعقلون‏}{‏ يونس‏:99:100}‏

والمعني‏:‏ ولو شاء ربك ـ يامحمد ـ إيمان أهل الأرض كلهم جميعا لآمنوا دون ان يتخلف منهم أحد‏,‏ ولكنه سبحانه ـ لم يشأ ذلك‏,‏ لانه مخالف للحكمة التي عليها أساس التكوين والتشريع‏,‏ والثواب والعقاب‏,‏ فقد اقتضت حكمته ـ سبحانه ـ ان يوجد الشرك والتوحيد‏,‏ والكفر والإيماتن‏,‏ وان يحذر سبحانه من الشرك وان يحض علي الإيمان‏,‏ثم بعد ذلك من أشرك فعلية عقووبة شركه‏,‏ ومن آمن فله ثواب ايمانه‏.‏
والاستفهام في قوله ـ سبحانه ـ أفأنت تكره الناس حتي يكونوا مؤمنين للانكار اي‏:‏ هذه هي مشيئتنا لو أردنا انفاذها لنفذناها‏,‏ ولكننا لم نشأ ذلك ليتميز المؤمن من غيره‏,‏ فهل انت ـ يامحمد ـ في وسعك ان تكره الناس الذين لم يرد الله هدايتهم علي الايمان؟ لا ليس في وسعك ذلك‏,‏ ولا في وسع الناس جميعا‏,‏ بل الذي في وسعك هو التبليغ والنصح والارشاد‏.‏

وفي هذه الجملة الكريمة تسلية للرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ ودفع لما يضيق به صدره‏,‏ من اعراض بعض الناس عن دعوته‏.‏
وقوله ـ سبحانه ـ‏:‏ وما كان لنفس ان تؤمن الا باذن الله‏..‏ تأكيد لما اشتملت عليه الآية السابقة من قدرة نافذة له ـ عز وجل‏.‏

أي‏:‏ وما صح وما استقام لنفس من الأنفس أن تؤمن في حال من الأحوال‏,‏ إلا باذن الله وإرادته ومشيئته وتوفيقه وهدايته‏,‏ فيأذن لمن يشاء من تلك الأنفس بالايمان‏,‏ ويجعل الرجس والشرك وما يترتب عليهما من عذاب‏,‏ علي القوم الذين آثروا الغي علي الرشد‏,‏ ولم يستعملوا عقولهم فيما يهدي الي الحق والخير‏,‏ بل استعملوها فيما يوصل الي الباطل والشر‏.‏
كذلك من الآيات التي قررت ان الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ وظيفته التبليغ والارشاد والنصح وليس من وظيفته الاكراه والاجبار‏,‏ قوله ـ تعالي ـ‏:(‏ فذكر إنما انت مذكر لست عليهم بمسيطر‏)(‏ الغاشية‏:21‏ ـ‏22)‏

وقوله ـ تعالي ـ‏:(‏ وإما نرينك بعض الذي نعدهم او نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب‏)(‏ الرعد‏:40)‏ وقوله ـ سبحانه‏(‏ فإن اعرضوا فما ارسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ‏..)(‏ الشوري‏:48)‏
وقوله ـ عزوجل ـ‏(‏ انك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين‏)(‏ القصص‏:56)‏ وهكذا نجد ان كثيرا من الآيات القرآنية تصرح بأن وظيفة الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ ووظيفة الرسل من قبله‏,‏ هي التذكير والنصح والارشاد والتبليغ‏,‏ وليس الاكراه والاجبار والقسر‏..‏
وصدق الله اذ يقول‏:(‏ نحن اعلم بما يقولون وما انت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد‏)(‏ سورة ق‏:‏ الاية‏45).‏

‏4‏ ـ الاكراه علي الدين لا يأتي بمؤمنين صادقين وانما يأتي بمنافقين كاذبين‏,‏ يقولون بألسنتهم ماليس في قلوبهم‏,‏ وهذا النوع من الناس كراهية شريعة الاسلام له‏,‏ أشد من كراهيتها للذين يجاهرون بمخالفتهم لما جاء به الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ لان المخالف الصريح لدينك تستطيع ان تأخذ حذرك منه‏,‏ أما الذي يتظاهر بأنه معك بعد ان اكرهته او اجبرته علي ذلك‏,‏ اولانه هو بطبيعته يخفي خلاف ما يظهر‏,‏ فان ضرره أشد‏,‏ وافساده للدين وللدنيا اعظم‏..‏
لذا وردت عشرات الآيات القرآنية في ذم النفاق والمنافقين‏,‏ وفي تحذير المؤمنين الصادقين من مكرهم وشرورهم‏..‏

ومن هذه الآيات قوله ـ تعالي‏:(‏ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وماهم بمؤمنين يخادعون الله والذين آمنوا‏,‏ وما يخدعون الا انفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا‏,‏ ولهم عذاب اليم بما كانوا يكذبون‏)(‏ سورة البقرة‏:8‏ ـ‏10)‏
وقال ـ تعالي ـ‏(‏ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم‏,‏وإذا قاموا الي الصلاة قاموا كسالي يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا الي هؤلاء ولا إلي هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا‏)(‏ النساء‏:142‏ ـ‏143)‏ ومن هذه الآيات الكريمة يتبين لكل ذي عقل سليم‏,‏ ان الاكراه علي الدين يتنافي مع احكام شريعة الاسلام‏,‏ التي لا تعترف الا بالعقيدة التي يتحلي بها صاحبها عن طواعية واختيار واقتناع‏,‏ والتي تحمل صاحبها علي ان يلتزم بالايمان الصادق‏,‏ وبالعمل الصالح الذي يدل علي ان ما يقوله بلسانه‏,‏ يتوافق مع ماهو مستقر في قلبه‏.‏

‏5‏ ـ من القواعد والاسس والاصول التي قامت عليها شريعة الاسلام‏:‏ اهدار كل قول او فعل يأتي عن طريق الاكراه او الاجبار او ما يشبههما ولا تعتد شريعة الاسلام الا بما يصدر عن الانسان عن اختيار ورضا وحرية تامة‏,‏ بل انها عند كثير من الفقهاء قد أباحت لاتباعها ان يتلفظوا بما يتنافي مع احكام دينهم‏,‏ وذلك اذا مانزل بهم الاذي الشديد‏,‏ والتعذيب الذي قد يؤدي الي هلاكهم‏,‏ ولا يقدح هذا التلفظ في ايمانهم مادامت قلوبهم عامرة بالايمان‏..‏
ومن الادلة علي ذلك قوله ـ تعالي ـ‏:‏ من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان‏,‏ ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم‏(‏سورة النحل‏:106)‏ وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها‏:‏ ان المشركين اكرهوا عمار وابويه ياسر وسمية علي النطق بكلام قبيح يتعارض مع احكام شريعة الاسلام‏,‏ فابي ياسر وسمية ذلك فقتلهما المشركون‏,‏ واماعمار فأعطاهم بلسانه ـ بعد التعذيب الشديد ـ ما أكرهوه عليه‏..‏

فقال قائل للرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏ ان عمارا قد كفر‏!!‏ فقال ـ صلي الله عليه وسلم‏:(‏ان عمار ملئ إيمانا من رأسه الي قدمه‏,‏ وقد اختلط الايمان بلحمه ودمه‏.‏
وقال ـ صلي الله عليه وسلم ـ عندما رآه‏:(‏ يا عمار‏,‏ كيف تجد قلبك؟ فقال يارسول الله‏:‏ قلبي مطمئن بالايمان‏.‏ فقال له ـ صلي الله عليه وسلم ـ إن عادوا فعد ونزلت هذه الآية‏:‏

والمعني‏:‏ من كفر بالله من بعد ايمانه استحق العذاب الشديد‏,‏ إلا ان من أكره علي النطق بكلمة الكفر والحال ان قلبه مطمئن بالايمان‏,‏ فانه في هذه الحالة لا إثم عليه‏,‏ ولكن الاثم العظيم‏,‏ والعقاب الشديد‏,‏ يقع علي من انشرح قلبه بالشرك‏,‏ واعتقد صحته‏.‏
وقد اخذ كثير من الفقهاء من هذه الآية الكريمة‏:‏ جواز التكلم الذي يتنافي مع احكام شريعة الاسلام‏,‏ عند الاكراه الذي يخشي معه فقدان الحياة مادام هذا الذي اجبر علي ذلك قلبه مطمئن بالايمان‏.‏
هذه بعض الادلة علي ان الحرية الدينية اصل في الشريعة الاسلامية‏,‏ وفي حديث قادم ـ بإذن الله ـ سنذكر جانبا آخر من هذه الأدلة‏,‏ ومن الله ـ تعالي وحده‏,‏ نستمد العون والسداد‏.‏

 

التفاصيل

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية |إلى صفحة الأخبار

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games