‏ التطاول علي الله‏..‏ ورسوله

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام الدولى: نص الخبر

مأزق كويتي‏..‏ ورطة مصرية وأزمة مغربية
‏ التطاول علي الله‏..‏ ورسوله

عبد الله الرويشد

القاهرة ـ محمد عبدالخالق
الكويت ـ الأهرام العربي
الرباط ـ توفيق بوعشرين

هل هي مصادفة أن تأتي الإساءة والتطاول علي القرآن الكريم والرسول صلي الله عليه وسلم من الكويت التي تقطن ساحل الخليج العربي‏..‏ ثم تمر علي القاهرة قبل أن تصطدم بتفجير آخر قادم من المغرب؟‏!..‏ لا أحد يمكنه الجزم بأن الأمر مجرد مصادفة‏..‏ وأيضا لا أحد يمتلك إجابة كافية علي السؤال الأصعب‏:‏ هل بتنا علي موعد دائم مع أزمات التطاول علي الدين؟‏!‏
حين تعاملنا مع السؤال بالمنطق‏..‏ اكتشفنا أن لتطاول العرب علي الدين مواسم‏..‏ ومن المؤكد أننا نعيش ـ هذه الأيام ـ موسما جديدا ولكنه ساخن جدا‏!‏
كان التفجير الأول شديد السخونة والاشتعال‏..‏ فهو قادم من الكويت علي جناح أغنية للمطرب عبدالله الرويشد‏..‏ اتهمه فيها البعض بأنه لحن وغني سورة الفاتحة‏..‏ وقبل أن يدافع عن نفسه أو حتي يعرف عامة الكويتيين بالأمر كانت فتوي إهدار دمه قد انطلقت بالفعل من السعودية‏..‏ وفي القاهرة اكتشف الأزهر ـ فجأة ـ أن في السوق شريط كاسيت كاملا يغني صاحبه بعض الآيات القرآنية من سورة الرحمن‏..‏ ورغم أن المصنفات الفنية صادرت الشريط من الأسواق إلا أن الغليان سري في أوصال العلماء والمشايخ لأن المطرب التركي الذي فعلها نجح في تسريب شريطه إلي مصر ودخل العديد من البيوت‏.‏
غير أن ما حدث في المغرب كان أشد قسوة وسخونة‏..‏ فالدنيا هنا قامت ولم تقعد بعد‏..‏ والسبب أن شاعرة مغربية ألقت قصيدة بثتها الإذاعة المغربية تتضمن إساءة واضحة لشخص الرسول صلي الله عليه وسلم‏.‏
الرويشد غني قصيدته ـ كما يقول ـ منذ‏13‏ عاما وعلي الرغم من ذلك أطلق أحد علماء الدين فتوي بتكفيره وإهدار دمه‏!!‏
والمطرب التركي دخل شريطه إلي مصر مهربا وتم طبعه وتوزيعه بعيدا عن أعين الرقابة وبدون الحصول علي ترخيص بالتداول من مجمع البحوث الإسلامية باعتباره مادة دينية كما ينص القانون‏!!‏
فاعل خير أرسل شريط الرويشد لمن أفتي بكفره‏..‏ وفاعل خير آخر ـ طالب بالجامعة الأمريكية ـ وقع في يده شريط المطرب التركي بالمصادفة فأرسل نسخة منه لمشيخة الأزهر وأرفق بها خطابا أرشد فيه عن مكان بيع الشريط‏.‏
الشرطة الكويتية فرضت حراسة مشددة علي منزل الرويشد والشرطة المصرية أسرعت بمصادرة الشريط وألقت القبض علي مروجيه وبقي التطاول علي القرآن الكريم‏..‏ وزاد هذه المرة ليشمل الرسول أيضا في سابقة ربما تكون الأولي‏,‏ من نوعها‏.‏
دم الرويشد

ولنبدأ من ساحل الخليج‏..‏ حيث أهدرت فتوي مفاجئة أصدرها الشيخ حمود بن العقلاء الشعيبي ـ أستاذ العقيدة السابق في جامعة الإمام محمد بن سعود بالسعودية ـ دم المطرب الكويتي المعروف عبدالله الرويشد بسبب أغنية بثها له التليفزيون الكويتي‏..‏ كما يبدو بطريق الخطأ جراء التباس يبدو فيه الرويشد وكأنه يؤدي علي طريقة التطريب آيات كريمة من سورة الفاتحة‏.‏
وبعد أيام من الجدل حول الفتوي وجوازها والتسرع بإصدارها نبه الشيخ الشعيبي إلي أن فتواه لا تعني أن يتولي تنفيذها أي شخص بل ولي الأمر في البلد الذي ينتمي إليه الرويشد لكنه شدد علي أن الحكم الشرعي تجاه الرويشد هو القتل ولا شيء آخر‏!‏
الفنان عبدالله الرويشد الذي صعقه التطور كان يؤدي وصلة علي العود عبر ترنيمات هادئة من دون فرقة موسيقية وأغنيته بعنوان يا بوناصر ويقول مطلعها الذي يتخذ شكل زهيرية زجلية‏:‏
الحمد لله رب العالمين وإياك
نعبد وإياك نستعين إياك
نتبع طريق الهدي والرزق وياك
لا تعامل بسو تبي زود مالك
يوم الصحف تنشر تبي عمل مالك
احذر جهنم وحارس بيتها مالك
احذر عن عمل الرديي وايا الردي إياك
يا بوناصر واعذاب الليل‏..‏ إلي آخر الأغنية
وقد بدأت الحكاية بزاوية كتبها الشيخ عبدالعزيز الهدة في صحيفة الأنباء الكويتية وأبدي فيها استغرابه من بث التليفزيون لأغنية كهذه‏,‏ وهو نفس ما كتبه صحفي آخر في صحيفة أخري هي الوطن‏..‏ وكان يستشهد بأن الغناء لا يجب أن يدخل في إطار التعقيدات والهواجس بل تؤخذ الأمور ببساطة ومن دون التلويح بذرائع التكفير والتشدد وعندما وصل الأمر إلي الشيخ الشعيبي أصدر فتواه وكان من الواضح أنه يملك شريط كاسيت يتضمن الأغنية بصوت عبدالله الرويشد‏..‏ فأصدر الشيخ فتواه باعتباره أحد كبار العلماء في السعودية‏.‏
وأثارت الفتوي ردود فعل في الكويت لدرجة أن الدكتور محمد عبدالغفار الشريف ـ عميد كلية الشريعة ـ أسف للتشدد الذي تضمنته الفتوي وأبدي استغرابه من اللجوء إلي الحصول علي دعم فتاوي من خارج الكويت مشيرا إلي وجود إدارة للفتوي في وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية وعلماء في الكويت قادرون علي الإدلاء بدلوهم في أي مسألة فقهية‏..‏ وفي الاتجاه نفسه شن عدد من الليبراليين انتقادا حادا للتشدد في هذه المسألة واتجاهات التكفير‏.‏
أما عبدالله الرويشيد نفسه فقد سافر إلي الولايات المتحدة لإحياء حفلة خاصة وبعد عودته أحيطت تحركاته بسرية تامة حفاظا علي حياته بل إنه تم ترتيب حراسة أمنية لحمايته من الهجوم من جانب أي شخص قد يجد في نفسه المنفذ للفتوي بالقتل‏,‏ وإن كانت حدة الموقف خفت في هذه الناحية باعتبار أن الشيخ الشعيبي صرح بأن عملية القتل لا يجب أن ينفذها أي شخص وإنما ولي الأم أو السلطة الحاكمة في بلد من تقع عليه الفتوي لكن الذي يعقد الأمر أن الشيخ الشعيبي مصر علي فتياه ولم يترك أي باب للاستتابة أو التراجع لأن غناء القرآن الكريم ـ كما يؤكد الشعيبي ـ إساءة بالغة لكتاب الله ولجميع المسلمين تستوجب قتله دون استتابة لأنه لا يمكن أن يتوب بعد أن ارتكب هذا الذنب العظيم‏.‏
والغريب أن الفتوي ضد الرويشد كانت توزع في الكويت والسعودية ومرفق معها شريط بالأغنية‏..‏ أما الأغرب فهو أن الأغنية تم تسجيلها منذ‏13‏ سنة‏..‏ وأنها تذاع بين الحين والآخر بوصفها أغنية وطنية‏.‏
الشيخ الدكتور خالد المذكور ـ رئيس لجنة تطبيق الشريعة الإسلامية ـ استمع إلي كلمات الموال الزجلي ووصفه بأنه شعر فيه اقتباس من القرآن الكريم وأن هذا الأمر جائز ولا بأس‏..‏ وأنه لا يمكن أن يحكم علي الموضوع إلا بعد الاستماع إلي كيفية التغني به‏..‏ وأكد أنه سوف يعقد اجتماعا مع لجنة الفتوي بوزارة الأوقاف الكويتية لبحث الأمر‏..‏ وقال د‏.‏ المذكور إنه ضد إصدار الفتاوي الفردية ويميل إلي أن يكون صدورها جماعيا بعد معرفة كل الأدلة الموجودة‏,‏ لأن القضية تتعلق بالمس بالقرآن الكريم وفي الوقت ذاته فهي تتعلق بحياة إنسان‏.‏
أما الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله حميد أحد أئمة الحرم المكي فقد أوضح لدي وصوله إلي الكويت الخميس قبل الماضي أن الفتوي التي أصدرها الشيخ الشعيبي بشأن إهدار دم الفنان عبدالله الرويشد تتعلق بصاحبها وهناك فرق بين الفتوي الشرعية والحكم القضائي وفتوي الشيخ الشعيبي ليس لها حكم شرعي من حيث القضاء‏.‏
وأضاف أن الفتاوي التي نشاهدها بالتلفاز ونقرأ عنها في الصحف منسوبة لأصحابها ومن المعروف في النهج الإسلامي إن كل مفت مسئول عن فتواه‏.‏
غير أن الرويشد نفي أن يكون قد غني سورة الفاتحة واستغرب صدور الفتوي ضده بهذه السرعة ودون التحقق من الموضوع‏.‏ مؤكدا أن الكلمات مقتبسة من سورة الفاتحة ولكن ليست السورة كاملة وهي للشاعر المرحوم عبدالعزيز الدويش‏..‏ وأضاف أن هذا النوع من الشعر يسمي الزهيري وهو يعتمد علي سبع قواف وهو مثل الموال ومعروف عند الناس القدماء وعند الشعراء وكان يغنيه البحارة موضحا أن الفتوي التي أثارت كل هذه الضجة مطبوعة علي جهاز الكمبيوتر ولا يعرف لها طريق ولا تحمل توقيعا‏.‏
اختراق تركي

أما في القاهرة فقد داهمت قوة من الشرطة أحد محلات بيع شرائط الكاسيت وصادرت‏11‏ نسخة من شريط كاسيت جاء مهربا إلي مصر مع أحد المصريين العائدين من تركيا‏,‏ وتم نسخ الشريط وبيعه دون إذن من الرقابة علي المصنفات الفنية‏,‏ ويحمل الشريط بين كلمات أغنياته التركية أربع آيات من سورة الرحمن من أول قوله تعالي رب المشرقين ورب المغربين‏.‏ فبأي آلاء ربكما تكذبان‏.‏ خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار فبأي آلاء ربكما تكذبان وهي مصحوبة بالموسيقي‏,‏ واسم الأغنية لا إله إلا الله‏.‏
وهي لمطرب تركي من أصل إيراني يدعي عمر الفاروق‏,‏ كما يتضمن الشريط خمس أغنيات أخري تتحدث كلها عن العشق الإلهي‏,‏ وملحنة بموسيقي شرقية تعتمد علي العود والدف والناي والقانون والطبلة‏!!‏
وفور قيام طالب الجامعة الأمريكية بإرسال نسخة الشريط في رسالة بريدية مسجلة إلي مجمع البحوث الإسلامية أسرع الشيخ أبو الوفا عجور ـ الأمين العام للمجمع ـ بعقد جلسة استماع حضرها أعضاء لجنة القرآن ولجنة البحوث والتأليف والنشر للاستماع للشريط والبت في أمره والوقوف علي ما جاء به من تجاوزات كما ورد بالرسالة المرفقة مع الشريط‏.‏
دقائق قليلة من الاستماع اكتشف المشايخ بعدها حجم الكارثة فتم تحريز الشريط وإرساله مرفقا بمكاتبة رسمية للإدارة المركزية للرقابة علي المصنفات الفنية التابع لوزارة الثقافة تطالب بمداهمة المحل المشار إليه والذي يبيع تلك الأشرطة ومصادرة جميع النسخ الموجودة منه بالأسواق‏,‏ بصفتها عملا يسيء لكتاب الله عز وجل ويمس حرمة القرآن وقدسيته والعبث به‏.‏
يقول الشيخ أبو الوفا عجور‏..‏ نحن ضد كل ما يمس حرمة القرآن الكريم وقدسيته‏,‏ وكل من يحاول النيل منه فهو كلام الله المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والذي قال عنه جل جلاله إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون‏.‏ وهذا الشريط لم يحصل علي موافقة من مجمع البحوث الإسلامية‏,‏ حيث ينص القانون علي أن أي عمل فني متعلق بالقرآن كطباعة شرائط كاسيت أو حتي المسلسلات والأفلام الدينية لا يصرح ببثه أو إذاعته أو طباعته قبل الحصول علي موافقة مجمع البحوث الإسلامية‏,‏ وبعد إخضاعها لمراجعة لجنة من كبار علماء الأزهر حفاظا علي الدين الإسلامي من أي عمل يتعارض مع صحيح العقيدة الإسلامية أو يعتبر تجاوزا لقدسية القرآن الكريم‏,‏ أو يتعارض مع ما هو معلوم من الدين بالضرورة‏.‏
أما الأشرطة والأعمال الفنية التي تحصل علي تراخيص بالتداول فهنا يأتي دور شرطة الرقابة علي المصنفات الفنية لمصادرة تلك الأعمال والتفتيش علي محلات ومنافذ البيع‏,‏ وكل ما يأتي لنا من أحراز فنية بواسطة الرقابة تتم مراجعتها من قبل علماء المجمع للوقوف وتبين ما بها من مخالفات أو مغالطات في الدين‏.‏ وإذا ثبت ذلك تتم إحالة من قاموا بطبعها أو توزيعها للنيابة العامة والمحاكمة‏.‏
‏*‏ ولكن ما العقوبة القانونية لمثل هذه الأعمال المسيئة للقرآن الكريم؟
يجيب الشيخ أبو الوفا عجور وفقا للقانون رقم‏102‏ لسنة‏1985‏ بشأن تنظيم طبع المصحف الشريف والأحاديث النبوية يختص مجمع البحوث الإسلامية دون غيره بالإشراف علي طبع ونشر وتوزيع وعرض وتسجيل المصحف الشريف للتداول‏.‏ ويختص الأمين العام للمجمع أو من ينوب عنه بالترخيص‏..‏ أما عقوبة من يخالف ذلك فهي السجن وغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيه ولا تتجاوز عشرة آلاف جنيه لكل من قام بالطبع أو النشر أو التوزيع أو العرض أو التداول للمطبوعات أو التسجيلات دون ترخيص أو بالمخالفة لشروط الترخيص‏,‏ كما يعاقب بالأشغال المؤقتة وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف جنيه‏,‏ ولا تزيد علي عشرين ألفا كل من حرف عمدا نصا في القرآن الكريم عن طريق طباعته أو تسجيله بأية وسيلة كانت تخالف ما هو متعارف عليه من القراءات السبع للقرآن الكريم وتكون العقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة وضعف الغرامة في حالة العودة‏,‏ ولا يجوز الحكم بوقف أي من هذه العقوبات‏,‏ وتطبق نفس العقوبة علي كل من يعرض أو يوزع أشرطة للقرآن الكريم بدون ترخيص‏,‏ وكل من يحذف عمدا أيضا في آياته‏.‏
فتوي شرعية

‏*‏ تلك هي عقوبة من تعمد حذف بعض آيات القرآن الكريم أو طبعه بدون تصريح من الأزهر الشريف ولكن القانون لم يظهر عقوبة من يتغني بالقرآن الكريم فما هو إذن الحكم الشرعي فيمن فعل ذلك؟‏!‏
يجيب فضيلة المفتي الدكتور نصر فريد واصل قائلا‏:‏ سبق لدار الإفتاء المصرية أن أعلنت رأيها في هذا الأمر وهو أن تلحين القرآن الكريم أو بعض آياته مخالفة شرعية وهو حرام قطعا‏,‏ فالقرآن هو كلام الله رب العالمين الذي أنزله علي رسوله لهداية الناس وأمر المسلمين بفهمه وتدبر معانيه من عظات وآداب والعمل بجميع أحكامه‏,‏ وكل ما يخرج القرآن عن هذه الغاية فهو عمل منكر لا يقره الدين وقال تعالي‏:‏ وإذا قريء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ومثل هذا الفعل يجعل من كلام الله عز وجل أداة للهو والطرب وتصرف الناس عن كلام الله الذي أنزله لهداية الناس وإرشادهم إلي الطريق القويم‏!!‏
أما هذه الأغنية التي ذكرتها لمطرب كويتي تغني فيها بالقرآن فلم أسمعها حتي يمكن إصدار حكم شرعي فيها فالفتوي تختلف وفقا لتكييف المسائل لسؤاله وهنا يجب أن نشير إلي أن هناك فرقا كبيرا بين التغني بالقرآن وتلحينه‏,‏ فالتغني به يعني قراءته بصوت حسن يشعر المستمع له بالخشوع والخضوع لله سبحانه وتعالي وهذا مباح بشرط الالتزام بأحكام التلاوة‏.‏ أما التلحين فهو حرام شرعا ويجب التصدي له واستتابة من يقدم علي مثل هذا الفعل المحرم‏!!‏
أما المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة فيقول‏:‏ لا يجوز تلحين القرآن موسيقيا كما تلحن الأغاني‏,‏ لأن النص القرآني له قواعد خاصة في نطقه وهي قواعد التجويد‏,‏ لذلك لا تتم تلاوة القرآن الكريم ولا تجويده إلا وفق قواعده الخاصة‏,‏ وليس ذلك من باب التحكم الذي لا منطق له‏,‏ وإنما لأن قواعد التجويد لها علاقة بمعاني الكلمات القرآنية‏,‏ فكما أن لرسم المصحف من حيث الشكل وهو الرسم العثماني قواعده الإملائية الخاصة فإن ترتيله له قواعده المتعارف عليها في علم التجويد‏.‏
وهذا هو الأمر الذي اجتمعت عليه الأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل‏,‏ فالقرآن وحي الله ورغم أن القرآن عربي فإنه متميز في إطار اللغة العربية فلا هو بالنثر ولا هو بالشعر‏,‏ وإنما هو القرآن المتميز في إعجازه ونظمه وبلاغته ورسمه وأيضا في قاعدة تلاوته وترتيله‏,‏ وهذا من حيث التعامل مع النص القرآني باعتباره القرآن‏.‏
أما إذا كانت كلمات من القرآن يقوم شخص ما بإدخالها ضمن سياق حديثه وعباراته سواء كانت هذه العبارات حديثا متداولا أم نثرا أم شعرا فإنها التعامل مع هذه الكلمات المقتبسة يجوز فيها ما لا يجوز عند التعامل معها كآية من آيات القرآن الكريم‏,‏ فمثلا عندما يسألك صديق كيف حالك تقول الحمد لله فأنت في هذا المقام لا تتلو آية لا يطلب منك أن تجودها مثلما يكون الحال إذا كنت تتلو القرآن الكريم لأن عبارة الحمد لله جزء من آية‏,‏ كذلك عندما تقول في حديثك إن شاء الله فأنت لا تجودها رغم أنها جزء من آية قرآنية ستجدني إن شاء الله من الصابرين‏.‏
براءة

أما الدكتور عبدالصبور شاهين فقد أعلن براءة عبدالله الرويشد من تهمة الكفر وقال لقد قرأت نص الأغنية ولم أجد فيها من القرآن سوي الجملة الأولي الحمد لله رب العالمين‏,‏ ثم يأتي بعدها كلام فيه مواعظ تنهي عن فعل السوء للاستزادة في الرزق‏,‏ وتنهي عن فعل فاحشة قوم لوط‏,‏ وتنهي عن ارتكاب المعاصي‏,‏ وكل ذلك لا علاقة له بالقرآن‏.‏ وإنما هو جمل تلمس أمراضا اجتماعية موجودة ولا يستحق قائلها هذا الحكم ويجب أن نحييه علي هذه الدعوة إلي الفضيلة بدلا من أن نكفره ونصدر عليه حكما لا يوصف سوي بأنه حرام وباطل‏!!‏
فالرجل لم يلحن القرآن وإنما لحن عبارات مستخدمة في مجال وعظي ليأمر الناس بالمعروف وينهاهم عن المنكر من خلال الأغنية‏,‏ والمسألة لا تستحق هذه الجنازة التي أقامها بعض المتطفلين علي الفكر الإسلامي‏.‏
ونحن في حياتنا كلها نسمع القرآن الكريم منغما مموسقا‏,‏ وقد عايشنا مجموعة من القراء الكبار الذين نبغوا في النغم وقدموا القرآن بأصوات جميلة وأنغام أجمل لكن لم يحدث أن أدخلنا الآلات الموسيقية في قراءة القرآن فهذا الفعل حرام بلا شك كالشريط الذي تم ضبطه بالأسواق أخيرا‏,‏ فالآلات الموسيقية مجالها شيء آخر هناك في الغناء والطرب ومجالس الشرب وما إلي ذلك‏!!‏
وإذا كان الأمر كذلك في الكويت ومصر‏..‏ فإن ما حدث في المغرب يبدو مختلفا رغم التشابه في الاتهام والضجة‏..‏ فمازالت تفاعلات أزمة قصيدة الشاعرة حكيمة الشاوي مستمرة سواء علي المستوي الديني أم السياسي‏,‏ والمفارقة أن أحدا من الأدباء والنقاد لم يناقش القصيدة لأنها خرجت منذ اللحظة الأولي من سياقها الأدبي لتصبح هما إعلاميا وقانونيا‏..‏ وبدأت القصة عندما استضافت الإذاعة المغربية الشاعرة حكيمة الشاوي عضو الجمعية المغربية لحقوق الإنسان لإلقاء قصيدة بمناسبة الاحتفال بيوم المرأة‏..‏ وبالطبع لم تكن المذيعة أسمهان عمور تعلم أن القصيدة ستتحول إلي أزمة ساخنة‏..‏ ومأزق قانوني وديني مشتعل‏.‏
في أحد أبيات القصيدة قالت الشاعرة عبر الأثير‏:‏ ملعون يا سيدتي من قال عنك من ضع أعوج خرجت‏..‏ ملعون منذ الخليقة من قال عنك‏:‏ عورة من صوتك إلي أخمص قدميك‏..‏ كانت الكلمات كافية لوضع القصيدة وصاحبتها ومعدة البرنامج وإدارة الإذاعة في مواجهة مباشرة مع حركة الإصلاح والتجديد حركة إسلامية معتدلة‏,‏ وتطورت المواجهة لتشمل أصواتا عديدة من العلماء وأعضاء الهيئة الوطنية لعدول المغرب بدعوي أن الشاعرة أهانت الرسول صلي الله عليه وسلم‏,‏ وأساءت للمشاعر الدينية للمغاربة والمسلمين عموما‏.‏
وحين واجهناها بالاتهام‏..‏ أكدت الشاعرة حكيمة الشاوي أن القصيدة تنتقد النظرة الدونية للمرأة‏..‏ وأضافت أنا لست فقيهة ولا متخصصة في العلوم الدينية‏,‏ والعبارات الواردة في القصيدة لم أقتبسها من أحاديث نبوية وإنما من الأقوال الشعبية التي تنتقص من قيمة المرأة‏..‏ فنقدي موجه للاستخدامات اليومية لهذه العبارات وليست لأصولها في أحاديث نبوية لا أعرفها أصلا‏!‏
ولا تقف حكيمة وحيدة في مواجهة اتهامات العلماء والمشايخ‏..‏ وإنما يناصرها تيار كامل من المغرب‏..‏ إذ أصدر المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان بيانا ندد فيه بما أسماه حملة التشهير التي تعرضت لها حكيمة الشاوي من البعض للتشهير بالمدافعين عن حقوق الإنسان‏..‏ وطالب البيان بوضع حد لأسلوب التشهير والاتهام والافتراء ضد حرية التعبير عن الرأي وحق الاختلاف‏..‏ هكذا وسع البيان دائرة المواجهة والحدث بإشارته إلي المعركة المفتوحة حاليا حول تعديل قانون الأحوال الشخصية قانون الأسرة والخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية‏,‏ حيث اعتبرت حكيمة الشاوي أن حملة الإسلاميين ضدها في جريدة التجديد تهدف إلي عرقلة الجهود الرامية لتحسين أوضاع المرأة‏.‏
ولكن هذا التفسير لا يؤيده الدكتور أحمد الريسوني ـ أستاذ المقاصد الإسلامية بجامعة محمد الخامس ورئيس حركة التوحيد والإصلاح ـ حيث يري أن الشيء المؤكد هو أن القصيدة اقتبست عبارات من أحاديث نبوية معروفة فيها الصحيح بلا جدل مثل الحديث الوارد في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلي الله عليه وسلم البكر تستأذن قلت إن البكر تستحق قال إذنها صماتها‏,‏ وعن أبي هريرة أن النبي قال‏:‏ المرأة خلقت من ضلع أعوج وإنك إن أقمتها كسرتها وإن تركتها تعش بها وفيها عوج وإسناده صحيح وإن لم يرد في الصحيحين‏.‏
‏*‏ ولكن البعض يري أن القصيدة عمل إبداعي ولا يجوز التعامل معها بالأدوات الفقهية المعروفة؟
أجاب الريسوني بقوله حينما يلجأ أديب إلي أسلوب اللعن‏..‏ فهل هذا أدب‏..‏ إنه قلة أدب وإذا قالت الشاعرة إنها لم تكن تعرف أن عبارات قصيدتها المقتبسة جزء من أحاديث نبوية شريفة فحري بها أن تعتذر‏,‏ أما إذا علمت أنها أحاديث وأنها تقصد ما تقول فالاستهزاء بالدين كفر‏,‏ وسب نبي الإسلام كفر أيضا‏,‏ وهذا ليس حكما من عندنا وإنما جاء به القرآن الكريم‏.‏
إذن فالشاعرة تقول إنها تدافع عن كرامة وحقوق المرأة وتنتقد عبارات شائعة في كلام الناس اليومي‏..‏ بينما يطالبها أحمد الريسوني بالاعتذار إذا كانت تجهل الأحاديث الصحيحة‏..‏ فهل يعني ذلك أن الأزمة في طريقها إلي الحل؟‏!!‏ لا يبدو أن النقاش والجدل الدائر حول القضية يتجه نحو هذا الحل‏,‏ فالشاعرة صرحت بأنها تحتفظ بحقها في مقاضاة جريدة التجديد‏,‏ بينما تتحدي الجريدة في عددها الأخير الذين انبروا للدفاع عن الهراء المهين للرسول كما دافعوا من قبل عن رواية الخبز الحافي للأديب محمد شكري أن يأتي واحد منهم أمام الرأي العام ويعيد إلقاء القصيدة بحذافيرها ويتركون الحكم للشعب‏..‏ لذا فمن المحتمل أن تصل القضية إلي ساحات المحاكم بحيث تدفع الطرفين لتوسيع رقعة المواجهة وحشد الأنصار علي الطريقة المصرية التي تحولت إلي مرجع عربي في هذه القضايا والأزمات‏.‏

 

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام الدولى: نص الخبر

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games