كتبت
- عزيزة محمود : يأتي فصل الربيع وتتزين
الدنيا بالورد والزهور وتملئ الفرحة
قلوب الملايين من الأطفال والرجال
والنساء الذين ينطلقون في الحدائق
والحقول للاحتفال بمناسبة حلول الربيع ،
وتبدو مظاهر الاحتفال تعبير صادق عن هذه
الفرحة التي تعم القلوب ، وينتظرها
ملايين البشر من العام للعام ، والاحتفال
بالربيع يحمل مظاهرا معينة منها تلوين
البيض وأكل الفسيخ والتنزه في الحدائق .
والاحتفال بالربيع "شم النسيم" ليس
له أصولا في الشريعة الإسلامية وانما هو
عادة قديمة راجعة إلي العصر الفرعوني في
مصر عام 2700 ق.م وكان الاحتفال بهذا العيد
معروفا في مدينة هليوبوليس القديمة ،
لأنه رمز إلي بعث الحياة عند قدماء
المصريين حيث انهم كانوا يعتقدون أن هذا
اليوم هو أول أيام الزمان كما كانوا
يتصورون ، ويرتبط هذا اليوم باعتدال الجو
فيه نهارا وليلا .
وقد جاء اليهود واخذوا عن المصريين
احتفالهم بهذا اليوم ، فقد كان وقت
خروجهم من مصر مع موسى عليه السلام
مواكبا لاحتفال المصريين بشم النسيم ،
وقد اختاروا هذا اليوم للهروب من مصر بكل
ما سلبوه من ذهب وثروات لانشغال المصريين
بالاحتفال بعيدهم .
واتخذ اليهود هذا اليوم عيدا لهم وجعلوه
رأسا للسنة العبرية وأطلقوا عليه "عيد
الفصح" ، وعندما دخلت المسيحية مصر جاء
عيد القيامة موافقا لاحتفال المصريين
بيوم الربيع ، وظل الاحتفال بهذا اليوم
تقليدا متوارثا تتناقله الأجيال عبر
العصور المختلفة بمراسم وطقوس معينة
تتبع .
وعن مراسم الاحتفال بشم النسيم فهناك
طقوس عدة للاحتفال بهذا اليوم ومن هذه
المراسم تزيين وزخرفته بالألوان الجميلة
المبهجة التي تشعر الإنسان بجمال هذا
الفصل .
أما الفسيخ وهو من الأطعمة التقليدية
التي يقبل الناس علي تناولها في هذا
اليوم ، ويعد تناول الفسيخ من العادات
القديمة المتوارثة عن الأسرة الخامسة ،
فقد أظهر المصريون القدماء براعة فائقة
في تمليح وحفظ الأسماك .
ومن العادات القديمة للاحتفال بالربيع
تناول البصل فقد حرص المصريون القدماء
علي تناوله في هذه المناسبة فهم يعتبرون
البصل من أساليب العلاج الناجحة في قهر
الأمراض ..
وعن العادات الأخرى التي يحرص المصريون
علي اتباعها تناول الملانة والخس ،
والملانة نبات الحمص الأخضر وقد اعتبر
القدماء المصريين نضوج ثمرة الحمص دليل
علي قدوم فصل البهجة "الربيع" ، ويعد
الخس أيضا من الأطعمة المفضلة عند قدماء
المصريين.
والبيض عند قدماء المصريين يعني خلق
الحياة من الجماد ، ولهذا فقد حرص
المصريون القدماء علي تناول البيض في هذه
المناسبة حيث انهم كانوا ينقشون عليه
رموزا معينة بالإضافة إلي دعواتهم للعام
الجديد ، ومن هنا أصبح شم النسيم يحمل
مسحة دينية معينة بعد أن كان عيدا
فرعونيا قوميا فقد صار مرتبطا بعيد الفصح
أو القيامة عند المسيحيين.
وأقباط مصر يحتفلون بشم النسيم قوميا
باعتباره عيد الربيع ، ودينيا باعتباره
عيد البشارة ، ومن مزجت مظاهر الاحتفال
بشم النسيم بين التقاليد الفرعونية
والتقاليد الدينية.
ومن المعروف أن الأقباط كانوا يصومون
أربعين يوما لذكري الأربعين التي صامها
المسيح عليه السلام وكان هذا الصوم يبدأ
مباشرة عقب عيد الغطاس إلي ما قبل عيد
القيامة مباشرة ، ثم ادمج في هذا الصوم
صوم أسبوع الآلام فبلغت عدة الأيام التي
صومها المسيحيون خمسة وخمسين يوما ومن
هنا يقع عيد الربيع في أيام صوم
المسيحيين .
والمسيحيون يستعدون هذه الأيام للاحتفال
بعيد القيامة يوم الأحد القادم السابق
لشم النسيم .
والاحتفال بعيد الربيع "شم النسيم"
من المناسبات العالمية التي تحتفل بها
معظم دول العالم مع بداية فصل الربيع ،
ومن المعروف أن كل دولة تتبع تقليدا
معينا للاحتفال بالربيع ففي اليابان
ينطلق الأطفال والنساء والرجال في شوارع
اليابان للتنزه في الحدائق والتحليق
وراء الفراشات ، وفي دول أوروبا تقام
المهرجانات من إطلاق الألعاب النارية
وغير ذلك من مظاهر الاحتفال بشم النسيم
. وعن
حكم احتفال المسلمين بشم النسيم الذي كان
مناسبة قومية ثم صار مناسبة دينية ،
فالدين الإسلامي معروف بالسماحة واليسر
، فلا شك في أن التمتع بمباهج الحياة من
تنزه وأكل وشرب ومرح أمر مباح في الدين
شريطة إلا يرتكب المسلم ما يخالف تعاليم
دينيا الحنيف من انتهاك الحرمات فقال
تعالي " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا
أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ
تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ
المُعْتَدِينَ (87)". سورة المائدة
لكن هل للتزين والتمتع بالطيبات يوم معين
أو موسم خاص لا يجوز في غيره، وهل لا
يتحقق ذلك إلا بنوع معين من المأكولات
والمشروبات ؟
هذا ما نحب أن نلفت الأنظار إليه إن
الإسلام يريد من المسلم أن يكون في تصرفه
على وعي صحيح بما يدور من حوله وان يكون
لديه بعد نظر، فلا يندفع مع التيار فيسير
حين يسير ويميل حيث يميل ، بل لا بد أن
تكون له شخصية مستقبلة فاهمة ، حريصة على
الخير بعيدة عن الشر ، و التقليد الأعمى .
فلماذا نحرص على شم النسيم في هذا اليوم
بعينه والنسيم موجود في كل يوم ؟ إنه لا
يعدو أن يكون يومًا عاديًا من أيام الله
حكمه كسائر الأيام ، بل إن فيه شائبة تحمل
على اليقظة والتبصر والحذر، وهي ارتباطه
بعقائد لا يقرها الدين ، حيث كان الزعم أن
المسيح قام من قبره وشم نسيم الحياة بعد
الموت.
ولماذا نحرص على طعام بعينه في هذا اليوم
، وقد رأينا ارتباطه بخرافات أو عقائد
غير صحيحة ، مع أن الحلال كثير وموجود في
كل وقت.
إن هذا الحرص يدفعنا لان ننصح بعدم
المشاركة في الاحتفال به مع مراعاة أن
المجاملة على حساب الدين والخلق
والكرامة ممنوعة لا يقرها دين ، والنبي
صلى الله عليه وسلم يقول : "من التمس
رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة
الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله
وكله الله إلى الناس" رواه الترمذي.
وفي نهاية الحديث عن شم النسيم نود أن
نشير إلي أننا يجب علينا أن نخالف
المسيحيين في الاحتفال بهذا اليوم بمعني
أن نحتفل بشم النسيم في أي يوم آخر حتى لا
نتبعهم في تقليدهم هذا