|
|
القرضاوي
يناقش قضايا العلم والدين
استنساخ الإنسان حرام.. والحيوان
جائز بشروط |
 |
إعداد ـ د.
حسن علي دبا
لم يعد
الفقيه المعاصر ـ بما يمتلكه من نص
شرعي ـ في غني عن حقائق العلوم
وتطوراتها المذهلة التي تغير وجه
الحياة وصورتها علي الأرض, ومن ثم
وجب عليه أن يتابع دقائق الثورات
العلمية حتي يمكنه الاجتهاد في رؤية
الحق في كل ما يستجد من الاستنساخ
إلي خريطة الجينات البشرية, يبحر
فقيه الوسطية د. يوسف القرضاوي
الذي بدأ معلقا علي قضية الاستنساخ
بقوله:
إذا كانت الليالي في الأزمنة
الماضية تلد العجائب, فهي في
زماننا أكثر وأسرع ولادة لكل عجيب
وغريب, مما لم يخطر ببال الإنسان,
ولم يحلم به مجرد حلم في العصور
السالفة, وذلك بفضل تقدم العلم
الذي علمه الله للإنسان( علم
الإنسان ما لم يعلم)( العلق:5),
ولقد قدر لنا أن نشهد كثيرا من
العجائب في حياتنا, ابتداء
بالثورة البيولوجية الهائلة وثورة
الهندسة الوراثية التي جربت بتوسع
في عالم النبات, ثم بقدر أضيق في
عالم الحيوان, ثم أصبح يخشي أن
تدخل عالم الإنسان.
وقد بدأت المخاوف التي خشيها الناس
من تطور الهندسة الوراثية تظهر فيما
عرف اليوم باسم الاستنساخ حيث تم هذا
الإنجاز في دنيا الحيوان في صورة
النعجة دوللي الشهيرة التي لم تولد
من التقاء الذكر والأنثي, كما هو
المعتاد فيما خلق الله من حيوان
وإنسان, ولكنهم أخذوا بويضة من
هذه النعجة المعينة, وفرغوها من
نواتها, أي نزعوا منها النواة
تماما, ثم جاءوا بخلية حية من جسم
النعجة, ووضعوها مكان النواة
فانقسمت وتكاثرت, كما في البيضة
الملقحة, بعد أن وضعت في رحم
الشاة, وتم النمو الجنيني
المعتاد, حتي ولدت شاة كاملة,
مشابهة للشاة التي استنسخت منها
تمام المشابهة, ومنذ نجح
الاستنساخ في عالم الحيوان, أصبح
الاستنساخ في عالم الإنسان في دائرة
الإمكان, وغدا هذا الأمر مخوفا
لدي الكثيرين في أنحاء العالم,
وقبله أناس, ورفضه آخرون,
بعضهم من رجال العلم أنفسهم,
وأكثرهم من الذين يهتمون بالدين
والأخلاق وبقيم الإنسان ومصير
البشرية.
* ما موقف الإسلام من هذه القضية
في صورتها العامة؟
الإسلام يرحب بالعلم والبحث العلمي
عموما, ويري من فروض الكفاية علي
الأمة المسلمة أن تتفوق في كل مجال
من مجالات العلم الذي تحتاج إليها
الأمة في دينها أو دنياها بحيث
تتكامل فيما بينها, وتكتفي
اكتفاء ذاتيا في كل فرع من فروع
العلم وتطبيقاته, حتي لا تكون
الأمة عالة علي غيرها, لكن العلم
في الإسلام مثله مثل العمل
والاقتصاد والسياسة والحرب, كلها
يجب أن تتقيد بقيم الدين والأخلاق,
ولا يقبل الإسلام فكرة الفصل بين هذه
الأمور وبين الدين والأخلاق, فكل
شيء في الحياة يجب أن يخضع لتوجيه
الدين, وكلمة الدين, فكلمة
الدين هي كلمة الله, وكلمة الله
هي العليا, ومن المنطقي أن تخضع
كلمة الإنسان المخلوق لكلمة الله
الخالق سبحانه, وكلمة الله هي
أبدا كلمة الحق والخير والعدل
والجمال.
* كيف ترون الاستنساخ في عالم
الحيوان؟
نحن نجيز الاستنساخ في عالم الحيوان
بشروط, الأول: أن يكون في ذلك
مصلحة حقيقية للبشر, لا مجرد
مصلحة متوهمة لبعض الناس, الثاني:
ألا تكون هناك مفسدة أو مضرة أكبر من
هذه المصلحة, فقد ثبت للناس الآن
ـ ولأهل العلم خاصة ـ أن النباتات
المعالجة بالوراثة إثمها أكبر من
نفعها, وانطلقت صيحات التحذير
منها في أرجاء العالم الثالث,
وألا يكون في ذلك إيذاء أو إضرار
بالحيوان ذاته ولو علي المدي الطويل,
فإن إيذاء هذه المخلوقات العجماوات
حرام في دين الله.
* وما حكم الاستنساخ في مجال
البشر؟
إن منطق الشرع الإسلامي بنصوصه
المطلقة, وقواعده الكلية,
ومقاصده العامة, يمنع دخول هذا
الاستنساخ في عالم البشر لما يترتب
عليه من المفاسد الآتية: أولا:
إن الله خلق هذا الكون علي قاعدة
التنوع, والاستنساخ يناقض التنوع,
لأنه يقوم علي تخليق نسخة مكررة من
الشخص الواحد, وهذا يترتب عليه
مفاسد كثيرة في الحياة البشرية
والاجتماعية, بعضها ندركه,
وبعضها قد لا ندركه إلا حين, كيف
يعرف الرجل زوجته من غيرها والأخري
نسخة مطابقة لها, وكيف تعرف
المرأة زوجها من غيره, وغيره هذا
صورة منه؟ إن الحياة ستضطرب وتفسد,
إذا انتفت ظاهرة التنوع واختلاف
الألوان التي خلق الله عليها الناس.
ثانيا: ما علاقة الشخص المستنسخ
بالشخص المستنسخ منه: هل هو نفس
الشخص باعتباره نسخة مطابقة منه أو
هو أب له أو أخ توءم له؟ ولا شك أن هذا
الشخص غير الآخر, فهو ـ وإن كان
يحمل كل صفاته الجسمية والعقلية
والنفسية ـ ليس هو الآخر, فهو
بعده, بزمن قطعا, وقد يحمل كل
صفاته الأساسية, ولكن تؤثر فيه
البيئة والتربية والثقافة, فتجعل
منه شخصا آخر في عقيدته وسلوكه
ومعارفه, فهذه أمور تكتسب, ولا
تكفي فيها العوامل الوراثية وحدها
ثم ما حملته به أهو ابن, أم أخ,
أم غريب عنه؟ قد يقول البعض ببنوته,
ويقول آخر بإخوته. وهذا يوجب
علينا إنكار العملية من أصلها لما
يترتب عليها من مفاسد وآثام.
إضافة إلي ذلك فإن الاستنساخ يعرض(
القطيع المستنسخ) للعدوي السريعة,
وربما للهلاك السريع إذا أصيب واحد
منهم بمرض فسرعان ما يصاب مجموع
المستنسخين بهذا الداء, وقد يقضي
عليهم مرة واحدة, لأن مجموعهم وإن
كانوا كثرة في العدد ـ بمثابة شخص
واحد.
* هل يمكن استخدام الاستنساخ في
الشر إذن؟
بالفعل, إنه لا يؤمن استخدامه في
الشر, كما استخدمت القوة النووية
وغيرها في التدمير وإهلاك الحرث
والنسل, فما الذي يضمن لنا ألا
تأتي بعض القوي الكبري فتستنسخ جيشا
من الأقوياء والعمالقة لتسحق به
الآخرين, أو تمنع الآخرين من
الاستنساخ وتحرمه عليهم في حين تحله
لنفسها, كما فعلوا في الأسلحة
النووية؟
* هل يمكن اعتبار الاستنساخ
باستغنائه عن أحد الجنسين خطرا علي
البشرية إذا تم في عالم البشر؟
نعم الاستنساخ ينافي ظاهرة,
الازدواج, أو سنة الزوجية في
الكون الذي نعيش فيه, فالناس
خلقهم الله أزواجا من ذكر وأنثي,
وكذلك الحيوانات والطيور والزواحف
والحشرات, بل النباتات أيضا كلها,
والجمادات( الكهرباء موجب وسالب,
والذرة إلكترون وبروتون), ويقول
الله تعالي:( ومن كل شيء خلقنا
زوجين لعلكم تذكرون)( الذاريات:49),
والاستنساخ يقوم علي الاستغناء عن
أحد الجنسين, والاكتفاء بجنس
واحد, وهذا ضد الفطرة, وليس في
مصلحة الإنسان.
* هل يمكن استخدام الاستنساخ في
العلاج؟
إن كان المقصود استنساخ( إنسان)
أو( طفل) أو حتي( جنين)
لأخذ منه( قطع غيار) سليمة
تعطي لإنسان مريض, فهذا لا يجوز
بحال, لأنه مخلوق اكتسب الحياة
الإنسانية ـ ولو بالاستنساخ ـ فلا
يجوز التجارة بأجزائه ولا بأعضائه,
ولو كان في المرحلة الجنينية, فقد
أصبحت له حرمة ولكن إذا أمكن استنساخ
أعضاء معينة من الجسم مثل القلب أو
الكبد أو الكلية, أو غيرها,
ليستفاد منها في علاج آخرين محتاجين
إليها, فهذا ما يرحب به الدين
ويثيب عليه تبارك وتعالي لما منه
منفعة للناس, دون إضرار بأحد أو
اعتداء علي حرمة أحد.
* أخيرا: هل الاستنساخ خلق
جديد؟
الاستنساخ ليس كما يتصوره أو يتوهمه
بعضهم( خلقا للحياة) إنما هو
استخدام للحياة التي خلقها الله
تبارك وتعالي, فالبويضة التي
نزعت منها نواتها من خلق الله تعالي
والخلية الحية التي غرست في البويضة
بدل النواة من خلق الله تعالي,
وكلتاهما تعمل في محيطها وفق سنن
الله تعالي التي أقام عليها هذا
العالم.
* هل ترون فائدة عقائدية من
الاستنساخ؟
إن فكرة الاستنساخ أفادت الدين في
تقريب عقيدة أساسية من عقائده,
وهي عقيدة البعث, وإحياء الناس
بعد موتهم لحسابهم وجزائهم في
الآخرة, فقد كان المشركون قديما,
والماديون اليوم يستبعدون فكرة
البعث بعد الموت, وأن يعود
الإنسان نفسه إلي الحياة مرة أخري,
وقد قربت ظاهرة الاستنساخ الأمر,
فبواسطة بويضة وخلية يعود الإنسان
نفسه بصورة جديدة إلي الحياة,
وإذا كان هذا أمرا قدر عليه الإنسان,
أفيستبعد علي قدرة الله أن تعيد
الإنسان مرة أخري إلي الحياة بواسطة
ما سمي في الحديث( عجب الذنب)
الذي لا يفني من الإنسان, أو بغير
ذلك مما نعلمه وما لا نعلمه؟( وهو
الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون
عليه)( الروم:27).
* كيف ترون اكتشاف خريطة الجينات
البشرية؟
نحن نرحب بهذا الاكتشاف الجديد,
الذي اعتبر من أعظم اكتشافات
البشرية في عصورها المختلفة,
والذي جاء بعد جهود مضنية وبحوث
متطاولة, تعاونت فيها أكثر من
دولة غربية وقالوا إنه أعظم من
اكتشاف البنسلين ومن صعود الإنسان
إلي القمر, نتمني أن يستخدم هذا
الاكتشاف في مصلحة البشر التي
يقررها أولو الألباب.
ولا يختلف اثنان في مشروعية استخدام
هذا الاكتشاف في علاج الأمراض
الوراثية عن طريق الجينات المؤثرة
والمسببة في هذه الأمراض, وفقا
للضرر عند الإنسان؟؟ وفقا للقاعدة
الشرعية المستمدة من الحديث النبوي
ومن آيات قرآنية وهي قاعدة( لا
ضرر ولا ضرار) وكما أن الضرر يزال
إذا وقع فينبغي أن يرفع قبل وقوعه ما
أمكن والوقاية خير من العلاج, وقد
قال العلماء: درء المفسدة مقدم
علي جلب المصلحة.
* هل أحطتم علما بالقضية ويمكنكم
تقديم فتوي كما في الاستنساخ؟
لا أستطيع أن أفتي في هذه المسألة
فتوي مفصلة, لأنني لم أحط علما
بحقائق الموضوع, ولا يليق بالعلم
الشرعي أن يقحم نفسه فيما لا يحسنه,
فلكل علم أهله وخبراؤه, كما قال
تعالي:( ولا ينبئك مثل خبير)
وقد جرت عادة المجامع الفقهية في بحث
المسائل الطبية أو العلمية أو
الاقتصادية أن يستدعوا الخبراء
المعروفين في هذه المجالات ثم يكون
الحكم بالجواز أو المنع.
* بصورة عامة كيف تتوجهون في هذه
القضية بعد أن تحدث كثيرون عنها؟
نرجو من أهل العلم أن ينصتوا لأهل
الحكمة ولا يسرفوا في محاولة
استخدام هذا العلم في العبث بفطرة
الله التي فطر الناس عليها بدعوي
تحسين سلالة النوع البشري أو محاولة
صنع إنسان جديد, فلندع الفطرة
تعمل عملها, فإن الخروج علي
الفطرة كثيرا ما تكون عواقبه وخيمة,
ويمكن الاستفادة من اكتشاف الجينوم
البشري في علاج بعض العيوب الخلقية
التي قد يتأذي منها بعض الناس, أو
التشوهات التي تصيب الجنين في بطن
أمه التي قد تكون مصدرا لتعب له
ولأسرته طوال حياته مما يدخل في باب
الضرورات أو الحاجيات للإنسان.
بعد(40)
عاما من فتواه بإباحة الغناء
هل يحل د. القرضاوي الغناء المعاصر
أم يحرمه؟
|
 |
|
 |
|
|