صنعاء
ـ إبراهيم العشماوي
عمان ـ سليم المعاني
جدة ـ آمال رتيب
صوت
المرأة عورة.. ولكن عندما تغني أو
حتي تتحدث.. فهل هو عورة حين تصرخ
أو تئن؟!
السؤال ليس قضيتنا الأساسية..
فإذا كانت المرأة العربية قد حصلت
علي بعض الحقوق خلال نصف قرن من
الجدل والصراع.. فإن في الأفق
ملامح عنف واضح تجاهها.. وإلا فما
معني ومغزي تفجر عدة أزمات في وقت
واحد بسبب تزايد العنف ضد المرأة
والذي يصل أحيانا إلي حد القتل لمجرد
الاشتباه في سلوكها أو حتي نياتها.
المشهد يكاد يتكرر في أكثر من دولة
عربية.. فالأرقام والإحصاءات
تؤكد أن المرأة اليمنية تواجه موجة
من العنف لم تصادفها من قبل.. وفي
الأردن ثار جدل ونقاش ساخن حول حق
الرجل في قتل زوجته أو شقيقته في
حالة سقوطها في الرذيلة.. ولكن من
يقطع بأنها سقطت بالفعل.. ومن
صاحب الحق في تنفيذ حكم الإعدام وفي
الخليج تزايدت حالات الانتحار بين
الفتيات والسيدات بسبب القهر أحيانا..
والنظرة الدونية في أحيان أخري..
فهل قرر العرب التخلي عن المثل
القديم وباتوا في حاجة إلي تكسير كل
ضلوع المرأة.. بدلا من ضلع واحد؟!
في اليمن تبدو المرأة وكأنها في محنة
مؤلمة فالقوانين والدستور ينصفانها
والواقع يظلمها ويقسو عليها..
عشرات بل مئات من حالات العنف ضد
المرأة في اليمن سجلتها منظمات
محلية ودولية حتي بات الأمر ظاهرة
تؤرق المجتمع وتبعث علي التساؤل..
كيف يحدث هذا في بلد حكمته امرأة
مرتين الأولي كانت الملكة بلقيس
والثانية الملكة أروي الصليحية.
وعلي الرغم من النجاح الذي حققته
المرأة اليمنية في مجالات كثيرة
واقتحامها مجالات كانت في السابق
حكرا علي الرجال وتبوئها مناصب
مرموقة منها وكيلة وزارة ونائبة في
البرلمان وسفيرة ومعلمة وطبيبة
وصحفية إلا أن السجلات الرسمية تحفل
بجرائم ضد المرأة اليمنية تتراوح
بين القسوة والعنف والاضطهاد النفسي
ويصل الأمر أحيانا إلي القتل
والاختطاف والاغتصاب. الصورة
تبدو قاتمة بعض الشيء وتمثل ظاهرة
اجتماعية خطيرة حولت حياة بعض
النساء إلي حجيم لا يطاق.
وإذا حاولنا تفسير الأسباب التي
تدفع بالرجل إلي ممارسة العنف ضد
زوجته أو أخته أو أمه أو امرأة تسير
في الشارع سنجد أن هناك إجماعا بأن
هذه الأسباب تبدو متعددة وشائكة
ترتبط أحيانا بالظروف الاجتماعية
والاقتصادية الداخلية وأحيانا
بالعادات والتقاليد أو بالنزعة
العدوانية لدي الرجل أو بالجغرافيا
وإذا تركنا الحديث للأرقام فسنراها
تؤكد أنه في عام1997 سجلت40 حالة
اغتصاب و34 حالة اختطاف و142
حالة اعتداء جسماني و68 حالة
انتحار هذا بخلاف الحالات التي لا
يتم التبليغ عنها رسميا خشية العار
أو الفضيحة وبالنسبة لحالات
الاعتداء الجسماني فإن نصيب مدينة
عدن منها28 جريمة ومدينة إب22
وأمانة العاصمة صنعاء14 جريمة.
ويقول رئيس قسم علم النفس في جامعة
صنعاء الدكتور علي الطارق في تحليله
لأسباب هذه الظاهرة إن ممارسة العنف
ضد المرأة تعود إلي سببين: الأول
يتعلق بالسادية الاجتماعية التي تدل
عليها مقولات ومأثورات مختلفة من
بينها المثل الشعبي القائل بأن:المرأة
كالثور لا يسير في طريق مستقيم أثناء
حرثه للأرض إلا عندما يضرب وقولهم:المرأة
كالحذاء دس عليها ما استطعت ثم
اخلعها فأصبح العنف ضد النساء قيمة
اجتماعية بشقيه المادي والمعنوي
والسبب الثاني: يتعلق بالسادية
النفسية حيث يهرب الرجل من مشاكله
النفسية والاجتماعية ويسقط عدوانه
علي الأكثر ضعفا ذكرا كان أم أنثي.
ولكن الدكتور محمد عبيد الأستاذ في
جامعة صنعاء يذهب في تحليله لهذه
الظاهرة إلي وجود ارتباط بين أنماط
العنف الموجه ضد المرأة وبين
الخصوصيات الجغرافية إذ ترتفع حدة
العنف في المناطق الجبلية والقبلية
وتقل في المناطق الساحلية في حين يري
الباحث الاجتماعي نبيل عبد الله
طاهر أن العنف ضد المرأة يرجع إلي
طبيعة المجتمع ومدي انسجامه بما
ينعكس علي العلاقات بين أفراد
المجتمع وعلي علاقة الرجل بالمرأة
ونظرة كل منهما إلي الآخر.
فالمرأة من جانبها ضعيفة ومستضعفة
والرجل هو الطرف الأقوي في المعادلة
الاجتماعية بحكم العادات والتقاليد
التي تؤيده وبحكم الطبيعة القبلية
للمجتمع.
نماذج صارخة
إحدي السيدات تشكو من أن زوجها
يضربها لأتفه الأسباب حتي إنه في
إحدي المرات كسر لها أنفها وعندما
تذهب إلي بيت أهلها يعيدونها بالقوة
إلي زوجها. سيدة أخري تعرضت
لبشاعة لم يسبق لها مثيل حين أحضر
زوجها فأسا وقطع رجلها اليمني مدعيا
أن بها جن! وأخري تعرضت للضرب من
أخيها لتتنازل له عن صحتها من
الميراث وأخريات يتعرضن للمضايقات
والشتائم في الشارع والإيذاء أيضا
فضلا عن حالات الاختطاف والاغتصاب
التي تتعرض لها المرأة اليمنية مما
يؤدي إلي تلويث سمعتها وشرفها وشرف
أسرتها حيث تشير الدراسات إلي أن40%
من إجمالي المغتصبات هن من الإناث
اللواتي لم يبلغن سن الخامسة عشرة
بعد.
ومن جانبه يتحدث الدكتور خالد طميم
المختص بعلم الاجتماع الجنائي
والأستاذ المساعد بقسم علم الاجتماع
في كلية الأداب جامعة صنعاء قائلا:
أن ظاهرة العنف ضد المرأة يتباين
انتشارها من الريف إلي المدينة ومن
طبقة إلي أخري وتعود في جزء منها إلي
تعاطي رب الأسرة للمخدرات والخمور.
وفيما يتعلق بظاهرة العنف عند
الشباب يقول الدكتور أحمد الزعبي من
قسم علم النفس في كلية الأداب إن
العنف أكثر انتشارا لدي الشباب حيث
إن المرحلة العمرية وما يرتبط بها من
خصائص النمو تشكل سياقا يسهل صدور
الاستجابة العدوانية في ظل توافر
شروط معينة كما أن خصائص الشباب
النفسية تجعلهم أكثر انفعالا
واستعدادا للعدوان من غيرهم وأقل
قدرة علي كبت مظاهر غضبهم بالإضافة
إلي حاجتهم الكبيرة إلي تأكيد
ذواتهم حيث يرتبط عندهم العدوان
بالشعور بالإحباط والإحساس بفقدان
الثقة بالنفس وبالآخرين وقد يكون
العدوان طبيعيا أو مرضيا.
والسؤال الآن: كيف يمكن معالجة
الظاهرة وحماية المرأة من عنف
الرجال وكيف نستطيع أن نحافظ علي
حقوقها التي كفلتها لها كل القوانين
والشرائع السماوية؟ تجيب الدكتورة
خديجة الهيصمي أستاذ العلوم
السياسية وإحدي القيادات النسائية
في اليمن بأن قضية العنف ضد المرأة
تخص المجتمع بجميع مؤسساته وأن
المرأة اليمنية تحاول نقل العنف
الممارس ضدها من الشأن الخاص إلي
الشأن العام لأنه عنف سلوكي ومنهجي
يعني المجتمع بأكمله كما تحاول من
خلال المنظمات والمراكز النسائية
نشر الوعي حول ظاهرة العنف وأسبابها
وأشكالها لأن قوانين الأحوال
الشخصية تحمي المرأة من العنف ولكن
هذه القوانين غير ملزمة لأن المرأة
غالبا تحتكم إلي العادات والتقاليد
والأعراف السائدة خارج المحاكم
فالمجتمع ينظر نظرة سلبية إلي
المرأة التي تلجأ إلي القضاء.
والموضوع هنا ليس طرفة أو حكاية من
الخيال وإنما حقيقة حيث تشكلت
بالفعل محكمة النساء العربية في
بيروت عام1995 لمواجهة ظاهرة العنف
والتعرف علي أسبابها وإيجاد آلية
للتصدي لها وهذه المحكمة الرمزية
التي تحمل اسم( المحكمة العربية
الدائمة لمناهضة العنف ضد النساء)
تعمل علي مكافحته وعلي غرارها تشكلت
في اليمن لجنة لمناهضة العنف ضد
النساء تشبه في أهدافها أهداف
المحكمة العربية وتتمثل في نقل
العنف الممارس ضد النساء من الشأن
الخاص إلي الشأن العام ونشر الوعي
حول هذه الظاهرة وأسبابها وأشكالها
ورصد وتوثيق حالات العنف ضد النساء.
ويشعر اليمنيون إن الوعي ورفع مستوي
تعليم الفتيات وتغيير النظرة
الاجتماعية تدريجيا إلي المرأة
ستكون عوامل حاسمة تشكل علاجا ناجعا
لمشكلة العنف بكل أصنافه وأنواعه.
اقتلها.. ولا تخف!
ولأن المرأة اليمنية ليست خارج
السياق العام لواقع المرأة العربية..
فإن المشهد في الأردن يتشابه مع
نظيره اليمني في القتامة ويختلف في
التفاصيل.. فثمة جدل واسع في
العاصمة الأردنية بين أنصار إلغاء
المادة(340) من قانون العقوبات
ومعارضي الإلغاء واحتدم النقاش علي
صفحات الجرائد, وتصاعدت حدة
وتيرة الاتهام والتخوين والتشكيك,
إلي أن وصلت إلي مشارف التكفير.
وقصة المادة(340) من قانون
العقوبات الأردني أنها تمنح حكما
مخففا لكل من يقدم علي قتل إحدي
محارمه إن ضبطها متلبسة بجريمة
الزنا. لكن المشكلة تكمن في عدم
فهم هذا النص فهما عميقا مما أدي إلي
قتل عشرات الفتيات أو النسوة في
الأردن ظلما, وبهتانا, وهن
بريئات مما كان سببا في قتلهن كبراءة
الذئب من دم يوسف ـ عليه السلام ـ
وهناك عدة قصص غاية في الألم,
وتشكل مأساة إنسانية حقيقية حين
تثبت براءة وطهارة من قتلت بسبب فعل
لم ترتكبه.
وتلك القصص غيض من فيض مما حدث ويحدث
في الأردن وربما ينسحب ـ أيضا ـ علي
معظم الأقطار العربية ـ إن لم نقل
كلها, فالقصة الأولي تروي أن
شابين في مقتبل العمر تشاجرا وعير
أحدهما الآخر بشقيقته ـ تحديدا ـ
والبالغة من العمر سبعة عشر عاما
وادعي أن لها علاقة مع شاب آخر.
فما كان من شقيقها الأرعن إلا أن
توجه فورا إلي مدرسة شقيقته,
وبمجرد خروجها من باحة المدرسة أفرغ
عدة عيارات نارية من مسدسه وقام
بتسليم نفسه للشرطة, وبعد
التحقيق وتشريح المجني عليها,
ثبت أنه لم يمسها بشر, وأنها
طاهرة عفيفة, وقصة اتهامها من
أولها إلي آخرها مفتعلة!!
وقصة أخري مفادها أن فاعل خير ذهب
إلي صديقه خال إحدي الطالبات في الصف
العاشر, أي أن عمرها لم يتجاوز
السادسة عشرة ـ وهمس في أذنه أن ابنة
شقيقته ـ تلك ـ لها علاقة غرامية مع
شاب, فما كان من الخال إلا أن ذهب
إلي الشاب العاشق وأفزعه, وأخذ
منه الرسائل التي كانت تسلمها له
محبوبته خلال عبورها زقاقا ما أو
شارعا فرعيا في غفلة من أعين المارة,
وغالبا ما تكون الرسالة داخل طيات
كتاب مدرسي, أو كراسة تناولها
للعاشق علي عجل, وتدير ظهرها
مولية الأدبار!!
وحمل الخال تلك الغنيمة وقام
بتسليمها إلي ابن أخته شقيق الفتاة
طالبا منه أن يغسل العار تحقيقا
لمقولة الشاعر:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذي
حتي يراق علي جوانبه الدم
فما كان من الشقيق إلا أن انتظر عودة
شقيقته من المدرسة, واختلي بها,
واشهر مسدسه نحو رأسها, طالبا منها
أن تبتلع مجموعة من الأقراص(
الكبسولات) هي من السم الزعاف,
وإلا فإنه سيجعل عظيمات جمجمتها
تتطاير في كل الاتجاهات ولم تجد
توسلاتها البريئة ولا دموعها
البائسة أي أذن ولم يبد أي استعداد
للإجابة عن دوافعه أو الأسباب التي
دفعته لأن يجعلها تختار أحد
الخيارين الذين أحلاهما الموت وبدأت
الفتاة المسكينة في تناول تلك
الأقراص التي ظهر مفعولها بعد فترة
زمنية قياسية, فتراخت أطرافها
وسال لعابها وشخصت عيناها.. إلي
أن خمدت أنفاس الموءودة وأصبحت جثة
هامدة, فحملها الشقيق الشهم
ووضعها في سيارته وتوجه بها مسرعا
نحو الطبيب مدعيا أنها في حالة
انتحار وأنه يحاول إنقاذها..!!
وتدور الدوائر... ويذوب الثلج,
ويظهر الذي تحته ـ كما يقولون ـ
ويثبت أن علاقة الفتاة المغدورة
بحبيبها لم تتعد الرسائل,
واللقاءات العابرة السريعة التي
كانت تتم خلال عملية تسليم وتسلم
الرسائل التي لم يحملها البريد!!
تعديل قانون العقوبات
ونعود إلي المادة(340) من قانون
العقوبات الأردني.. والتي تنص علي
ما يلي:
* يستفيد من العذر المحل( بضم
الميم وكسر الحاء) من فاجأ زوجته
أو إحدي محارمه في حالة تلبس بالزنا
مع شخص أخر, وأقدم علي قتلهما أو
جرحهما, أو إيذائهما كليهما أو
أحدهما.
* يستفيد مرتكب القتل أو الجرح أو
الإيذاء من العذر المخفف إذا فاجأ
زوجته أو إحدي أصوله أو فروعه أو
أخواته مع آخر علي فراش غير مشروع!!
وقد نشطت منظمات حقوق الإنسان
والقطاع النسائي في الأردن بهدف
إلغاء هذه المادة وعقدت الندوات
والمؤتمرات لأجل هذه الغاية, إلي
أن أصبحت حملة منظمة تبنتها الحكومة
الأردنية, فتقدمت إلي مجلس
النواب الأردني بمشروع قانون يلغي
هذه المادة إلا أن المجلس وبعد
مناقشات حامية رد المشروع مرتين
باعتباره يمثل خرقا للمجتمع الأردني
المحافظ!!
وفي المقابل أصدرت لجنة علماء
الشريعة الإسلامية في حزب جبهة
العمل الإسلامي أكبر الأحزاب
الأردنية فتوي شرعية تتضمن تحريم
إلغاء تلك المادة, وأن ذلك يشكل
مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية
وتذهب الفتوي إلي القول:
إن المتأمل في هاتين الفقرتين من تلك
المادة يتبين أنه لا علاقة للمادة
بمن قتل عن شبهة ـ كما يعتقد البعض ـ
وإنما نتحدث عن رجل فاجأ زوجته,
أو إحدي محارمه متلبسة بالزنا مع شخص
آخر, وثارت فيه حميته وغيرته
المشروعة, في الغضب للعدوان علي
عرضه, وتدنيس فراشه, ورأي رأي
العين رجلا مع زوجته, أو إحدي
محارمه يزني بها, فأعطته هذه
المادة العذر( المحل) من
العقوبة إذا أقدم علي قتلها أو قتل
أحدهما, أو جرحهما, أو آذاهما
ساعة الرؤية وهو في حالة غليان الغضب!!
وتساءل علماء المسلمين: فأين نص
هذه المادة ممن يقتلون البريئات
بناء علي الشبهة ولم يروا, ولم
يفاجئوا إذ لا تشملهم المادة من قريب
أو بعيد.
وأكد حزب جبهة العمل الإسلامي أن حذف
هذه المادة يعني قتل خصائص أبناء
الأردن العربية والإسلامية بالغيرة
الشريفة المقدسة علي أعراضهم
وأزواجهم وبناتهم وأخواتهم
ومحارمهم. وحذف هذه المادة يعني
أنه من فوجيء ورأي رجلا يزني بزوجته
أو إحدي محارمه, فلا يجوز له أن
يغضب, وعليه أن يضبط أعصابه,
ويذهب إلي أقرب مركز أمني ليشتكي حيث
تكون الجريمة قد أخفيت, وتوارت عن
الأنظار, وهذا مخالف لشرع الله ـ
تعالي ـ وفي حذف هذه المادة تشجيع
علي إشاعة الفاحشة ودعوة إلي قتل
الغيرة الإيمانية والحمية
الإسلامية. وقول الله تعالي ماثل
بين أيدينا:إن الذين يحبون أن
تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم
عذاب أليم في الدنيا والآخرة,
والله يعلم, وأنتم لا تعلمون...
ويتابع علماء حزب جبهة العمل
الإسلامي فتواهم بقولهم:إذا كان
المشرعون الأجانب قدروا للزوج أو
القريب المحرم هذه الثورة,
وأعطوه العذر المحل, وهم الذين
يعيشون في جو من الإباحية والتساهل
في العلاقات بين الرجال والنساء ألا
نعطي ـ نحن ـ في مجتمعنا العربي
والإسلامي هذا العذر المحل؟
العنف النفسي
والعنف لا يقتصر علي الإيذاء البدني
المباشر.. وإنما يشمل أيضا العنف
النفسي الذي يؤدي إلي مخاطر أكثر حدة
علي المرأة.. والدليل ما يحدث
لبعض الخليجيات اللاتي يجدن أنفسهن
في لحظة ما في مواجهة قرار الانتحار..
فالمرأة الخليجية التي كانت موضع
حسد لحياتها الرغدة بدأت تطفو علي
سطح حياتها هموم وعذابات بسبب قهر
المجتمع, وبات طبيعيا أن تنشر
الصحف أخبارا عن انتحار فتاة حرقا أو
سيدة بجرعة مهدئة أو أدوية مثبطة
للدورة الدموية.. أما المستشفيات
ومراكز العلاج النفسي والعصبي فلا
تخلو من صرخات وأنات نساء لم يعتدن
البوح والفضفضة.
هذا الواقع لا يعني أن المرأة
الخليجية بصفة عامة تخضع للقهر
والعنف.. ولكن هناك حالات كثيرة
يصل فيها الأهل والعشيرة إلي درجة من
القهر والضغط النفسي تجعل الفتاة أو
المرأة أقرب إلي الرغبة في إنهاء
حياتها.. ويقول الدكتور حسان
المالح استشاري الطب النفسي في جدة
إن محاولات الانتحار أو إيذاء النفس
تنتشر بنسبة أكبر في سن المراهقة
ولدي الفتيات علي وجه التحديد,
وهي تشكل مشكلة واسعة الانتشار في
الغرب, كما أنها ليست نادرة في
مجتمعاتنا, والخطر الأساسي هو أن
تؤدي هذه المحاولات إلي الموت
والانتحار الكامل, وتختلف
الدوافع والحالات التي يمكن أن تؤدي
إلي محاولة الانتحار وفي مقدمتها
الضغوط الأسرية والاجتماعية والفشل
العاطفي ومرض الاكتئاب, كما أن
الشخصية الاندفاعية الهيسترية
والشخصية الحدودية غير المتوازنة
تكون مهيأة أكثر لاتخاذ قرار
الانتحار.. وعندما تفشل المرأة في
التعبير السليم والتحقيق المناسب
لحاجاتها ورغباتها ربما تلجأ إلي
هذا الأسلوب الانسحابي, ولكن
المجتمع الخليجي بصفة عامة لا يشجع
مثل هذا السلوك الخاطيء مما يبقي هذه
الظاهرة في نسب متدنية للغاية.
ويري الدكتور خالد النجار استشاري
الطب النفسي في مستشفي جدة الوطني أن
معدلات انتحار المرأة في المنطقة
العربية تعتبر قليلة بالمقارنة مع
المجتمعات الغربية وذلك رغم
محاولاتها الظاهرة للانتحار والتي
لا تنتهي بالانتحار الفعلي,
وتعتبر الرغبة في الانتقام والعقاب
والتضحية الوهمية وأحيانا الهروب من
اللوم والشعور بالذنب من أهم
الدوافع الشخصية للانتحار.. وإذا
كان الزواج المبكر بالنسبة للمرأة
الخليجية يحميها من دوافع الانتحار
فإنه قد يكون سلاحا ذا حدين, فعلي
الرغم من عدم وجود دراسات علمية
دقيقة عن معدلات الطلاق في منطقة
الخليج إلا أنه يمكننا القول إنه بات
من الملاحظ ارتفاع معدلات الطلاق
مما يترتب عليه في الكثير من الأحيان
فقدان الثقة في النفس والانتماء ومن
ثم الاقدام علي الانتحار.
إذن.. فهي قضية العنف ضد الذات
والذي يتولد عن العنف الاجتماعي
الموجة إلي المرأة.. وترجع
الدكتورة هناء المطلق الأستاذ
المساعد في قسم علم النفس جامعة
الملك سعود أسباب زيادة معدلات
الانتحار بين النساء أو العنف ضد
الذات ـ كما تسميه ـ إلي التنشئة
الخاطئة أو الظلم الاجتماعي والذي
يغرس في الفتاة أنها دائما علي خطأ
مما يسبب لها الاكتئاب, وسرعة
الانهزام أو الاستسلام بالإضافة إلي
اتساع مفاهيم العيب والعار فالمرأة
في بعض المجتمعات العربية لاتتم
معاملتها باعتبارها شريكا ولكن هناك
توقعات عالية دائما تطالب المرأة
بمالا طاقة لها به, كما أصبح من
الملاحظ الابتعاد عن التربية
الإسلامية الصحيحة وتسلط ولي الأمر
ضد المرأة ـ وبالتالي فإن المرأة
التي تتعرض لهذا الضغط منذ الصغر ومن
الطبيعي أن يتسرب إلي نفسها أنها
متهمة ومدانة مسبقا, لذا فهي في
حالة دائمة من نفي التهمة لأنها
محملة بمسئولية كبيرة غير معروفة
وغير محددة, وهناك سيف مسلط عليها
بأنها خرقت كل الحدود.
وتضيف د. هناء المطلق أن الأزمة
تكمن في أن المرأة العربية عامة
والخليجية خاصة تشعر بأنها مضطهدة..
وبمعني أدق مضطهدة من أجل نفسها
ولكونها أنثي وبالتالي تصبح نطرتها
إلي ذاتها وإلي بنات جنسها خاطئة منذ
البداية.. فتسلط هذا السيف علي
ذاتها ويندرج تحت الشعور بالدونية
وعدم الأحقية في جميع الحقوق
الإنسانية مثل الأحقية في الدفاع عن
نفسها ضد العنف بل وفي المرض
والرعاية الصحية.