إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

  

الأهرام: نص الخبر    
تعليق

د‏.‏ القرضاوي يواصل إجاباته علي القراء
ارفض تكفير الرويشد

إعداد‏:‏ د‏.‏ حسن علي دبا

انشغل مفتي الصحوة الإسلامية في سبعينيات القرن الماضي بقضية انحراف الفكر لدي بعض الإسلاميين‏,‏ وتصدي بقوة لمنطق تكفير الآخرين الذي أرادت بعض الجماعات أن تنشغل به في محاولة لامتلاك مقدس هو من سلطات الرب‏,‏ أعني مهمة إصدار الحكم علي الآخرين خاصة فيما يتعلق بالحكم علي العقيدة‏,‏ فرغم أهمية الصحة العقيدية في حياة المسلم‏,‏ فإن الحكم بصحتها من عدمه ليس ملكا للآفراد بل هو ملك لله تعالي‏.‏
من تكفير الرويشد ـ المطرب الكويتي المعروف ـ إلي سبيل المسلم للتعامل مع أهل الكتاب خاصة في أعيادهم إلي ما أثير عالميا حول جواز قتل الرحمة يمضي‏,‏ الفقيه المعاصر هذا الأسبوع مجيبا عن أسئلة قراء الأهرام العربي‏:‏
‏*‏ أصدر أحد علماء الإسلام في المملكة العربية السعودية حكما بتكفير المطرب الكويتي عبدالله الرويشد‏,‏ وأوجب قتله من ولي الأمر دون أن يستتاب‏,‏ طبقا لزندقته وذلك لما وصل إلي الشيخ من غناء الرويشد لسورة الفاتحة‏,‏ كيف يفكر المسلمون في هذه القضية‏:‏ هل يجوز اتهام الرويشد بالكفر لفعله‏,‏ ويجب قتله؟

الرويشد بريء

لا يجب أن نلصق تهمة الكفر والردة علي عبدالله الرويشد‏,‏ واتهام الرجل بالكفر افتئات عليه واختلاق‏,‏ وحتي إذا صحت الفتوي التي نسبت إلي الشيخ الشعيبي‏,‏ فإنني لا أوافقه علي أن تضمين القرآن في الشعر يعد كفرا‏,‏ بل اعتبره أمرا أقره الشعراء والقدماء منذ قديم الزمن‏.‏
ولقد ضمنت مسرحيتي التي كتبتها ـ وضاعت مع الزمن ـ وهي مسرحية يوسف الصديق عددا من آيات سورة يوسف‏,‏ وهذا لا يجعل من هذه الآيات قرآنا حين تدخل في الشعر‏,‏ وإن ما غناه الرويشد منذ زمن لا يعد تلحينا للفاتحة ولا للقرآن‏(‏ وذلك بعد أن شاهده علي إحدي الفضائيات العربية أخيرا‏)‏
‏*‏ كيف ترون فقه الاستتابة الذي منعته الفتوي المذكورة؟
من المعروف أن المرتد يستدعي ويناقش ويستتاب وتطلب منه التوبة‏,‏ ومن قال إن الاستتابة غير مطلوبة‏,‏ إنها ليست فرصة لقطع الرقبة‏!‏

أسباب ظاهرة التكفير

‏*‏ كيف ترون ظاهرة التكفير بعد أن تصديتم لها منذ أكثر من ربع قرن خاصة حين انتشرت زمنا بين شباب التيار الإسلامي؟
أسباب ظاهرة التكفير تتمثل في عدة أمور منها‏:‏ انتشار الكفر والردة الحقيقية جهرة في مجتمعاتنا الإسلامية واستطالة أصحابها وتبجحهم بباطلهم واستخدامهم أجهزة الإعلام وغيرها لنشر كفرياتهم علي جماهير المسلمين دون أن يجدوا من يردعهم أو يرد عليهم ضلالهم وغيهم‏,‏ ومنها‏:‏ تساهل بعض العلماء في شأن هؤلاء الكفرة الحقيقيين وعدهم في زمرة المسلمين‏,‏ والإسلام منهم براء‏,‏ ومنها اضطهاد حملة الفكر الإسلامي السليم والدعوة الإسلامية الملتزمة بالقرآن والسنة والتضييق عليه‏,‏ في أنفسهم ودعوتهم‏,‏ والاضطهاد والتضييق لأصحاب الفكر الحر لا يولد إلا اتجاهات منحرفة تعمل تحت الأرض في جو مغلق بعيدا عن النور والحوار المفتوح‏,‏ ومنها‏:‏ قلة مثلهم مثل هؤلاء الشبان الغيورين‏,‏ من فقه الإسلام واصوله وعدم تعمقهم في العلوم الإسلامية واللغوية الأمر الذي جعلهم يأخذون بظاهر النصوص وينسون المحكمات أو يأخذون بالجزئيات ويغفلون القواعد الكلية‏,‏ أو يفهمون بعض الآيات فهما سطحيا سريعا‏,‏ والإخلاص وحده لا يكفي ما لم يسنده فقه عميق لشريعة الله وأحكامه‏,‏ وإلا وقع صاحبه فيما وقع فيه الخوارج‏.‏

الشيوعيون والعلمانيون

‏*‏ في رأيكم ما الفئات التي تستحق التكفير في العصر الحاضر؟
ينبغي أن يكفر من يجاهرون بالكفر دون استحياء‏,‏ ونكف عمن ظاهرهم الإسلام أو إن كان باطنهم خرابا ويقولون آمنا بألسنتهم‏,‏ ولم تؤمن قلوبهم‏,‏ أو لم تصدق أعمالهم أقوالهم‏,‏ فلهم في الدنيا أحكام المسلمين بمقتضي ظاهرهم‏,‏ وهم في الآخرة في الدرك الأسفل من النار بموجب ما يبطونه من كفر‏,‏ ومن الكفرة الذين يجب أن يدفعوا بالكفر دون مواربة ولا استخفاء‏:‏ الشيوعيون المصرون علي الشيوعية الذين يؤمنون بها فلسفة ونظام حياة رغم مناقضتها الصريحة لعقيدة الإسلام وقيمه والذين يؤمنون بأن الدين ـ كل الدين ـ أفيون الشعوب ويعادون الأديان عامة‏,‏ ويخصون الإسلام بمزيد من العداوة والنقمة‏,‏ لأنه عقيدة ونظام وحضارة كاملة والحكام العلمانيون ورجال الأحزاب العلمانية الذين يرفضون من جهرة شرع الله‏,‏ وينادون بأن الدولة يجب أن تنفصل عن الدين‏,‏ وإذا دعوا إلي حكم الله ورسوله أبوا وامتنعوا وأكثر من ذلك أنهم يحاربون أشد الحرب من يدعون إلي تحكيم شريعة الله والعودة إلي الإسلام مثلهم مثل والنصيرية والإسماعيلية من الفرق الباطنية‏,‏ ومثلهم في عصرنا‏:‏ البهائية أي هي دين جديد قائم برأسه‏,‏ ويقاربهم القاديانية التي جاءت بنبوة بعد محمد صلي الله عليه وسلم الذي ختم الله به النبيين‏.‏

بين الشخص والنوع

‏*‏ كيف تري وسيلة لضبط اتهام شخص محدد بالكفر؟
يجب أن نلفت النظر إلي ما قرره المحققون من العلماء من وجوب التفرقة بين الشخص والنوع في قضية التكفير‏,‏ فنقول‏:‏ الشيوعيون كفار‏,‏ أو الحكام العلمانيون الرافضون لحكم الشرع كفار‏,‏ أو من قال كذا أو دعا إلي كذا فهو كافر‏,‏ فهذا وذاك حكم علي النوع‏,‏ فإذا تعلق الأمر بشخص معين ينتسب إلي هؤلاء أو أولئك وجب التوقف للتحقق والتثبت من حقيقة موقفه بسؤاله ومناقشته حتي تقوم عليه الحجة وتنتفي الشبهة وتنقطع المعاذير‏.‏

مجاملة بحدود

‏*‏ ماذا يحل للمسلم من مجاملة أهل الكتاب في مناسباتهم الدينية المختلفة ماذا يحرم عليه‏,‏ علما بأننا نعيش في إحدي الدول الأوروبية؟
وضع القرآن الكريم دستور العلاقة بين المسلمين وغيرهم في آيتين من كتاب الله تعالي في سورة الممتحنة‏,‏ وقد نزلت في شأن المشركين الوثنيين فقال‏:(‏ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا علي إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون‏)‏ وقد فرقت الآيتان بين المسالمين للمسلمين والمحاربين لهم‏:‏ فالأولون شرعت الآية ببرهم والإقساط إليهم والقسط يعني العدل‏,‏ والبر يعني الإحسان والفضل وهو فوق العدل‏,‏ وأما الآخرون الذين نهت الآية عن موالاتهم فهم الذين عادوا المسلمين وقاتلوهم وأخرجوهم من أوطانهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله كما فعلت قريش ومشركو مكة بالرسول وأصحابه‏,‏ وقد روي الشيخان عن أسماء بنت أبي بكر أنها جاءت إلي النبي فقالت يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي مشركة‏,‏ وهي راغبة‏,‏ أي في صلتها والإهداء إليها‏,‏ أفأصلها‏,‏ قال‏:‏ صلي أمك‏,‏ هذا وهي مشركة‏,‏ ومعلوم أن موقف الإسلام من أهل الكتاب أخف من موقفه من المشركين الوثنيين حتي إن القرآن أجاز موآكلتهم ومصاهرتهم‏,‏ ومن لوازم هذا الزواج وثمراته وجود المودة بين الزوجين وكيف لا يود الرجل زوجته وربة بيته وشريكة عمره وأم أولاده‏,‏ ومن لوازم هذا الزواج وثمراته المصاهرة بين الأسرتين وهي إحدي الرابطتين الطبيعيتين الأساسيتين بين البشر‏,‏ ومن لوازمه‏:‏ وجود الأمومة ومالها من حقوق مؤكدة علي ولدها في الإسلام‏,‏ فهل من البر والمصاحبة بالمعروف أن تمر مناسبة مثل عيد عند الأم‏(‏ من أهل الكتاب‏)‏ ولا يهنئها به؟ فإذا كان حق الأمومة والقرابة يفرض علي المسلم والمسلمة صلة الأم والأقارب بما يبين حسن خلق المسلم ورحابة صدره ووفائه لأرحامه‏,‏ فإن الحقوق الأخري توجب علي المسلم أن يظهر بمظهر الإنسان ذي الخلق الحسن‏,‏ وقد أوصي الرسول الكريم أبا ذر بقوله اتق الله حيثما كنت‏,‏ وأتبع السيئة الحسنة تمحها‏,‏ وخالق الناس بخلق حسن‏,‏ ولم يقل خالق المسلمين بخلق حسن‏!‏ كما حث النبي صلي الله عليه وسلم علي الرفق في التعامل مع غير المسلمين وحذر من العنف والخشونة في ذلك‏.‏
وتتأكد مشروعية تهنئة القوم‏(‏ أهل الكتاب‏)‏ بهذه المناسبة إذا كانوا يبادرون بتهنئة المسلم بأعياده الإسلامية‏,‏ فقد أمرنا أن نجازي الحسنة بالحسنة‏,‏ وأن نرد التحية بأحسن منها أو بمثلها علي الأقل‏,‏ كما قال تعالي‏:(‏ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها‏),‏ ولا يحسن بالمسلم أن يكون أقل كرما وأدني حظا من حسن الخلق من غيره‏,‏ وروي أن مجوسيا قال لابن عباس‏:‏ السلام عليكم‏,‏ فقال ابن عباس‏:‏ وعليكم السلام ورحمة الله‏,‏ فقال بعض أصحابه‏:‏ تقول له‏:‏ ورحمة الله؟ فقال‏:‏ أو ليس في رحمة الله يعيش؟‏!‏

التهنئة مشافهة أو مكاتبة

فلا مانع إذن أن يهنيء المسلم أهل الكتاب‏,‏ أو يهنئهم المركز الإسلامي‏(‏ في الغرب‏)‏ مشافهة أو بالبطاقات التي لا تشتمل علي شعار أو عبارات دينية تتعارض مع مباديء الإسلام مثل‏(‏ الصليب‏)‏ فإن الإسلام ينفي فكرة الصليب ذاتها‏(‏ وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم‏),‏ والكلمات المعتادة للتهنئة في مثل هذه المناسبات لا تشتمل علي أي إقرار لهم علي دينهم أو رضا بذلك‏,‏ إنما هي كلمات مجاملة تعارفها الناس‏.‏
‏*‏ هل يمكن قبول هدايا منهم؟
لا مانع من قبول الهدايا منهم‏,‏ مكافآتهم عليها‏,‏ فقد قبل النبي صلي الله عليه وسلم هدايا غير المسلمين مثل المقوقس عظيم القبط بمصر وغيره‏,‏ بشرط ألا تكون هذه الهدايا مما يحرم علي المسلم كالخمر ولحم الخنزير‏.‏

لا للكريسماس


‏*‏ لكن ابن تيمية شدد علي مسألة المشاركة في أعياد المشركين وأهل الكتاب في كتابه المعروف اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أهل الجحيم؟
أنا معه في مقاومة احتفال المسلمين بأعياد المشركين وأهل الكتاب‏,‏ كما نري بعض المسلمين يحتفلون بالكريسماس كما يحتفلون بعيد الفطر وعيد الأضحي‏,‏ وربما أكثر وهذا لا يجوز‏,‏ فنحن لنا أعيادنا‏,‏ وهم لهم أعيادهم‏,‏ ولكن لا أري بأسا من تهنئة القوم بأعيادهم لمن كان بينه وبينهم صلة قرابة أو جوار أو زمالة أو غير ذلك من العلاقات الاجتماعية التي تقتضي المودة وحسن الصلة التي يقرها العرف السليم‏.‏
‏*‏ لكن هل فقه ابن تيمية ـ وهو اجتهاد في عصره‏,‏ يمكن أن ينطبق كله علي فقه عصرنا الحاضر؟
لا يخفي أن شيخ الإسلام قد أفتي في هذه القضية في ضوء أحوال زمنه‏,‏ ولو عاش رضي الله عنه في زمننا ورأي تشابك العلاقات بين الناس بعضهم وبعض وتقارب العالم حتي غدا كأنه قرية صغيرة‏,‏ ورأي حاجة المسلمين إلي التعامل مع غير المسلمين‏,‏ وأنهم أصبحوا أساتذة للمسلمين ـ مع الأسف ـ في كثير من العلوم والصناعات‏,‏ ورأي حاجة الدعوة الإسلامية إلي الاقتراب من القوم وإظهار المسلم بصورة الرفق لا العنف‏,‏ والتبشير لا التنفير ورأي أن تهنئة المسلم جاره أو زميله أو أستاذه في هذه المناسبة لا تحمل أي رضا من المسلم عن عقيدة المسيحي لو عاش ابن تيمية إلي زمننا ورأي هذا كله‏,‏ لغير رأيه ـ والله أعلم ـ أو خفف من شدته‏,‏ فقد كان رضي الله عنه يراعي الزمان والمكان والحال ف

 

في الحلقة القادمة‏:‏

القرضاوي يفض الاشتباك في حكاية تأجير الأرحام

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر