النجار والحاجة الملحة لعلاج نفسى

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر    
تعليق

 

الدكتور زغلول النجار يحمل للعالم أسرار ألف آية‏:‏
نحن أمة متخلفة‏..‏ ومهزومة 

النجار والحاجة الملحة لعلاج نفسى

الكويت ـ عبدالرحمن سعد

مثلما فجر في داخلنا مساحات العلم والإعجاز في القرآن الكريم‏..‏ أشعل البعض مساحات الأرض تحت قدميه‏..‏ وبينما يعكف علي طرح مشروعه التفسيري الجديد ـ إلي حد ما ـ للقرآن‏..‏ انهالت عليه الاتهامات من كل صنف ونوع‏.‏
لكنه مازال يسير في طريقه الذي اصطف علي جانبيه علماء وشخصيات أجنبية عديدة انبهرت بهذا الطرح‏..‏ فأعلنت إسلامها‏..‏ وأشهرت الشهادة وسط الكنائس والمعابد‏.‏
لذا‏..‏ كان ضروريا أن نحاور الدكتور زغلول النجار العالم المصري وأستاذ علوم الأرض في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن وزميل أكاديمية العلوم الإسلامية والذي أثارنا‏..‏ وأثار الغبار حول تخلفنا التاريخي‏.‏
في البداية يؤكد د‏.‏ النجار أن القرآن الكريم يتضمن حقائق علمية لم يتم الكشف عنها إلا منذ سنوات‏,‏ ولو أن المسلمين أحسنوا الاستفادة من الإعجاز العلمي للقرآن‏,‏ لودعوا التخلف‏,‏ وكان لهم شأن آخر بين الأمم‏,‏ وبدلا من أن يتعرضوا لفرض العولمة عليهم‏,‏ لغيروا العالم إلي عالم مسلم‏,‏ لا مكان فيه لتعاسة الإنسان‏,‏ وشقائه الحالي‏,‏ بتخلفه المعنوي‏,‏ والروحاني‏,‏ والأخلاقي‏,‏ وتخبطه العقائدي‏,‏ والفكري‏,‏ في ظل غيبة الدين‏,‏ وجفاف الروح‏.‏
‏*‏ ما المقصود بتعبير الإعجاز العلمي للقرآن الكريم؟ ومن أين جاء؟
الأمر بسيط للغاية‏..‏ إن القرآن الكريم هو كلام الله تعالي‏,‏ ومن ثم لابد يكون مغايرا لكلام البشر‏,‏ أي متميزا عنه بميزات يعجز البشر عن تحقيقها من الكمال‏,‏ والشمول‏,‏ والإحاطة‏,‏ ودقة التعبير‏,‏ وجمال النظم‏,‏ وروعة الإشارة‏,‏ وصدق الإخبار في كل قضية من القضايا التي تعرض لها‏..‏ هذا هو المقصود بـ إعجاز القرآن الكريم‏.‏
‏*‏ لكن البعض يقول إن القرآن الكريم كتاب هداية فقط للبشر؟
نعم‏..‏ القرآن الكريم كتاب هداية للبشر في القضايا التي لا يمكن للإنسان أن يضع لنفسه فيها ضوابط صحيحة مثل قضايا العقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات‏,‏ وكلها تشكل القواعد الأساسية للدين‏,‏ وذلك لأن هذه القضايا إما من أمور الغيب المطلق الذي لا سبيل لوصول الإنسان إليه إلا عن طريق وحي السماء‏,‏ أو هي أوامر تعبدية لابد من أن تكون توقيفية علي الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم‏,‏ ولابد للإنسان فيها أيضا من وحي الله تعالي‏,‏ أو هي ضوابط للأخلاق والسلوك‏,‏ والتاريخ يؤكد لنا أيضا أن الإنسان كان عاجزا دوما عن وضع الضوابط الصحيحة لأخلاقياته‏,‏ وسلوكه في غيبة الهداية الربانية‏.‏
والواقع أن هذه القضايا المتعلقة بالعقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات‏,‏ هي من أوضح صور الإعجاز في كتاب الله‏,‏ إذا نظر إليها الإنسان بشيء من الموضوعية‏,‏ والحياد‏,‏ والتبصر‏,‏ والحكمة‏,‏ لكن الناس درجوا ـ في غالبيتهم ـ علي ميراث الدين‏,‏ دون النظر فيه بعين البصيرة‏,‏ فأخذوه بشيء من التعصب الأعمي‏,‏ والحمية الشخصية‏,‏ حتي لو لم يلتزموا به‏,‏ مما يجعل إقناعهم بالحق أمرا صعبا‏.‏
‏*‏ لكن أين أتي الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بشكل محدد؟
القرآن الكريم يحتوي علي أكثر من ألف آية صريحة تتحدث عن مكونات هذا الكون‏,‏ بالإضافة إلي آيات أخري تقترب دلالاتها من الصراحة‏,‏ وهذه الآيات لم ترد من قبيل الإخبار العلمي المباشر للإنسان‏,‏ وذلك لأن الكسب العلمي ترك لاجتهاد الإنسان‏,‏ وتحصيله‏,‏ عبر قنوات زمنية طويلة نظرا لمحدودية القدرات الإنسانية‏,‏ وللطبيعة التراكمية للمعارف الكونية‏,‏ ويؤكد ذلك أن تلك الآيات الكونية جميعا‏,‏ جاءت في مقام الاستدلال علي عظيم القدرة الإلهية في خلق الخلق‏,‏ وعلي أن الخالق الباريء المصور قادر علي إفناء خلقه‏,‏ وعلي إعادة هذا الخلق من جديد‏.‏
هذه الآيات تحتاج إلي تفسير كما نحتاج إلي تفسير غيرها من آيات هذا الذكر الحكيم‏,‏ ومن هنا كان لزاما علينا أن نوظف المعارف النافعة المتاحة جميعا‏,‏ في تفسير كتاب الله‏,‏ ولما كانت المعارف الكونية في تطور مستمر‏,‏ وجب علي أمة الإسلام أن ينفر منها ـ في كل جيل ـ نفر من علماء المسلمين الذين يتزودون بالأدوات اللازمة للتعرض لتفسير كلام الله تعالي‏.‏
‏*‏ ما الفارق إذن بين التفسير العلمي للقرآن الكريم والإعجاز العلمي له؟
في التفسير العلمي للآيات الكونية‏,‏ توظف كل المعارف المتاحة من الثوابت العلمية‏,‏ والنظريات والعروض والمشاهدات‏,‏ لأن التفسير يبقي جهدا بشريا‏,‏ لمن أصاب فيه أجران‏,‏ ولمن أخطأ أجر واحد‏.‏
أما الإعجاز العلمي للقرآن الكريم فلا يجوز أن يوظف فيه إلا القطعي من الثوابت العلمية‏,‏ وذلك لأن المقصود به هو إثبات أن القرآن الكريم الذي أوحي به إلي نبي أمي ـ صلي الله عليه وسلم ـ في أمة أمية‏,‏ قبل أربعة عشر قرنا‏,‏ يحوي من حقائق هذا الكون ما لم يتمكن الإنسان من الوصول إليه إلا منذ عقود قليلة‏,‏ وبعد مجاهدات طويلة‏,‏ عبر عدد من القرون المتواصلة‏,‏ وهذا ما لا يمكن لعاقل أن يتصور إمكان حدوثه إلا بوحي من الله سبحانه‏.‏
وهنا أيضا لابد من التأكيد علي صعوبة التعرض لقضايا الإعجاز العلمي في كتاب الله إلا من قبل المتخصصين ـ كل في حقل تخصصه ـ فلا يقوي فرد واحد علي معالجة كل القضايا الكونية التي تعرض لها القرآن الكريم من خلق الكون‏,‏ وإفنائه إلي خلق مراحل الجنين الإنساني المتعاقبة‏,‏ إلي غير ذلك من مختلف الآيات الكونية الواردة في كتاب الله‏.‏
‏*‏ ما مظاهر الإعجاز العلمي الواردة في الآيات القرآنية التي تشير إليها؟
كثيرة جدا‏..‏ فالقرآن الكريم ـ مثلا ـ يشير في عدد من آياته إلي الكون‏,‏ والعديد من مكوناته السماوات والأرض وما في كل منهما من صور الإحياء والجمادات‏,‏ والظواهر الكونية المختلفة‏,‏ وتأتي هذه الإشارات في مقام الاستدلال علي القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود‏,‏ وعلي العلم والحكمة البالغين في إبداع هذا الكون‏,‏ وذلك في معرض محاجة الكافرين‏,‏ والمشركين‏,‏ والمتشككين‏,‏ وفي إثبات حقيقة الألوهية لرب العالمين‏.‏
‏*‏ لماذا لا تعمد الآيات الكونية في القرآن الكريم إلي الإخبار العلمي المباشر؟
أري أن ذلك يأتي لسببين‏:‏ أولا أن القرآن الكريم ـ في الأصل كتاب هداية‏,‏ وعقيدة وعبادة‏,‏ وأخلاقا‏,‏ ومعاملات ـ وهي من القضايا التي لا يمكن للإنسان أن يصل فيها إلي تصورات صحيحة بجهده منفردا‏,‏ بل الإنسان يحتاج فيها دوما إلي الهداية الربانية‏,‏ وإلي الوحي الإلهي‏.‏
ثانيا‏:‏ إن معرفة الكون واستقراء سنن الله فيه‏,‏ وتوظيف تلك المعارف والسنن في عمارة الحياة علي الأرض‏,‏ وفي القيام بواجب الاستخلاف فيها‏,‏ قد تركت كلية لاجتهاد الإنسان عن طريق ملاحظاته المنظمة‏,‏ واستنتاجاته المنطقية علي فترات طويلة من الزمن‏,‏ نظرا لاضطراد السنن الإلهية‏,‏ ولحدود القدرة الإنسانية‏,‏ وللطبيعة التراكمية للمعرفة العلمية‏.‏
‏*‏ هل هناك أمثلة محددة لهذه الآيات من كتاب الله سبحانه وتعالي؟
هناك من الآيات ما يتعرض للأرض‏,‏ التي جاء ذكرها في أربعمائه وإحدي وستين آية كريمة‏,‏ منها ما يشير إلي الأرض ككل‏,‏ ومنها ما يشير إلي سطحها الخارجي الذي نحيا عليه أي إلي غلافها الصخري وهذه الآيات تضم عددا من حقائق علوم الأرض‏,‏ ويمكن تبويبها في المجموعات التالية‏:‏
‏1‏ـ آيات تأمر الإنسان بالسير في الأرض‏,‏ والنظر في كيفية بدء الخلق‏,‏ وهي أساس المنهجية العلمية في دراسة علوم الأرض‏.‏
‏2‏ـ آيات عدة تشير إلي شكل وحركات‏,‏ وأصل الأرض‏,‏ منها ما يصف كروية الأرض‏,‏ ومنها ما يشير إلي دورانها‏,‏ ومنها ما يؤكد عظم مواقع النجوم‏,‏ أو حقيقة اتساع الكون‏,‏ أو بدء الكون بجرم واحد مرحلة الفتق أو بدء السماء في مراحل خلقها الأولي بغلالة دخانية مرحلة السديم‏,‏ أو انتشار المادة بين السماء والأرض المادة بين النجوم‏,‏ أو تطابق كل من السماء والأرض أي تطابق الكون‏.‏
‏3‏ـ آية قرآنية واحدة تؤكد أن كل الحديد في كوكب الأرض قد أنزل إليها من السماء‏.‏
‏4‏ـ آية قرآنية تؤكد حقيقة أن الأرض ذات صدع‏,‏ وهي من الصفات الأساسية لكوكبنا‏.‏
‏5‏ـ آيات قرآنية تتحدث عن عدد من الظواهر البحرية المهمة من مثل ظلمات البحار‏,‏ والمحيطات‏,‏ ودور الأمواج الداخلية والخارجية في تكوينها‏,‏ وتسجير بعض هذه القيعان بنيران حامية‏,‏ وتمايز المياه فيها إلي كتل متجاورة لا تختلط اختلاطا كاملا‏,‏ نظرا لوجود حواجز غير مرئية تفصل بينها‏,‏ ويتأكد هذا الفصل بين الكتل المائية بصورة أوضح في حالة التقاء كل من المياه العذبة والمالحة عند مصاب الأنهار‏,‏ مع وجوده بين مياه البحر الواحد‏,‏ أو بين مياه البحار المتصلة بعضها ببعض‏.‏
‏6‏ـ آيات قرآنية تتحدث عن الجبال‏,‏ منها ما يصفها بأنها أوتاد‏,‏ وبذلك تصف كلا من الشكل الخارجي الذي علي ضخامته يمثل الجزء الأصغر من الجبل‏,‏ والامتداد الداخلي الذي يشكل غالبية جسم الجبل‏,‏ كما تصف وظيفته الأساسية في تثبيت الغلاف الصخري للأرض‏,‏ وتتأكد هذه الوظيفة في اثنتين وعشرين آية أخري‏,‏ ووردت بها كذلك إشارات إلي عدد من الوظائف‏,‏ والصفات الإضافية للجبال‏,‏ من مثل دورانها مع الأرض‏,‏ أو دورها في شق الأودية والفجاج أو في سقوط الأمطار‏,‏ وجريان الأنهار‏,‏ والسيول‏,‏ أو تكوينها من صخور متباينة في الألوان والأشكال والهيئة‏.‏
‏7‏ـ آيات قرآنية تشير إلي نشأة كل من الغلافين المائي‏,‏ والهوائي للأرض‏,‏ وذلك بإخراج مكوناتهما من باطن الأرض‏,‏ أو تصف الطبيعة الرجعية الوقائية لغلافها الغازي‏,‏ أو تؤكد حقيقة ظلام الفضاء الكوني الخارجي‏,‏ أو تناقص الضغط الجوي مع الارتفاع عن سطح الأرض‏,‏ أو أن ليل الأرض كان في بدء خلقها مضاء كنهارها‏.‏
‏8‏ـ آيات تشير إلي رقة الغلاف الصخري للأرض وتسوية سطحه‏,‏ وتمهيده‏,‏ وشق الفجاج‏,‏ والسبل فيه‏,‏ وإلي تناقص الأرض من أطرافها‏.‏
‏9‏ـ آيات تؤكد إسكان ماء المطر في الأرض مما يشير إلي دور المياه حول الأرض‏,‏ وفي داخل صخورها‏,‏ أو تؤكد علاقة الحياة بالماء‏,‏ أو تلمح إلي إمكان تصنيف الكائنات الحية‏.‏
‏10‏ـ آيات تؤكد أن عملية الخلق تمت علي مراحل متعاقبة عبر فترات زمنية طويلة‏.‏
‏11‏ـ آيات قرآنية تصف نهاية كل من الأرض والسماوات وما فيهما أي الكون كله بعملية معاكسة لعملية الخلق الأول كما تصف إعادة خلقهما من جديد‏:‏ أرضا غير الأرض الحالية‏,‏ وسماوات غير السماوات القائمة‏.‏
‏*‏ ما وجوه الإعجاز العلمي التي تجذب الانتباه بشكل محدد في هذه الآيات؟
هذه الحقائق العلمية لم تكن معروفة للإنسان قبل هذا القرن‏,‏ بل إن الكثير منها لم يتوصل الإنسان إليه إلا في العقود القليلة الماضية‏,‏ عبر جهود مضنية‏,‏ وتحليل دقيق لكم هائل من الملاحظات‏,‏ والتجارب العلمية في مختلف جنبات الجزء المدرك من الكون‏,‏ وإن السبق القرآني في الإشارة إلي مثل هذه الحقائق بأسلوب يبلغ منتهي الدقة العلمية‏,‏ واللغوية في التعبير‏,‏ والإحاطة‏,‏ والشمول في الدلالة ليؤكد علي جانب مهم من جوانب الإعجاز في كتاب الله‏,‏ وهو جانب الإعجاز العلمي‏,‏ ومع تسليمنا بأن القرآن الكريم معجز في كل أمر من أموره‏,‏ لأنه الوحي السماوي الوحيد‏,‏ الموجود بين أيدي الناس اليوم باللغة نفسها التي نزل بها اللغة االعربية محفوظا بحفظ الله‏:‏ كلمة كلمة‏,‏ وحرفا حرفا‏,‏ إلا أن الإعجاز العلمي يبقي من أنجح أساليب الدعوة إلي الله في عصر العلم‏,‏ ذلك العصر الذي لم يبق فيه من وحي الله إلا القرآن الكريم‏,‏ بينما تعرضت كل الكتب السابقة علي نزوله إما للضياع التام‏,‏ أو لضياع الأصول التي نقلت عنها إلي لغات غير تلك التي نزل الوحي الإلهي بها‏,‏ فتعرض لقدر هائل من التحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني علي الرغم من إيماننا بأصولها الإلهية‏,‏ وتسليمنا بصدق تلك الأصول‏.‏
‏*‏ والأمر هكذا‏:‏ كيف يمكن أن يستثمر الإعجاز العلمي للقرآن الكريم في الدعوة إلي الله عز وجل؟
نحن نحيا الآن في عصر العلم‏,‏ وهو عصر توافر فيه للإنسان من المعارف بالكون ومكوناته ما لم يتوافر له من قبل علي الإطلاق‏,‏ كما أننا في زمن ثورة علمية وتقنية حقيقية‏,‏ ويقول العلماء إن كم المعرفة بالكون ومكوناته يتضاعف مرة كل خمس إلي ست سنوات‏,‏ وإن تقنيات هذه المعرفة تتجدد مرة كل ثلاث سنوات‏.‏
هذه الثورة جعلت الناس في زماننا هذا لا يؤمنون إلا بالقضايا العلمية التي أثبتها العلم‏,‏ وتثبتها التجربة‏,‏ ومن هنا أصبحت الآيات الكونية في القرآن الكريم‏,‏ وهي أكثر من ألف آية صريحة‏,‏ تصلح لأن تكون أسلوبا في الدعوة ـ ملائما لهذا العصر الذي فتن فيه الناس بالعلم‏,‏ ومعطياته‏,‏ فتنة كبيرة‏.‏
ولقد وجدت أن هذا العصر لا يحرك قلوب الناس فيه قدر الحقائق العلمية‏,‏ كما لاحظت ـ من تجربتي الشخصية ـ أن العلماء الغربيين لا يحركهم شيء كما يحركهم سبق القرآن الكريم في الإشارة إلي حقيقة من حقائق العلم الحديث‏.‏
لذلك أقول‏:‏ إذا أحسن المسلمون توظيف قضية الإعجاز العلمي في القرآن الكريم‏,‏ وفي السنة النبوية المطهرة ـ بغير تكلف‏,‏ ولا افتعال‏,‏ ولا لي لأعناق الآيات‏,‏ ولا محاولة لمواءمة المستجدات العلمية‏..‏ لأمكن لهم إدخال قطاع عريض من الناس في دين الله‏.‏
‏*‏ كيف يمكن تأهيل الباحثين المسلمين لهذه المهمة وذلك حتي لا يخوض أحد في كتاب الله بغير علم؟
لابد من أن يكون الشخص المتصدر ذا تأهيل علمي وألا يتحدث إلا في تخصصه‏,‏ وأن يكون له إلمام باللغة العربية‏,‏ ودلالات مفرداتها‏,‏ وقواعدها‏,‏ وضوابطها‏,‏ وأساليب التعبير فيها‏,‏ وكذلك أن يكون لديه إلمام بأسباب النزول‏,‏ والناسخ والمنسوخ‏,‏ والمأثور من التفسير‏,‏ سواء لرسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ أم لكبار الصحابة والتابعين‏,‏ وتابعي التابعين إلي يومنا هذا‏,‏ وكذلك أن يكون هدف الباحث خدمة حسن فهم دلالة الآية القرآنية مع إلمامه أيضا بالقدر اللازم من العلوم المتاحة عن الكون ومكوناته وغير ذلك مما يحتاج إليه كل من يتشرف بالقيام بمثل هذه المهمة العظيمة‏.‏
‏*‏ ما أكثر الآيات التي تجذب انتباه الغربيين في هذا الصدد؟
آيات الفلك‏,‏ وعلم الأجنة‏,‏ والآيات المتعلقة بالأرض‏,‏ وبعض الظواهر الكونية كإنزال المطر‏,‏ وإخراج الماء من جوف الأرض‏,‏ وتصدع القشرة الأرضية‏,‏ وثورة البراكين في قيعان البحار‏,‏ والمحيطات‏,‏ فعندما يتحدث القرآن الكريم عن البحر المسجور‏,‏ فهذا أمر مبهر وثابت علميا‏,‏ إذ أن كل المحيطات ذات قيعان مسجرة بالنيران إن مثل هذه الحقائق القرآنية قد أصبحت ثابتة وراسخة علميا‏,‏ وهي تبهرهم للغاية‏.‏
‏*‏ ما تقويم تجربتك في هذا الصدد؟ وهل حقا دخل الكثيرون في الإسلام بسبب إبانة هذا الجانب من الإعجاز العلمي للقرآن؟
نعم‏..‏ كثيرون جدا دخلوا في الإسلام نتيجة لذلك‏,‏ وأنا قادم لتوي من جولة كبيرة في أوروبا‏,‏ زرت فيها عشر مدن كبري في ألمانيا‏,‏ و‏17‏ مدينة في بريطانيا‏,‏ وعقدت غالبية محاضراتي في الجامعات‏,‏ ودعي إليها أساتذة الجيولوجيا‏,‏ والفلك‏,‏ وكان صدي المحاضرات إيجابيا للغاية‏,‏ لدرجة أن أكثر من عالم غربي وقف وأعلن إسلامه‏,‏ كما أعجب كبار وأساتذة الجيولوجيا في العالم بنزول القرآن الكريم بهذه الحقائق قبل نحو‏1400‏ سنة‏.‏
وعلي سبيل المثال‏,‏ وقف قائد الشرطة في إحدي المدن ليعلن إسلامه‏,‏ وسط ذهول رؤساء الكنائس‏,‏ وجمع حاشد من الحاضرين‏..‏ طبعا‏:‏ المرء لا يعلن إسلامه هكذا بشكل تلقائي‏,‏ بل بعد تساؤلات شتي تثور في نفسه‏,‏ وقد جاءني ـ ذات مرة ـ طبيب أمريكي أسلم‏,‏ ولم يقرأ من القرآن سوي قوله تعالي‏:‏ ألم‏.‏ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدي للمتقين‏..‏ البقرة‏..‏ فقال‏:‏ كتاب يصف نفسه بذلك لابد أنه كتاب من رب العالين فالواحد منا إذا كتب خطابا‏,‏ وبات حتي الصباح‏,‏ يقوم بتغيير نصفه علي الأقل‏,‏ وهو مجرد خطاب‏,‏ ولو بات الخطاب معه مرة أخري‏,‏ فإنه سيقوم بتعديله كاملا‏.‏
والواقع أنه لابد من تشجيع الناس علي قراءة القرآن الكريم‏,‏ وترجمات معانيه بلغاتهم‏.‏
‏*‏ لكن المسلمين يعيشون حاليا حالة مزرية من التخلف العلمي‏,‏ فكيف نوفق بين هذا الإعجاز العلمي الهائل في كتابهم المنزل من ربهم‏,‏ وهذا التخلف الذي يعانيه واقعهم علميا‏,‏ وحضاريا؟
نعم‏,‏ نحن أمة متخلفة‏,‏ ولابد لنا من الاعتراف بهذه الحقيقة‏,‏ علي الرغم من أن الحضارة الإسلامية كانت أطول الحضارات‏,‏ وأكملها علي الإطلاق‏,‏ في تاريخ البشرية‏,‏ وأنها الحضارة الوحيدة التي التزمت بالمواءمة بين الدنيا والآخرة‏,‏ وبين الحياة والدين في معادلة واحدة‏,‏ وكان المسلمون في ظل هذه الحضارة حملة المشاكل في كل منحي من مناحي الحياة‏,‏ ثم في دورة من دورات الزمن تخلف المسلمون‏,‏ كما تتعرض كل الأمم لذلك‏..‏ وتخلفنا الحالي قد انعكس ـ للأسف ـ في صورة انبهار بالمنتصر‏,‏ وبتقدمه العلمي‏,‏ والتقني‏,‏ غير أن الذي يعيش في الغرب‏,‏ ويطالع هذا التقدم سوف يكتشف أنه تقدم مادي فقط‏,‏ رافقه تخلف ديني وأخلاقي ومعنوي وروحاني‏,‏ وسلوكي‏,‏ وأن هذه الحضارة سوف تدمر ذاتها بذاتها‏,‏ يقولون إنها حضارة تتآكل من داخلهاوهي حضارة عفنة‏,‏ تهتم بالمادة وتهمل الجوانب المعنوية والروية‏.‏
وكما قال ابن خلدون فإن المهزوم مولع دائما بتقليد هازمه في مأكله ومشربه‏,‏ ومظهره‏,‏ لكن لا ينبغي أن يصيبنا هذا الانبهار أصلا ـ ولا طبعا ـ أن يستمر مع البعض هذا الانبهار حتي الآن‏,‏ ذلك أن الذي يعلم حقيقة الغرب‏,‏ يدرك أنه يعيش تعاسة لا حدود لها‏,‏ في ظل الابتعاد عن الدين الصحيح‏,‏ والعقيدة الصافية‏,‏ وطهارة الروح‏..‏ إنهم في شقاء حقيقي وربما كان من مظاهر ذلك‏:‏ تحلل القيم والأخلاق‏,‏ وامتهان كرامة الإنسان‏,‏ وتفكك الأسرة‏,‏ وانفلات الشباب‏,‏ وغيرها من مظاهر التسيب والتفكك‏,‏ والضياع‏,‏ ولم لا وهم يعيشون في غيبة عن الهداية الربانية‏,‏ وعدم التعرف إلي الله سبحانه وتعالي‏.‏
‏*‏ أخيرا‏..‏ كيف نستثمر طاقات القرآن وإعجازه في مواجهة مشاريع العولمة؟
علي المسلمين أن يدركوا ـ تمام الإدراك ـ أنه في ظل محاولة فرض القيم الغربية علي العالم الإسلامي‏,‏ وأنه إن لم يع حكام المسلمين وعقلاؤهم حقيقة تميز الإسلام عن غيره من العقائد والأفكار‏,‏ فإن أخطار العولمة ستكون رهيبة علي أمتنا الإسلامية‏,‏ والعربية‏,‏ وقد تغتالنا في عقر دارنا‏,‏ فهناك تقدم علمي وتقني وعمراني في العالم الغربي تقابله مشكلات سياسية واقتصادية‏,‏ واجتماعية لدينا‏..‏ وهذا انفصام له عواقب وخيمة علينا‏.‏
علي أنه ـ في الوقت ذاته ـ تتمتع العولمة بمزية هي أنها تجعلنا نحتك بالعالم الغربي‏,‏ وتجعله يحتك بنا في انفتاح‏,‏ وتصارع لوسائل الإعلام والاتصال بغير ضابط‏..‏ فلو استمسك المسلمون بدينهم‏,‏ وأخلاقهم‏,‏ وقيمهم الإسلامية‏,‏ وتعلم كل مسلم كيف يقدم الإسلام إلي الآخرين أحسن تقديم‏,‏ وبألطف وأدق سبل ممكنة‏,‏ وكيف يدافع عن الإسلام بالكلمة الطيبة‏,‏ والحجة الواضحة‏,‏ والمنطق السوي‏...‏ وإذا استطعنا أن نوقظ المسلمين ليصبحوا واعين بخطر العولمة‏,‏ فسوف نستطيع تحويل العالم بأكمله إلي عالم مسلم يؤمن بالإسلام طوقا وحيدا للنجاة في الحياة الدنيا‏,‏ وفي الآخرة‏.‏

 
 
 

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 
أعلى الصفحة

الأهرام: نص الخبر

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games