|
| 49 |
السنة
- |
15300 |
ه
- العدد |
1422 |
صفر |
من |
17 |
-
م |
2001 |
مايو |
من |
11 |
الجمعة |
لم
يكن مولد محمد بن عبدالله
بن عبدالمطلب مولد شخص
عادي في هذا النسب العظيم
في قريش، وإنما كان يعني
أمرا آخر
مولد..
بعثة
كل المقدمات التي سبقت
مولده تدل علي ان أمرا
جديدا وعظيما سيحدث، لكن
ما هذا الامر؟ لا احد
يستطيع الجزم بشيء، لكنه
يتنبأ بالخير من وراء هذه
المقدمات.. فأبوه عبدالله
بن عبدالمطلب كان وفاء
لنذر نذره عبدالمطلب اذا
اكتمل ابناؤه عشرة
يمنعونه في الشدة فسيذبح
احدهم عند الكعبة تقربا
لله عز وجل.
وكان عبدالله هو عاشر
الابناء، ووقع عليه
الاختيار ضربا بالقداح
انه يكون هو القربان الذي
نذره ابوه لكن عبدالله كان
فتي خليقا بالحب
والاحترام، وكان مظهره
يدل علي رجولة كاملة،
بالاضافة الي انه كان
وديعا يحب الآخرين، ويحب
السعي وكسب القوت بنفسه
وبطريقة شريفة لا غيلة
فيها ولا عدوان، ولذلك
اجتمع وجوه قريش يريدون
انقاذ هذا الشاب من الذبح،
وهي طريقة استحدثها
عبدالمطلب في مجتمع مكة..
الذي لم تكن هذه من عاداته
ولا من موروثاته.
وانتهي الامر عند احدي
العرافات التي اقترحت ضرب
القداح حتي ينجو عبدالله
من الذبح، وكانت مائة من
الابل هي فداء عبدالله
فقدمها ابوه عبدالمطلب
قربانا وهو يشكر ربه علي
ما قضي به من هذا الفداء.
***
كان هذا هو مفتتح خواطر
امام الدعاة الي الله الشيخ
محمد متولي الشعراوي رحمه
الله ورضي عنه في احاديثه
عن مولد رسول الله صلي الله
عليه وسلم، ثم قال:
كانت هذه البداية التي تلفت
الانظار عن عبدالله بن
عبدالمطلب الذي اصبح فيما
بعد ابا لرسول الله صلي
الله عليه وسلم وان احدهما
لم ير الآخر رأي العين،
فبعد ان تزوج عبدالله من
آمنة بنت وهب الزهرية مكث
معها اياما ثم سافر في
تجارة الي الشام، وكانت هذه
آخر رحلة له في حياته حيث
مات فيها ودفن قريبا من
المدينة حيث اخواله هناك من
بني النجار، لكنه قبل ان
يغادر مكة الي رحلة الشام
كان قد ترك في رحم امرأته
آمنة وديعة هي اعظم الودائع
البشرية.
حملت آمنة اذن، وتروي
الاخبار عن حملها هذا انها
لم تحس منه ألما ولا تعبا في
ليل او نهار، فلما مضت
الاشهر التسعة للحمل ولدت
آمنة ولدا.. وكان جده
عبدالمطلب يجلس عند الكعبة
فذهب اليه من يخبره بأنه قد
ولد له ولد، ففرح أيما فرح
لأنه من نسل ابنه عبدالله
الذي كان احب ابنائه العشرة
إليه، وسماه 'محمدا' رجاء ان
يكون محمودا في السماء وفي
الارض.
وكفل عبدالمطلب هذا الولد
الصغير الذي كلما نظر الي
وجهه استبشر خيرا كثيرا،
وكان هذا احساسا صادقا منه،
حتي انه حينما شب هذا
الصغير كان يأخذه معه الي
مجلسه بجوار الكعبة،
ويجلسه علي فراشه الذي لم
يكن احد من ابنائه يجلس
عليه، ويربت علي ظهره ويقول:
ليكونن لابني هذا شأن.
***
وكانت
المرحلة التالية لذلك
عامرة بالعجب، فقد توفي جده
عبدالمطلب الذي كان يكفله
ويغدق عليه، وتوفيت امه وهو
في السادسة من عمره وهي
قادمة به من رحلة الي
المدينة عند اخواله من بني
النجار لزيارتهم والوقوف
علي قبر ابيه في ديارهم،
وتركته يعود الي مكة مع
حاضنته ام ايمن التي كان
يطلق عليها بعد ان بعث نبيا
انها امه بعد امه.
واذا كانت كفالة عبدالمطلب
لحفيده محمد عامرة بالخير
الكثير والاغداق الوفير،
فإن ثمة أبا طالب الذي كفله
بعد موت جده كان رجلا قليل
المال كثير العيال، ومن هنا
لم يكن رغد العيش في داره
مثل ما كان في بيت ابيه، لكن
ابا طالب كان سخي النفس
جوادا كريما، فكان يغدق علي
ابن اخيه محمد اكثر مما كان
يعطي عياله من طعام وشراب
ولباس، إلا ان محمدا وهو
صغير في كفالة عمه كان يجود
بشيء كثير مما كان يعطيه
عمه الي ابناء هذا العم
فيشركهم في عطاء ابيهم
اياه، وأحس ابوطالب بأن
الخير في داره يزيد كلما
اغدق علي ابن اخيه، مثل ما
اشعرت 'حليمة السعدية'
مرضعته حين اضطرت الي اخذه
وهو اليتيم الذي لا تأمل من
وراء إرضاعه خيرا من ابيه،
ولكنها وهي في الطريق شعرت
بأن دابتها الضعيفة تقوي
وأن شاتها العجفاء ينتفخ
ضرعها باللبن، وان ثدييها
اللذين لا يجودان بقطرة من
لبن لضعف غذائها يفيضان
لبنا ويدران كثيرا لهذا
اليتيم، وامتلأت دارها
بالخير حين ضمت إليها هذا
الرضيع اليتيم.
وإن ابا طالب ليذكر ذلك كله
وهو يغمر ابن اخيه هذا بما
في يده من خير، فالله
سبحانه سيفيض عليه خيرا
جديدا.. ولما اشتد عوده عادت
به حليمة السعدية الي امه
آمنة في مكة حتي ماتت عنه
وهو ابن ست سنين في طريق
عودتها من المدينة الي مكة.
***
ظل محمد في كفالة عمه ابي
طالب حتي شب واصبح قادرا
علي السعي في رحلات التجارة
معه، فاكتسب خبرة التجارة
الآمنة الصادقة القنوع،
وعلمت بأمانته وصدقه خديجة
بنت خويلد ذات المال الكثير
والحسب النبيل والتجارة
الوفيرة التي يسعي بها من
يعملون لها هنا وهناك،
فاختارت محمدا ليتاجر في
مالها، وارسلت معه فتاها
ميسرة في رحلاته، فكان ان
كثر خير تجارتها ونما وزاد
زيادة لم يكن لها بها عهد من
قبل فأنست الي امانته
وصدقه، بالاضافة الي ما كان
يخبرها به غلامها ميسرة عن
طريقته في التجارة الصادقة
التي ترفض الجشع
والاستغلال، وانما تعطي
الحق وتأخذ المقابل في
سماحة ويسر وسخاء نفس، وهي
صفات كلها تنمي التجارة
وتزيدها نعمة وبركة.
وبسبب ذلك مالت اليه نفس
خديجة وتمنت لو كان محمد
زوجا لها، فقد طال تأيمها،
ولم ترغب في الاقتران
بأشراف قريش الذين تقدموا
اليها يطلبون يدها.. لقد كان
الله سبحانه وتعالي يدخرها
للزواج ممن يؤدبه ليكون سيد
الخلق جميعا ورسول الله الي
العالمين.
ودفعت آمال خديجة في الزواج
من محمد ان ارسلت اليه
صاحبتها نفيسة بنت منية 'تستطلع
مشاعره'، ولما حدثته نفيسة
هذه عن الزواج، ولماذا لا
يقدم عليه، فأخبرها انه لا
يجد ما يتزوج به، فوعدته
اذا مال الي الزواج بالمال
والجمال والحسب والنسب،
فسألها: ومن تكون؟.
قالت: خديجة ولكن اين له
بخديجة وقد رفضت ايدي اشراف
قريش واغنيائها، ولم تلبث
نفيسة ان طمأنت خاطره الي
قبولها، فأجابها بالقبول.
وتم مجلس الزواج سريعا، فقد
كانت نفس خديجة مهيأة له،
واستراح هو الي قبولها، لأن
هذا القبول يحمل المعني،
ولم يجعل للمال مكانا في
هذه العلاقة الطيبة..
وانتقل محمد الي دارها
ليعيش حياته الزوجية فيها،
واستمر في التجارة لها
بمالها الكثير، ويدخل
اليها مع كل تجارة بالربح
الوفير، وملأت السعادة هذا
البيت علي الرغم من فارق
السن بينهما، فقد كانت هي
في الاربعين بينما كان هو
في الخامسة والعشرين من
عمره.
***
اعوام
قليلة مضت بالزوجين علي هذه
الحال من السعادة انجب
خلالها محمد من زوجه خديجة
بناته.. وبعد هذه السنوات
القليلة حبب اليه الخلاء
للتأمل والتفكر، وهما
يحتاجان الي عزلة عن الناس،
فذهب الي غار حراء يتعبد
الليالي ذوات العدد ويعود
الي بيته ليري زوجه
واولاده، ثم يعود الي الغار
متأملا متفكرا في ملكوت
الله.. وكانت خديجة تبعث
اليه بطعامه وتطمئن علي
مقامه وراحة نفسه حتي جاءته
ليلة ما اسعدها في عمر
البشرية.. لقد جاءه الوحي من
السماء يلقي عليه بالنبوة
الخاتمة، ويكلفه بإبلاغ
الرسالة الي العالمين.
جاءته الساعة التي ولد من
اجلها، وحان الوقت للقيام
بالعبء الذي خلقه الله من
اجله ورباه فأحسن تربيته
ليكون جديرا بالرسالة، فقد
كان ميلاده ميلاد بعثة.. بدأ
بعدها يتحمل مسئولياته
الجسام في البلاغ عن الله.
|