|
الامور بنتائجها .....
الماده الثانيه لم تكن الماده الثانيه من الدستور هى السبب الذى أدى الى تردى أحوال الاقباط فى مصر. ولكن كان المناخ المحيط باضافة هذه الماده والملابسات التى ادت الى اضافتها, ثم التداعيات التى نتجت عن اضافة تلك الماده. فاذا قارنا الماده الثانيه بدستور سنة 1923, ينفس الماده بالتعديل الدستورى سنة 1980, لادركنا أن الامر ليس مناطه الاسلام أو الدين الاسلامى أو الشريعه الاسلاميه, بل مناطه الحقيقى والواقعى هو تفعيلات تلك الماده وما لها من آثار وتداعيات. فحين نص دستور سنة 1923 على أن دين الدوله الاسلام لم يكن لتلك الماده اثرا يذكر فى نفس أو عقل أى مصرى, مسيحى أو مسلم. ذلك أن الترابط والتوافق والتكافل لم تدع جميعها مجالا للنقاش أولبحث أمر من أمور الدين. فقد كان الشعار: " الدين لله والوطن للجميع". كان المسيحيون والمسلمون اعضاء فى جسد واحد هو مصر, ويعمل الجميع من أجل مصر فى انسجام وائتلاف. حتى حين قامت الثوره ظلت هذه الماده دون أى تفعيل اذ أن عهد الرئيس عبد الناصر كان بلا شك يتسم بالعلمانيه. مع ذلك كانت امور الدين لها مكانتها وحيويتها بالنسبه للمسلمين والاقباط على السواء. ولما أضاف الرئيس السادات أن الشريعه الاسلاميه هى المصدر الرئيسى للتشريع اضافها فى جو ملبد, وباسلوب انفعالى أوحى أنه اضافها من باب التحدى وليس من باب التشريع. وكان هذا التحدى وذلك الانفعال جواز مرور للمتطرفين بان يفعلوا ما بدا لهم. فشاهدنا الاجراءات التعسفيه ضد المسيحيين النوابغ فى الجامعه, وشاهدنا كيف يتم الاعتداء الآمن على اصحاب المجوهرات المسيحيين, ولسنا بحاجة الى تكرار تاريخ يدعو الى الاسى. واجمالا شاهدنا روح التعصب تستشرى فى كل منحى من مناحى الحياه مدنيه أو عسكريه, بل حتى قضائيه. لم يتردد القضاء فى أن يحرم أطفالا من حنان الام ورعايتها, وضمهم الى أب غيّردينه لا لشئ الا لاسباب دنيويه. ولم يعبأ القاضى بما قد يلحق الاطفال من تشرد وضياع وكان سببه الاوحد هو الماده الثانيه. والامثله لا تقع تحت حصر. كان طبيعيا لتلك التداعيات المحمومه والمتعصبه أن يهب الاقباط معترضين على بقاء هذه الماده ذلك أن مناخ المحبه والالفه والوطنيه الذى كان سائدا سنة 1923 قد تبدل واصبح مناخا متعصبا, مناخا يعمل على كراهية الآخر وفى أقل القليل يعمل على تهميش الاقلية التى لا تدين بدين الاغلبيه. والبادى من الوهلة الاولى أن الدفاع عن بقاء هده الماده قضيه خاسره, ولذلك دافع عنها الكثيرون ومعظمهم متخصصون, ورغم ما يبدو من قوة منطقهم الا أن اقلامهم قد انزلقت الى عبارات غير منطقيه أو مخالفه لطبائع الأمور. ولقد قرأت جل ما استطعت أن احصل عليه فى هذا الصدد. وابدأ بالرد على ما كتبه د. حسن أبو طالب ونشر فى الاهرام الدولى بتاريخ 17 فبراير سنة 2007 وأوجز النقاط الاساسيه التى بنى عليها الدكتور أبو طالب مقاله المعنون : "الماده الثانيه والمواطنه.. ائتلاف وانسجام لا تناقض وانقسام." يقول : "لا يستطيع أحد (من المعارضين) أن يدعى أنه يمثل تيارا أصيلا وغالبا فى المجتمع المصرى المتتدين بطبعه منذ قديم الازل..." ثم يقول, "فى الوقت نفسه هناك مثقفون اقباط يشعرون بقيمة بلدهم وبمصريتهم وأنهم جزم من الحضاره العربيه الاسلاميه بمعناها العام الذى يقوم على الاعتدال والتسامح والاعتراف بحقوق أهل الاديان السماويه على قدم المساواه مع حقوق المسلمين انفسهم...." ثم يبنى الدكتور حسن أبو طالب نقده تأسيسا على أن الديمقراطيه ليست فرض رأى الأقليه على الاغلبيه. كما يضيف أنه من غير المنطقى أن يطالب البعض بامر يدركون فى قرارة انفسهم لنه مدخل لفتنه دينيه وسياسيه. ثم يعرج الدكتور أبو طالب على ما يقوله البعض بضرورة الاخذ بالتمييز الايجابى لنصرة الاقباط فى الحياة العامه وهذا لا يعنى سوى شئ واحد وهو اعطاء ميزات لطرف على حساب طرف آخروبدون وجه حق, كما أن هذا يجعل الدين معيارا للحصحصه السياسيه. فضلا عن أن هذا يقنن التفرقه بين المصرى المسلم والمصرى المسيحى. وينتقد د. أبو طالب ما قال به البعض من تأسيس وتغليب حقوق الانسان والتى هى من صنع بشرى خالص, فان الاغلب والذى يسمو على حقوق الانسان هو مبادئ الدين ذاته. ثم يستطرد قائلا أن مبادئ حقوق الانسان (والتى من صنع بشرى خالص) تستخدم كمظله لقبول الكثير من القيم المرفوضه بقوه من المجتمعات المسلمه, من قبل تفيير طبيعة الاسره, والشذوذ, وقبول الاديان التى يدعيها البشر. وينتهى الدكتور أبو طالب بأنه لا مواطنه بلا دين أو تدين. ولا نحتاج الى كبير جهد لندرك السبب فى نشر هذا المقال فى الاهرام الدولى. ذلك أنه لو تبنى وجهة نظر غير وجهة نظر السلطه لما نشر أصلا. على أى حال لا يسعنى فى هذا المقام الا أن أرد على الدكتور حسن أبو طالب. بادئ ذى بدء انه ينتقد حقوق الانسان والتى هى من صنع بشر. ولم أكن احب أن يقع رجل يحمل اجازة الدكتوراه فى هذا الخطأ. ذلك أن حقوق الانسان ليست من صنع بشر. لانه لو صح هذا القول لقلنا ان دوران الارض من صنع البشر, وان الجاذبيه الارضيه هى ايضا من صنع البشر, وهذا خطأ بيّن. فدوران الارض هو من صنع الخالق, وظل الانسان يعتقد أن الارض مسطحه الى أن جاء جاليليو واكتشف أن الارض كرويه. وبالمثل الجاذبيه الارضيه كانت من صنع الخالق الا أن ايزاك نيوتن هو الذى اكتسفها. والامثله لا تقع تحت حصر. وبالمثل فان حقوق الانسان مرتبطه بحريته فى كل ما يتعلق بالشخص نفسه دون الاعتداء على أحد. ومن ثم فلانسان له حرية العقيده دون أن يؤثر ذلك على وضعه أو مركزه كمواطن. ذلك أن العقيده علاقه بين الانسان وخالقه وله مطلق الحريه أن يمارسها كما يشاء. واذا كان ثمة قيد وضعه الخالق على العباده أو الديانه التى يمارسها الانسان لما كان بعاجز عن هلاك من لا يتبع ديانه معينه. ولكن اله الكون اعطى الناس حرية كامله فيما يعتنقون من دين أو عباده. أما الثواب والعقاب فسوف يكون فى الآخره. وقد أنزل الله الرسل والكتب المقدسه لتكون هديا للانسان دون قسر أو قهر حتى يحق عليه العقاب أو الثواب. الحريه اذن التى هى من اوائل حقوق الانسان من صنع الخالق وليست من صنع البشر. كل ماهنالك أن الانسان تحقق من هذه الحقيقه وقننها بواسطة المجتمع الدولى. وما يقال على حرية العقيده يقال على باقى الحريات. أما طبيعة الاسره فهى لا تختلف عن باقى الشرائع الا سموا. فالمرأه لها حق الانفصال عن زوجها كما أن الزوج له حق الانفصال عن زوجته. كما أن الزواج فى حقيقة الواقع عباره عن شركه اقتصاديه, كون الطرفان ثروه خلال فترة الزواج. فحين ينفصل الزوجان يقتسمان الثروه التى كونها الاثنان. كما أن للطرف الملىء أن ينفق على اولاده بعد الانفصال. مع ذلك فتلك التشريعات لا شأن لها بحرية الانسان فيما يمارسه من عقيده حتى فيما يتعلق بالزواج. فمثلا المسيحى الارثودوكسى ليس لاحد الزوجين الطلاق الا لعلة الزنا. ورغم دلك فاذا لم ينجح احد الطرفين فى الحصول على تصريح زواج من كنيسته, فحقوق الانسان خولت له الحق فى الزواج مدنيا. واذا كان فى ذلك مخالفة لعقيدته فلا شأن لاحد بها لان الامر مناطه العلاقه بين الانسان وخالقه. وهكذا نرى أن حقوق الانسان لم تشذ عن رغبة وارادة الخالق فى معاملة خليقته. أما نظرة حقوق الانسان للشذوذ ذلك أن الشاذ هو انسان أولا واخيرا. ولا يجوز للبشر أن يعاقبه على مرضه فهو يعامل بوصفه مريض وليس للمجتمع أن ينبذ مريضا خاصة اذا ادركنا أن أغلب الشواذ ضحايا اعتداءات فى صغرهم. لذلك يعامل الشاد جنسيا كانسان لا اكثر ولا اقل. وارجو أن انهى اليكم أن الشرائع المسيحيه وبحسب الكتاب المقدس تقرر أن الشواذ لن يدخلوا ملكوت السماوات. وهى حقيقة معروفه الا أن الشاذ أنسان أولا وأخيرا. فالعقاب منوط بالخالق وليس بالانسان. وهكذا نرى أن حقوق الانسان هى حقوق ليست من صنع الانسان ولكنه اقرها واكتشفها وطبقها. وهى اساسا قبس من ارادة الله. مع ذلك هل تريد أن تقول أنه لا يوجد فى مصر أو فى السعوديه شواذ؟؟ مع كل هذا اذا سلمنا جدلا أن حقوق الانسان بها بعض المغالاه, هل العلاج يكون فى الغائها؟؟؟؟ لا شك أنك تعرف أن عمر بن الخطاب قد زجر عمرو بن العاص قائلا: "كيف تستعبدون الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا؟" واذا كان فرض الجزيه على غير المسلمين آنئذ امرا عاديا فهو ليس كذلك فى القرن الواحد والعشرين. نخلص من هذا أن سند الاقباط فى تمسكهم بحقوق الانسان انه حق اصيل وهبه الله للانسان لحظة مولده. الا أن الانسان العاتى بطبعه كان قد انحرف لاجيال طويله عن هذا الحق الاصيل فقام بتقنيننه المجتمع الدولى. ولا يجوز عقاب الاقباط على الديانه التى يعتنقونها وحرمانهم من ذره من حقوقهم. وهل ترى يا سيدى أن حرمان الاقباط من التمثيل النيابى ليشاركوا فى ادارة شئون بلادهم هو الحق والعدل والمساواه؟ أما ما يقوله الدكتور أبو طالب عن المطالبه بالتمييز الايجابى لنصرة الاقباط, فانى اوافقه الرأى ...وان كنت أختلف فى النتيجه. ذلك أن حق الاقباط حق اصيل وليس منحه أو منه, فهم لا يحتاجون الى تمييز ايجابى. الا انهم ايضا لهم حق الاعتراض على التمييز السلبى على اساس الدين. مثل هذا التمييز أو - ان شئت الدقه – مثل هذا التهميش هو السبب الحقيقى فى الاحتقان الطائفى. اذ اصبح راسخا فى ذهن عامة الشعب أن الاقباط مواطنون من الدرجه الثانيه وتأتى حقوقهم بعد حقوق المسلمين. وكما قلت سلفا فان طرفى المشكله غير مقبول سواء اعطاء المسيحيين ميزه ايجابيه أو معاملتهم معامله سلبيه. وانا لست فى مجال دراسة الحل الامثل لتحقيق المواطنه الكامله دون تمييز, فهذا شأن المسئولين عن الاوضاع السياسيه اذا خلصت النوايا. أما ما وصل اليه الدكتور أبو طالب من أن الديمقراطيه ليست تغليبا لرآى الاقليه على الأغلبيه, فهذا القول مردود عليه من عدة وجوه. ذلك أنه اذا اعطيت ميزه للاغلبيه على الاقليه فان عنصر الاغلبيه ينتفى تماما. وتكون نظرية الاغلبييه فى غير محلها أو أغلبيه صوريه وليست حقيقيه. فمثلا اذا كان المسيحيون هم الاغلبيه واعطيتهم ميزه على اخوانهم المسلمين لا شك أن الاختيار سيكون للاغلبيه المسيحيه, فتكون الاغلبيه صوريه وليست حقيقيه. وهذا مجرد فرض جدلى لانى لا احب لأى اغلبيه مسيحيه أن تقف مثل هذا الموقف من أى اقليه مسلمه. على ذلك فالقول بمعيار الاغلبيه فول يؤكد فكرة التفرقه ولا ينفيها. وهكذا نجد أن موضوع الدين يعمق الخلاف ولا يضيقه كما أنه لا يحقق انسجاما على نحو ما ذهب اليه الدكتور أبو طالب. أما ما يقوله الدكتور أبو طالب بان الاقباط جزء من الحضاره العربيه بمعناها العام والتى تقوم على المساواه مع حقوق المسلمين انفسهم, فهنا يكون مربط الفرس. هل حقيقة هناك مساواه؟ لست بحاجة الى ترديد وتكرار واثبات العكس. ولذا يطالب الاقباط بالغاء هذه الماده حتى تسود عناصر المساواه والتآلف. والأمر ليس مناطه العبارات الرنانه, بل الواقع المعاش. وهذا الواقع هو السبب الرئيسى فى اعتراض الاقباط. وفيما يتعلق بموضوع الدين فلا خلاف فى أن الشعب المصرى شعب متدين ولكن ما الصعوبه فى صيرورة الدوله علمانيه, وكل فئه أو طائفه تتعبد طبقا للشريعه التى تتبناها؟ هل حرية العباده أيضا من صنع البشر أم أنه حق انسانى؟ أنه من ابجديات حقوق الانسان لانه شريعة الله. وهكذا نجد أن اعتراض الدكتور أبو طالب وان كان منطقى المظهر الا أنه يطوى تحيزا ظاهرا تجاه فكره معينه لا تحمل فى طياتها حقا من حقوق المساواه. أما ما ذهب اليه الدكتور أبو طالب من أن المعارضين لا يمثلون تيارا أصيلا وردا على ذلك أود أن أؤكد للدكتور أبو طالب بانه أن وجد من الاقباط من يوافقون علي هذه الماده فهم لا يتجاوزون عدد اصابع اليد الواحده. وكنت أتمنى أن تتسع لى المساحه فى الجريده لاورد موجزا لمؤتمر ابن خلدون الذى عقده الدكتور سعد الدين ابراهيم. فالاعتراض بين المثقفين المسلمين والمسيحيين قاطبة يشكل شبه اجماع. ولان القضيه خاسره فقد لجأ البعض للأسف الشديد الى الكذب مثل الدكتور مصطفى الفقى الذى اعلن بكل جساره أن قداسة البابا شنوده ليس له اعتراض على هذه الماده. والحقيقه أن قداسة البابا لم يقل هذا بل قال بحكمته المعهوده أنه يترك الامر الى المسئولين والاخوه المسلمين والمهم ألا يضار الاقباط من هذه الماده. وفى تفسيرى الشخصى أنه ترك الامر للضمائر. فما هو موقف الضمائر اذن؟ وقد قرأت عبارات عجيبه فى المهجر تعليقا على تلك الماده منها أن مكرم عبيد قد قال عبارته الوطنيه "أنا قبطى دينا لكن مسلم وطنا", وقد ساوى تلك العباره الوطنيه النبيله بما قاله السادات من أنه رئيس مسلم لدوله مسلمه متجاهلا المسيحيين تماما بل فتح بذلك الباب لعصر التعصب الاعمى, ورغم ذلك توصف عبارته بانها وطنيه. وفى ختام مقالى اقول والاسى يملأ جوانحى, أنى كنت انتظر موقفا غير الذى اشهده من الاخوه المسلمين فى المهجر والذين مارسوا معانى الحريه النبيله والديمقراطيه باسمى معانيها, موقفا يؤازورن فيه الحق والديمقراطيه التى يمارسونها ويعيشونها وذلك باستثناء قله قليله ارفع لها القبعه تحية وتقديرا مثل الاستاذ طاهر حلمى رئيس غرفة التجاره الامريكيه. كذلك لابد للسلطات المصريه أن تدرك مسئوليتها أمام التاريخ. على أى حال فكلى ايمان بان الحق لابد أن ينتصر وان طال الامد.
والى ذلك الحين لك الله يا مصر. (مارس 2007) |
|
A technical blog News, reviews and previews of PlayStation games |