-- كل جليات له داود

لقداسة البابا شنوده الثالث:

-- كل جليات له داود
"لا تخف من الباطل أن ينتشر أو ينتصر...
إن الباطل لابد أن يُهزم أمام صمود الحق ، مهما طال به الزمن.
 وكل جليات له داود ، ينتظره ، وينتصر عليه ... باسم رب الجنود ..."

 

قال أن الذين يستنجدون بالتدخل الأجنبي ضد الوطن ويستغيثون بشارون لا يتحدثون عن المناصب الحساسة في الدولة .. الدكتور محمد عمارة : اناشد عقلاء الأقباط أن يتحلوا بالشجاعة في مواجهة المشروع الطائفي الانعزالي الذي تقوده الكنيسة حاليا

أجرى الحوار : عبد الرحمن هاشم (خاص المصريون) : بتاريخ 18 - 6 - 2007

 حذر الدكتور محمد عمارة في الجزء الثاني من حواره الذي تنفرد بنشره المصريون من خطورة التيار الطائفي الانعزالي الذي يهيمن على الكنيسة الوطنية المصرية حاليا ، حسب قوله ، والذي جعلها رهينة لأقباط المهجر المرتهنين بدورهم للنفوذ الصهيوني والجهات المعادية للوطن كل الوطن ، مؤكدا على أن هذه الروح الانعزالية الخطيرة أساءت إلى الديانة المسيحية ذاتها ، وأفرزت مستويات غير مسبوقة من الشحن الطائفي والمشكلات الاجتماعية والأسرية بين الأقباط واستدعت التدخل الأجنبي ضد الوطن بصورة لا سابق لها في تاريخ مصر الحديث ، وانتشرت أحكام التكفير بين الطوائف المسيحية وتزايد العنف في المحاكمات الكهنوتية والصراع العلماني الديني الذي تخوض الكنيسة غماره ، كما ساعدت هذه الأجواء على نمو ملحوظ في نسبة ترك الديانة المسيحية والتحول إلى الإسلام ، كما أفرزت موجة كبيرة من النزوع إلى الهجرات القبطية إلى خارج الوطن ، وفي الحوار فند الدكتور عمارة الكثير من الاتهامات التي ألصقت بتاريخ الفتح الإسلامي وعلاقته بالأقباط كما تحدث عن قصة الخط الهمايوني والأخطاء العمدية في فهمه وفهم مبرراته وأنها كانت إنقاذا لأقباط مصر في الأساس ، والكثير من القضايا المثيرة التي حملها الحوار .
وإلى الجزء الثاني والأخير من الحوار :

ـ ألا ترى أن دور الدولة وواجبها تجاه تضخم دور الكنيسة يحتاج إلى إيضاح؟
* على مر التاريخ: الدولة عندما تكون لها شرعية وانتماء لأغلبية الأمة تكون قوية وتستطيع احتواء كل التيارات الأخرى ووضعها في حجمها الطبيعي، لكن إذا ضعفت الدولة هنا تظهر الأقليات بدور أكبر من حجمها، وهذا كان له نظائر في التاريخ؛ ففي ظل الدولة الفاطمية وكانت دولة شيعية إسماعيلية باطنية، ولم تكن هناك علاقة انتماء بينها، وبين أغلبية الشعب المصري السني المذهب بل كانت تكتب على منابر المساجد، لعن أبي بكر وعمر والصحابة بحروف من ذهب فكانت الأغلبية ضد الدولة، وكانت الدولة تستند إلى اليهود والنصارى كوزراء حتى إن الخليفة الفاطمي العزيز بالله وجد منشورا مصريا على منبره وهو يخطب الجمعة مكتوبا فيه "بالذي أعز اليهود بمنشة والنصارى بنسطورس وأذل بك المسلمين". وكان للخليفة وزيران: أحدهما يهودي هو منشة والآخر نصراني هو نسطوروس.. فالذي جعل هذه الدولة تعتمد على الأقلية هو عدم شرعيتها وعدم انتمائها للأغلبية.
والأغلبية في أي مجتمع من المجتمعات وفي أي دولة من الدول تمثل العمود الفقري للمجتمع وللدولة، وليس معنى هذا تهميش الأقليات أو الانتقاص من حقوقها، ولكن الأمر مثل الأب في الأسرة يعتمد على ابنه الكبير أكثر من أولاده الصغار، وفي نفس الوقت يعدل بينهم، لكن إذا كانت هناك فجوة شرعية بين الدولة والأمة؛ فالدولة تعتمد إما على الخارج أو على الأقليات، وفي حالتنا في ظل زيادة هيمنة الغرب وأمريكا وتدخلهما في الشئون الداخلية وأمام ضعف الدولة وتراجع دورها وسلطتها حدث هذا الذي يحدث وأصبحنا أمام كنائس لا ولاية للدولة عليها أمام أديرة لا يدخلها أحد من الدولة برغم ما يشيعه البعض عما فيها، وأصبحت هناك اعتصامات تتم داخل الكاتدرائيات لا يستطيع الأمن أن يتدخل فيها رغم استعداء المتظاهرين لأمريكا واستنجادهم بشارون.
أصبحنا أمام وضع قلت عنه منذ سنوات: "نحن نطالب أن تتساوى مساجد مصر بكنائسها لأن الكنيسة مفتوحة 24 ساعة والمسجد مغلق بعد الصلاة... منبر الكنيسة حر ومنبر المسجد مؤمم.. الشباب المسيحيون يذهبون إلى الكنيسة في أي وقت ويستطيع أحدهم أن يتعبد حتى يصبح راهبا، دون أن يقول أحد له شيئا، وينام في بيته أمنا دون أن يقتحم أحد من زوار الفجر عليه بيته، وهذا لا يحدث بالنسبة للشباب المسلم الشباب المسلم عندما يريد أن يعتكف في شهر رمضان في مسجد حكومي، لابد أن يقدم صورة البطاقة فتذهب إلى الأمن ويوضع في القوائم السوداء.. ألغيت أوقاف المؤسسات الدينية عندنا وأوقاف الكنيسة كما هي تضمن لها استقلاليتها؛ إذًا هناك عوامل كثيرة تؤدي إلى تضخم دور الكنيسة وإلى تآكل دور الدولة التي تحولت في مسألة وفاء قسطنطين إلى مصدر ضعف ومذلة وعار للأمة.
ـ انتقد كثير من الأقباط الدولة لأنها تسمح لك بالتعرض لعقيدتهم في مقالاتك بالأخبار وكذلك مقالات الدكتور زغلول النجار في "الأهرام" ويستشهدون كذلك بحلقات الشيخ الشعراوي وكتابات الشيخ الغزالي (رحمهما الله) ما ردك؟
* أقول المسلم عندما يقرأ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } فهو يعلن عقيدة تخالف التثليث، والمسيحي عندما يتلو نصوص التثليث فهو يعلن عقيدة تخالف التوحيد، وغير متصور أن أحدا من الطرفين سوف يتنازل عن عقيدته؛ فإذا نحن دافعنا عن التوحيد في كتاباتنا فليس معنى هذا أننا نمنع الآخرين أن يتحدثوا في التثليث !!
وعندنا في القرآن الكريم لا إكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ ويُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى.. } أي أن عندنا عملة ذات وجهين، وجه منها كفر بالطاغوت، والوجه الآخر إيمان بالله؛ إذًا كل إنسان في الوجود مؤمن وكافر في نفس الوقت، يعني أنا مؤمن بالتوحيد، وكافر بالتثليث، والمسيحي مؤمن بالتثليث وكافر بالتوحيد، الشيوعي مؤمن بالشيوعية، وكافر بالرأسمالية، والرأسمالي مؤمن بالرأسمالية وكافر بالشيوعية، والليبرالي مؤمن بالليبرالية وكافر بالشمولية، والشمولي مؤمن بالشمولية وكافر بالليبرالية، إذًا كل إنسان مؤمن بشيء هو كافر بنقيضه، ودفاعي عن التوحيد لا يعتبر عدوانا على أحد ولا انتقاصا أو تجريحا للآخرين لأن نفس عقيدة الآخرين ترفض وتجحد وتنكر عقيدتي، المهم ألا يكون هناك تجريح للعقائد ولا إهانة للأنبياء... أما ما كتبته في "الأخبار" وأثار ضجة فهو كلام للمستشرق الإنجليزي "مونتجمري وات"... هذا الرجل بعد دراسته للإسلام لأكثر من ثلث قرن كتب كتابا عنوانه (الإسلام والمسيحية في العالم المعاصر) ترجم ونشر في مصر في مكتبة الأسرة، أي أن الدولة هي التي نشرته.
في هذا الكتاب يتعرض المؤلف للموقف الغربي من الإسلام، أي ليس له علاقة بالنصرانية الشرقية... ويذكر المستشرق الإنجليزي أنه في أوائل القرن العشرين أصبحت هناك "موضة" في الغرب تتحدث عن القرآن وأنه هرطقة مسيحية ويهودية وليس وحيا من عند الله، وناقش "مونتجمري وات" هؤلاء ورد عليهم، وأثبت صدق الوحي ونزوله على محمد (صلى الله عليه وسلم) رغم أنه رجل مسيحي إنجيلي، وانتقد كذلك أشياء في اليهودية والنصرانية، وأنا نشرت كلامه وهو يتحدث عن النصرانية الغربية والتراث الغربي في موضوع عنوانه: "الديانات السماوية والحروب الدينية " برأت كل الديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلام من الحروب الدينية، وقلت: إن التراث الغربي للنصارى هو الذي صنع الحروب الدينية، وإن التراث اليهودي التلمودي أو الصهيوني هو الذي صنع الحروب الدينية، واستشهدت في ذلك بغربي يرد على الغربيين، وليست هناك أي علاقة لما كتبت من قريب أوب بعيد بالنصرانية الشرقية سواء كانت أرثوذكسية أو غير أرثوذكسية، فضلا عن أن السياسة الشرعية علمتنا الموازنة بين المصالح والمفاسد، فالأمور التي تؤدي إلى المفاسد نتجنبها، وإذا كانت مفسدتان إحداهما أشد من الأخرى نتخير أخف الضررين، وبالتالي كل ما يقلق الوحدة الوطنية ووحدة الأمة ويفتح ثغرات الاختراق الخارجي نتجنبه>
ـ هناك اتهام بأن الذين يتحولون سنويا من المسيحية إلى الإسلام قسرا في مصر يعدون بالآلاف.. ما تعليقك؟
* توجد ادعاءات كثيرة وهناك من يقول: إن المتوسط 7 آلاف يدخلون الإسلام سنويا وفي كتاب (الأقباط عبر التاريخ) ـ الذي تحدثنا عنه ـ يقول: إنهم 17 ألف.. هل هذا كلام معقول؟، ولو كان هذا الكلام صحيحا إذا لانتهى المسيحيون من مصر، خصوصا إذا وضعنا في الاعتبار المهاجرين منهم لأمريكا، وأنا أعرف أن مسألة تحول الناس من المسيحية إلى الإسلام ظاهرة عالمية، وعلى العقلاء ألا يُفسروا الظواهر العامة بأسباب خاصة، لأن هذا منهج غير علمي في التفكير.
وعندما أرى انتشار الإسلام في أوروبا واستراليا وأمريكا فهل يعتبر أمرا شاذا أن أناسا من المسيحيين في مصر يدخلون الإسلام؟!! الذين لا يعرفون كثيرا عن الإسلام في بلاد الغرب يدخلون الإسلام بأعداد وفيرة فمن باب أولى من يعيش في مصر بلد الأزهر والقرآن والعلماء! إذًا أمر طبيعي أن تكون هناك تحولات من المسيحية إلى الإسلام وأسوق لك دليلا آخر: السياح الأجانب الذين يزورون مصر للسياحة يعلنون إسلامهم في مشيخة الأزهر وأنا عضو بمجمع البحوث الإسلامية وأجد العدد كبيرا جدا يزداد كل عام، وتصدر عن الأزهر إحصائية كل عام بعدد الذين أشهروا إسلامهم فيه من كل جنسيات الدنيا.
إذًا ظاهرة التحول إلى الإسلام ظاهرة عالمية تتجسد في مصر في الذين يأتون سياح من كل الملل ومن كل الجنسيات، وبالتالي أي كلام عن قهر وقسر للمسيحيين في مصر كي يدخلوا الإسلام كلام فيه نوع من الإفلاس.
ـ ما رأيك في القنوات التبشيرية المتربصة بالإسلام والتي تعمل على تشويه صورته والتشكيك في تعاليمه؟
* هذه القنوات الفضائية جزء من حرب عالمية صليبية على الإسلام كرد فعل لما لمسه الغرب من انتشار الإسلام، وازدياد أتباعه الغربيين؛ أنظر إلى قناة "الحياة" وما يقوله زكريا بطرس أو غيره، أنظر إلى الكتب التبشيرية التي تطبع في الخارج بمختلف اللغات وتأتي إلى مصر، أنظر إلى الشبهات التي تؤلف فيها الكتب والمنشورات.
إذًا نحن أمام مخطط دولي ولقد عقدت الكنائس الإنجيلية الأمريكية مؤتمرا في أمريكا في مايو 1978م، وبحثوا فيه لماذا الجهود المبذولة في تنصير المسلمين لا توازي الثمرات وهذا المؤتمر قدم فيه 40 بحثا، ونوقشت هذه الأبحاث ونشرت أبحاث المؤتمر والمناقشات التي دارت حولها باللغة الإنجليزية ثم ترجمت إلى العربية في كتاب عنوانه: "التنصير خطة لغزو العالم الإسلامي"، وأنا كتبت كتابًا عن هذا المؤتمر الوثائقي عنوانه: "الغارة الجديدة على الإسلام... بروتوكولات قساوسة التنصير".
في هذا الكتاب مخطط يقول: نحن نريد تنصير كل المسلمين وليس بعض المسلمين، والتنصير الذي ينصحون به ليس مواجهة الكتاب والسنة، وإنما اختراق الإسلام في صدق ودهاءـ بنفس التعبيرات التي استخدموهاـ ولأول مرة يطلبون توظيف الكنائس الوطنية في مخطط التنصير.
ومن المعلوم أن التنصير عندما بدأ في القرن التاسع عشر كان يتجه إلى غير المسلمين، يعني لما قدم البروتسانت كانوا يأخذون ناسًا من الأقباط الأرثوذكس، لكن الآن أصبح المخطط أن على الجميع أن يشتركوا في تنصير المسلمين، والإمكانات المرصودة لذلك هائلة؛ فهناك على سبيل المثال إذاعة أقاموها في قبرص ترتل الإنجيل ترتيل القرآن، حتى إنهم يطبعون الإنجيل طبعات بغلاف مثل غلاف المصحف، ويذيعون مزامير داود باعتبارها شعرًا، ويحاولون اختراق الثقافة الإسلامية بأشكال مختلفة، والجديد في الأمر كما قلت هو توظيف الكنائس المحلية في مخطط تنصير المسلمين !!
ـ بعض جماعات الأقباط تنكر عروبة مصر وتنكر ترحيب الأقباط بالعرب الفاتحين ويستندون إلى أقوال في هذا الزعم.. ما تعليقك؟
* هناك حقائق فيما يتعلق بالفتح الإسلامي سواء لمصر أو لغير مصر، أول حقيقة هي: أن الشرق كان محتلا من قبل الإغريق والرومان والبيزنطيين لمدة 10 قرون من "الإسكندر الأكبر" في القرن الرابع قبل الميلاد إلى هرقل في القرن السابع الميلادي، وفي هذا الاستعمار تم قهر الشرق دينيا وثقافيا ولغويا وسياسيا واقتصاديا، والنصارى إلى الآن في الكنيسة الأرثوذكسية يحتفلون بعصر الشهداء؛ أي اضطهاد الرومان للنصرانية المصرية، واللغة الفرعونية كتبت بحروف يونانية والثقافة الهيلينية حلت محل الثقافة الشرقية، ومصر المسيحية عاشت تحت هذا الاستعمار ستة قرون لم يحكمها فيها مصري واحد، جاء الإسلام فحرر الشرق من هذا الاستعمار الغربي، حرر الأرض وحرر الضمير وترك الناس وما يدينون.
كانت النصرانية الشرقية ديانة سماوية سرية ممنوعة، وكان أهلها هاربين في الصحارى والمغارات، إلى أن جاء الفتح الإسلامي وحررهم وأمنهم ورد إليهم كنائسهم وأديرتهم المغتصبة ويشهد على ذلك أساقفة النصرانية المصرية، بدءًا من الأسقف يوحنا النقيوسي، وهو شاهد عيان على الفتح الإسلامي، وصاحب أقدم كتاب بين أيدينا أرخ للفتح الإسلامي، وهو يعلن في هذا الكتاب أن مجيء المسلمين ويسميهم الإسماعيليين "أبناء إسماعيل" وفتحهم لمصر هو عقاب الله للرومان على ظلمهم للأرثوذكس، ونص عبارته :"إن الله الذي يصون الحق لم يهمل العالم وحكم على الظالمين ولم يرحمهم لتجرئهم عليه وردهم إلى يد الإسماعيليين، ثم نهض المسلمون وحازوا كل مصر، وكان هرقل حزينا وبسبب هزيمة الروم الذين كانوا في مصر، وبأمر الله الذي يأخذ أرواح حكامهم مرض هرقل ومات، وكان عمرو بن العاص يقوى كل يوم في عمله، ولم يأخذ شيئا من مال الكنائس، ولم يرتكب شيئا ما سلبا أو نهبا وحافظ على الكنائس طوال الأيام". هذا نص يوحنا النقيوسي الذي يشهد أيضا بأن عمرو بن العاص هو الذي أمن البطريرك بنيامين بطريرك المصريين الذي ظل هاربا من الرومان 13 عاما، حتى أمنه عمرو بن العاص، واستقبله وحرر كنائس مصر لا ليتخذها مساجد وإنما ردها إلى الأقباط يتعبدون فيها.
ويصف النقيوسي فرح البطريرك وفرح النصارى بهذا التحرير الإسلامي ويفيض في الحديث عنه ويشهد على ذلك أيضا أسقف آخر هو ميخائيل السرياني وكذلك المستشرق الإنجليزي "سيرتوماس أرنولد" الذي يقول في كتابه: "الدعوة إلى الإسلام": "إنه من الحق أن نقول أن غير المسلمين قد نعموا بوجه الإجمال في ظل الحكم الإسلامي بدرجة من التسامح لا نجد لها معادلا في أوروبا قبل الأزمنة الحديثة ".
ويشهد على ذلك أيضا المؤرخ القبطي المصري "يعقوب نخلة" الذي توفى سنة 1905 في كتابه "تاريخ الأمة القبطية"، يشهد بأن عمرو بن العاص هو أول حاكم في تاريخ مصر يشرك الأقباط في حكم مصر فيقول بالحرف: "واستعان عمرو في تنظيم البلاد بفضلاء القبط وعقلائهم على تنظيم حكومة عادلة تضمن راحة الأهالي".
ويشهد أيضا يعقوب نخلة بأن الفتح الإسلامي هو أول نظام سياسي يربط الضرائب في مصر بوفاء النيل، فإذا ارتفع النيل وزعت الأرض يدفع الناس الضريبة وإلا فلا يدفعون.. ويقول أيضا يعقوب نخلة :"وضرب عمرو بن العاص الخراج على البلاد بطريقة عادلة وجعله على أقساط في آجال معينة حتى لا يتضايق أهل البلاد، وبالجملة: فإن القبط نالوا في أيام عمرو بن العاص راحة لم يروها من أزمان".
ويشهد أيضا على هذه الحقائق حول الفتح الإسلامي لمصر د. جاك تاجر المتوفى سنة 1952 في رسالته للدكتوراه بعنوان "أقباط ومسلمون من الفتح الإسلامي إلى 1922م"، فيقول :"إن الأقباط قد استقبلوا العرب كمحررين بعد أن ضمن لهم العرب عند دخولهم مصر الحرية الدينية وخففوا عنهم الضرائب" أما الذين يزعمون أن المسلمين أجبروا النصارى على الدخول في الإسلام سواء بالجزية أو بالقهر فنقول لهم: إن الأقباط قبل الإسلام تمسكوا بعقيدتهم حتى وهم يذبحون ويحرقون ويرمى بهم إلى السباع والأسود، فهل يتصور من هؤلاء أن يبيعوا عقيدتهم في مقابل دراهم معدودة؟!
الأمر الثاني هي الحقيقة التي تقول: إن الفتح الإسلامي الذي حول الشرق إلى دولة إسلامية قد ظل المسلمون في رعية هذه الدولة مدة مائة عام لا تزيد نسبتهم عن 20 % من عدد السكان؛ أي أن مصر وبلاد الشام والعراق وفارس كانت نسبة المسلمين في هذه البلاد 20% من عدد السكان، إذًا لا قهر لأحد على الدخول في الإسلام .
ـ يقول البعض: إن تعداد مصر وقت الفتح الإسلامي كان 20 مليون نسمة وأن تعدادها كان عند حملة بونابرت أي بعد 13 قرنا من الفتح الإسلامي قد وصل إلى أقل من 3 ملايين نسمة، ويعللون ذلك بالقهر الذي حل بالمصريين طوال حكم المسلمين، فما صحة هذه الإحصاءات؟
* أولا هذه الأرقام كاذبة وهناك كتاب عنوانه: "المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي" صدر عن المعهد الفرنسي للدراسات الديموجرافية وكتبه اثنان من الباحثين الفرنسيين هما: فيليب فارج ويوسف كرياج وقد ترجم هذا الكتاب سنة 1992، ونشرته "دار سينا" اليسارية.
في هذا الكتاب كم هائل من الإحصاءات التي لا نظير لها في الغنى والدقة نقرأ في هذا الكتاب أن تعداد مصر عند الفتح الإسلامي كان 2.5 مليون وليس 20 مليونا، وأن مجمل تعداد مصر والشام والعراق وفارس كان 29 مليونا، وأن تعداد شبه الجزيرة العربية، كان مليونا واحدا، فلو هاجر كل سكان شبة الجزيرة العربية "العرب" إلى بلاد مصر والشام والعراق وفارس لما كان هناك غزو ولا تغيير في نسبة السكان .
أما لماذا ظل تعداد مصر حول هذا الرقم الذي كانت عليه عند الفتح (2.5 مليون نسمة) فسببه أن النيل حتى عصر محمد علي كان يزيد 7 سنوات ويجف 7 سنوات، وهذا وارد في قصة سيدنا يوسف، فكانت هناك دورات من الجفاف وهلاك المزروعات وشيوع الأمراض والأوبئة، وبالتالي الوفيات بشكل دائم ومستمر، وبالتالي كان السكان يزيدون ثم ينقصون.
ولقد كتب المقريزي في ذلك كتابا فريدا عنوانه "إغاثة الأمة بكشف الغمة أو تاريخ المجاعات في مصر"، ولم يبدأ تعداد مصر في الزيادة المضطردة إلا في الدول الحديثة دولة محمد علي بعد إقامة القناطر وإنشاء الرياحات ونظام الري الدائم الذي ارتفع بالأرض الزراعية من 2 مليون فدان إلى نحو 6 ملايين فدان أواخر عهد الخديوي إسماعيل، إذًا ليس الفتح الإسلامي هو الذي صنع المجاعات وانخفاض النيل ولا نقص السكان في التاريخ المصري، بل إن الخلافة في مصر كانت دائما تبحث عن علاج هذه المشكلة، حتى إن الدولة الفاطمية استدعت عالم الفلك والبصريات الحسن بن الهيثم لدراسة موقع النيل عند أسوان للتفكير في إقامة السد الذي بنى في عصرنا الحديث.
ـ البعض يثير أن الإسلام وافد على مصر والعروبة كذلك.. كيف نرد؟
* فيما يتعلق بعروبة مصر نقول: إن تبني اللغة العربية في مصر قد تم بالتدريج مثل تبني الشعب المصري للإسلام، وتغيير اللغة من الهيروغليفية إلى العربية قد جاء بعد قهر الرومان والبيزنطيين للغة المصرية القديمة، حيث كتبت بحروف يونانية، وهذا هو السبب في جعل اللغة العربية لغة وطنية لا في مصر وحدها وإنما في الدول الإسلامية من المحيط الأطلسي إلى حدود الصين.
وأما أن الإسلام وافد على مصر والمسيحية أقدم من الإسلام في مصر فهذه حقيقة لكن هناك حقيقة أخرى تقول لنا: إن المسيحية أيضا وافدة على مصر ولو كانت المسألة مسألة أقدمية فإن الذي سيفوز في المسابقة هي عبادة العجل أبيس! لقد جاءت المسيحية إلى مصر في منتصف القرن الأول الميلادي وأول من أمن بالمسيحية في مصر إسكافي يهودي هو الذي أصبح بطريرك للنصرانية المصرية، بل أقول: إن المسيحية وافدة حتى على الفاتيكان عاصمة الكاثوليكية.
ـ وماذا عن مطلب بعض الأقباط بإعلان مصر دولة علمانية؟
* العلمانية وافد أوروبي جاءتنا في ركاب الغزوة الاستعمارية وإذا كانت العلمانية مطلبا للأقلية فلا يمكن أن تتحول الأقلية إلى فيتو ضد الأغلبية لأن هذا مناقض لمنطق الديمقراطية.. المسلمون في فرنسا تعدادهم أكبر من تعداد الأقباط في مصر فهل من حقهم أن يفرضوا الشريعة الإسلامية بدلا من العلمانية في فرنسا، أم أن هوية الدولة هي من حق الأغلبية، بشرط ألا يكون في هذه الهوية ما يجور على عقائد ولا مصالح الأقلية؟!
إن النصرانية تدع ما لقيصر لقيصر، والشريعة الإسلامية عندما يضعها الحاكم في التطبيق فهي قانون وضعي مدني بالنسبة للأقلية وليس فيها انتقاص من حقوقها، بل هي تجعل الحفاظ على حقوق الأقلية موقفا دائما وشبه مقدس. ـ يطالبون كذلك بتمثيل أوسع في أجهزة إدارة الدولة المصرية؟
*المفروض أن تكون المناصب في الدولة يحكمها الكفاءة لكن كل الدول في العالم تجعل من بعض المناصب الحاكمة والحساسة منطقة للأغلبية التي تمثل العمود الفقري في المجتمع، وتجربتنا في مصر أنه عندما كان الولاء والانتماء من الأقلية كاملا للدولة، كان الأقباط يتولون أكبر من نصيبهم العددي في وظائف الدولة.
وعلى سبيل المثال مكرم عبيد الذي كان يعلن أنه مسيحي دينا ومسلم وطنا كان ينجح في الانتخابات في دائرة السيدة زينب ضد المرشحين المسلمين وهي دائرة ليس فيها أقباط، وزعماء الأقباط في ثورة 1919 كانوا أبرز من غيرهم.
أما عندما تتحول قطاعات من الأقلية إلى ثغرات اختراق لأمن الوطن وإلى امتدادات للتدخل الأجنبي، مثل ما هو حادث الآن عندما يعلن عدلي أبادير أنه بالمؤتمرات التي يعقدها لأقباط المهجر سيقيم دارفور جديدة في مصر، وعندما يعلن أقباط المهجر أنهم يريدون تحرير مصر من العروبة والإسلام والمسلمين، وعندما يعلنون بل ويستدعون التدخل الأجنبي والحماية الأمريكية ويروجون للحرب الاستباقية، ويعادون كل ألوان المقاومة للاستعمار الأمريكي في فلسطين وفي العراق وفي أفغانستان، فلا أظن أن حاكما مصريا عاقلا ووطنيا يفتح أبواب المناصب الحساسة في مصر لمثل هؤلاء.
إن أبواب المناصب مفتوحة للوطنيين الذين كل ولاءهم وانتمائهم خالص للوطن وليس للذين يستدعون التدخل الأجنبي في شئون مصر الداخلية.. يجب فرز الأوراق حتى لا يختلط العقلاء بالعملاء .
ـ وماذا نقول في المطالبة بزيادة الكنائس في مصر؟
** ليس في مصر مشكلة فيما يتعلق ببناء الكنائس، فتعداد الكنائس بالنسبة لتعداد الأقباط وتعداد المساجد بالنسبة لتعداد المسلمين، كما جاء في تقرير الحالة الدينية الذي نشرته "الأهرام" منذ سنوات لا تمييز فيه بين المسلمين والمسيحيين، ولقد كان للشيخ الغزالي "عليه رحمة الله" اقتراح عرضه في ندوة مغلقة دعا إليها في نقابة المهندسين المهندس حسب الله الكفراوي عندما كان نقيبا للمهندسين ووزيرا للتعمير وحضرت أنا هذه الندوة ضمن نحو 40 من النخبة وكان معنا البابا شنودة الثالث والشيخ الغزالي، والذي قال: إن ديننا يمنعنا من أن يكون إخوتنا وشركاؤنا في الوطن يحتاجون إلى كنائس يتعبدون فيها ولا يجدون هذه الكنائس، ويجب أن نخصص مساحة من الأرض لدور العبادة، ويأخذ أهل كل دين نسبة من المساحة موازية لنسبتهم العددية، والأقباط في مصر نسبتهم 5.8، ولا يزال هذا الاقتراح في رأيي حلا عادلا وقابلا للتطبيق.
ولقد أضاف الشيخ الغزالي قائلا: أما أن يترك الأمر لمن لدية الإمكانات فتغير هوية الدولة، ويحدث ما حدث في لبنان من رسم الصلبان على الجبال فهذا مرفوض!!
ـ وماذا عن الخط الهمايوني الذي يقولون إنه لا يزال يحكم بناء الكنائس في مصر رغم زوال الدولة العثمانية التي أصدرته؟
** هذه كذبة كبرى تذكرنا بمنهج الدعاية النازية الذي ابتدعه "جوبلز" منهج "أكذب... ثم أكذب ....ثم أكذب فإنك لابد واجد من يصدقك.."!
ولبيان حقيقة هذا الخط الهمايوني أقول :
أولا: إن هذا الخط الهمايوني هو مرسوم سلطاني أصدرته الدولة العثمانية في 18 ممن فبراير 1856 م كجزء من قوانين "الإصلاحات الخيرية" بهدف إنصاف الأقليات غير المسلمة وتحقيق المساواة بينها وبين المسلمين.. ومن النصوص التي جاءت بهذا المرسوم ـ على سبيل المثال ـ: "تمحى إلى الأبد من المحررات الرسمية كافة الألفاظ المتضمنة تحقير جنس الآخر.. ولا يجبر على تغيير دينه أو مذهبه"، والمساواة في التجنيد.. والمدارس والوظائف.. والخراج.. والشهادة في المحاكم.. وإلغاء الجزية.. إلخ.
وأنشئ هذا المرسوم "نظام الملل" الذي أتاح للأقليات استقلالا قضائيا في الأحوال الشخصية ..وإنشاء المدارس الخاصة... كما قنن اشتراك زعماء الأقليات في مجالس الشورى فهوـ إذن ـ مرسوم إصلاحي وتقدمي ـ باعتراف الكتاب النصارى والأجانب.
ثانيا: إن هذا الخط الهمايوني ـ بالنسبة لمصرـ لم يكن قانونا معمولا به، وإنما كان بمثابة الإعلانات العامة للحقوق والواجبات، لأن مصر كانت مستقلة في الحقانية والتشريع منذ دولة محمد علي باشا، أي قبل نصف قرن من صدور الخط الهمايوني، ولقد أكد هذا الاستقلال التشريعي الفرمان العثماني الصادر لمحمد علي في 1/6/1841، وأكد مرة أخرى الفرمان الصادر للخديوي إسماعيل في 8/6/1867 م.
وكما يقول المؤرخ الحجة عبد الرحمن الرافعي: "فإن حكومة مصر في عهد محمد علي وخلفائه لم تنازعها تركيا في حقها المطلق في التشريع والتقنين بكل أنواعه ولم تتدخل البتة في هذا الصدد إطلاقا."
ثالثا: إن مصر لأنها مستقلة في التشريع ألغت الجزية عام 1855 أي قبل عام من صدور الخط الهمايوني، والخط الهمايوني أنشأ نظام الملل للأقليات في الدولة العثمانيةـ بينما ظل أقباط مصر طوال التاريخ جزءًا من الشعب ولم يعاملوا كملة مقدسة، ولقد شهد بذلك وكتبه سمير مرقص ود. سعد الدين إبراهيم.
رابعا: لقد كان استقلال مصر التشريعي عاما حتى بالنسبة للقوانين الإسلامية العثمانية، فلم تطبق على مصر تشريعات "مجلة الأحكام العدلية" ـ الإسلامية ـ التي أصدرتها الدولة العثمانية عام 1869م.
خامسا وأخيرًا : فإن هذا الذي يحكم بناء الكنائس في مصر ليس الخط الهمايوني كما يزعم الكذبة ... ويظن الجهلة، وإنما الذي يحكمه هو قرار مجلس الوزراء المصري 1927م الخاص ببناء المعاهد الدينية وتعيين القيادات الدينية.
وأنا أتحدى أن يأتوا بقرار بناء كنيسة يشير في ديباجته إلى الخط الهمايوني، إذن فنحن أمام كذبة كبرى يروجها الكذبة ويكررونها حتى يجدوا من يصدق هذه الأكاذيب.
ـ وأخيرا في ختام هذا الحديث بم تنصح؟
* أنصح باليقظة الواعية العاقلة الفاعلة... وذلك حتى لا تتكرر غفلتنا مع المشروع الصهيوني الذي كان يتم الإعداد له، والتنفيذ لمقدماته على مدى عشرات السنين... وتقوم له جمعيات وتعقد له مؤتمرات، وتصدر له صحف في بلادنا العربية... بينما تيارات الفكر في بلادنا غافلة عنه كل الغفلة اللهم إلا التيار الإسلامي ومجلة "المنار" على وجه الخصوص.
إن الغرب يعمل على تحويل "نعمة التعددية" في وطن العروبة وعالم الإسلام إلى "نقمة التفتيت" لأوطان هذه الأمة فوق ما هي عليه من تشرذم وتفتيت.. وهو يستغل في ذلك أوراق الأقليات.. الدينية منها والقومية.. وهذا المخطط معلن ومكتوب منذ قيام الكيان الصهيوني ـ في أربعينيات القرن العشرين ـ ولقد نشرت العديد من الوثائق التي تتحدث عن هذا المخطط في كتابي "الإسلام والتعددية" وفي كتابي "الإسلام والأقليات".
فالمستشرق الصهيوني "برنارد لويس" قد دعا إلى إقامة أكثر من ثلاثين كيانا سياسيا على أسس دينية ومذهبية وعرقية في العالم الإسلامي تعيد رسم خرائطه من باكستان إلى المغرب، وقال: "إن هذا التفتيت هو الضمان الأول لأمن إسرائيل"!
والمنظمة الصهيونية نشرت استراتيجيتها في ثمانينات القرن العشرين ودعت فيها إلى تقسيم مصر على أسس طائفية، وقالت "إنه إذا تفتت مصر تفتت الباقون"!
وفي الندوة التي عقدت بإسرائيل في 20 من مايو 1992 والتي دعا إليها مركز "بار إيلان" للأبحاث الاستراتيجية، وشارك فيها مع وزارة الخارجية الإسرائيلية مركز ديان بجامعة تل أبيب والتي كان موضوعها "الموقف الإسرائيلي من الجماعات الإثنية والطائفية في منطقة الشرق الأوسط" قد قررت في توصياتها :"أن هذه الأقليات.. هي شريكة لإسرائيل في المصير ولابد من أن تقف مع إسرائيل في مواجهة ضغط الإسلام والقومية العربية"!!
لذلك علينا أن ننظر "للجزئيات" في إطار هذا المخطط الشامل.. وأن نفسر في ضوئه ما نراه من تحالفات تجمع النزعات الطائفية التي يحلم أصحابها بإعادة رسم الخرائط في المنطقة بمراكز الضغط الصهيوني في أمريكا.
كذلك علينا أن لا نعمم الأحكام على أبناء هذه الأقليات.. ففيهم عقلاء كثيرون يريدون أن ينعموا بالتنوع في إطار الأمة الواحدة ولا يريدون التفتيت.. والقرآن الكريم يعلمنا منهاج "ليسوا سواء" .. ومع هؤلاء العقلاء يجب أن نعمل في مواجهة الأعداء والعملاء.
ولذلك فأنا أقول لعقلاء الأقباطـ وهم كثيرون ـ: عليكم أن تتحلوا بالشجاعة في مواجهة المشروع الطائفي الانعزالي للبابا شنودة وجماعته.. هذا المشروع الذي مثل ويمثل نكبة على الأقباط وكنيستهم الوطنية :
ـ فللمرة الأولى في تاريخنا الحديث والمعاصر تظهر وتستمر أحداث التوتر الطائفي والفتنة الطائفية على هذا النحو الخطير.
ـ ولأول مرة في تاريخنا الحديث والمعاصر يحشر الأقباط داخل الكنيسة بعيدا عن الحياة المجتمعية العامة ويخضعون لسلطان البابا بدلا من الدولة في أمورهم السياسية والمدنية.. وتتخلى الكنيسة عن رسالتها الروحية ـ رسالة المسيح ـ وتتحول إلى حزب سياسي ودولة.. حتى أن الأديرة قد أصبحت مؤسسات إنتاج رأسمالي وإقطاعي.. واشتغل الكهنوت بالطائفية بدلا من خلاص الأرواح... فكان الفراغ الروحي، الذي أدى إلى أعلى نسبة تحول عن المسيحية إلى الإسلام في تاريخنا الحديث.
ـ ولأول مرة في تاريخ مصر يحدث الصدام ـ ويتكرر ـ بين البابا والدولة.. وتتم الإدانة لرأس الكنيسة من أعلى سلطة قضائية في البلاد.
ـ ولأول مرة في تاريخنا الوطني تخضع الكنيسة لنفوذ أقباط الخارج وسلطتهم حتى لتكاد تفقد صبغتها الوطنية التي تميزت بها عبر التاريخ.
ـ ولأول مرة تصمت الكنيسة صمت الرضا عن أصوات الخيانة التي تصدر عن بعض أقباط المهجر الذين يعلنون أنهم سيصنعون بمصر دارفور جديدة.. ويستعيدون أمريكا للضغط على مصر وقطع المعونات عنها.. بل ويستغيثون بشارون!... ويعلنون وقوفهم مع الحروب الاستباقية الأمريكية والصهيونية ضد العراق وأفغانستان والصومال.. وينسقون مع اللوبي الصهيوني والمحافظين الجدد والصهيونية المسيحية ضد قضايا العرب والمسلمين.. ويتحدثون عن ضرورة تحرير مصر من العروبة والإسلام!
ـ ولأول مرة تتصاعد المحاكمات الكنسية ضد الكهنوت في داخل الكنيسة.. ويصل الأمر إلى تهديد وحدة الكنيسة بالانقسام والتفتيت..
ـ ولأول مرة يحدث الاستقطاب الحاد بين الكنيسة وبين العلمانيين الإصلاحيين.
ـ ولأول مرة يؤدي التشدد الكنسي إلى هذه النسبة المخيفة من المشاكل الأسرية في الطلاق والزواج وما ينجم عن ذلك من التحلل الأسري والأخلاقي.
ـ ولأول مرة تتصاعد الهجرات القبطية من مصر إلى الخارج على النحو الذي يهدد الوجود المسيحي بمصر ويعلن عن تآكل الانتماء الوطني بين المسيحيين.
ـ ولأول مرة يتصاعد العداء والتكفير من الكنيسة الأرثوذكسية ضد الطوائف المسيحية الأخرى بمصر.
إن على عقلاء الأقباط أن يتحللوا بالشجاعة في مواجهة هذه "الخطايا العشر" التي تهدد كنيستهم وجماعتهم .. ففيها يكمن الخطر الحقيقي والمحدق.. بينما أمنهم وأمانهم وحريتهم الدينية وحقوقهم المدنية هي جزء من مشروع الأمة ـ وهم جزء أصيل منهاـ ورهن بالنهضة الحضارية للحضارة الإسلامية التي أسهموا مع إخوانهم المسلمين في صناعتها.
إن الحل ليس في "وعود أمريكا"، وإنما في الميثاق الذي صاغه رسول الإسلام لعموم النصارى قبل أربعة عشر قرنا :
"لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ـ وعلى المسلمين ما عليهم، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم وفيما عليهم".
-------------------------------------------------------------------------------------


ليس لنا تعليق ، فحينما يرتفع النهيق، لايصح أن تناقش أو تنصح ناهقا
المحرر

 

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games