آلام وصـبر النوبيين

آلام وصـبر النوبيين

أربعون عاما مضـت مع ذكريات مؤلمة . أربعون عاما لم تكن مجرد ذكرى ولا مجرد رقم يطوي في المفكرة . أربعون عاما مضت والنوبة مازالت كما هي ، نوبية بشعبها وارضها ومياها وسماءها ، نوبية بماضيها بحاضرها بمستقبلها . هل يا ترى ينسى النوبيون يوم 15 يوليو عام 1964؟ هذا اليوم المشؤوم الذي يقاومونه بجميع الاساليب في حياتهم اليومية!. بقي هذا اليوم يوما تاريخيا في ذاكرة الشعب النوبي .. انه يوم تاريخي يفصل بين تاريخين، تاريخ ما قبله وتاريخ مابعده.. أربعون عاما مضت ونحن نقارع أصحاب العقول التي أبت أن تتطور لفهم معنى تاريخ شعب وحضارة.

حاليا ينقسم أبناء النوبة بين مصر والسودان. هؤلاء الأبناء حفظ لهم التاريخ صفحات مجد ناصعة في كافة الحقول، وبذات ‏الوقت سجل مآسيهم ونكباتهم التي حلت بهم عبر مراحل التاريخ المختلفة. فهم أحفاد أولئك العظام الذين شيدوا ممالك كوش ومروى ونبته العظيمة قبل الميلاد وبعده، وساهموا ‏في إرسال الحضارة الإنسانية، كما واشتركوا عبر آلاف السنين بعبادة واحدة ولغة واحدة ‏وتقاسموا الفنون والمشاعر المشتركة. نعم النوبيون هم أحفاد فراعنة النوبة العظام "بعانخى وكشتا وتهارقا" الذين ملأوا التاريخ مجدا وعطاءً . ومنذ أن دار الزمن دورته ‏وتقلبت الأحوال وتوالت غزوات الطامعين لأرضهم المعطاء أدار الزمن لهم ظهره.

أهمل نظام ناصر [ الدكتاتوري الراحل] متابعة قضايا الإنسان النوبي في غربته القسرية، وليس هذا بمستغرب لأنه هو السبب الذي دفع بالمجتمع النوبي إلى محارق الغربة وسبلها المميتة وعذابات البقاء في مجتمعات غريبة تاريخياً وحضارياً. النظام الناصري تعامل مع المواطن النوبي انطلاقا من مصالحه الخاصة وليس من مصالح الوطن المصري. فكانت ومازال النوبة الى الآن ورقة لعب بأبعادها السياسية والأجتماعية في داخل تلك المناطق الجبلية النائية "بكوم أمبو" .. وفي كثير من الأحيان تغافلوا عن تطبيق قوانين حقوق الإنسان، لأنهم أصلاً لم يهتموا بحقوق المواطن، فأبقوا النوبيين في غربة المنفى الاضطراري يذوقوا الأمرّين . ومئات الألوف من النوبيين اليوم في وضع مهين من سياسة تعمد الإهمال المستمرة وسوء الرعاية خاصة الرعاية الصحية، وهي سياسة دأبت على استخدامها السلطات المصرية منتهكة بذلك كافة القوانين والأعراف الدولية بطريقة لا تلغي حقوقهم حسب، بل تضعهم في مآزق مستجدة دوما حتى يهدموا منظومة الشخصية النوبية من أساسها. المشكلة مركبة معقدة بدأت بالتطهير العرقى ثم تعمد محو الثقافة النوبية الخاصة، بمحو اسم النوبة من المنطقة ومن مناهج التعليم ومن وسائل الإعلام. ولا ننسى أنه لولا إصرار وضع اسم متحف النوبة من قِبل هيئة اليونسكو لتم حذف اسم النوبة من المتحف ووضع مسمى (متحف جنوب الوادي أو متحف أسوان). وضع النوبيين الآن وضع كارثي . تمزق المجتمع النوبي تحت ضربات التهجيرات الأربعة وإرسال غيرهم ليستوطنوا مكانهم.

التخبط الواضح فى السياسة المصرية كلها، قد أدت إلى حالة عدم الإستقرار الإقتصادى، وفساد سياسي، ومن مستوى فني هابط في كل أجهزة الاعلام ومنابر النشر، وخمول ثقافى وتطرف دينى وعرقى ، وانزواء لدور مصر فى المنطقة والعالم. وذلك ما يدعو إلى التأكيد على ضرورة وحتمية التغيير الحقيقى والإصلاح الفعلى، ولن يتأتى هذا التغيير إلا بعدة تغييرات جذرية. أما بخصوص الإنسان النوبي في المنفى فهو في جميع الأحوال الطرف الأسوأ حالا في المعادلة.

ما المطلوب في الظرف القائم؟ سؤال يضغط علينا جميعا.

الحل في أولياته يتطلب احترام قوانين حقوق الإنسان والمواثيق والأعراف الدولية التي تحرم الاعتداء على المدنيين وممتلكاتهم. فإن حقوق الإنسان قد جاءت لتنصب نفسها لكل فرد في كل مجتمع مهما كان جنسه أو لونه أو دينه أو طبقته. ولعل المجتمع الدولي يحتاج إلى وقفة جريئة وشجاعة لوقف هذه الممارسات المتكررة ولوضع حد لمعاناة الشعب النوبي المستمرة على مدار عشرات السنوات ومن ثم فلابد من تشكيل لجنة دولية متخصصة تلتقي ممثلي الجاليات النوبية والتجمعات النوبية في الداخل وترى تصوراتهم وتقرأ الحلول المقترحة منهم لأنهم أصحاب القضية وهم الذين عانوا والحياة حياتهم ولن يعوضهم عن المفقود من وجودهم البشري أحد من الأطراف التي تتخذ بحقهم القرارات. كما ينبغي مناشدة الأمم المتحدة والمنظمات الأهلية ومنتدى المنظمات غير الحكومية والدول المعنية التفاوض بالخصوص من منطلق تلك الحقوق التي استلبت طويلا، وعلى المنظمات النوبية استخدام الأوراق المتاحة سواء من خلال قناة المنظمات الإنسانية للأمم المتحدة أم من خلال العلاقات الجديدة ، واستنادا إلى السياسة الجديدة للمنظمات النوبية المستقلة من تعزيز همة وقدرة الإنسان النوبي في زمن البؤس والشقاء. .

وبمناقشة الإشكالية سيجد الإنسان النوبي أنه من الضروري وضع قراءة وطنية خاصة ووضع الآليات المناسبة لمتابعة الحل الموضوعي الذي يضمن أفضل الاستجابات لمصالح النوبيين في الداخل والخارج، وسرعة تشكيل الهيئات السياسية بخاصة في البلدان التي تعترف بحقوق الإنسان وتتعاطى معها أمر حيوي ومهم لدعم القضية النوبية ... المقولة المعروفة حاليا بين النوبيين هي حق العودة للاجئين النوبيين "إلى النوبة التاريخية" وبأبعادها السياسية والتاريخية، بما بات يجعل منها في مفهوم الشرعية الحضارية والقانون الإنساني إحدى أعقد القضايا ملفا لدى النوبيين وغير النوبيين.. على أنه يمكن النظر إلى الوجهين السياسي والأخلاقي بوصفهما مفتاحي الحقائق الأساسية في هذه القضية، من موقف ما يعرف بـ "الشرعية الحضارية" وأبعاد فهمها للصراعات المتتالية منذ عام 1964: - ومن أثر المخططات والمشاريع السلطوية في مواجهة الحقائق الغائبة لعودة اللاجئين النوبيين إلى ديارهم.. غير أن الحكومات المصرية التي تعاقبت على حكم مصر المعاصر حاولت قدر الجهد أن تغير من التركيبة الأصلية للنوبة بدفع الغرباء من الشمال للهجرة والاستيطان في توشكى النوبية وقدمت العديد من الإغراءات المادية للمستجلبين الجدد، وقد أطلق سكان الأصليين على هؤلاء اسم " جماعة الإغراءات " كناية على ما يتقاضاه هؤلاء من الحكومة من مبالغ خيالية.

وقد مارست الحكومات المصرية المتعاقبة سياسة التعريب بدرجات متفاوتة ضد أبناء النوبة ولكن اشد درجاتها حدثت في عهد نظام ناصر. ان سياسة التعريب بالاضافة لكونها جريمة لما تحويه من جريمة التطهير العرقي والقضاء على الاجناس والقوميات الاخرى . فضلا عن النتائج الكارثية التي تنجم عن القيود على التملك والأجبارعلى تغيير الهوية التي تقوم به الآن حكومات غير ديموقراطية في المنطقة.. وقد أدان مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية التى أنعقدت في 28/08/2001 بمدينة ديربان (جنوب أفريقيا) بمشاركة ممثلي 153 الدول التى تمارس التفرقة العنصرية كجريمة ضد الإنسانية. فمن المؤكد أن كافة الممارسات العنصرية ضد أبناء النوبة ما هي إلا إعادة مكننة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا من جديد، لكن هذه المرة على أرض النوبة التاريخية، مع اختلافات في التفصيلات البسيطة. وقد تنجم عن هذه الممارسات اللاإنسانية من تطوير فلسفة عنصرية خطيرة مماثلة للآبارتهايد، والمعروفة بالفلسفة المتعالية، لكن الحقيقة الأكثر وضوحا هي أن السلطة لم تدركها على ما يبدو بعد، وهي حقيقة زوال نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، ولم تدرك السلطة بعد أن الإجراءات العنصرية وسياسة الاذابة عادة ما تولد قوة حركية مؤثرة للرد على هذه الإجراءات، وتكون مسنودة بحالة تعاطف إنساني عارم وغير محدود.. العنصرية من أخطر القضايا التي تواجه النوبيين وتهدد كيانهم وهويتهم ورفض العنصرية لا يقتصر على أبناء النوبة وحدهم فالإنسانية كلها ترفضها أيضا.

إن تقديم التصور النوبى اليوم سيتيح للنوبيين حالة من الاستقرار النفسي أمام ما يدور حول أوضاعهم .. وهو ما سينعكس كذلك مستقبلا على حالة التفاعل بين هؤلاء والسلطة السياسية مثلما يفتح القنوات النوبية للحوار منذ الآن بصدد نوع الحل الذي ستستقر عليه الأوضاع. والتصور المعني يجب أن يكون بمعنى يقدم بيد الأمم المتحدة من جهة وبيد الدول التي تعترف بحقوق الإنسان من جهة أخرى. إن التخطيط الإستراتيجي للمسألة النوبية ضرورة أكثر من ملحة لما للإشكالية من مردودات عميقة الأثر في الوضع العلاقي العام، إذ في الوقت الذي نعالج مشكلة نوقع أنفسنا بمجابهة عدة مشاكل ، وخاصة مشكلة التطهير العرقي الشامل.. وبغير دراسة موضوعية كافية تغطي نواحي العقدة التي تركها لنا نظام الدمار والخراب.. فلا مناص من التعاطي معها اليوم قبل أن تأتي إلينا بصيغ مختلفة سلبية الصورة إذا أهملناها اليوم.. وقد ركز بعض الدارسين الغربيين المعنيين بالتاريخ النوبي مساحات مهمة من البحوث ذات العلاقة بالتكونات الأولى للحضارات الإنسانية حيث تتصدر النوبة قائمة التأسيسات الأولى للحياة الإنسانية والطبيعية، بينما أغفل الباحثون فى مصر بتأويلاتهم المتعارضة إلى حد كبير حضارة وتاريخ المجتمعات النوبية. ولماذا؟ المتابعون للشأن النوبي يستطيعون ملء الفراغ.. وما أن ننتقل إلى الهوية النوبية وإشكالات البحث في راهنها حتى تبدأ الاعتراضات التي تتخذ طابعا شوفينيا صرفا، ليحيل هذا البحث إلى دائرة الشك والاتهام، لكي يتنصل أبناء النوبة من عجينتهم الأفريقية. بعض الذين ينتسبون إلى القوميين العرب الإستعلائيين على الغير، يحاولون التفريق بين الهوية والأفرقة، وبأن الهوية تختلف عن أصل العنصر.. في الوقت الذي ينادى المستثمر الغريب من فوق أرض النوبة بأن النوبي الترانسفيرى الذى هجر من وطنه بالعنوة لا مكان له في هذه الأرض. وقديما قالوا: أن النوبة تشكل عبئا غير محتمل على أمننا القومي. وقد يفهم ذلك الآن من لم يفهم بعد. لماذا قررت السلطة إنشاء مواقع إستيطانية فيها؟

أثرت الإشارة هنا إلى بعض المقاطع لأكشف للقاريء الكريم عن مدى الحقد والكراهية الذي يكنها هؤلاء العنصريين لأبناء النوبة وعن مدى ضحالة التفكير الذي انحدر إليه مثقفوهم من غلاة القوميين المنفلتين من عقالهم والمعادين لأبناء شعبنا النوبي، بحيث صاروا يدعون جهارا نهارا إلى تطبيق سياسة التطهير العرقي بحق النوبيين.. تذكرنا سياسات التطهير العرقي بحق الألبان في كوسوفو وفي البوسنة والكثير من السياسات الناتجة عن حكم الأنظمة العنصرية والشوفينية فى العالم.. وعلى الرغم من أن 80% إلى 90% من الكتاب والصحفيين فى مصر هم معادون للنوبيين ويحقرونهم في كتاباتهم ومؤلفاتهم الأدبية والتاريخية ويتطاولون على ثقافتهم، إلا أن دعوات عنصرية بمثل هذه الصراحة والعلانية كدعوة مغادرة أبناء النوبة جميعا من ارض النوبة لم نسمع بها إلا في عهود الظلام والإنحطاط.

أخيرا : من المضحك جدا بان تجد هناك ناس يؤمنون بالوحدة الوطنية وفي نفس الوقت يريدون من النوبيين بأن يصيروا مواطنين من الدرجة الثالثة. لقد أن الأوان بأن تحددوا ماذا تريدون من مصر الغد بأن تكون؟ وستجد الإجابة بنعم. نظام ديمقراطي ودولة مؤسسات وعودة أبناء النوبة إلى الوطن الأم، هو الضمان الوحيد للحفاظ على وحدة مصر. كل من يريد بأن يحرم النوبيين من المناصب العليا في البلاد فهو بالتالي يعمل لهدم وحدة التراب المصري. لقد انتهى زمن النفاق والكذب على ناس النوبة.

[ هذا والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ]

 Re: هجرة النوبيييييييييييين

http://www.sudaneseinus.com/forums/showthread.php?t=481


أحفاد فراعنة كوش لن يرضخوا بعد الآن

حقا ودقت الساعة النوبية بعد ان توقفت دهرا، إنها الآن وعلى الشعب النوبى أن يستيقظ ! فلقد عانى الشعب النوبى كثيرا فى السبات العميق الذى فرضته عليه الظروف القسرية . ففي كل مرة يريد الشعب النوبى أن يعبر فيها عن أحاسيسه يقابل بالكبت والكبح . ويأتى القمع لأحاسيس الشعب النوبى من السلطة التى تعتبر كل من يقول كلمة الحق معاديا لها، كما تقوم دائما بدور القامع الذى يريد للمقموعين الإلتزام بالصمت، حتى أصبح الشعب النوبى من كثرة القمع والكبح في سكون وسبات عميق وسلبيا، وسلبيته أثرت في تكوين الشخصية النوبية الباهته حتى سنوات مضت.
الأمر الذى يجعل القامع مقتنعا فى نفسه بأن أبناء النوبة لن يفعلوا شيئا مضاد للحكومات الظالمة. فالنوبى في عقلية الظلمة مشغول من أجل لقمة العيش، وسيستمر في شرب دمعه بصمت، ولن يستطيع أن يفتح فمه صارخا من شدة الألم وقسوة المهانة التى يلاقيها طوال القرن العشرين. ولقد عملت الحكومات المتتالية منذ غزو المماليك للنوبة على تعزيز الشعور بالضعف والهوان في قلوب أبناء النوبة الذين قبلوا هذه الفرية وهم صاغرون.

فعلينا بالعمل الجاد لتصحيح هذه المفاهيم الخاطئة، ونؤكد أن المطالبة السلمية والقانونية بالحقوق النوبية لا تتعارض إطلاقا مع الشرائع السماوية، وأن نضع هذه المفاهيم الجادة نصب أعيننا، لأنها مناسبة جدا للظروف التى نمر بها، وواقعنا الراهن فى معظمه يشهد على ذلك بكوننا مشدودين إلى المستقبل أكثر من إنشدادنا إلى الماضى، وبالتالى فالعناصر الفاعلة فى قضية النوبة تلك التى لها علاقة بمستقبل النوبة ولأجيالنا القادمة . ولقد تناسى الجميع أن النوبى الذى يتسامح فى كل حقوقه الشخصية التى يمتلكها، لا يمكن أن يفرط ولو مرة واحدة فى حق من حقوق وطنه وثقافته ولغته الوطنيه، وقد أثبتت الوقائع التاريخية القديمة مثل وتلك المواقف الحديثة صحة هذا القول برغم القهر الواقعى الذى ظهر جليا فى كل الأحداث بدءا بالغازى صلاح الدين الأيوبى والمملوك البلطجي الظاهر بيبرس وغزوه الفاجر للنوبة عام 1276م. وليس انتهاء بالحكام السابقين والحاليين. فما علينا إلا أن نقاوم جميعا ضد كل ما يمكن أن يسئ إلينا كنوبيين، وأن يرتفع كل نوبى وأن ترتفع كل نوبية إلى مستوى المواجهة الشجاعة، وألا نضع رؤوسنا فى الرمال مثل النعام، ونخاف من أن نعلن عن هذا المرض الذى ينخر فينا مرض الخوف.

باشر البلطجية بتنفيذ بنودهم الاستثمارية الغير المشروعة على أرض توشكى معتقدين ان تصفية القضية النوبية بمشاركة بعض المتخاذلين النوبيين الغارقين في أوحال الحكم السلطوى الذين يسمون أنفسهم بكتاب النوبة، سوف يخلعون القضية من ذاكرة الشعب النوبى . هكذا تزخر الاراضي النوبية السليبة اليوم ببلطجية الإستثمارات العربية . فلم تبق دولة نفطية خليجية إلا وجاء عضو نفطى منها الى الاراضي النوبية مرورا بعاصمة الكنانة! . وإن كان مفتاح هذا التدفق غالبا من الطبقات السائدة من ملاكى أراضى كبار ووكلاء الشركات المتعددة الاستيطان والرأسمال الاحتكارى ووجهاء النفط والمثير للاهتمام أنهم لا يقومون بذلك في حلكة الظلام، وإنما يتباهون به وكأنهم يقومون بأعمال بطولية ترتبط بأعمالهم النضالية التاريخية والتى تستحق عليها حسابا وفائدة مالية هم بقطفها ضمن واقع بطولى يسمح لهم بذلك، إن لم يكن يشجعهم ضمنا على ذلك، بسبب حالة الفوضى والتسيب الضميرى . لا يندرج هذا التكالب من بلطجية الإستثمارات إلا ضمن مسألة اساسية هي ان هذه الفئة المستبدة تريد استسلاما نوبيا تاما يكون جوهره شطب حق العودة وتفريغ الحوض النوبى من الأمة النوبية ونهب تراثها، وتحطيم إرثها . فالمراقب النوبى لا يحتاج إلى قراءة الأخبار ليعرف ما الذى يحدث فى الحوض النوبى، أو ما سيقدمه المستقبل ليستمع إلى أخبار قد توقعها منذ فترة، والنوبى الجيد استطاع تشخيص الحالة التي نمر بها أو نعيشها منذ بدايات حكم ناصر صانع نكبة النوبة ومفجر التاريخ الظلامى فى مصر، التاريخ الذى أمتد ما يقارب الـ 30 عاما من الانحطاط الفكرى والثقافى.

وكلنا على معرفة ما كانت عليه الجماهير المصرية من التخبط وانعدام الوعى، والتهافت وراء تقديس هذا الدكتاتور بفعل القهر الاجتماعى والسياسى، وتخلخل البناء الطبقى.

وقد استخدم الديكتاتور الراحل كل أدواته من قمع وترحيل وتهجير أبناء النوبة أثناء بناء صرحه المشئوم ( السد العالي ) ومن اغتصاب لأرض لا ناقة له فيها ولا جمل، ومن إبادة حضارة إفريقية عظيمة، اللهم لأنها حضارة تخص أحفاد الكوشيين . علينا أن نعلن تمسكنا بحق العودة، مؤكدين على رفضنا لكل مشاريع الإستيطان الأجنبى، والتمسك بالحق التاريخى والطبيعى فى العودة للنوبة التاريخية كحق ثابت واساسى من حقوق شعبنا، كونة حق وطنى جماعى فهو أيضا حق فردى لكل لاجئ نوبى، ولا يملك أى نوبى حق التنازل عن النوبة، ولا يجوز التفريط عن جزء منها، ولا بديل لها لأى سبب في أى اتفاق على أى جزء من أرض النوبة لأنه حق أساسى كفلته الشرائع السماوية، وأكده الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والميثاق العالمى للحقوق المدنية والسياسية ولإزالة كل أشكال التمييز العنصرى، والمواثيق الدولية لحماية الحريات الأساسية.

أفلا تعلمون أن بعض دعاة الفكر الليبرالي، وبصفة خاصة دعاة الحقوق والحريات أمثال الدكتور سعد الدين إبراهيم راعى مركز ابن خلدون، وكذلك نبيل عبد الفتاح، والدكتور طارق حجى وغيرهم لم يذكروا فى مؤلفاتهم الثقافية والسياسية شيئا عن النوبة وعن أبناء النوبة وعن الإضطهاد الذى يتجرعونه صباحا مساءا، بل لزموا الصمت الرهيب عن الانتهاكات العنصرية ضد النوبيين ولم يعبروا عن مواقفهم السياسية ولو ببنت شفه تجاه حقيقة أن النوبيين رعايا بدون حقوق . ونقول بحزن إن النوبيين فى مصر مواطنون من الدرجة الثانية لأنهم لا يتمتعون بحقوق المواطنة الكاملة المتساوية مع المواطنين المصريين وأنهم محرومون من الوظائف العليا فى الدولة .. الغريب في الأمر لم نسمع إحتجاجات من أنصار الفكر الحر عن الممارسات المقيتة من قبل رجال الشرطة فى مدينة نصر (النوبة) بكوم أمبو ( فى الجيتو النوبى ) وعن حلقة من مسلسل الاعتداءات المتكررة الموجهة ضد أبناء النوبة، وما لحقها من مقتل نوبى برصاص ضابط شرطة عنصرى، كما أصيب العشرات من أبناء النوبة الأبرياء، الحدث الذى يؤدى مستقبلا إلى تفجير ذلك المخزون الهائل من الغضب النوبى، إن لم يتداركه النظام بتسوية شاملة للحقوق النوبية، والبحث في جذور المشكلات وأعماقها وليس قشورها أو سطوحها المضللة والواهية. ولعل قرارا بتسوية شاملة للقضية النوبية هو قمة تلك الحكمة المصرية المنتظرة . إلا أن الصحافة المصرية فرضت تعتيما إعلاميا شاملا على جريمة قتل شهيد النوبة الشاب محمد بحر عبدالمؤمن . فالمؤكد أن مواطنى النوبة على علم تام بكل ما يدور من حولهم وما يقترف بحقهم وباسمهم، فالسكوت ليس عنوانا للجهل وإنما هو مبرر للخوف في تجربة تراكمية قاسية أصبحت تجمع قرون من الزمن.

ولقد مر على الأمة النوبية أيام اشتد فيها البلاء، وعظم الخطب، وروعت النفوس، وتكالبت الأمم الغادرة على الأمة النوبية حتى أوشكت أن تستأصل شأفتها وتجتث جذورها، ثم إن هذه الأمة الصابرة يدركها فضل الله فتخرج من المحنة أعظم مما كانت وأقوى عودا وأصلب، وما هذا إلا للسر الإلهي الحافظ لها وإلا لأندثرت منذ قرون .. فقد تعرضت هذه الأمة لغزوات حاقدة متوالية على مدى كل العصور والأزمنة في حملات يحدوها الحقد الشديد والطمع الفظيع، مرورا بأمراء مماليك البحرية والجراكسة وأمراء الإسترزاق الإنكشارية وغيرهم .. ويتوجب علينا الإشارة هنا الى أن عمرو بن العاص ما كاد يفرغ من غزوه لمصر حتى وجه انتباهه جنوبا فجرد قوة قوامها عشرون ألفا من المحاربين بقيادة نافع بن عبد القيس الفهرى ودفع بها جنوبا الى أراضى وادى النيل النوبى، غير أن هذه القوة بعد أن توغلت حتى دنقلة عاصمة عموم النوبة فواجهت مقاومة لم يواجهها جيش غازى آخر . لقد كانت معركة دنقلة الأولى وبالا على القوة العربانية المهاجمة التى أجبرت على التفاوض والانسحاب . وأعقب ذلك أن أرسل عمرو حملة أخرى بقيادة عبدالله بن سعد بن ابي سرح لغزو النوبةعام 641م. رجعت من حيث أتت بعد أن حلت بها الهزائم على أيدى النوبيين وقد وثقت هذا الحدث بالفاعلية المدمرة لرماة النبال النوبيين. ولم يتحقق للعربان ما جاءوا إليه فاضطروا إلى عقد الصلح اللئيم مع النوبيين، وأنتهت بمعاهدة عام 651م. عرفت بمعاهدة بقط الغادرة . وأكد العربان تلك الحقيقة بإطلاقهم على رماة النبال "رماة الحدق" فى إشارة الى إصابة حدقة العين إصابة مباشرة . ثم أن أبطال النوبة رجالا ونساءا أذاقوا الطامعين طعم الذل والهوان، ومع وطأة الزمن والإحساس بالهزيمة فقد كان التراجع حليفهم، فخرجوا من ديار الكوشيين ذليلين مدحورين.

وطالما ظل هذا الوضع قائما إلى اليوم، فإن احتمالات الصراع الإثنى ستبقى كبيرة، وستبقى الأقلية النوبية في حالة شبه عزلة ثقافية وسياسية واقتصادية واجتماعية. ولا بد أن نشير هنا الى ضرورة عدم التقليل من أهمية هذه الأقلية الإثنية . فلا ينبغي أن يكون هناك أى شك حول احترام حقوق هذه الأقلية. والحقيقة أن التمييز العنصري موجود في كل مكان . ولكن هناك قوانين تعاقب بشدة من تثبت عليه تهمة العنصرية. بيد أن الوضع في مصر مختلف بسبب أن هذه الدولة تحدد هويتها بكونها للجنس الأبيض . مشكلة أبناء النوبة قائمة مع السلطات التي لم تستوعب مطالبهم الأنسانية ولا أقرت بحقوقهم المشروعة، فأستغلت امكاناتها السلطوية لطحن أبناء النوبة من كل حقوقهم الطبيعية، إعتقاداً منها أن بأستطاعتها القضاء على حقوقهم وتطلعهم للحياة، دون أن يتم أعمال العقل في دراسة الحق والحقوق والتوصل الى قواعد وأسس للحياة الإنسانية . الخيار الان امام المثقف المصرى في أن يستذكر بوجدان المصرى النزيه ماقدمه أبناء النوبة من تلك التضحيات الجسام. ماتحتاجه قضية الحق هو العقلانية والحكمة في معرفة أين يكون الحق ؟ ومايحتاجه المثقف المصرى يكمن في الشجاعة بالأعتقاد أن للآخر حقوق ينبغى أن نضمنها ونصونها.

وأخيرا: سيظل عام 1964، عام سواد حالك في تاريخ النوبة، وسيظل هذا العام نقطة عار في جبين حكومة العساكر التي حكمت مصر، وتم للحكومة ما أرادت، حتى اطمأنوا إلى أن النوبة قد أفرغت ما في جعبتها فنقلوها تحت المياه لقطع جذورها المتأصلة فى أعماقنا وأرواحنا وحضاراتنا العريقة، لكى نصبح مسوخا لا هوية لنا ولا موقع ولا مستقبل على هذه الأرض، بينما هم لم يغيروا في ثوابتهم فيما يتعلق بسياساتهم العنصرية عبر القرون . فيا ترى كم من الوقت تحتاجه الأمة النوبية لتهب مستيقظة قبل أن تصبح خارج التاريخ ... ليحدونى أمل عظيم أن يحقق المؤتمر النوبى فى إجتماعه القادم أهدافه المنشوده حتى يصبح قادرا على تحقيق الأهداف التى يتحتم إنجازها، وأن يستقطب إلى صفوفه الكوادر الوطنية للمشاركة الكاملة للعمل على صيغة الميثاق الوطنى النوبى. ولابد من انصهار كافة القوى النوبية والجاليات النوبية في العالم ببوتقتها الطبيعية لتكون صاحبة القرار النوبى الموحد والنابع من المصالح النوبية العليا ونكران الذات من أجل النوبة. إن ضرورة التمسك بالمؤتمر النوبى الجامع وتفعيله على أسس تضمن الوحدة النوبية وذلك على قاعدة التمسك بكل الثوابت والحقوق التي أجمع عليها الشعب النوبى وعلى رأسها تأكيد الهوية النوبية.

http://www.sudaneseinus.com/forums/showthread.php?t=481
www.amcoptic.com

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games