قضايا و اراء

44036

‏السنة 131-العدد

2007

يوليو

1

‏16 من جمادى الاخرة 1428 هـ

الأحد

ثلاثة تفاصيل لفضيلة الأمانة
بقلم: البابا شنودة الثالث

لست أقصد فقط مجرد الأمانة في المال والأمور المادية‏،‏ أي أن الانسان لا يكون سارقا أو ناهبا لغيره‏..‏ إنما أقصد الأمانة بوجه عام في كل حياة الإنسان الروحية‏، في تفاصيل ثلاثة‏:‏ أمانة في علاقته مع الله‏، ومع الناس‏، ومع نفسه‏..‏

كثيرون بدأوا الحياة معا‏..‏ ولكن بعضهم وصل‏، والبعض لم يصلوا‏، والبعض تأخر‏، فما السبب في كل ذلك؟ السبب هو مقدار أمانة كل منهم‏.‏ فالذين وصلوا هم الذين كانوا في غاية الأمانة في أداء دورهم في الحياة والقيام بواجباتهم ومسئولياتهم علي أكمل وجه‏..‏

-‏ والامانة تشمل الأمور العالمية‏، كما تشمل الأمور الروحية‏.‏ فكما يهتم الانسان بروحياته‏، ينبغي أن يكون أمينا في كل عمل يعمله‏.‏ فالتلميذ ينبغي أن يكون أمينا في دراسته‏، في مذاكرته ومراجعته ونجاحه وتفوقه‏.‏ وكذلك العامل في إتقانه لعمله وحفظه لمواعيده‏.‏ وبالمثل الموظف وكل من هو في مسئولية‏.‏ فيوسف الصديق كان انسانا روحيا وأمينا في عمله‏، سواء في خدمته لنوطيفار حتي ازدهر عمل الرجل‏.‏ كما كان خادما في عمله كوزير تموين لمصر‏، حتي أنقذها وأنقذ البلاد المحيطة لها من المجاعة‏.‏

وتوجد في الحياة العملية أمور لاختبار الأمانة مثال ذلك‏:‏ هل من الامانة ان يحصل شخص علي شهادة مرضية زائفة‏، يقدمها للحصول علي عطلة من العمل بدون وجه حق؟ وهو في ذلك لا يكتفي بأن يكون غير أمين‏، انما يوقع الطبيب معه ويجره إلي الخطأ معه‏!‏ كذلك من يأخذ بدل سفر بدون وجه حق‏، أو يطالب بمكافأة علي عمل زائد ‏overtime، بينما يمكن القيام بنفس العمل في الوقت العادي بدون زيادة‏!‏

والامثلة كثيرة من جهة عدم الأمانة في الحياة العملية‏، منها من ينقل الأخبار بطريقة غير أمينة‏، أو من لا يكون أمينا علي سر اؤتمن عليه‏.‏ كذلك من لا يؤدي أية مهمة كلف بها بالأمانة المطلوبة

الأمانة تجاه الله‏:‏
فقلبك الذي هو ملك لله‏، لا تفتحه لأعدائه‏، وهكذا فإن الانسان الأمين نحو الله وحفظ وصاياه‏، لا يتساهل مع أية خطية‏، ولا يتراخي مع الفكر الخاطيء‏، بل بكل أمانة يطرده بسرعة ولا يقبل أن يفصله أي فكر أو أية مشاعر عن محبة الله وعن طاعة وحفظ وصاياه‏.‏ وهو يحفظ تلك الوصايا ولا يحيد عنها أمينا في تنفيذها لا يلتمس في ذلك ولا تبريرا وينتصر علي كل العوائق‏.‏

هو أمين أيضا في صلواته وكل نواحي عبادته‏، وأمين في عقيدته وفي إيمانه وفي تقديم صورة مشرقة عن الانسان المؤمن‏.‏ وهو أمين في خدمة بيت الله وفي دعوة الناس اليه‏.‏ ويفعل ذلك بكل جدية‏، يبدأ يومه بالله وينهيه بذكر اسمه‏.‏ ويحيا باستمرار في حياة الشكر‏، يشكر الله علي نعمته وستره ورضاه‏.‏ ولا يتذمر مطلقا علي مشيئة الله‏..‏ وهو باستمرار حريص علي انه لا ينطق باسم الله إلا بخشوع يليق بعزة الله وجلاله ومجده‏.‏

والامين في علاقته بالله يكون أمينا في نذوره وعهوده يعرف أنه من الخير له ألا ينذر من أن ينذر ولا يفي‏.‏ كما يكون أمينا أيضا في واجباته المالية من نحو الله

أمانة الإنسان نحو نفسه‏:‏
يضع أمامه مصيره الابدي‏.‏ فيهتم بروحه ونقاوة قلبه‏.‏ ويكون أمينا كل الأمانة في مقاومة الخطية‏، وفي السلوك في حياة الفضيلة والبر‏.‏ ويعطي روحه غذاءها اليومي من الصلوات والتراتيل وقراءة كتاب الله والتأمل فيه‏.‏ ولا يقتصر علي مجرد الاهتمام بالجسد واحتياجاته بل يجعل روحياته في المرتبة الاولي من اهتماماته بحيث ينمو كل حين في حياة البر‏، حتي يصل الي الكمال النسبي الممكن له كإنسان‏..‏ كذلك يكون أمينا في تثقيف نفسه بكل مصادر المعرفة والحكمة حتي ينمو في عقله وفكره وذكائه‏.‏ وان كان طالب علم‏، يكون أمينا في دراسته لكي يصل‏-‏ ليس فقط الي النجاح ـ انما الي التفوق أيضا والامتياز‏.‏

والانسان الامين لا يعتذر مطلقا بقلة امكانياته‏، انما يحاول أن ينمي امكانياته وقدراته بجميع الطرق‏.‏ وهو لا يعتذر بالعوائق والموانع‏، بل يبذل كل جهده للانتصار عليها‏.‏ وفي كل يقوي ارادته فلا تخور ولا تضعف‏.‏

والانسان الامين لايتساهل مع نفسه في أي شيء‏.‏ بل يضبط نفسه تماما‏.‏ وذلك لانه ان تساهل من جهة أخطاء الحواس‏، تحاربه الافكار‏.‏ وان تساهل مع الافكار‏، تحاربه الشهوات‏.‏ وان تساهل مع الشهوات‏، يسقط في العمل الخاطيء‏، انه في امانته يكون كالجبل الراسخ تصدمه العواصف والانواء فلا تنال منه شيئا‏.‏

والانسان الامين نحو نفسه‏، يكون أمينا أيضا من جهة وقته‏.‏ فيستغل كل دقيقة من حياته لفائدته وفائدة الآخرين‏.‏

وهو بدرك تماما أن الوقت جزء من حياته لا يجوز له أن يبدده‏..‏ ويحرص علي أن يكون وقته في صالحه وليس ضده‏، بحيث لا يندم علي وقت قضاه في عمل ما‏.‏

الانسان الامين علي نفسه‏، يعرف ان له نفسا واحدة ان خسرها خسر كل شيء وليس ما يعوضها‏..‏ وهكذا يذكر باستمرار انه ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه لذلك فهو يهتم بحاضر نفسه ومستقبلها ويحرص علي خلاص نفسه

أمانته نحو الاخرين‏:‏
والانسان الامين يحتفظ بأسرار الناس لا يفشي شيئا منها ولو لاقرب المقربين اليه‏.‏ ولا يفضح ضعفات أحد بل يكون سترا له وغطاء‏.‏ وان وجد أحدا محتاجا الي معونة لا يقصر في إعانته‏، ويفعل ذلك في سرية بحيث لا يخجله أمام غيره‏..‏ ويكون معينا لمن ليس له معين‏، ونورا للسائرين في الظلمة‏.‏

وأمانته نحو الآخرين تلزمه أن يشاركهم في احزانهم وفي أفراحهم‏، وتقتضيه الامانة ان يزور المريض منهم‏، وأن يعزي من يحتاج الي تعزية وان يقدم النصيحة المخلصة لمن يلزمه النصح‏، وأن يشترك في حل مشاكل من هو في ضيقة‏، مادام هذا الامر في قدرته‏.‏ ويكون قلبا محبا للكل‏، ويحترم الصغير منهم والكبير‏، ولا يحتقر الساقط بل يساعده علي القيام‏.‏

***‏

علي أن هناك من يسأل بعد كل هذا‏:‏
ولكن ماذا استطيع أن أفعل‏.‏ ان كان لا يمكنني الوصول الي هذا المستوي؟ وان كنت‏-‏ علي الرغم من ضعفي ـ أريد أن أكون أمينا الامانة كلها‏، فكيف أبدأ؟‏!‏

أرجو ـ إن اعطاني الرب فرصة‏-‏ أن أجيب عن هذا السؤال؟ فإلي اللقاء‏.‏