القيامة العامة يتبعها التمتع بما

القيامة العامة يتبعها التمتع بما لا يري
بقلم: البابا شنوده الثالث

اهنئكم يا اخوتي وأبنائي بعيد القيامة المجيد،‏ وبنعمة القيامة التي وهبها لنا الله‏، لنحيا حياة أخري في الابدية السعيدة‏.‏ وأهنيء الرئيس المحبوب حسني مبارك بالنتائج الموفقة لكل رحلاته لخير مصر، ولصالح الوطن العربي الكبير، راجيا له ولكم كل بركة وخير‏، وليحفظ الله العالم في أمن وسلام‏.‏ وبعد،‏ أود أن أحدثكم في هذا العام المبارك عن جوهر المتعة في العالم الآخر بالقيامة‏،‏ وهي قول الكتاب المقدس ما لم تره عين‏، ولم تسمع به اذن‏، ولم يخطر علي بال إنسان ما ما أعده الله للذين يحبونه‏(‏ اكو‏2:9)‏ ولهذا نصحنا الكتاب بقوله غير ناظرين إلي الأشياء التي تري، بل إلي التي لا تري‏، لأن التي تري وقتية‏،‏ وأما التي لا تري فأبدية‏(2‏ كو‏4:18)‏

فما هي إذن تلك الأشياء التي لا تري؟ وما الذي لم تره عين وقد وعدنا أن نتمتع به في الأبدية؟

*‏ من الأشياء التي لا تري‏:‏ الأبدية‏:
نحن نسمع عن الأبدية‏، ونقرأ عنها في وعود الله‏، ولكننا لم نر الأبدية‏، فكل شيء أمامنا إلي زوال‏، وحياتنا علي الأرض لها نهاية‏.‏ فالذي ينظر باستمرار إلي الابدية‏، وإلي امتداد حياته بعد الموت‏، يعمل لهذه الأبدية‏، ويستعد لها باستمرار‏، بالتوبة والعمل الصالح ونشر الخير في كل مكان ومع كل أحد‏، والذي يفكر في الابدية باستمرار‏، لا ينظر إلي هذا العالم الحاضر‏، ولا يهتم به‏، موقنا بأن العالم يبيد وشهوته معه‏، كذلك لا يركز رغباته في المادة ولا يشتهيها‏...‏ هو يعيش في العالم‏، ولكن العالم لا يعيش فيه‏، كما يمكنه أن يملك المادة‏، ولكن لا يسمح للمادة أن تملكه‏، بل يستخدمها للخير إن العالم والمادة من الاشياء التي تري‏، فهي لذلك وقتية ــ فلا يجعلهما سببا لضياعه روحيا ـ فقد قال السيد المسيح ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه‏(‏ مت‏16:26)‏ ولهذا كل ما نفقده من العالم والمادة لا نحزن عليه‏، لأنه سوف لا يصحبنا في اليوم الأخير‏، ولا يكون معنا في الأبدية‏.‏

*‏ أيضا من الأمور التي لا تري‏:‏ الملائكة وأرواح الأبرار‏:‏ إن الملائكة أرواح‏، وهم حولنا يروننا‏، وينقذوننا من أخطار كثيرة‏، وعلي الرغم من وجودهم حولنا‏، فنحن لانراهم بهذه العيون المادية‏، ولكننا سنراهم بلاشك بعد القيامة في الأبدية السعيدة‏، وكذلك سنري أرواح الابرار الذين سبقونا إلي السماء‏.‏ أما الآن‏، فنحن بالروح نؤمن بوجود الملائكة‏، ونراهم بالإيمان ونستحي أن نفعل خطية في حضرتهم‏، علي الرغم من أنها غير مرئية حاليا‏.‏

*‏ من الأشياء التي لا تري أيضا‏:‏ الروح‏:‏
الروح لا تري‏، أما الجسد فهو من المرئيات‏، لذلك فالشخص الروحي‏، يحيا مهتما بروحه‏، وغذائها الروحي‏، وإن كان الجسد له غذاؤه المادي‏، فإن الروح تتغذي بحياة الفضيلة والبر‏، وتتغذي بمحبة الله وبعمل الخير‏، وبالصلاة والتسبيح‏، وبكلام الله في عمقه وروحانيته‏، والإنسان الذي يهتم بأبديته‏، يحرص علي نموه الروحي وعلي التدريبات الروحية النافعة له‏.‏ ذلك لأن اهتمامه بروحه ومصيرها الأبدي يجعله يبذل كل جهده في عمل ما يربطها بالله ووحياه فتكون مقدسة له‏.‏ في نفس الوقت يجعل روحه هي التي تقود جسده‏، ولاتخضع أبدا لغرائزه‏، بل بكل حرص وتدقيق‏، تتخلص من شهوات الجسد‏، ومن طياشة الحواس‏، ومن شهوة العين وتعظم المعيشة‏.‏ فلا يكون لهذه المرئيات سلطان عليه‏..‏

*‏ كل متع الحياة الأرضية من الأشياء التي تري‏، أما متع الأبدية فهي ما لم تره عين‏، ولم يخطر علي قلب انسان‏.‏

*‏ وهكذا فإن الآباء النساك‏، قد نظروا إلي كل متع هذه الحياة‏، فإذا هي زائلة وفانية لاتستحق اهتمامهم‏، فارتفعوا فوق مستواها وفوق كل رغبة فيها‏، وماتوا عن العالم‏، وزهدوا كل متعه الأرضية‏، ناظرين إلي ماسوف يتمتعون به بعد القيامة‏.‏

*‏ من الأشياء التي لاتري أيضا‏، المعنويات‏:‏
وأعني بها المثل‏، القيم‏، والمبادئ‏، والحق‏، والخير‏، والبر‏..‏ وأيضا الإيمان لأنه هو الثقة بما يرجي‏، والإيقان بأمور لاتري فالذي يعيش بالإيمان‏، إنما يعيش ناظرا إلي ما لايري‏.‏ وهو حينما يتطلع إلي السماء‏، لاينظر فقط إلي هذا الغلاف الجوي المحيط بنا‏، الذي تسبح فيه الطائرات‏.‏ ولا إلي الفلك الذي توجد فيه الشمس والأجرام السماوية البعيدة‏، وإنما إلي ماهو فوق ذلك بكثير‏...‏ إلي السماء التي فيها الملائكة وعرش الله‏، والتي فيها كل شئ يسير حسب مشيئة الله‏، فلا خطية ولا عصيان‏.‏ وأيضا السماء التي فيها أرواح الأبرار منتظرين يوم القيامة‏، وبدء الحياة الأبدية‏.‏

*‏ والذين ينظرون إلي ما لا يري‏، يتوجهون بقلوبهم وأفكارهم إلي الله ــ جلت قدرته ــ الله الذي لم يره أحد قط في لاهوته‏..‏ إننا لم نر الله‏، لأن عيوننا هذه قاصرة عن رؤياه‏..‏ ولكننا رأينا قوته وعجائبه‏، وعمل نعمته فينا وفي غيرنا‏.رأينا يده التي لاتري‏، وهي تتدخل في مشاكلنا وتحلها‏.‏ ورأينا كرمه الذي يفتح كوي السماء ويفيض علينا‏، يشبع كل حي من رضاه‏..‏ ورأينا الله كيف يقيم الحق‏، ويسحق الباطل‏، وكيف يحكم للمظلومين‏..‏ أما المتعة الحقيقية بعشرة الله في الأبدية فهذا ما لم نره بعد‏، ولكننا ننتظره بالايمان‏..‏ الايمان بما لم تره عين ولم يخطر علي بال انسان‏.‏

أما كيف سنتمتع بعشرة الله في الأبدية‏، وما كنه تلك العشرة؟ فمن جهة هذا الأمر من الخير لي أن أصمت‏.‏ إن الأبدية هي التي ستعلن لنا هذا الأمر الذي غالبا ما تعجز اللغة عن شرحه ووصفه‏..!‏

*‏ ومادامت الأبدية بهذا الجمال الذي لايوصف‏، إذن يجب علينا أن نستعد لها‏...‏ نستعد لها بمحبتها قبل أن نصل إليها‏..‏ ونستعد لها بعدم التعلق بالمرئيات والانشغال بها ــ حقا إن القلب الذي يرتفع فوق المرئيات‏، هو حصن منيع لاينهدم‏.‏ إنه مستوي فوق العالم وفوق المادة والجسد‏..‏

فالذي يتعلق قلبه تماما بحب المرئيات وشهوة الأمور التي في العالم‏، هذا المسكين حينما يترك الجسد ويصعد إلي السماء‏، أيجدها غريبة عليه؟‏!‏ أو يصاب بالإحباط الذي لايجد فيها ما يشتهيه من متع الدنيا؟ أم تراه يسأم السماء ــ إن كان قد وصل إليها ــ ويري هذه الدنيا هي الأفضل‏!!‏

لذلك يا أخوتي وأبنائي علينا أن نتدرب من الآن علي محبة السمائيات ومحبة الأمور التي لاتري‏.‏ ونكنز لنا كنوزا في السماء‏، إن ذهبنا إلي هناك نجدها‏..‏ نعمل ما نستطيعه‏، ونطلب من نعمة الله أن تكمل لنا ما لا نقدر عليه‏.‏ ولنتمسك بذلك الهدف السامي‏.‏ وعلينا أن نصلي من أجل الحب والسلام في العالم كله‏، وبخاصة في فلسطين ولبنان والعراق‏، وفي كل العالم العربي‏، وفي افريقيا‏..‏

وكل عام وجميعكم بخير‏.‏

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games