الكتاب
44578 ‏السنة 133-العدد 2008 ديسمبر 24 ‏26 من ذى الحجة 1429 هـ الأربعاء

هذا الخبر لم أفهمه‏!

بقلم‏:‏ أحمد عبدالمعطي حجازي

قرأت في صحف الأسبوع الماضي خبرا أتمني لو أن مسئولا في الحكومة أو في الأزهر تكرم فوضح لي ما لم أفهمه فيه‏.‏

وقد جاء في الخبر الذي قرأته أن رئيس مجلس الوزراء اتفق مع شيخ الأزهر علي إنشاء مدرسة صناعية أزهرية تكون نواة لتعليم فني يتبع الأزهر،‏ أي لمدارس يتعلم فيها التلاميذ الحرف والصنائع كالحدادة والنجارة والميكانيكا والكهرباء،‏ فضلا عن المواد التي يدرسها التلاميذ في المدارس الزراعية والتجارية،‏ كما جاء في هذا الخبر أيضا أن هذه المدرسة الصناعية الأزهرية ستقبل في صفوفها التلاميذ الحاصلين في الشهادة الاعدادية علي مجاميع منخفضة،‏ وهذا ما لم أفهم منه شيئ،‏ لأن التعليم الفني كما يخيل لي لا يدخل في اختصاص الأزهر،‏ ولأن التلاميذ المجتهدين الحاصلين علي الدرجات والمجاميع المرتفعة هم الأولي بدخول المدارس،‏ سواء كانت تابعة للأزهر أو لغير الأزهر،‏ ونحن حين نعلن من الآن أننا سننشئ مدارس تقبل أصحاب المجاميع المنخفضة نبدو وكأننا نشجع التلاميذ علي الكسل،‏ وكأننا نبشر المجتمع بأجيال من الخريجين غير الأكفاء‏.‏

الأزهر معهد ديني رفيع،‏ وظيفته يجب أن تقتصر علي تخريج أئمة المساجد والوعاظ والعلماء المختصين القادرين علي حفظ التراث الديني الإسلامي،‏ واكتشاف كنوزه وتجديده والاجتهاد فيه ليلبي حاجاتنا الروحية،‏ ويجيب علي أسئلتن،‏ ويفتح أمامنا الطرق في هذه العصور الحديثة،‏ ويكون حاضرا فيها كما كان حاضرا في العصور الماضية‏.‏

والقيام بهذه الوظيفة يوجب علي شيوخ الأزهر وطلابه أن يتبحروا في دراسة علوم اللغة كالنحو والصرف والبلاغة،‏ والعروض وتاريخ الأدب وفقه اللغة،‏ وعلوم الدين كالفقه والحديث وعلم الكلام والفلسفة والمذاهب والفرق الإسلامية،‏ والدين المقارن،‏ فضلا عن إحدي اللغات الأوروبية،‏ ولغة من اللغات السامية أو من لغات الحضارة الإسلامية كالفارسية أو التركية‏.‏

هل هذا قليل؟ ل،‏ ليس بالقليل،‏ ونحن لا نطلب من علماء الأزهر وخريجيه إلا التفقه في هذه العلوم التي نسميها علوما إنسانية،‏ أما العلوم التجريبية كالطبيعة،‏ والكيمياء،‏ وعلم الحياة والجيولوجيا والرياضيات والفلك،‏ وأما الحرف والصناعات،‏ والأشغال اليدوية،‏ والمهارات التقنية ونحوه،‏ فلها معاهد ومدارس أخري،‏ ولها مناهج ووظائف مختلفة‏.‏

العلوم الإنسانية التي تبحث في الأفكار والعقائد والقيم الأخلاقية والجمالية تختلف عن العلوم الطبيعية أو التجريبية التي تبحث في عناصر الطبيعة وموادها وصورها ومكوناتها وتحولاتها وقوانينها الثابتة،‏ الأولي تتناول ما يتصل بالأرواح والمشاعر والعواطف والأذواق،‏ وهي أمور تتأثر باختلاف البيئات والحالات والظروف وتتعدد فيها الآراء والمذاهب،‏ والأخري تتناول العالم المادي وما يتألف منه،‏ وما يتحرك به ويؤثر فيه‏.‏

وفي العصور القديمة والعصور الوسطي كان الناس يتحدثون عن الطبيعة بالظن،‏ لأن خبراتهم كانت محدودة وأدواتهم قاصرة،‏ حتي أتيح لهم أن يعرفوا ما لم يكونوا يعرفونه،‏ ويمتلكوا ما لم يكن في حوزتهم من قبل،‏ ويراجعوا ما كانوا يعتقدون أنه صحيح،‏ وتلك هي النهضة التي ساعدتهم علي الفصل بين العلوم الانسانية والعلوم الطبيعية،‏ بعد أن كانت متصلة مختلطة في التراث القديم‏.‏

رجال الدين وعلماؤه كانوا في الوقت ذاته أطباء وفلكيين ومؤرخين،‏ لكنهم كانوا يعالجون المرضي بالتعاويذ والرقي،‏ وكانوا ينظرون للأرض فيرونها مسطحة،‏ وينظرون للشمس فيحسبون أنها هي التي تقطع الفضاء من شرقه الي غربه،‏ وكانوا يقرأون التوراة ويعدون الأجيال ويحسبون الاعمار فيظهر لهم أن العالم خلق قبل ميلاد المسيح بأربعة آلاف عام،‏ وقد ثبت أن هذه كلها أوهام،‏ فالشمس لا تتحرك فوق الأرض،‏ بل الأرض هي التي تدور حول الشمس وحول نفسه،‏ والعالم لم يخلق قبل المسيح بأربعة آلاف عام أو بعشرة آلاف،‏ بل خلق قبله بثلاثة آلاف مليون من الأعوام‏!‏

والذين كانوا يكذبون جاليليو ويحاكمونه في القرن السابع عشر،‏ وداروين في القرن التاسع عشر اعتذروا لجاليليو،‏ ثم اعتذروا أخيرا لداروين،‏ إلا نحن،‏ فلم نعتذر لهم،‏ ولم نعتذر لنيوتن،‏ ولا لأينشتين،‏ ولماذا نعتذر لهؤلاء اللصوص ونحن نعتقد أن ما اكتشفوه في الطبيعة،‏ والكيمياء وعلم الحياة والفلك وما سوف يكتشفونه موجود في كتبنا المقدسة التي يجب علينا أن نعود إليها لنجد فيها كل شئ‏.

هكذا نخلط العلم بالدين،‏ ونخلط الدين بالسياسة،‏ ونخلط الدين بالاقتصاد،‏ ونخلطه بالفن والأدب،‏ فلا نري في أي شئ إلا الحرام والحلال‏.‏

التمثيل حرام وعلي الممثلين والممثلات أن يعتزلو،‏ والنحت حرام وعلي طلاب الفنون الجميلة أن يكتفوا بالزخرفة،‏ والفائدة التي نحصل عليها من البنوك الوطنية حرام،‏ لكن لا بأس من أن نحصل عليها من البنوك الأجنبية‏!

نحن لا نري الجمال والقبح،‏ ولا نري الصواب والخط،‏ ولا نري النفع والضرر،‏ ولا نري التمدن والتوحش،‏ ولا التقدم والتخلف،‏ ولا العلم والجهل،‏ ولا الصحة والمرض،‏ ولا الديمقراطية والطغيان،‏ ولا العقل والخرافة،‏ ولا الوساخة والنظافة،‏ ولا العمار والخراب،‏ فقط الحلال والحرام‏.‏

نحن إذن لسنا في حاجة الي أطباء،‏ أو مهندسين أو قضاة أو مدرسين،‏ أو أدباء أو فنانين،‏ نحن نحتاج فقط لهؤلاء السادة الذين يملأون وجه الصحف بكتاباتهم،‏ وشاشات التليفزيون بأحاديثهم ليلبوا طلبات الفتوي التي تنهال عليهم من الآلاف أو من الملايين،‏ فإذا كان لابد لنا من بعض النجارين وبعض الحدادين والميكانيكية،‏ فالشرط المطلوب فيهم أن يتخرجوا في الأزهر،‏ وليس من الضروري أن يكونوا من أصحاب المجاميع المرتفعة‏!

أنا لم أفهم هذا الخبر الذي قرأته،‏ لم أفهم حاجتنا لصناع أزهريين،‏ ولم أفهم حاجة الأزهر لأن يحشر نفسه في تعليم النجارة في الوقت الذي ارتفعت فيه الشكوي من تراجع مستوي خريجيه في العلوم التي اختص بتدريسها منذ عشرة قرون،‏ علوم اللغة وعلوم الدين‏.‏

هل هناك أو هنا من يساعدني علي الفهم؟‏!‏

www.amcoptic.com