جزائريات تعرضن للاغتصاب لـ"آفاق": اغتصبونا باسم الإسلام
اغتصبونا باسم الدولة الإسلامية !
اغتصبني وهو يصيح: الله أكبر !

الجزائر- ياسمين صلاح الدين - خاص

لا تمر الذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان دون الحديث في الجزائر عن سنوات الدم التي صنعت العنف الأعمى مثلما صنعت انتهاكات خطيرة ضد المدنيين من مختلف الأعمار. فلم يضرب الإرهاب البنية التحية للجزائر فحسب، بل ضرب المخيلة الجزائرية التي سقطت في حالة من الإحباط الشديد.

أرادوا قتل "الأمل" كما قال أغلب المحللين الاجتماعيين، ولأن الأمل مرتبط عند الجزائريين بالحياة فكانت الضربة التي وجهها الإرهابيون للحياة نفسها إذ حولوها إلى جحيم حقيقي.

موقع "آفاق" قام بجولة لأهم المناطق القريبة من الجزائر العاصمة، والتي عانت الأمرين طوال عقدين من الزمن، حصار فرضه الإرهابيون على سكان قرى نائية، كان لبعضها سوء الطالع حيث انتهت إلى مجزرة كاملة.

تعد ولاية المدية (88 كلم شمال العاصمة) أكثر المناطق إصابة، فالعديد من المجازر وقعت هنا يقول الناس، كما شهدت المنطقة عمليات اختطاف واغتصاب تعرضت لها فتيات في مقتبل العمر.

لم أكن وحدي في هذه الرحلة، بل كان يرافقني صديقي "أنور" يعد رسالة ماجستير حول " انتهاك حقوق الإنسان من قبل الجماعات الإرهابية في الجزائر"، ولأنه من سكان هذه الولاية فهو يعرف الكثير من خباياها كما قال.

سألته أثناء الطريق: كيف تعيش النساء المغتصبات في المدينة؟ رد: "بعضهن عدن إلى البيت، وبعضهن تم طردهن لأنهن اغتصبن! ولم أسأل أكثر. وعدني بأن يأخذني إلى نسوة تعرضن للاغتصاب، قال أنه يعرف عائلتهن وسوف يقبلن بالرد على أسئلتنا طالما لن ألتقط لهن صور!

سألته : هل الاعتداءات وقعت في الولاية نفسها؟ رد: في الولاية كانت الاعتداءات في الاختطاف والتفجير والاغتيال، لكن القرى كانت ساحة للاغتصاب بالنسبة للإرهابيين، حيث كانوا ينتقمون من سكان القرية باغتصاب بناتهن أمامهم. هذه كانت استراتيجية الإرهابيين.

تراءت أمامنا من بعيد مداخل العديد من القرى، لكن عندما اقتربت السيارة اكتشفت أن ما كنا نراه من الأعلى كان بانوراما للقرى المتداخلة والتي تبعد عن بعضها البعض بمسافة ساعة أو ساعة ونصف شمالا وجنوبا لكن ما بدا واضحا أن أغلب القرى كانت متاخمة للجبال والغابات.

وصلنا إلى قرية بني هارون التي تأذت كثيرا من قبل الجماعات الإرهابية، فهي قريبة من الغابة كما قال لنا أحد السكان، وكان الإرهابيون يتسللون ليلا من الغابة ويذبحون ويختطفون ويهربون قبل الفجر!

سألته متى كان ذلك؟ رد: "في التسعينات عاثوا فسادا هنا، لكن الأمور هدأت كثيرا وصارت أفضل أمنيا، لكن شعورنا بالخوف يركبنا دائما.

سألته "الخوف من الإرهابيين؟ رد: مع أن أغلبهم تم القضاء عليه وبعضهم سلموا أنفسهم لمصالح الأمن، لكن الخوف يسكننا. لقد عشنا سنوات سوداء لن ننساها أبدا.

سألته عن الانتهاكات التي ارتكبوها، فصمت. نظر إلى زميلي الذي كان يرافقني، ثم قال: نعم اعتدوا على شرفنا. حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم! قالها وهو يشير إلى البيوت المتلاصقة أعلى الشارع، وتكلم مع زميلي الذي رافقني قائلا: سوف نلتقي بأول ضحية، ولم تمض عشر دقائق حتى التقينا بها ! 

اغتصبونا باسم الدولة الإسلامية !
في الأربعين من العمر، شاحبة ونحيفة. سلمنا عليها، وبعد حديث عام طلبت منها أن تدلي بشهادتها لموقع "آفاق"، وإن زاد لونها شحوبا إلا أنها ردت" ما جرى يجب أن يعرفه الجميع، وقد حكيت مع صحافيين جزائريين من صحف محلية ونشروا شهادتي في الصحف. يجب أن يسمع الجميع عن الظلم الذي واجهناه".

كنت أبحث عن الأسئلة اللائقة كي لا أثير جراحها، سألتها مع من تعيش هنا؟ ردت: مع أمي في السبعين من العمر، ومع 3 من أبناء أخي. سألتها" وأين أخوك؟ ردت: اغتاله الإرهابيون عام 2000، كان موظفا في البلدية، وكانوا يقتلون كل من يعمل في المؤسسات الرسمية.

سألتها وماذا جرى لك أنت؟ بعد صمت بدا لي مثقلا بالتوتر قالت: لقد ضيعوا لي حياتي. طلبت منها أن تحكي لنا متى وماذا جرى؟ فردت "عام 1999 داهم القرية عشرات الإرهابيين. جاءوا من الأحراش المتاخمة (تقصد الغابة). استيقظنا على صراخ نسوة لنكتشف أن الإرهابيين حاصرونا من كل جهة. جمعوا النساء في مكان والرجال في مكان آخر. أتذكر جيدا وجه أمير الجماعة الذي كان يتفحص في وجوه النسوة بواسطة جهاز إنارة صغير كان في يده، وكلما تقع عينيه على فتاة جميلة يضعها جانبا. جمعونا في سيارة واحدة وكنا سبعة.

اغتنمت صمتها لأسألها "هل كانوا يضعون كل النسوة على جانب؟ ردت بسرعة : لا.. بعض العائلات كانت ذكية في حماية بناتها، كانت تبني حفر عميقة وسط البيت، وكلما سمعوا عن مداهمة يضعون بناتهن داخل الحفر ويغطون الحفرة بحيث لا تظهر، هؤلاء كانوا أكثر ذكاء من عائلات أخرى.

أضافت: "أساسا كنا نظن أن الإرهابيين لن يتعرضوا لشرفنا طالما يدافعون عن الإسلام، هكذا اقتنعنا في البداية، لكني فهمت أنهم لا يخافون الله. صمتت من جديد لتضيف: "اغتصبونا في الجبال ! كانوا أربعة تناوبوا علي. لوثوا شرفي. سألتها "هل كان الإرهابيون من هذه المنطقة؟ ردت: نعم. كانوا يتكلمون بلهجة المنطقة، كانوا يسبوننا ويصفوننا بالقحبات! وكانوا يقولون لبعضهم بعد أن أخذوا ما أرادوه من "القحبات" سيذهبون للصلاة ليشكروا الله على نجاح غزوتهم.

نظرت إلى بعمق وهي تقول "هل هذا هو الإسلام؟". أضافت بحدة "هؤلاء خنازير وليسوا مسلمين. أقسم أنني كرهت نفسي من يومها. صرت أنبذ حالي. أكره جسمي وأتمنى الموت في كل وقت!

سألتها كيف تخلصت منهم؟ ردت: "بقينا في الجبال قرابة الشهر ونصف، ونجونا بفضل الله وقوات من الجيش قاموا بعملية تمشيط، هرب الإرهابيون وتركوا خلفهم كل شيء. وجونا الجيش في حالة يرثى لها، كنا خمسة، أخذونا إلى المستشفى حيث بقيت شهرين في المستشفى.

سألتها "كنتن سبعة حين أخذوكن؟ ردت: "إلى الآن لا أعرف مصير الفتاتين الأخريين. قبل أن أقول شيئا أضافت: "لقد اغتصبونا، لوثوا شرفنا ليقيموا دولة إسلامية أبناء الكلب!  قالتها وهي تضغط على أسنانها كي لا تبكي. بدت لي شجاعة مع أنها متوترة جدا، شاحبة وصوتها يرتعش طوال الحديث.

سألتها "سمعت أن العديد من النسوة تعرضن للاغتصاب في قرى أخرى. ردت: بل تعرضن للقتل. في قرى أخرى حدثت مجازر، ونساء اغتصبن وذبحن في القرية. ما زال يخيل إلي أنني أسمع صراخهن ليلا. فقد كان صراخهن يصل وسط الليل مفجعا، ولم يكن بإمكان أحد إنقاذ سكان تلك القرى، فكل قرية كانت تنتظر الدور ! 

اغتصبني وهو يصيح: الله أكبر !
حياة تعرضت للاغتصاب أيضا، لكنها بدت أفضل من الضحية التي التقيناها أولا، ربما لأن حياة استطاعت أن تتجاوز محنتها، فقد واصلت دراستها رغم ما جرى. قالت "بعد ما حدث لي هربت للعيش مع خالتي في مدينة تندوف (جنوب البلاد)، وعدت إلى هنا عام 2005.

استطاعت حياة أن تأخذ سلفية من البنك وتفتح مشغلا في وسط المدينة. قالت "أردت أن أوظف النساء اللواتي مثلي تعرضن للظلم من قبل الجماعات الإرهابية، والمشغل يضم 11 امرأة تعرضن للاغتصاب، أحاول مساندهن قدر الإمكان، خاصة أن أغلبهن طردن من البيت الأسري بعد تعرضهن للاغتصاب !

سألتها كيف تعرضت للاغتصاب؟ قالت "كما حدث في كل المرات. المدينة مليئة بالغابات والجبال، والمداهمات في هذه المنطقة كانت يومية. داهمونا وفعلوا فعلتهم مع نساء كثيرات. لم يختطفوا يومها أي امرأة، بل اغتصبوهن في بيوتهن.

تضيف: أقسم أنني سمعت مغتصبي وهو يقول "الله أكبر"! أضافت: لقد كانت أنفاسه كريهة. ما زلت أشعر بالتقزز لأني أتذكر أنفاسه وأصاب بالغثيان كلما تذكرتها. بعد صمت أضافت" المؤلم، بل المفجع أن بعض المجرمين استفاد من العفو.

أقسم أنني رأيت أحد المغتصبين وهو يمشي في الشارع مزهوا. استفاد من العفو لأنه سلم نفسه! هل هذا منطق؟ أضافت: لقد سمعت أن حالات انتقام نفذها مواطنون في هذه المنطقة. سمعت عن شخص ضرب إرهابي تائب اغتصب أخته.

السلطات أطلقت سراح الإرهابي واعتقلت شقيق الضحية! هل هذا هو العدل؟ طلبت منها أن نحكي مع النساء في المشغل، ولم ترفض.. بعض النسوة رفضن الحديث، قالت لي إحداهن "أرجوك. لقد جرحنا كثيرا ونريد أن ننسى" سألتها "هل استطاعت أن تنسى؟ ردت "أحاول أن أنسى ! قالت أخرى "لقد أهانونا ومسحوا بنا الأرض. اغتصبونا أمام مرأى أهلنا. أضافت "صدقيني أن بعض الآباء والإخوة انتحروا بعد ذلك، لأنهم لم يستطيعوا الدفاع عن بناتهن وأخواتهن.

قالت أخرى "المجتمع قاس جدا. ينظر إلينا كأننا غير عفيفات. لا أحد يتقدم للزواج من امرأة اغتصبها إرهابيون، لكن الجميع يتعاطفون مع الإرهابي الذي سلم نفسه ويصفونه بالفحل ! 

قالت لي حياة وهي تمسك ذراعي لنعود إلى مكتبها الصغير: الاغتصاب وقع في 23 ولاية من ولايات الوطن، وما جرى في مناطق بومرداس والبليدة ومناطق الشرق والغرب يندى له الجبين، فقد سمعت قصص مروعة عن إرهابيين اغتصبوا نساء في الستين والسبعين ثم قطعوا رؤوسهن ! قالتها وهي تتنهد بعمق.

عرفت أن حياة عضو في جمعية مدافعة عن حقوق ضحايا الإرهاب. سألتها هل ساهمت جمعيتهم في نقل معاناة الضحايا إلى السلطات؟ ردت: السلطات لا تعترف كثيرا بضحايا الإرهاب كي لا تتحمل مسؤولياتها كاملة، وقد فرضت جمعيات كثيرة على السلطة مصطلح "مغتصبات الجماعات الإرهابية"، لأن على الجميع أن يعرف أن الإرهاب صنع مغتصبات وأطفال غير شرعيين نتيجة الاغتصاب.

المجتمع يحاسب المرأة إن كانت لها علاقة مع شخص قائلا أنها علاقة غير شرعية، فعلى المجتمع إذا أن يفتح أذنه جيدا ليسمع عن آلاف النسوة اغتصبهن الإسلاميون باسم الله أكبر! قلت لها أن رئيس الجمهورية طالب بدفع تعويضات للنساء المغتصبات. ردت: هل سيمحي التعويض ما جرى؟ ناهيك على أن الإرهابيين التائبين حصلوا أيضا على التعويض وأغلبهم قتل واغتصب !

لقد وصل بي الوضع في السابق إلى الشعور بالخجل من انتمائي ومن إسلامي الذي عبره اغتصبوني بتلك الطريقة الوحشية. أضافت: صدقيني فكرت أن اعتنق المسيحية، لكني تراجعت لأني متأكدة أن هؤلاء الخنازير ليسوا بمسلمين ! مستحيل أن يكونوا مسلمين، فأبي مسلم وأخي مسلم وعلى درجة كبيرة من الأخلاق والإنسانية، وقد ساعداني وسانداني، لهذا بقيت على قيد الحياة ولم أنتحر !

كرونولوجيا الاغتصاب في الجزائر:
بتاريخ 27 فبراير من سنة 2006، أصدر رئيس الجمهورية مرسوما يحمل الرقم 06 ـ 01 والمتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية (قانون الوئام المدني) والمتمثل في تقديم التعويضات للمتضررين من المأساة الوطنية (الإرهاب).

مصادر شبه رسمية ذكرت السنة الماضية أن 7000 امرأة تعرضن للاغتصاب في الجزائر من قبل الجماعات الإرهابية عبر 23 ولاية من ولايات الوطن، وأن من بينهن 39 فتاة انتحرن، و 198 فتاة هجرن البيت نحو مراكز اجتماعية، بينما توجد نساء انتقلن مع عائلتهن للعيش بعيدا عن مناطقهن خوفا من مواجهة الناس.

كما قالت المصادر أن وزارة الشؤون الاجتماعية رصدت أكثر من 900 طفل ولدوا في الجبال منذ 1994، حيث يوجد 100 طفل ولدوا نتيجة الاغتصاب، بينما البقية فهم أبناء الإرهابيين من زوجاتهم المتواجدات في الجبال (3 زوجات على الأقل لكل واحد) وأن أغلب الأطفال الذين وصلوا اليوم إلى سن الدراسة لم يكونوا مسجلين في سجلات البلدية.

كما قالت المصادر أن الدولة خصصت 400 مليون دولار دفعتها على شكل منح ومساعدات لعائلات المسلحين الذين قتلوا على أيدي قوات الأمن، ولعائلات المفقودين والمطرودين من العمل.