مصر بين العبيد والعربان
 
حكايات الاحتلال وتصحيح بعض المفاهيم (١٠)

عادل جندي

GMT 14:15:00 2008 السبت 29 نوفمبر

نستمر في مراجعة تاريخ مصر استنادا إلى حوليات كتاب "تاريخ البطاركة" الذي استمر بعد وفاة مؤلفه ساوري (ساويرس ابن المقفع، حوالي سنة ١٠٠٠) بيد كتّاب آخرين. ونرى في هذه الحلقة أن الضغوط الهائلة التي أخضع لها الأقباط أخذت تأتي بالمزيد من النتائج مثل الانقسامات الداخلية والتفتت، ناهيك عن التحول. كما نرى كيف أن تلك الضغوط (من الحكام أو من الرعاع) تشبه بصورة مثيرة للدهشة ما يجري لهم هذه الأيام....
٢٧- وأخيرا وبعد عشرين عاما من فراغ الكرسي، رُسم الأنبا كيرلس (ابن لقلق) وهو الخامس والسبعون (١٢٣٥ـ١٢٤٣)، الذي يقول عنه كاتب هذا الجزء من الحوليات، يوحنا بن وهب ابن بولس، وجامعها علم الملك ابن شمس الرياسات، أنه كان رجلا عالما فاضلا، إلا أنه أخذ الشرطونية وجرى عليه شدائد بسببها (..) [[وعند رسامته لم يكن بقي من الأساقفة سوى خمسة: ثلاثة في الوجه القبلي (طحا وأرمنت وإسنى) واثنان في البحري (مليج، ودمنهور) (..) وبعد رسامته اجتمع بالسلطان عز نصره في موضع يعرف ببو قير وتقررت له البطركية وقام بألف دينار دبرها بقرض وحملها إلى خزانة (بيت المال) وكتب (صكا) بألفي دينار مؤجلة إلى شهرين (*) (..) وسيّر إليه السلطان خلعة حسنة وهي ثوب عتابي أزرق بطراز ذهب وطرحة، وحكى الحاضرون أنه كان يوما مشهودا وأن أكثر غلمان السلطان وخدامه كانوا حاضرين (..)]].
(*) واضح أن اضطرار البطريرك للشرطونية (أو السيمونية، أي أخذ المال في مقابل المناصب الكنسية) كان لسداد المبالغ التي فرضها السلطان بدون وجه حق عند رسامته. للتذكير: لاحظ أن مبلغ ثلاثة آلاف دينار يعادل ثلاثة ملايين جنيه من نقود زماننا هذا.

ويبدو أن فرحة الشعب برسامة بطريرك بعد عشرين عاما كانت عارمة [[ففي صباح يوم أحد خرج من كنيسة ميخائيل رأس الخليج بمصر إلى المعلقة (لترسيمه) وحضر إليه من القاهرة ومصر وما حولها أمم لا تحصى واجتمع مسلمون ويهود خلق عظيم حتى ملأوا الطريق ورفعت الصلبان قدامه على العيدان والأناجيل في ثنى الإبرسفارنيات وكان الشمامسة والكهنة يقرأون أمامه التسابيح والأراخنة يركبون البغال والخيل (..). ثم بعد ذلك اجتمع جماعة من المسلمين واستنكروا ما عُمل واستبشعوا حمل الصلبان على رؤوس الأشهاد (..) وحمّلوا فقيها متميزا أن يكتب رقعة للسلطان يشكو ما جرى، فوقع مولانا السلطان عليها إلى والي مصر بأن يحضر البطرك ويطلب إليه ألا يتعدى على الشريعة (..) فأحضره الوالي وكان عنده رجل معلم في مسجد من المساجد التي في الطريق التي عبر عليه (موكب) البطرك (..) وقال له: أنت رفعت الصلبان وفعلت وصنعت (..). ثم عاد (البطرك) إلى (الكنيسة) المعلقة وكانت تلك ليلة عيد القديس مرقوريس، الذي كان (ينوي الذهاب) لكنيسته بالساحل لكنه امتنع لأنه بلغه أن جماعة وقفوا على باب الكنيسة وعبثوا بالنصارى الداخلين، ومنهم من رجموهم ومن لوثوا ثيابهم (..) وكان أن والي مصر حضر بين يدي السلطان الذي قال له: بلغني أن أهل مصر تعرضوا إلى البطرك وكنائسه، وأقسم لئن جرى شيء من هذا (سيعاقبه). واشتهر هذا الأمر واطمأنت نفوس (القبط) وقوي نفس البطرك مع أن السادة المسلمين ما فيهم إلا من ساعد وأحسن السفارة وإنما هذا كان من العوام وبعض الفقهاء]].
[[وكان الناس يظنون أن (البطرك) يأخذ الشرطونية من كل من يرسمه ولكن لم يتم الأمر في ذلك على نظام أو بشرط وكان يجمع من الناس على قدر طاقتهم بغير عسف. وشرع في تكريز أساقفة على الكراسي الخالية (..) ما يزيد عن أربعين (خلال عامه الأول)]].
[[وكان السلطان أعز الله نصره قد بلغه تمرد بعض العسكر (لأخذ) أطراف بلاده بالمشرق فخرج إلى الشام بالعساكر والجحافل. أما أولئك فقد أحرقوا زراعات (حول دمشق) وأخذوا السويداء (التي باعها لهم صاحبها) وأخذوا الرها بالسيف وقتلوا أكثر من كان بها وأسروا وسبوا، وكان أكثرهم من نصارى سريان وأرمن (..)]].
[[ووقع في الديار المصرية وباء عظيم حتى أنه كان يخرج في كل يوم من (القاهرة) ما يزيد عن مائتي ميت واستمر هذا من نصف بابه إلى آخر أمشير]].
[[وكان إلى جانب الكنيسة المعلقة مسجد وبه مئذنة عالية وهو مجاور لمنزل سكن الأب البطرك، وكان من حقوق المنزل (حوش) مكشوف بجانب المسجد، فأراد البطرك أن يعمل عليه سترة فمنعه المؤذن. ثم عملها، فهدمها المؤذن (..). وغاب البطرك، فوجد من معه المفاتيح أن المنزل قد (اقتُحم) من جهة المسجد، وأعلموا الوالي فأخذ المؤذن وحبسه (..) وتعصب المؤذنون بالجامع العتيق بمصر وصاروا يَحضرون جماعات للمسجد المذكور يؤذنون فيه جميعا حتى تنزعج الحارة منهم، فشكي حالهم للقاضي صاحب ديوان الأحباس فرسم أنه لا يؤذن في المسجد إلا مؤذن واحد فقط (..) فاجتمع المسلمون العوام وجاءوا في جمع غفير وطلعوا المأذنة واستغاثوا ولبوا (لبيك) واجتمع على باب المعلقة جمع لا يحصى وخافت أنفس المصلين بها، والبطرك يصلي (..) فجاء الوالي وصرف الناس وانفض الأمر على خير. ومضى أكثر الجمع لنائب السلطان وشكوا له كيف تغلق المساجد وتفتح الكنائس، فقال لهم: من أراد المسجد طلع إليه ومن أراد الكنيسة طلع إليها إلا أنه لا (ينبغي أن) يؤذي أحدٌ أحدا فهؤلاء رعية السلطان (مثلكم) (..) وصار النصارى مع المسلمين في إنصاف عظيم وإكرام جسيم وود عميم (..)]].
** لاحظ الدرس المستفاد: عندما يحاول الحاكم (أحيانا) أن يعدل فإن دعاة التخريب يلزمون حدودهم. ولكن هذا الدرس لم يتعلمه معظم الحكام، وخاصة الحاليون...

[[ثم أن البطرك أقام مطرانا على غزة وبيت المقدس والساحل والشام (..) وامتعض لهذا بعض الأراخنة وقالوا هذا لا يجوز لأن هذه البلاد من كرسي أنطاكية (.. وفعلا تسبب هذا في ضيق بطريرك السريان) (..) وأما المطران فقد استعان بالافرنج وآخى جماعة منهم وتصرف في كنائس القبط هو وشعبه. ويقال أن الافرنج أخذوا (خطابا منه) بأن «اعترافه هو اعترافهم واعتقاده اعتقادهم»، وأن هذه عادة لهم أن لا يتصرف أحد من الأجناس إلا بعد ذلك....]].
** ليس من الواضح معنى هذه العبارة؟ هل أعلن المطران تغيير الأقباط الأرثوذكس مذهبهم إلى الكاثوليكية؟ أم كان يقول (أي كلام) للفرنجة لكي يسمح له بالبقاء في المنطقة؟؟

[[وفي هذه الأيام وردت أخبار بأن (التتار) نزلوا إربيل وأخذوها بالسيف (..) وكانت الأخبار من الشرق والغرب تدل على أن الأحوال مضطربة (..) ثم خرج مولانا السلطان (الكامل) طالبا أخذ دمشق (من أخيه الملك الصالح) (..) وأقام بدمشق مائة يوم ثم مرض ومات (أبريل ١٢٣٨) وكتموا أمر وفاته وادعوا بأنه مريض وأنه رسم بأن يحلف الأمراء لولده الأصغر الذي بمصر (العادل الثاني) بأن تكون السلطنة له من بعده، ثم أفشوا خبر موته (..)]].
وعادت الخلافات بين القبط، فراح الراهب عماد الأخميمي، والذي كان من المعارضين لاختيار البطريرك، يبحث عن أسباب لتبرير محاكمته وعزله، وقام الراهب الشيخ السني بإعداد أوراق ليوقعها البطرك ويلتزم بما فيها حول الشرطونية وكيفية توزيع ريع الوقف وإدارة الأديرة وغيره (..) ثم اجتمع أساقفة الوجه البحري (أربعة عشر) في كنيسة حارة زويلة (سبتمبر ١٢٣٨) وسطروا مجموعة قواعد وقوانين إيمانية وكنسية يكون محروما من خرج عنها ووافق عليها البطرك ووقعها..
[[ثم أن قوما من المسلمين المقيمين بالمسجد الملاصق لكنيسة المعلقة هدموا الحائط الذي بينهما وادعوا أن (جزءا من المكان) هو من حقوق المسجد، وصار في الكنائس بلبلة وتعطلت المعلقة من القداس والصلاة أياما كثيرة في الصيام المقدس. وكان المسلمون يطلعون على سلالم إلى سطح قلاية البطرك ويؤذنون ويكبرون ويُذكّرون وجرت في ذلك خطوب. وحبس والي مصر جماعة منهم ولم يجدي ذلك وبقي الأمر مدة (..)]].
[[ثم أن قبيلتين من العرب، جذام وثعلبة، وكانتا بأعمال الشرقية وكان بينهما دماء وضغائن قديمة، قاموا على بعض واقتتلوا مرارا وقتل بينهم جماعة كبيرة (..) واستنجدت ثعلبة بقبيلة سنبس فجاؤوهم من بر العرب واستعانت جذام بقبيلتي زناته وزنارة فجاؤوهم من البحيرة وكانت أيام خوف وحرب وانقطعت الطرق وأرسل السلطان جماعة من الأمراء والأجناد لإصلاح ما بينهم (..)]]
[[ثم ظهر للناس رجل يقال له شبل الدولة خادم النبي، وادعى أنه رأى نبيّهم في النوم وقال له خذ (أهل) الذمة بتغير ملابسهم فإنهم قد خرجوا عن حدهم. وشرع في ضرب الناس من النصارى واليهود والإخراق بهم، وطالب النصارى برفع الذوائب وشد الزنانير، واليهود بعمل العلامة الصفراء (..) ونودي على كل ذلك في القاهرة ومصر ووقع الناس من ذلك في شدة وثقل عليهم، لأنه شيء بَعُد عهدهم به منذ عشرين سنة. وكان إذا لقى الناس (يهينهم) (..) وأسلم بسبب هذا رجل من خيار النصارى يقال له بن الشماس وكان صاحب ديوان الحوايج خاناه والبيوت والاصطبلات، فاجتمع عليه الخدام لشد الزنار فشده، فطالبوه برفع العذبة فأبي فتكاثروا عليه فرمى الزنار، فقالوا أسلِم، وشهدوا عليه فأسلم. وكان النصارى في هذا الوقت في ضيق وهوان أليم وأي من لقيهم من العوام والسوقة شتمهم وسبهم (..). وأُخذ رأي الفقهاء فأفتوا جميعهم بأن لا يلزم سوى شد الزنار للتمييز بينهم وبين المسلمين (..) وفي (عيد) وفاء النيل المبارك اتفق أن قوما من النصارى كانوا في مركب (للفسحة) وفيهم من هو مشدود الزناز ومن هو بغيره، فرآهم الخادم شمس الدولة وحملهم إلى الأمير جمال الدين فسيرهم إلى المحتسب بمصر، فضُربوا و(شُهّر بهم) في مصر كلها. وكانت قضية شديدة على النصارى وتمكن العوام منهم]].
[[ثم بلغ السلطان أن العسكر تمردوا عليه وأنهم صار فرقا فأمسك ثلاثة (من كبار) الأمراء (القادة) وسجنهم في القلعة. وكان الناس في خوف وتوقع وإشاعات (..) ثم أن العربان كانوا قد طمعوا وصاروا يغيرون على بلاد الغربية يأخذون كل ما فيها ويقتلون ويسبون (..) فجرد لهم السلطان أميرا يقال له خطلبا ومعه ألف فارس (..) فمضوا إلى العربان ووجدوهم قد طلعوا للصحراء، فراح (العسكر) ينهبون أموال الناس ويأخذون نساءهم وذريتهم فخربت البلاد خرابا ثانيا (..)]].
[[ثم أن الإفرنج لما انقضت أيام الهدنة (التي كان وقعها معهم الملك الكامل لعشر سنوات) أخلوا القدس الشريف حتى لم يبق به سوى فارس واحد وسبعون رجلا يعمرون برج داود (..). ثم نزل الملك الناصر، صاحب الكرك، إلى القدس وتسلمه وقتل كل من بقي فيه من الأفرنج وخطب فيه خطبة عظيمة على حكم القرآن]].
وعاد الراهب (عماد الأخميمي) المشار إليه لاتهاماته ضد البطرك، وكان يتصيد عباراته ونجح في [[استخراج أمر السلطان إلى أمير يقال له الصارم المسعودي بأن ينظر في أمر البطرك ويعقد له مجلسا بحضور سادة المسلمين وقضاتهم وحكامهم و(١٤ من) شهودهم العدل (..). فعقد المجلس بحضور جماعة من وجوه النصارى (..) (وقال الراهب اتهاماته ودافع البطرك) وانفض المجلس والمسلمون غير مقدّرين النصارى ولا مقدّمهم (رئيسهم): أما مقدمهم فكيف لم يكن عنده حكمة ليسوس عقولهم ويؤلف قلوبهم، وأما النصارى فكيف وصلوا مع مقدمهم إلى هذا الحد. أما العقلاء (القبط) فقالوا كان من الواجب أن يجتمع الأساقفة والأراخنة بالبطرك ويعزلوه فيما بينهم إذا كان يخالف شريعتهم (..) ثم انقطع الحديث ولم يظهر أثر (لذاك المجلس)]]. وقرر البطرك بعض الإصلاحات مثل اختيار رجل جيد يسلم له الأوقاف، وأن يجعل معه أسقفين يحضران الأحكام والتصرفات ولا يبت في أمر دونهما. لكن خلافات استمرت مع بعض الأساقفة والرهبان....
[[ثم أن جماعة من النصارى وقّعوا رقعة (تطلب) إعادة الكنيسة المعلقة إلى ما كنت عليه وجاءوا إلى الوالي وشاوروه، وبالليل سدوا الأبواب التي كان المسلمون قد فتحوها. فجاء المؤذن بن حوله ففتحها وطلع إلى الفقيه عباس خطيب القلعة فحمله في القضية وقال له إن هذا مسجد وقد تغلب عليه النصارى وأضافوه لكنيستهم، فأخذ ذاك معه أمير جندار وجاء إلى الكنيسة ومعهم من عوام المسلمين جموع لا تحصى وحضر معهم المهندسون لكن ما قدروا يقولوا الحق الذي قد رأوه. وكان هذا يوم الخميس، وفي وقت صلاة الجمعة وقف عباس الخطيب وقال: «يا مسلمين، من كان مسلما وحميدا في مذهبه يحضر نهار الغد إلى المعلقة». وفي الغد طلعوا عليها وكسروا قناديلها وأحجبة هياكلها وأخذوا كل آنية كانت فيها (..) وصار الجانب الغربي جميعه في حوزتهم وبقيت الكنيسة مُغلقة لا يصلى فيها (..) وبقي البطرك في كنيسة حارة زويلة]].
[[وأما السلطان الملك العادل (الثاني) فإن عمه الملك الصالح أيوب طلع به القلعة ولم يعد أحد يبصره (..) ووردت أخبار أن الافرنج قد نزلوا إلى غزة (في ١٢٤١) وأخذوا القدس الشريف (التابعة لسلطان مصر) بموافقة ومعاضدة الملك الصالح غازي صاحب دمشق، عم السلطان...]].
[[ثم أن النصارى رجعوا إلى ما كانوا عليه من منازعة البطريرك (واشتكاه البعض للسلطان، الذي) أمر بإحضار أساقفة الوجهين البحري القبلي (..) وعقد المجلس بين يدي المعين الوزير. وكان الشاكي (ضده) الشيخ السني الراهب وأساقفة فوه وأسيوط وسمنود وغيرهم، وجرت بينهم خطوب ومنازعات وفي آخرها قالوا: عندنا للسلطان ثلاثة آلاف دينار ويعمل بطركا عوضه، لكن (آخرين) قالوا لا يجوز (عزل البطرك في حياته)، فقال الوزير: «ما نعمل ما لا يجوز، لكن (..) أريد هذا المبلغ من البطرك» (!!) (..) فتحادثوا و(خفضوا المبلغ) إلى ١٥١٠ دينارا كتب بها أقرباء البطرك صكوكا وخرجوا وقد انفسد قلب البطرك على الأساقفة وقلوب الأساقفة عليه..]].
[[ثم رتب السلطان خلد الله ملكه موضعا سماه دار العدل وفيه ثلاثة أشخاص (..) وكان الناس يرفعون لهم شكاواهم. واستراح السلطان بذلك وصار ملازما للذته وركوبه وصيده. (..) ثم رسم السلطان خلد الله ملكه بأن تهد جميع البيوت وكل ما بجزيرة (الروضة) وأن تبني قلعة (..) وسير الأسرى الافرنج إلى مصر للعمل فيها وأنزلوهم في كنيسة أبو مرقورة التي بالساحل لقربها، ووقع النصارى من ذلك في بلية لأن الكنيسة المعلقة جرى فيها ما جرى وكنيسة الروضة (ستهدم)]].
[[وفي هذه الأيام أسلم أسقف سندفا (المحلة الكبرى)، ودُوّر في المحلة راكبا على حصان وقد خلع عليه الوالي فروة وشربوش. وكانت بدعة ما شوهد مثلها. وسببه أنه كان قد وقع في خطية الزنى (..). وكان هناك رجل شماس منعه الأسقف وأوقفه عن التصرف، فما زال يرقبه حتى عبرت إليه المرأة الخاطئة وكانت مسلمة فمضى إلى الوالي وأعلمه، فأحضر الأسقف والمرأة وضُرب ضربا أليما أفضى به إلى الخروج عن المذهب]].
[[وكان السلطان خلد الله ملكه قد اطلع على (مؤامرة) العسكر الأتراك بالإسكندرية وبلبيس فأمسك (رؤساءهم) وحبسهم (..) ثم أن جماعة من العسكر الأتراك الأشرفية تحالفوا على أن ينهبوا العسكر الأكراد الذين كانوا مجردين استعداد (لحملة) إلى اليمن، فعلم الأكراد بذلك (..) وجاءوا للقاهرة ليلا وأغلقت أبوابها (..) وقبض على كثير من الأمراء (القادة) الكبار والصغار والأجناد، وبالأكثر من المماليك الأتراك، وعلى والي القاهرة (..) وبطلت حملة اليمن ولم يسافر سوى أربعمائة فارس أتراك سُيّروا إلى مكة بقصد إبعادهم (..) ولكنهم بعد ما خرجوا في البرية اتجهوا للشام (..). ثم أن السلطان أعز الله نصره جهز العساكر إلى الشام (لمطاردة الآخرين) فخرجوا إلى غزة (صفحات طويلة تروي قصص مؤامرات ومحاربات جماعات المماليك المختلفة وخروج العربان للنهب والسلب...)]].
[[ووصل رسول الإنبرور (الإمبراطور فردريك الثاني) ومعه بضائع جزيلة وتحف كريمة وأحضر للقاهرة وطوف به وزار الأهرام (..) وكان يوم وصوله عظيما زينت له المدينتان (القاهرة ومصر) وركب العسكر جميعه وخرج الناس وكان الرسول (ومساعده) على فرسين من خيل النوبة التي لمولانا السلطان أعز الله نصره (..)، وأقاموا في البلاد لأجل الشتاء في الضيافة والكرامة]].
[[ثم وردت الأخبار أن العسكر الأتراك اللذين بقوص (ثاروا) وجعلوا مقدمهم طغربل الجحافي سلطانا (..) فجند السلطان ألفي فارس في البر الشرقي وسيّر العرب الأشراف في البر الغربي، وساروا حتى (المنيا) فوصل رجل من الصعيد (للتوسط للثائرين) فأعطاه السلطان الأمان وعادوا جميعا للقاهرة المحروسة ولما وصلوا لم يروا لمولانا السلطان وجها. وبعد أيام قبض على جماعة منهم والباقون رسم أن يخرجوا للريف (يعملوا في مهن غير عسكرية) فتفرقوا..]].
[[وفي يوم عيد الملاك الجليل ميخائيل (يونيو ١٢٤١) وقف رجل من الصوفية القلندرية في الجامع بمصر بعد صلاة الجمعة وبعد فراغ الخطبة صاح بأعلى صوته: «يا مسلمين من أراد منكم الجهاد في سبيل الله فعليكم بكنيسة المعلقة». فخرج من الجامع كل من فيه وهم أمم لا تحصى وجاءوا للكنيسة وكان والي مصر (الفسطاط) في الجامع فسير مملوكه وعشرة مقدمين لحفظ الكنيسة، فجاء إليها فوجد من الخلق ما لا يعد وقد طلع بعضهم إلى المسجد المجاور، فحمل في تلك الخلائق بالدبوس والمقارع فتفرقوا عن باب الكنيسة وأغلق باب قصر الشمع وطلب رؤوس الفتنة ثم أخذهم مربوطين إلى دار الوالي فجدد عليهم العذاب والهوان وأمر بهم إلى الحبس واهتدت المدينة وانقمع المفسدون ودعا لهذا الوالي العقلاءُ من السادة المسلمين وعامة النصارى واليهود لأنه حسم أمورا كادت تتفرع..]].
[[وجاء رأس السنة المباركة الهلالية وأمر السلطان بجمع الجزية (مقدما) فاستخرجت بعنف عظيم، وكان قد تولى بها رجل يقال له ابن جراده فعمل ما لم يعمله أحد وسلط الأوباش على الناس وجعل (رؤساء) أرباب الصنايع (يجمعون) ممن تحت يدهم، وأصحاب الأرباع يأخذون ممن هو ساكن في حارتهم. وكانت العقوبة مفروضة على الناس. ونودي في مصر برسم الشرع أن يشد النصارى الزنانير في أوساطهم لأن ابن جراده شكى للقاضي أن النصارى ما بقوا يُعرفون من المسلمين وأن رسله ربما أمسكوا المسلمين بسبب الجزية، ورجع الناس يشدوا الزنانير وتسلط العوام علي جاري عادتهم]].

[[ ثم أن قوما من المسلمين (..) انتبذوا لكنيسة بو سرجة بمصر، وجاءوا لدارين من وقفها لاصقين بها وادعوا أن كلا منهما كانت مسجدا وأنهم يعرفون ذلك من مدة حوالي أربعين سنة، واشتكوا إلى القاضي وأتوا بالشيخ الراهب الذي كان مقيما بالكنيسة وناظرا عليها، فأنكر التهم فقال له القاضي: أتحلف؟ فقال نعم، قال: «قل وحق من أنزل الإنجيل على قلب عيسى»، فقال الراهب: هذا ليس مذهبي ولا يحلف الإنسان إلا على معتقده، فقال له إن لم تحلف كما قلت لك خرقت جلدك، فقال افعل ماشئت، فأمر به إلى الاعتقال (..) ودعوه في اليوم الثالث وجدد الدعوى (حول المنزلين) فأنكر فأخرجوا محضرا شهد فيه ثمانية مسلمين أن النصارى تعدوا على المسجد، وفيهم من لم يبلغ أربعين سنة بينما شهادته (هي عن أمور) من أكثر من اربعين سنة! وبعد تفاوضات أعاده للحبس وبعد ثلاثة أيام أطلقه بضمان جماعة ليبحث عن (إثباتات) (..) وأحضروا وثائق تعود لمائة وثلاثين سنة فلم يلتفت لها القاضي (..) ثم جاء القاضي إلى الكنيسة ومعه والي مصر وجمع من الشهود وقال للراهب: «هذه الدار قد ثبت عندي أنها كانت مسجدا من مساجد المسلمين وعليك أجرة السنوات الثلاث عشر التي أقمتها فيها». ولم يكن معه ما يدفعه فمضى به للاعتقال (..) وبقي محبوسا لشهور حتى كتب السلطان رقعة بإخلائه من الحبس فأبى القاضي وقال: «هذا في حبس الله على حق شرعي وليس في حبسي حتى أطلقه» (..)]].
[[وفي السنة التالية اجتمع القاضي بمولانا السلطان أعز الله نصره وقال له: إن هذه المواضع التي يدعي بها النصارى أنها أملاك وقف عليهم (كانت) مساجد، فقال له مهما ثبت في الشرع اعمله. فنزل مصر وطلب من الوالي مساعدته في هدم المواضع وإعادتها كما كانت مساجد، فسيّر الوالي رقعة إلى مولانا السلطان عز نصره (يستفسره) فلم يخرج لها جواب (*). فجاء القاضي بنفسه وأمر بهدمها فهدمت (..) وحاول جماعة من النصارى مقابلة السلطان فرفض، فزاد القاضي وأمر بهدم ثلاث دور أخرى في الزقاق (..) وجاء شخص يدعى أبو الحسن بن مكين وهو مسلماني (أي نصراني أسلم) فأخذ طاقة في وسط الهدم وكتب عليها الشهادتين وأهال عليها التراب، وكانت امرأة من السكان تبصره. ولما أصبح الصباح مضى للقاضي وقال له يا سيدنا قد ظهر الحق ووجدنا المحراب فيه الشهادتان من قديم الزمن، فجاء القاضي وخلق لا تحصى من المسلمين ورأى المكان وعمل بذلك محضرا وأشهد جماعة من الشهود العدول وسيره إلى مولانا السلطان. وحكي أن السلطان عز نصره لما رأى ذلك قال هذا الرجل (المسلماني) من الأولياء (لأنه كشف الدليل المخفي!). وما كان في الأرض أعجب من هذه القضية ولا بد أن كل عاقل وشيخ من المسلمين يشهد بأن هذا مُحال (..) إلا أن هذا كله كان لتخلي الباري سبحانه وعقوبة لأهل هذه الكنيسة التي أنا (كاتب السيرة) من جملتهم]].
(*) لاحظ كيف كان الحكام، مثل "سلاطين" زماننا الحالي "المباركين"، يراعون "التوازنات" ويحرصون على عدم إغضاب دعاة التطرف والتخريب على حساب العدل....

[[ثم أن القاضي جاء إلى الكنيسة ودخلها وأخذ بيده قادوما وصار يهد بيده، وهدموا السور (..) وكان ينتهي إلى إسطوان عرضي (في حصن بابلون) فيه ثلاثة هياكل (..) وكانت الكنيسة المذكورة في ظهر هذا الإسطوان فهدموا الكنيسة الأخرى والسلم والمطلع (..) ولم يبق سوى الاسطوانات الثلاثة لا غير؛ لا فرن ولا (مكان خدمة)، ولم يعد ممكنا الوصول إلى علوها الذي على الاسطوانين اللذين في الجانبين. وكان الذي (فُقد) أربع كنائس (داخلية) وسبعة هياكل وخمسة دور وبقي النصارى في حزن وكآبة لم يروا مثلها من زمن..]].
[[وكان رجل نصراني (صانع حلوى) من أهل منية غمر يقال له مكرم، مع ابنه، وهو كان في مطبخه يعمل بغير زنار. ودخل عليه رجل حلفاوي (..) فرآه؛ وأمر غلامه فأخرج هذا المسكين مشحوطا مكشوف الرأس مقطع الثياب واجتمع عليه أمم لا تحصى ليس منهم إلا ويضربه ويهينه وهو صابر. وأمر الوالي بحبسه (..) ثم سيره إلى دار القاضي وأشهره ماشيا وهو مهان (..) وحبس أياما وأخرج بعد أن كتب عليه الوالي حجة بألا يخرج من بيته إلا بزنار]].
** لاحظ أن التبرير "الشرعي" للزنار كان التمييز بين النصراني والمسلم في الطريق، بينما كان هذا الرجل يعمل داخل مطبخه مع ولده. الهدف الحقيقي إذن هو الإذلال السادي الهمجي لغير المسلم وبأي طريقة.

[[ثم أن البطرك مرض ومات (في ١٢٤٣ بدير الشمع) وفي الحال جاء بعض النصارى بالإسم، مثل عماد الراهب المقدم ذكره (وغيره)، وأعلموا (السلطة) فختم على الغرفة وهو ميت. وثاني يوم جاء الوالي ووكيل السلطان ومعهم شهود وأخرجوا الميت بعد أن بات الليلة في الظلام بغير سراج، وأثبتوا الموجودات (من الملابس والكتب الثمينة) ثم قالوا لابن أخيه وخازنه: «أين المال وإلا عصرت أصداغك؟» (..) فوجدوا من تحت البلاطة ألف دينار وكسورا فأخذوها وختموا على المواضع وخرجوا ومعهم ابن أخي البطرك (..) وتم التجنيز كالعادة (..) وأما ابن أخي البطرك والخازن فتم تسليمهما للوالي فحبسهما حتى يدفعان عشرين ألف دينار. وأحضر الوالي رهبان (دير الشمع) وتركهم عنده وبقي الدير بلا قداس ولا صلاة (..) وعُصر صاحبا البطرك مرارا فلم يقرا بشيء (بشأن ما قد تركه البطرك من مال) وبقوا محبوسين (..) وبيعت تركة البطرك]].
وبقي الكرسي البطريركي خاليا لسبع سنوات.
[[ثم كان أن أفتى القاضي أن الحفيد يتبع الجد إذا أصبح الجد مسلما، حتى وإن كان الأب نصرانيا لكونه بالغا في حال إسلام الجد]].
[[وكان إنسان نصراني يعرف بأبي المجد ابن أبي البدر كان منذ ثمان وعشرين سنة قد تخاصم مع قوم وهو سكران فتلفظ بالإسلام فحفظوا القول عليه ومضوا به إلى مدرسة الفقيه الطوسي وبيّتوه، فلما أفاق من سكره رمي بنفسه وهرب واستتر عند بعض النصارى ثم توجه (للشام) فأقام هناك وتزوج ورزق أولادا ومالا. ثم جار الزمن ففقد المال وبعض أولاده وعاد لمصر راجيا أن أمره قد نسي وأن يعيش نصرانيا (فحذره الأهل من ذلك). فنزل مستترا عند أخيه، الذي كان يسعى حتى يحصل على مال يعطيه له ويسافر. لكن (الرجل) مرض ومات ودفن في دير شهران (بحلوان) كوصيته. وكان أخوه المسكين متحرقا ومتخوفا فطلع إلى القلعة فأشاروا عليه بألا يدفن إلا مسلما، فمضى وأخرجه ودفنه مسلما (..)]].
٢٨ـ وأخيرا، وبعد سبع سنوات، رسم الأنبا أثناسيوس (١٢٥٠ـ١٢٦١). وهنا بدأت فترة حرجة استولى فيها المماليك على الحكم وجرت خلالها النوائب والشدائد...
ففي ١٢٥٠ توفي الملك الصالح أيوب فاتفقت جاريته شجرة الدر (التي كان قد تزوجها وأنجب منها ولدا) مع الأمير فخر الدين ورئيس الخصيان على تكتم خبر الوفاة واستقدام غياث الدين طوران شاه، ابن الملك الصالح، من الشام وأخذت البيعة له من الأمراء والقواد أعيان السلطة (وكلهم من المماليك الأكراد والأتراك). وبعد شهرين قتل طوران شاه على يد بيبرس فتولت شجرة الدر الحكم بمساعدة المماليك الذين استفادوا من فراغ السلطة، وخُطب لها على المنابر باسم «المستعصمية الصالحية ملكة المسلمين والدة خليل أمير المؤمنين». لكن خرجت مظاهرات غاضبة تستنكر جلوس امرأة على عرش البلاد، وعارض العلماء ولاية المرأة لمخالفته للشرع. كما ثارت ثائرة الأيوبيين في الشام لمقتل طوران شاه، ورفضت الخلافة العباسية في بغداد أن تقر صنيع المماليك. وبعد ثمانين يوما تنازلت شجرة الدر لعز الدين أيبك التركماني (الذي تزوجته)، وأطلق عليه الملك المعز وهو أول سلطان مملوكي في مصر....
وفي هذه الأثناء، غضب العربان وثاروا في البلاد وقطعوا الطرق وقالوا «نحن أولى بالملك منهم» (أي من المماليك العبيد). وقد تزعمهم شخص يدعى حصن الدين ثعلبة وانضم إليه العربان في كل مكان حتى بلغ عددهم مائة ألف، فخرج إليهم السلطان أيبك بمماليكه وقاتلهم، وانتصر عليهم قرب ديروط... ومع خضوع العربان للماليك إلا أنهم استمروا في حرق الأخضر واليابس وأثاروا قلاقل عنيفة استمرت لفترات طويلة، ساعد عليها تغير السلاطين المماليك الدائم ( ج٤ ص ٤٠).
وذات يوم في ١٢٥٧ بينما كان الملك المعز (أيبك) مارا في الدهليز السري الموصل لدار الحريم وثب عليه خصيان بيض وخنقوه، بدسيسة من زوجته شجرة الدر، وتولى بعده ابنه نور الدين (من زوجة أخرى) ولقب بالمنصور، وبعد بضعة أيام قتلت شجرة الدر على أيدي جواري أم المنصور وألقيت جثتها من فوق سور القلعة... واستمرت المؤامرات والصراعات والاقتتال والتذابح..
***
وهكذا دخلت مصر، والأقباط، في نفق جديد، أشد ظلاما مما قبله...

adel.guindy@gmail.com
 المصدر ايلاف

www.amcoptic.com

Satellite 

Limo Service 

Accountant 

Shatafa
Great Gift for Christmas and Holiday
480-361-3459