حكايات الاحتلال وتصحيح بعض المفاهيم (١٢)
جنّة العثمانلية
عادل جندى
GMT 16:00:00 2008 السبت 13 ديسمبر
تم "فتح" مصر (للمرة العاشرة؟؟!) في يناير ١٥١٧ على يد السلطان العثماني سليم الأول المعروف بحبه لسفك الدماء: ففي سبيل الحكم، حارب أباه السلطان بايزيد ثم قتله بالسم، وقتل إخويه أحمد وكركود ومثّل بجثتيهما!
أرسل سليم جيشا بأعداد لا تحصى مثل الجراد، يحملون أعلاما تقول "إنا فتحنا لك فتحا مبينا" و "نصر من الله وفتح قريب". وكان قبل غزوه لمصر قد أرسل إلى طومان باي، آخر سلاطين المماليك، رسالة مليئة بالسباب والتهديد قال فيها «قد أوحى الله إليّ بأن أملك جميع البلاد شرقا وغربا (..) وأن لا تكون كلمةٌ فوق كلمتي ولا يدٌ فوق يدي، وأما أنت فمملوك تباع وتشترى فلا تصح لك ولاية ولا يجوز لك التسلط على الأحرار...» وختم رسالته بآية
«وما كنّا مُعذِّبين حتى نَبعَثَ رسولا».
وبعد معارك طاحنة انتهت بهزيمة جيش المماليك وقتل وذبح آلاف منهم، راح الجنود العثمانيون ينهبون كل ما يلوح لهم في القاهرة لثلاثة أيام متوالية، وأفحشوا في القتل والنهب والإحراق وعاثوا في البيوت والمساجد وفعلوا بالجامع الأزهر ما لا يحسن. وشُبِّه دخول العثمانيين بدخول هولاكو بغداد. ويوم الجمعة التالي خطب أئمة مساجد مصر والقاهرة للسلطان سليم قائلين: «وانصر اللهم السلطان ابن السلطان، ملك البرّين والبحرين، وكاسر الجيشين، وسلطان العراقين، وخادم الحرمين الشريفين، الملك المظفر سليم شاه».
وبدأت حملة نهب (أشد وأعتى مما حدث مع سابق الحكام بدءا من عمرو بن العاص!) لكل ما هو قيِّم في مصر، ولم يترك سليم في القلعة شيئا لم يأخذه، حتى أعمدة الإيوان، إضافة لأعمدة وأحجار فرعونية من الصعيد. وحُمِلت النهيبة إلى القسطنينية (*)
على آلاف الجمال وأعداد لا تحصى من المراكب. كما جلب أعدادا كبيرة من الحاذقين في المهن والصنايع والتجارة والفلاحين والعمال ليُسَخِّرهم في تعمير بلاده، فلم يقابل أهلُ مصر أعظم من هذه الشدة ولا سُمع بها في التواريخ القديمة. ويذكر ابن إياس أسماء هؤلاء التعساء، وهم من جميع أنحاء مصر، ومن المسلمين والقبط واليهود. ولا شك أن هؤلاء هم الذين بنوا للعثمانيين أجمل عمائرهم التي يفخرون بها، سيّما جوامعهم ومنائرهم وبازاراتهم وغيرها.
وبعد استباب السلطة في مصر، قرر سليم عودة أمراء المماليك الجراكسة لحكم مصر تحت سيطرة العثمانيين، ربما لأنه وجد ذلك أيسر للسيطرة على البلاد. أما العربان الذين كانوا أسهموا في احتلال العثمانيين لمصر (نكاية في المماليك) فقد استمر نفوذهم أيضا وكانت تُرسل لهم مراسيم الإقطاعيات والخلع (القفاطين الحرير)، ولكنهم استمروا في بث الاضطرابات والخراب وقطع طرق القوافل.
(هوامش محقق "تاريخ البطاركة" ج٤ ص ١٠٣ـ١١٥ والكافي ج٢ ص ٦٣٠ وج٣ ص ٣١)
(*) كان السلطان محمد الفاتح قد استولى على القسطنطينية في ١٤٥٣ وأعمل جنودُه في أهلها السيف ودخلوا كنيسة أيا صوفيا، وكان فيها بطرك الروم يصلي وحوله خلق عظيم، فقتلوا كل من فيها بحد السيف ولم يبقوا على أحد. ثم نهبوا وأسروا وأحرقوا في المدينة، وأحرقوا جميع مكتباتها فكان عدد ما أكلته النيران مائة وعشرين ألف مجلد. وبعدها نقل السلطان محمد كرسي مملكته
للفسطنطينية، التي أصبح إسمها الرسمي في مارس ١٩٣٠ "إسطنبول" (تعني باليونانية "المدينة" أو "في المدينة").