أ- ب الهوية المصرية  

نقلا عن: الكتيبة الطيبية - الكاتب: القمص متياس نصر منقريوس

26 هاتور 1725 للشهداء - 5 ديسمبر 2008 ميلادية

زادت موجة التعدي والازدراء بالمسيحية عن الحد الذي لم يسبق له مثيل من قبل، فلم يعد التشكيك بصحة كتابنا المقدس، وإثبات تحريفه قاصراً على البعض ممن لا يقدرون موقف البلاد من الهياج الطائفي الحادث، وإنما انكشف اللثام عن قيادات جامعة الأزهر - وهي جهة حكومية- التي تتزعم ذلك!!


ولم يعد الازدراء والتهكم سمة الصحف المستقلة، وإنما
تورطت فيها الصحف والمجلات القومية (التي تتحدث بإسم الحكومة وتمثل النظام المصري)، ولم يعد التهكم عن المسيحية والمسيحيين يحدث على حرج، وإنما كشفت الآونة الأخيرة عن أن حماة المجتمع "رجال الأمن"، لا يتورعون عن أن يسبوا ويلعنوا علانية الكنائس والمسيحيين.. الخ.


 وفي كل هذا والأقباط في صمت يتجرعون المرارة، وهم سلبيون إلا من الفضفضة بين الأروقة أو الكتمان المصحوب بالأنين من جراء ما يحدث.

أذل الحرص أعناق الرجال 
أما الطامة الكبرى فهي أن هؤلاء
الذين تصوروا في أنفسهم أنهم استطاعوا أن يصيروا وسطاء بين الأقباط (ممثلين في الكنيسة)، وبين رجال الأمن، وكان الأحرى بهم أن يستقطبوا ذلك في تقريب وتوضيح الأوضاع بحقيقتها لهؤلاء الذين تغلغل في كل أروقة مؤسساتهم الفكر الوهابي، واعتبارهم أن هذا الآخر (القبطي) فقط عليه واجبات وإنما ليست له حقوق، فالمعاملة الطبيعية له هي "الذمية". وذهب هؤلاء الوسطاء -لاسيما من الأراخنة- أمام تكشير أنياب أصحاب الكاسكيتة، مذهب استعطاف، أو استجداء الحقوق التي من المفترض أنها حقوق دستورية ومتطلبات المواطنة وأبسط حقوق الإنسان!! فصرنا نرى هؤلاء، يلهثون من أجل تسول تلك المطالب، حتى إذا حصلوا عليها ولو مخفضة، ولو بشكل مهين، صاروا أبطالاً، وصاروا يلتمسون ويتلمسون "رضا" الباشاوات سادة القوم، على حساب الحق.

وليس هذا فقط، بل وفي مقابل حرص هؤلاء القبط -لاسيما العلمانيين منهم- الوسطاء، على ألا يخسروا أحد هؤلاء الباشاوات (مدعين أن هذا لمصلحة الكنيسة فهم يحصلون بسبب تلك الصداقات الواهية المذلة على مكاسب متناسين أن أكبر خسارة تحدث مهما كانت تلك المكاسب حتى ولو بناء كنائس، إننا نخسر ميراثنا من "روح الشهادة للحق" التي ستجعل تلك المئات من الكنائس خاوية من "الحق"، وسيصير ذلك الحق غريباً على أرضه.. ويتساءل الأحفاد ما هو الحق؟! (يو18: 38).

مشروع موحد لبناء دور العبادة 

وكان المستشار محمد جويلي رئيس لجنة الاقتراحات والشكاوى بمجلس الشعب قد تقدم بمشروع "القانون الموحد لبناء دور العبادة"، وأحيل للجنة الإسكان والمرافق بالبرلمان قبل نحو عامين، لكن دون أن يتم عرضه للمناقشة لإقراره، وأرجعت جورجيت قليني سبب الخلافات (التي تتطور أحياناً لاشتباكات بين مسلمين وأقباط)، إلى عدم صدور هذا المشروع. ولم يتسن الاتصال برئيس لجنة الإسكان للتعليق، لكن الدكتورة زينب رضوان وكيلة مجلس الشعب أرجعت سبب تأخر إقرار المشروع إلى ازدحام جدول أعماله بقضايا، بينما قال مصدر بمجلس الوزراء إن إصدار قانون جديد، مقدم من الحكومة، أو من نائب بالبرلمان، يتطلب الكثير من الإجراءات.

 

وقد صرح "رئيس لجنة الإدارة المحلية بالبرلمان"، بمعارضته لعرض مشروع القانون الموحد لدور العبادة لأنه سيثير المشاكل حول ثوابت عديدة، ما هي تلك الثوابت؟

1- مصر دينها الرسمي الإسلام.
2- لابد من الحفاظ على مشاعر الأغلبية!! الوضع الحالي (بدون قانون منظم) أفضل لأنه يراعي أن غالبية الشعب مسلماً.
3- الكنائس والمساجد تبنى بدون مشاكل، ورفض بناء كنيسة يُعد مسألة متعلقة بالأمن القومي المصري والصالح العام!!


 وفي كل ذلك ليس هناك من رؤية مطروحة من قبط مصر، ولا حتى مساهمة - من بعيد أو قريب- في أهم مشروع يحفظ أمن دور عبادتهم!! لماذا؟! هل هو شأن يهم القيادات الدينية فقط؟! (على أي الأحوال من المضار بعدم إصدار مثل هذا القانون؟! هل هناك مضارين غير القبط؟!).

يطالبون ببيت لملك الملوك.. وإنما في ذلة العبيد
غير أنه في غياب تقنين وتشريع لهذا الأمر (بناء دور العبادة المسيحي بمصر)، يجعل الأمر
مأساوي بشكل مهين بين محاولة الحصول – ودياً- على تصريح بالبناء، ثم بعد البناء تصريح باستخدام المبنى، وبالطبع يجب أن يستخدم المنشأ كمبنى خدمات، وتنفى على الفور النية في افتتاح كنيسة خشية من إغضاب "الباشاوات"، وهكذا... وتكون حجة الجهات الأمنية خشية من إثارة الجيران!!! فما هو دور الأمن إذا إن كان لا يقدر على حفظ أمن البلاد وأمانه؟! أم أن الأمر بات على هواه، أن يظل القبط مذلولي الأعناق يطالبون ما ليس لهم فيه حقوق، حتى ولو كانت النصوص الدستورية تنص عليه، وإن كانت العهود الدولية تمنحه لهم بقوة، حتى وإن كان الجميع يتشدق بحرية العقيدة والاعتناق وممارسة الشعائر الدينية!! فالفرق شاسع بين النص والتطبيق!!

وعلى سبيل المثال ما حدث في أحداث كنيسة العذراء والأنبا إبرآم بعين شمس، فلقد اتهم فيها القبط بأنهم يصلون بغير تصريح!!
وهل لو كان هناك تصريح بالصلاة سيغير ذلك من ثورة المسلمين؟! وكيف سيدافع الأمن وقتها عن نفسه أولاً ثم عن منشآت الدولة ثم عن مواطنين مصريين عزل أخيراً؟! ثم تعالوا وقولوا لنا كيف تستخرج تلك التصاريح؟! وممن؟! ومن أين؟! إن لي في الخدمة أكثر من عشرين عاماً، تشرفت بالخدمة في كثير من الكنائس الجديدة، لكنني لم أعرف حتى الآن السبيل إلى هذا الحلم.. التصريح بالصلاة!!

على أي الأحوال.. بات أمر افتتاح الكنائس لغزاً معقداً نجحت في حبكه الجهات الأمنية التي وضعت أنفها حتى في صياغة القانون الموحد المقترح (الجديد) لبناء دور العبادة
ليظل القبطي يرتمي تحت أقدام أسياده ليمنوا عليه ببيت يستخدمه للعبادة (وليست كنيسة ذات قباب ومنارات وأجراس) أسوة بأخيه في الوطن. وكل هذا كوم، ومسالة أن البعض يعتبر أن الأمر منته ويجب التعامل معه على هذا النحو يجعل أحفادنا لن ينعموا أبداً بكنيسة جديدة، أو حتى ترميم كنيسة عتيقة!!! بل لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما صرح أحدهم - برتبة لواء- "انتم عاوزين كنايس تانية تعملوا بيها إيه؟! مش كفاياكم؟!". ولا تعليق.

أما الطامة الكبرى فهي أن تلك الضغوط التي تمارسها الجهات الأمنية، على الكنيسة للخضوع لأوامرها، والرضوخ لتهديداتها، تزيد من حالة الاحتقان التي يعيشها قبط مصر..
فما بالنا بمن يئن تحت وطأة تلك الضغوط وهو يصرخ -إرضاء لأسياده- ألا من مزيد؟!