الجذور ... والبذور(1)

سرح خاطرى طويلا وسبح عقلى الى مشارق الارض ومغاربها, شمالها وجنوبها. وكنت اتساءل لماذا يوجد دول تنعم بالاستقرار والحريه, ولماذا توجد دول أخرى لا تنعم شعوبها بهذه الحريه أوذلك الاستقرار؟

وترامت تأملاتى الى أبعد من هذا. كيف يمكن أن تكون الدول الأوروبيه منقسمه الى شطرين؟ شطر يتمتع بالتقدم والحضاره وشق أخر لا يتمتع بهذه الحضاره أو ذلك التقدم؟

ولم أتردد طويلا حتى وجدت الاجابه. إنها الجذور.

ولا أعنى بالجذور تلك الأصول السحيقه التى تمتد فى عمق التاريخ حتى يومنا هذا. بل الجذور هى كل عمل, كل فرصه, كل مناسبه يمكن أن تكون ركيزه أو نقطة انطلاق ينبع منها نور الحضاره والتقدم.

فلو نظرنا الى الشعب المصرى مثلا وقارناه بالشعب الأمريكى علينا أن نتساءل: لماذا ينعم الشعب الأمريكى بالحريه والديمقراطيه وإبداء الرأى الصريح بأسلوب مهذب؟ فى رأيى أن أمريكا حين تحررت من ربقة الانجليزكانت مجموعه من المهاجرين أغلبهم من الدول الأوروبيه فأمسك بمقاليد الحكم قاده مثقفون أعطوا الشعب الأمريكى حقه فى الديمقراطيه واختيار الحاكم. بل وضعوا دستورا لا يزال حتى الآن نبراسا تسير على هديه السياسه الأمريكيه.

ومن الملاحظ أن هذه السياسه كانت مبنيه على الرأى الحر واحترام الإنسان وعدم تأبيد الحاكم, بل نص الدستور على ألا تمتد مدته أكثر من مرتين. وبذلك يتجدد الدم والفكر والاسلوب.

وهكذا نشأ الشعب الأمريكى ونمت معه الديمقراطيه فى تناسق وانسجام وترسخت فى أذهان الأجيال المتعاقبه احترام القانون واحترام الدستور واحترام العادات المتوارثه حكاما ومحكومين. ولرسوخ هذه الأسس والتقاليد والاعراف والقوانين, ظلت ثابته عبر ما يربو على قرنين من الزمان.

ورغم أن أمريكا دولة مهاجرين الا أن هؤلاء المهاجرين ما لبثوا أن ذابوا فى المجتمع الأمريكى واكتسبوا التقاليد والاعراف الأمريكيه الراسخه الا فيما يتعارض مع القيم الاصليه للمهاجرين أو إن شئنا الدقه فيما يتعارض مع الاخلاق الاصليه لهؤلاء المهاجرين.

معنى ذلك أن الفضل يرجع الى الرعيل الأول الذى أسس البناء الأمريكى على أسس سليمه سواء كانت اقتصاديه أو سياسيه أو قضائيه. وأهم ما فى الأمر أن الرعيل الأول احترم الشعب وأعطاه حقه من الحريه فكانت النتيجه أن تبادل الحكام والشعب الاحترام وكلاهما يتفاعل تحت مظلة القانون.

بذلك ترسخت جذور الحضاره فأصبحت شجره باسقه وارفة تفئ بظلالها على أرض الوطن جيلا بعد جيل وحقبة بعد حقبه. وهكذا أصبحت أمريكا التى نشاهدها الآن, والفضل فى ذلك يرجع الى الرعيل الأول الذى غرس بذور الحضاره والديمقراطيه واحترام القانون والدستور.
وحين تحررت أمريكا من الاستعمار البريطانى فى الرابع من يوليو سنة 1776 (قررت أمريكا الاحتفال رسميا بهذا التاريخ سنة 1781), كانت قد تواكبت معها الثوره الفرنسيه والتى بدأت عام 1787وبلغت ذروتها عام 1789).

قامت الثوره الفرنسيه كما هو معروف على مبادئ ثلاثه وهى الحريه والاخاء والمساواه. ومنذ ذلك التاريخ ترسخت مبادئ الديمقراطيه وحكم الشعب بالشعب. ورغم أن الشعب الفرنسى كان يرزح ويئن من الظلم والحرمان الواقعين عليه إلا أن الرعيل الأول من الحكام احترم مبادئ الثوره الفرنسيه. فأصبحت تلك المبادئ بذورا ما لبثب أن امتدت جذورها فى الحياة السياسيه والاجتماعيه فنعم الشعب الفرنسى بالاستقرار والحريه بل وامتدت جذورها حتى شملت كل الدول التى تتمثل بها أو تتعلم منها.

ولو قارنا تلك الشعوب بالشعوب التى حرمت من تلك المزايا مزايا الحريه والديمقراطيه مثل الاتحاد السوفييتى مثلا, لادركنا مدى تأثير الحريه على شخصية المرء وما يتبع ذلك من عمل وانتاج. حدث أن تقابلت فى أحدى المناسبات فى مكان ما مع شخص روسى, وأردت الحديث معه ولكن لم أر منه سوى النفور. فهو يخاف من كل انسان, وليس فى نفسه ثقه, يل وينفر من الاشتراك فى أى حديث. أدركت فى التو أن هذا ليس سوى انعكاس من أسلوب القهر الذى عاش فى ظله عدة عقود. بينما اذا تحدثت مع أمريكى, فرنسى, بريطانى مثلا بادلك هذا الشخص الحديث وتشعر مدى الانطلاق الذى يتحدث به وروح الحريه والبساطه التى تنطلق من ثنايا كلماته.

وهنا يتعين المقارنه بين الثورات الامريكيه والفرنسيه وما ترتب عليها من تفجير لمبادئ الحريه والمساواه, وما حدث فى مصر بدءا من سنة 1923 حين وضع الدستور المصرى للمرة الاولى. كان واضعوا الدستور مجموعه من خيرة رجال مصر المثقفين ولكنهم كانوا من أكبر اغنيائها.

هؤلاء الاغنياء والاقطاعيون لم يضعوا أية أسس موضوعيه أو عمليه لكل فئات الشعب. ورغم أن أغلبهم قد تعلم فى الخارج وشاهدوا كيف يعيش الفلاح والعامل , الا أنهم استهانوا بكل الحقوق الانسانيه للفلاح والعامل. ورغم أن دستور سنة 1923 كان قد وضع بعد أن ترسخت الدساتير الديمقراطيه فى فرنسا وأمريكا , الا أنهم كيّفوا الدستور وطبقوه إما حسب مصالحهم الخاصه والتى تقتضى استغلال الفلاح والعامل أسوأ استغلا ل, إما لنعره دينيه لم يكن لها معنى. ومن الغريب ان الذين تمسكوا بتلك النعره الدينيه هم المسيحيون الذين صمموا على النص على أن "دين الدوله الاسلام". ولم يكن ذلك النص الا لمجاملة زملائهم المسلمين لا أكثر. وهكذا كانت مصائر الشعب المصرى محل مجامله دون موضوعيه ودون علمانيه مثل باقى الدساتير التى سبقت مصربعد صراع طويل ومرير من أجل الحريه خاصة الحريه من ربقة رجال الدين.

والبادى أيضا أن تغاضى النص على أية حقوق بالنسبه للفلاح أو العامل كانت من باب المجامله للاقطاعيين, على ذلك كان استغلال كل من الفلاح والعامل أستغلالا غير انسانى.

يحضرنى هنا قصه ذكرها لى صديق أثق فيه كل الثقه. كان مأمور ضرائب وحدث أن كان مدعوا على مائدة أحد الاقطاعيين. وبعد تناول ما لذّ وطاب من الاطعمه أمر صاحب الدعوه الالقاء بباقى الطعام فى القمامه. وذكر أنه يخشى أن يرسل هذا الطعام للفلاحين حتى لا يعتادوا عليه. ورغم أنى دهشت جدا لهذا المسلك غير الانسانى, إلا أنى صدقته لانه كان النظام السائد فى مصر.
أما الحياة النيابيه فكانت مبنيه على المهاترات والنزاعات غير المنطقيه ولم تكن تستهدف الا الى الاستئثار بالحكم والسلطه أو المصالح الشخصيه. فكانت المهاترات الحزبيه هى قوام الحياة السياسيه.

لم يحاول هؤلاء الرواد أن يتمثلوا بالدول الديمقراطيه مثل أمريكا وفرنسا وانجلترا فى أن تكون المناظرات البرلمانيه موجزه وفى صلب الموضوع أو مبنيه على الاحترام بعيده عن الصراعات الشخصيه أو المصالح الذاتيه.

شاهدت مره على النت مناظره بين مارجريت تاتشر ومعارضيها فى مجلس اللوردات, فكانت كل كلمه أو تعليق لم يتجاوز دقيقتين على أكثر تفدير. وفى المقابل فقد كانت المناظرات البرلمانيه فى مصر عرضا لامكانية الخطابه والبلاغه. فمثلا كان صدفى باشا خصما للوفد. فقال مكرم عبيد "قلت الصدق فكذبتمونى وقلت الكذب فصدقتمونى, اذن فليحيا كذبى ويسقط صدقى". كانت هذه العباره عرضا رائعا للبلاغه ولكنها لم تناقش شيئا من هموم الشعب المصرى أو مصالحه.

ولعل ذلك الاسلوب كان تقليدا لبعض الساسه البريطانيين, فقد كان فى مجلس العموم سياسى خطير ومعروف. واذا باحد خصومه يقابله فى ممر القاعه فقال له الخصم أفسح الطريق فانا لم أتعود أن أفسح الطريق للأوغاد, واذا بذلك السياسى المحنك يرد قائلا فى منتهى الادب وبانحناءه جعلت من جسمه زاويه قائمه "أما أنا فتعودت". مع ذلك فقد كان ذلك استثناء. ولكن الحقيقه أن الحياه البرلمانيه فى انجلترا وغيرها من البلدان المتقدمه حياه ملؤها الثراء الفكرى والعملى والانتاج لمصلحة الشعب ورفاهيته.

ومثلا حين كانت انجلترا لا تغرب الشمس على امبراطوريتها كانت دوله قويه. وحين انكمشت فكرة الاستعمار طبقا لقرارات مجلس الامن كنت أترقب ماذا سيحدث لانجلترا بعد ذلك الانكماش. واذا بانجلترا تحتفظ بمكانتها الاقتصاديه على الاقل بل وتفتح أبوابها للهجره ولم تهدد ولو للحظة واحد بالانهيار. ذلك لأن البنيه التحتيه بنيه قويه. إحقاقا للحق, إنها دول خلقت لتعيش. ومما يجدر ذكره أن الانجليز شعب متمسك جدا بديانته البروتستانتيه لدرجة التعصب, ولكنه يطلق حرية العباده لكل المهاجرين.

كما أن دستور سنة 1923 كان مبنيا على النفاق, فقد أعطى للملك الحق فى حل البرلمان فى أى وقت حتى أن بعض الحكومات لم تكن لتستقر أكثر من أسبوع قبل قيام الثوره.

ومن أكبر الأخطاء التى ارتكبها ذلك الرعيل الذى وضع دستور سنة 1923 أن المسيحيين تمسكوا بوضع النص القائل "دين الدوله الاسلام". وحتى لا يفهمنى أحد فهما خاطئا فإن هذا النص كان قد ورد بينما الدول المسيحيه بدأت فى هجر فكرة اقحام الدين فى القوانين الوضعيه وتتجه بل اتجهت بخطى واسعه تجاه العلمانيه.

بذلك, لم يحاول أحد من واضعى دستور سنة 1923 من الاستفاده من الممارسات الأوروبيه أو الأمريكيه.

ومن أخطر الأمور أن القانون بل والدستور فى كثير من الأحيان لم يكن يطبق على علية القوم. من هنا انتشرت وترسخت روح الاستعلاء على القانون والاحساس بالنفوذ والقوه. فأصبح القانون كما لو كان قد شرع لفئة دون أخرى. ومن ثم اصبح هناك ساده ومسودون وبالتالى أحرار وعبيد. وإن لم تكن العبوديه بالمعنى التقليدى الا أنها نمت بالمعنى الادبى.

وهكذا ... نمت واستمرت روح السلطه والسلطان والنفوذ فترسخت فى المجتمع المصرى فئتان: فئة الحكام أصحاب السلطه والنفوذ والاستعلاء , وفئه لا تملك الا الطاعه ليس لها سلطه أيا كانت حتى تلك السلطه الصوريه الممنوحه لها بواسطة الدستور الا وهى التصويت أصبحت سلطه صوريه حبرا على ورق وأصبحت الحكومه القائمه هى صاحبة الحق الوحيد فى فرز الاصوات أو تزويرها بمعنى أصح. أما المواطن فأصبح ينظر الى هذا التزوير الذى يتجاهل بالضروره حقيقة صوته ووزنه نظرة يأس أو نظرة سخريه أو نظرة استياء وفقدان للثقه.

أمام تلك الحقائق المريره, نمت فى الشعب روح الانهزاميه وتملكه مركب النقص. فحاول أن يقنع نفسه بما هو قائم, ومن ثم نمت فى المجتمع روح الرياء والنفاق والتملق.

نمت وترسخت تلك المفاهيم بين الجميع وأصبح صاحب السلطان يزداد نفوذا وأصبح المحكوم يزداد انكسارا.

كانت النتيجه الطبيعيه أن دب الفساد فى الحياة السياسيه فأصبح التزوير كما سبق القول هو الذى له القول الفصل فى الحياة السياسيه الا اذا استثنينا انتخابات واحده فاز فيها حزب الوفد رغم الحمله الاعلاميه التى شنت ضد الوفد. وكان ذلك قبل الثوره ببضعة شهور.

فى ظل هذا المناخ منذ وضع الدستور وحتى نهاية الحكم الملكى لم نشهد ما نشاهده الآن فى الدول الغربيه , وكيف أن الممارسه الديمقراطيه تنمو فى احترام, وكيف أن الدستور والقانون يحترمهما الكبير قبل الصغير. وإن واقعة الرئيس نيكسون الذى اكتشفت مخالفته الدستوريه كيف أجبر على الاستقاله.

أقول لم يتعلم الشعب فى مصرمنذ وضع دستور 1923 كيف تمارس الديمقراطيه بل كان كل حاكم وكل حكومه لا تبحث الا عن مصلحتها واطماعها أولا. مما زاد سخط الشعب وتمرده فى كتمان وصمت لا يملك سواهما.

وهكذا فشل الرعيل الاول فى تطبيق الدستور تطبيقا سليما على الأقل على علاته كما فشلت الحكومات المتعاقبه فى وضع بذور الممارسه الديمقراطيه السليمه لأن تلك الحكومات قد استرشدت بالماضى فكانت النتيجه أن ضاع الطريق بين الحاكم والشعب.

والبقيه فى العدد القادم.
حنا حنا المحامى
Hannalaw10@gmail.com 
(يوليو 2008)