الكتاب

44523 ‏السنة 133-العدد 2008 اكتوبر 30 ‏30 من شوال 1429 هـ الخميس

احكم بالعدل ياقاضي
بقلم‏:‏ د‏.‏قدري حفني

استوقفتني طويلا مقولة ابن تيمية ان الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة،‏ ولاينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة لقد كنت منشغلا دوما ومازلت بقضية العدل ومن المسئول عن ضمانه اذا ما تباينت المصالح والرؤي؟ هل هو القاضي؟ أم الحاكم؟ أم المشرع؟ وسمعت منذ طفولتي هتافات من نوع يحيا العدل واهازيج تردد احكم بالعدل ياقاضي قدامك مظاليم،‏ ورأيت شعار العدل اساس الملك،‏ يرتبط بمنصة القضاء،‏ وبدأ لي والأمر كذلك ان القضاة هم المسئولون عن ضمان العدل بين الناس ومن ثم عن نصرة الله للدولة‏.‏

ومضت الأيام لالتقي في رحاب المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ثم في رحاب مكتبة الاسكندرية بعدد من فقهاء القانون في بلادنا ومن خلال محاوراتي العابرة معهم اتضح ان القاضي عندما يحكم فانه انما يحكم وفقا لنصوص القانون فحسب،‏ وان نقض الاحكام لايكون لشبهة ظلم بل لشبهة خطأ في قراءة وتطبيق نصوص القانون الذي يفترض فيه العدل بصرف النظر عن رؤية القاضي لنصوصه‏.‏

لقد انتهي زمن الحاكم الذي يتولي جميع مهام إدارة شئون الدولة بما فيها مهمة استنباط القوانين والحكم وفقا له،‏ ومع تعقد المجتمعات وتزايد السكان وظهور الدولة القومية الحديثة وبروز حقيقة ان العدل أمر نسبي تختلف معاييره في المجتمع الاشتراكي عنها في المجتمع الرأسمالي أو المجتمع القبائلي،‏ ولم يعد ممكنا ان يترك الأمرللقضاة ليحكم كل منهم بالعدل وفقا لقناعاته الفكرية أو السياسية أو العقائدية،‏ بل اصبح علي القاضي ان يحكم وفقا لنصوص القانون فحسب،‏ ان تستمد تلك النصوص شرعيتها من الدستور الذي يقره الشعب،‏ وان المجلس التشريعي المنتخب هو المنوط وحده بترجمة مواد الدستور إلي قوانين يلتزم بها دون سواها القضاة في احكامهم‏.‏

استعدت ذلك كله حين صدمني ما قرأته مؤخرا من أن احد قضاتنا رفض شهادة مواطن مسيحي،‏ وان تلك الواقعة تحدث للمرة الثانية خلال العامين الأخيرين،‏ ورغم ان الخبر كان محل عدة تعليقات صحفية،‏ فلم نسمع له نفيا أو تفسير،‏ بل ساد ذلك الصمت الخبيث المريب الذي الفناه في العديد من مثل تلك الظواهر،‏ ولست ادري إلي اين سوف يمضي بنا ذلك الصمت وقد تجاوزت شبهة التمييز الطائفي حدود الشوارع والكنائس والمساجد دور التعليم وأجهزة الاعلام لتصل إلي بعض القضاة ولا اجرؤ علي القول أنها وصلت إلي القضاء‏.‏

لقد ظننت في البداية انني قد اسأت فهم أو تفسير ما ترامي إلي سمعي خلال تلك الاحاديث العابرة التي اشرت إليها مع عدد من فقهاء القانون الثقاة،‏ وتوجست ان تكون اشارة الدستور إلي مباديء الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع تعطي للقاضي الحق في اصدار احكامه مستندا مباشرة إلي رؤيته للشريعة الإسلامية وتفسيره له،‏ ومن ثم يصبح تساوي المواطنين امام القضاء قاصرا علي المواطنين المسلمين دون غيرهم،‏ أو ان ثمة نوعا خاصا من القضايا لاتقبل فيه شهادة المسيحي،‏ وعدت مرة أخري لسؤال اثنين من ابرز فقهاء القانون في بلادنا فاذا بهما يؤكدان ان المرجعية الوحيدة لاحكام القضاء هي نصوص القانون،‏ وان الجهة الوحيدة التي لها حق صياغة وتعديل القوانين هي مجلس الشعب المنتخب،‏ وانه اذا ما كان ثمة اشكالية في عدم اتفاق مادة من مواد القانون مع مبدأ دستوري،‏ أو أن ثمة تناقض بين مادتين دستوريتين،‏ بالمرجع الوحيد في حل تلك الاشكالية ورفع ذلك التناقض هو المحكمة الدستورية العليا دون سواها‏.‏

ويبقي سؤال‏: من المسؤل في النهاية عن تقييم موقف ذلك القاضي ومحاسبته اذا كان مخطئ،‏ أو اعلامنا اذا كان مصيبا؟ وماذا عن شعور ذلك المواطن المصري المسلم احمد شفيق احمد رمضان حين ينظر في عيون جاره وصديق عمره المصري المسيحي الشهم سامي كمال فرج الذي هب لنجدته امام المحكمة فاذا بالقاضي يرفض شهادته بسبب ديانته؟ وماذا عن شعور ذلك المواطن المصري المسيحي الذي حاول بصدق وربما بدون تعمد ان يجسد تلك الوحدة الوطنية بتكبده مشقة الوقوف امام المحكمة لمساندة جاره وصديقه المسلم فاذا به يرد علي اعقابه خاسئا؟ تري هل سيصدقنا اذا ما ظللنا نصرخ ليل نهار اننا جميعا متساوون امام القانون،‏ وان الوحدة الوطنية هي صمام الأمان لهذا الوطن؟ وماذا لو فكر متهم مسلم في رد قاضيه باعتباره مسيحيا لا ولاية له علي المسلمين؟

الا يكفي ذلك لاثارة قلق يدفع بمسئول في وزارة العدل أو في مجلس الشعب أو المحكمة الدستورية العليا ليضع النقاط علي الحروف فيرد لنا جميع كرامتنا وطمأنينتنا؟ أو ان يعلن صواب موقف ذلك القاضي فيريحنا من شق حناجرنا بهتافات الوحدة الوطنية،‏ وليبحث كل منا عن جيران في السكن والعمل بل وفي جميع انشطة الحياة ممن يشاركونه عقيدته،‏ ولنحاول ان نولي ظهورنا لتاريخ بل تواريخ امتزجت فيها دماء ابناء هذا الوطن دفاعا عن حدود الوطن واستقلاله‏.‏