ستون عاما على الإعلان العالمى لحقوق الإنسان

تحديات تواجه العالم

مجدى خليل

فى العاشر من ديسمبر 1948 وقعت الدول 58 أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة  فى قصر شايو بباريس على الإعلان العالمى لحقوق الإنسان كأول إعلان أقرته البشرية بصفتها كيانا منظما ، ولم تصوت ضده أى دولة، وأمتنعت 8 دول عن التوقيع ،وهى دول الستار الحديدى الشيوعى السابق، ودولة الفصل العنصرى السابق فى جنوب افريقيا، ودولة الحكم الدينى فى المملكة العربية السعودية ،معللة ذلك بتعارض الإعلان مع الشريعة الإسلامية ( لاحظ ، هذا اعتراف خطير بان حقوق الإنسان تتعارض مع الشريعة فى حين أن جلد الإنسان يتوافق مع هذه الشريعة، الا يمثل ذلك اهانة للدين بوضعه فى تعارض ومواجهة مع القيم الإنسانية المشتركة)، وفيما بعد تحفظت السعودية على معظم مواثيق حقوق الإنسان الدولية بنفس الحجة، وهو ما يجعلها تتصدر قمة الدول التى تعادى حقوق الإنسان.

فى سنة 1989 تنفس العالم الصعداء بسقوط دول الستار الحديدى ونهاية الحرب الباردة بما مثلته من منازعات دولية وإستقطاب دولى حاد على حساب حقوق الإنسان،وقبل ذلك سقط نظام الفصل العنصرى فى جنوب افريقيا.وتجددت الآمال فى تفعيل المواثيق الدولية وتجديد آليات العمل الحقوقى الدولى، ولهذا تعتبر الفترة الممتدة من عام 1990 إلى عام 2000 من أكثر الفترات خصوبة فى نشاط حقل حقوق الإنسان سواء على مستوى المجتمع المدنى أو على مستوى العمل الدولى الرسمى عبر الهيئات الدولية، وقد صدرت عشرات المواثيق والإتفاقيات والإعلانات الدولية والشروحات المكملة فى هذه الفترة منها على سبيل المثال: إتفاقية حقوق الطفل عام 1990، إعلان بشأن القضاء على العنف ضد المراة عام 1991، إعلان حماية الأقليات 1992،إعلان حماية جميع الاشخاص من الإختفاء القسرى عام 1992،النظام الأساسى لمحكمة يوغسلافيا 1992، إعلان فيينا 1993، النظام الأساسى لمحكمة رواندا 1994، نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية 1998، إعلان اليونسكو بشأن التنوع الثقافى 2001، إعلان الالفية الذى تبناه رؤساء الدول فى قمة الالفية فى 8 سبتمبر 2000 وشمل إلتزامات واسعة ومتعددة بشأن الحرية والعدل والمساواة والتنمية وحقوق الإنسان.

ولكن بعد عام واحد من إجتماع رؤساء الدول فى قمة الالفية هزت العالم أحداث 11 سبتمبر المروعة، وقد مثل هذا الحدث إعلانا صريحا عن توحش الإرهاب الدولى وعالميته ،ونقطة تراجع كبيرة فى حقوق الإنسان وحرياته فى اطار الحرب الجديدة على الإرهاب. ولم تساهم هذه الحرب الجديدة فى تراجع الحريات والحقوق فحسب ولكنها أثرت سلبا كذلك على موجة الديموقراطية التى بدأت بعد سقوط الاتحاد السوفيتى .ولم تعد الحروب والإستبداد السياسى والاقتتال الاهلى هى العوائق أمام حقوق الإنسان فحسب ولكن ظهرت تحديات جديدة صاحبت العولمة والحرب الدولية على الإرهاب ويأتى فى مقدمة هذه التحديات:

 التحدى الأول : عولمة الإرهاب الإسلامى
استمعنا على مدار سنوات إلى مئات التعليقات الصادرة من الدول الإسلامية تتباكى فيها على تراجع الحريات فى الغرب فى إطار الحرب الدولية على الإرهاب ، وللاسف تصب الكثير من هذه التعليقات فى إطار تبرير الإرهاب ذاته، نعم هناك مشكلة يواجهها العالم فيما يتعلق بتراجع الحريات والحقوق نتيجة للإجراءات المتخذة فى اطار هذه الحرب، ولكن هناك مشكلة أكبر كانت السبب فى كل ذلك  وهى توحش الإرهاب الإسلامى وإنتشاره بشكل مخيف وبطريقة عدمية كارهة للحياة عبر معظم بقاع الكرة الارضية. الإرهابيون هم نتاج ثقافة تمجد الموت وتعادى الحياة،ألم يقل اسامة بن لادن "نحن قوم نعشق الموت وانتم قوم تعشقون الحياة"، إنهم يتلذذون بالوضوء بدماء القتلى وبرؤية الدماء تتطاير من رقاب العباد ، وكما وصفهم الشاعر على جمعة " صلاتهم فحيح وقبلتهم الخراب"، ثقافة تشيع الجهل والتعاسة والخوف والكراهية وتحرض على الموت والخراب والدمار، ثقافة تسعى لعالم ظلامى تسود فيه الفوضى والقتل والخراب والبغض والحقد، ثقافة تتلذذ وتفتخر برؤية انقاض المبانى الفاخرة وجثث البشر وهى مشوهة وتستمتع بسماع صراخ وعويل الأمهات والأطفال والثكلى، ثقافة تشيع كل الشرور ضد الإنسانية وضد الخير والحق والجمال.

هذه الثقافة هى التى انتجت أفكارا هدامة أخذت تتحرك من دولة إلى دولة حتى أصبح لها اتباع فى معظم دول العالم مستعدون للتفجير والتخريب والقتل، إنهم يعملون ضد أهم الحقوق الإنسانية وفى مقدمتها الحق فى الحياة.إن هذا الإرهاب يعد اكبر واصعب التحديات التى تواجه حقوق الإنسان وحياة الإنسان، ماذا يستطيع العالم أن يفعل أمام مجموعة من الإنتحاريين على إستعداد لتدمير وتفجير مقومات الحياة الإنسانية كما حدث فى مومباى مؤخرا؟ ماذا يستطيع العالم أن يفعل أمام شخص حول جسده إلى قنبلة بشرية؟ ماذا يستطيع العالم أن يفعل أمام جماعات حولت ثمار التكنولوجيا المتقدمة إلى ادوات للقتل والتخريب والدمار؟ ماذا يستطيع العالم أن يفعل لمن يتربصون بالحياة الإنسانية لتدميرها.

 التحدى الثانى: الدول الفاشلة والاقاليم الفاشلة داخل الدول
من التحديات  الجديدة التى تواجه حقوق الإنسان والامن والسلم الدوليين ظاهرة الدول الفاشلة مثل السودان وافغانستان والصومال ولبنان واليمن، والتى أصبحت ملاذاً آمنا للإرهاب الدولى وللعصابات الدولية الخارجة على القانون، ومصدرا للكثير من الجرائم الدولية. والمشكلة أن هذه الدول الفاشلة فى تزايد مستمر بدون إرادة دولية لمساعدتها على الاستقرار أو لإعادتها إلى احضان المجتمع الدولى. وهناك داخل الدولة الواحدة اقاليم يمكن أن يطلق عليها " اقاليم فاشلة" وهى خارجة بشكل كبير عن سيطرة الدولة المركزية مثل منطقة القبائل الباكستانية المتاخمة للحدود مع افغانستان.

التحدى الثالث: الجماعات التى تشكل دولة داخل الدولة
الظاهرة الجديدة الأخرى أيضا التى تهدد حقوق الإنسان والسلم الدولى هى ظاهرة الجماعات الخارجة على سلطة الدولة أو المسيطرة  فعليا على الدولة أو التى تشكل شبه دولة مستقلة داخل الدولة، وهى جماعات تتصرف كدولة ولكنها لا تخضع للقواعد التى تحكم العلاقات الدولية ولا للقانون الدولى وابرز الأمثلة حماس فى غزة وحزب الله فى جنوب لبنان. ومثل الدول الفاشلة لا توجد حتى الآن قواعد دولية للتعامل مع هذه الجماعات أو لاخضاعها للقانون المدنى أو الدولى أو لدمجها سلميا داخل الدول.

ولا تشكل الدول والاقاليم الفاشلة أو الجماعات التى تمثل دولة داخل الدولة فقط مصدرا لإنتهاك حقوق الإنسان ، ولكن  أيضا تشكل معضلة أمام النظام الدولى باسره لم يتوصل حتى الآن لطريقة فعالة للتعامل معها.

 التحدى الرابع: الدول الإسلامية التى ترفض منظومة حقوق الإنسان
التحدى الاكبر الذى يواجهه المجتمع الدولى مع الدول الإسلامية ليس فقط إستخدام المتطرفين للدين الإسلامى كمبرر للإرهاب ولابشع أنواع الجرائم ضد الإنسانية، ولكن فى وجود تيار كبير داخل الدول الإسلامية يرفض منظومة حقوق الإنسان برمتها، إما للإدعاء بأنها أدوات غربية للسيطرة عليهم، أو بالقول أن حقوق الإنسان بشكلها المعاصر تتعارض مع الدين وتخالف الشريعة وأنهم لا يعترفون إلا بالحقوق المقررة من الدين.

وفى محاضرة بمناسبة الذكرى الستين للإعلان العالمى لحقوق الإنسان قال وزير العدل الفرنسى السابق روبير بادينتر "هناك دول تندد بحقوق الإنسان لاعتبارها تعكس رؤية غربية وتشكك فى طابعها العالمى، وهناك تيار إسلامى يعتبر أن حقوق الإنسان هى نتاج فكر دينى منزل".

وقالت الناشطة الايرانية شيرين عبادى الحاصلة على جائزة نوبل للسلام عام 2003  "معظم الحكومات الإسلامية غير الديموقراطية تقول أن مبادئ الإعلان العالمى لحقوق الإنسان تستند إلى المعايير الغربية"، وقالت " إن النظم الإسلامية الإستبدادية استغلت الدين لتعزيز سلطتها"، واضافت "إن أى انتقادات لإنتهاكات حقوق الإنسان فى هذه الدول تعامل كإنتقاد للدين نفسه ويتهم المدافعون عن حقوق الإنسان بالهرطقة".

ومن جانبه قال الكاتب النيجيرى وول سوينكا الحاصل على جائزة نوبل فى الادب عام 1986  " من يفرضون الحقيقة المطلقة، المتعصبون فى عصرنا فى العالم الإسلامى مسئولون عن اراقة الدماء وعن قهر الافكار التى لا تتفق مع أفكارهم"، وقال سوينكا " لقد فرضوا الخصوصية على الأمم المتحدة، مما يعنى أن الدول غير الإسلامية عليها أن تقبل أساليب بربرية مثل جرائم القتل للدفاع عن الشرف كامور يبررها العرف" وواصل " أن الدول الغربية تخشى الأقليات الإسلامية عالية الصوت بما يبرر تقويض أو رفض الطابع العالمى لحقوق الإنسان... يقولون ثقافتنا لا تسمح بالمعارضة او بالآراء الأخرى مما يعنى إنتهاء الجدل... فهم يقولون ان ثقافتنا مختلفة وتقاليدنا مقدسة".

الخطورة أن تنامى هذا التيار يعنى القطيعة مع العالم، والتمرد على القانون الدولى والتعاون الدولى، ومعاداة العمل المشترك، ثم الصدام مع الثقافات الأخرى المخالفة.

وهذا تحدى كبير وجديد، فما هى الوسيلة لاقناع هؤلاء باهمية التعاون الدولى وحقوق الإنسان لهم ولغيرهم؟، وما هى الطريقة لإدماجهم فى منظومة العمل الدولى؟، وكيف يستطيع النظام الدولى معاقبة حكام هذه الدول المستبدين وهم يعلمون انهم يملكون مفتاح تهييج الرعاع باستخدام الدين؟ وماذا لو اتسع هذا التيار وسيطر على دول باكملها كما حدث من قبل فى السودان وافغانستان والصومال وايران؟ وكيف السبيل لمعالجة هذا المأزق الدولى؟.

 وأخيرا: التأثيرات السلبية للسياسة على حقوق الإنسان
ويبقى التحدى المزمن هو التأثير السلبى للسياسة على حقوق الإنسان وعلى العدالة الدولية،فقد تغلبت السياسة على العدالة واعفت معاهدة لوزان 1923 المجرمين الأتراك من مسئولية إبادة الأرمن رغم ان لجان التحقيق الدولية أدانتهم، وفى سنة 1994 ترك العالم مأساة رواندا تتفاقم فى هذه المنطقة البائسة ، وكانت الإعتبارات السياسية هى الاقوى وراء ضرب يوغسلافيا وتدمير بنيتها الأساسية وقوتها العسكرية، وتغاضى العالم لعقود عن ما يحدث من النظام السودانى ضد الجنوب والذى راح ضحيته الملايين واغتصبت السيدات وبيع الناس كعبيد فى الاسواق، وفى مسألة دارفور يمارس مجلس الأمن سلطة سلبية على المحكمة وفقا لسلطاته، ويحاول الرئيس ساركوزى مساعدة البشير للإفلات من العقاب بتسليمه عدة افراد للمحكمة، وفى الصراع الفلسطينى الإسرائيلى الإنتهاكات شبه يومية من مختلف الأطراف والسياسة دائما تقوض البحث عن حلول عادلة للقضية، والعالم لا يتحرك حاليا أمام التطهير العرقى والدينى والتهجير القسرى للمسيحيين فى العراق، ولا ضد الإضطهادات التى تقع على مسيحى الشرق ومحاولة تفريغ المنطقة منهم رغم إنهم يمثلون سكان البلاد للاصليين، والعقوبات الدولية تتأثر بشكل كبير بالاعتبارات السياسية، وكثيرا ما استخدم حق الفيتو فى مجلس الأمن لتكريس المظالم ومناهضة العدالة، والنظام الدولى برمته يحتاج إلى إعادة صياغة من أجل أن يكون أكثر عدالة وتأثيرا فى مسألة حقوق الإنسان حيث تحدث الإنتهاكات بشكل يومى بدون تحرك جدى أو آلية فعالة لوقف هذه الإنتهاكات أو معاقبة المسئولين عنها.

إن التحديات التى تواجه العالم كثيرة ونحن نحتفل بالذكرى الستين للإعلان العالمى لحقوق الإنسان..والمسألة تحتاج إلى نضال طويل من أجل إقرار هذه الحقوق التى تضمنها هذا الإعلان الملهم للبشرية.

Magdi.khalil@yahoo.com
www.amcoptic.com