الام ايمانوئيل في مزابل القاهرة
رفعــت بدر

GMT 5:45:00 2008 الأحد 2 نوفمبر

هل كنا بحاجة الى راهبة بلجيكية – فرنسية، لتأتي الى القاهرة وتعيش على مزابل الفقراء، وتعتني بالمشردين ؟ لا نخوض هنا ما تقوم به السلطات المصرية للتخفيف من معاناة فقرائها، والحد من ظاهرة القاطنين في المزابل. فالاخت ايمانوئيل المولودة عام 1908 وتوفيت قبل أيام، وندعوها اليوم بالأم، نظرا لما قامت به على مدار قرن الا نيف، في النضال من أجل الفقراء، لا بثورات مسلحة، ولا بأبحاث جامعية للحد من الفقر وتقليص أعداد الفقراء، وانما بشهادة المحبة، والعطاء المجاني بلا حدود، وتعريض الذات للأمراض والمخاطر والفقر الاختياري، قد تركت، بيتها وعشيرتها وبلدها، لتقدم صورة زاهية لما يجب أن يكون عليه الدين والتدين السلم المنفتح المعطاء. وحطت الرحال، بعد أن ارتدت ثوبها الرهباني، في القاهرة، تهتم بالاطفال والعائلات التي تعيش على مزابل عزبة النخل في ضواحي العاصمة القاهرة.

وفي تلك الظروف القاهرة في القاهرة، سطع نجم ايمانوئيل، ومعنى اسمها، الله معنا، من القرن العشرين، كما كان نجم الام تريزيا يسطع في الهند، وكما كان نجم الابي بيير يسطع في فرنسا، مدافعا عن الأشخاص ذوي اللا ملاجئ اللا سكن اي المشردين في الشوارع الذين لم يجدوا سوى حضن الاب بيير. ايمانوئيل وتريزا وبيير، كلهم انتقلوا من هذه الحياة الفانية، في العشر سنوات الأخيرة، ليلاقوا وجه ربهم الذي كرسوا له نفوسهم، واعتزلوا من العالم مكانا قصيا، في أحد أديرة العالم، ليخرجوا منه الى دير العالم الفسيح، مكرسين كل حياتهم، لخدمة القريب، واي قريب ؟ انه أي انسان نهشته الحياة بأنيابها ورمته في شوراع كلكتا أو مزابل القاهرة أو شوراع باريس، البعيدة عن أضواء الشانزليزيه ومباهج برج ايفل...

لماذا يقوم رجال الدين اليوم بهذه الأعمال ؟ يدفعهم الى ذلك الانجيل الذي يدعو الى المحبة والى اقران الايمان بالاعمال، أو، كما يقول القديس بولس : مسلحين بالايمان العامل بالمحبة. الانجيل هو الاساس، وهو المنبع الذي يتخذ منه رجل الدين أن يذهب الى خدمة الانسان في كافة مواقع ضعفه وفقره ومعاناته. ونقول هنا الانجيل، ولا نقصد به الفروقات بين الأديان، فالانجيل يعلم التوحيد والايمان بالله الواحد، وان اختلفت بعض الصيغ والتعابير الايمانية واللاهوتية عن الاديان الأخرى وبخاصة الاسلامية واليهودية. الايمان بالله الواحد هو الذي يوحد البشر ويجعلهم يعملون معا من أجل خدمة الانسان، وبخاصة الفقير والطفل والمحروم والمنسي الا من عين الله والا من قلب الله الرحمن الرحيم.

والى جانب هذا المنطلق أو الدافع الروحي، هنالك المنطلق الانساني، وتحسس معاناة الناس في مواقع الضعف تلك، فالانسانية ومعاناتها المتنوعة هي الاساس الذي تبنى عليه المشاريع التنموية والاجتماعية والانسانية، الانسان الذي يصارع ويجاهد ويقتل في سبيل الحصول على لقمة العيش الكريم، هو الاساس الذي تبنى عليه أعمال الايمان الصادقة والصريحة والمعطرة بالقداسة، الانسان واحترام كرامته وعدم النظر الى الفروقات الخارجية بينه وبين غيره على أساس ديني أو عرقي أو لساني أو لون بشرته أو جنسه، هو النار التي تمتحن التدين الصادق وتميزه عن التدين الكاذب والفاشل والمظهري.

والدافع الثالث لهذه الاعمال "البطولية" التي قام بها هؤلاء الاشخاص وغيرهم كثر ممن يعملون بصمت هي الكاريزما الخاصة التي يسبغها الخالق على بعض الاشخاص الذي يكرسون ذواتهم لخدمته تعالى ولخدمة القريب من أجل وجه الله. الكاريزما هبة خاصة، يجعل الله تعالى الانسان يسير الى درب الملكوت، أي الى الغاية الاسمى، من خلال الحب والابداع في الحب والعطاء الى أقصى الحدود، وان تطلب ذلك من الانسان المكرس أن يترك وراءه أهله وذويه وبلده وآمال وأحلام الشباب الغربي المعاصر في تكديس الشهادات والثروات. الكاريزما هي الثروة الحقيقية التي يطلبها الانسان من خالقه، لتبين له أي طريق عليه أن يسلك.

وبعد، فرحيل الام ايمانوئيل، يجعل الانسان يفكر من جديد، هل علينا أن ننتظر من الغرب أن يصدر لنا أبطالا جدد، يحلون محل الام تريزيا في كلكتا والام ايمانوئيل في مزابل القاهرة. أليس حريا بالشرق أن يخرج من بين ثناياه الممزقة والمتناحرة من يجند النفس والذات ويفني العمر لخدمة القريب في الشرق. وهل يحتوي الشرق اليوم أشخاصا يلتزمون بالايمان الروحاني الصادق والحس الانساني النبيل والكاريزما الخدمية الدافعة نحو الخير والابداع في تجلياته؟

وهكذا، ما زلنا نأمل من الشرق أن يخرج من بين بلدانه من يتحلى بكاريزما المحبة وأن يتسلح بالتدين الصادق، وأن يعمل باخلاص وتفان على تنمية المجتمعات من خلال العمل الصادق للتخفيف من المعاناة الانسانية في الشرق، والتخفيف من الفقر والامية والعيش فوق المزابل. لكن كلمة ختامية ما فتئت تحاول الخروج، وعلينا أن "نبق البحصة" ونقولها بالفم الملآن: أصحاب كاريزما الغرب يأتون الى الشرق لخدمة الانسان بغض النظر عن جنسه أو دينه أو قوميته. بينما اصحاب الكاريزما في الشرق يطردون الانسان بسبب اختلافه بجنسه ودينه وقوميته. عنيت هنا ما يحصل للمسيحيين من قتل وتهجير في كل من الهند والموصل.

الأب رفعـت بدر

Abouna.org@gmail.com
www.abouna.org