قضايا و اراء

 

 

44582

‏السنة 133-العدد

2008

ديسمبر28

 

الأحد

 
 

 

ما بين الذكاء والحكمة
بقلم: البابا شنودة الثالث

الذكاء هو طاقة فكرية نابعة من العقل، وتظهر في سرعة الفهم، وقوة أو عمق الفهم، وسرعة البديهة، والقدرة علي الاستنتاج‏.‏ ومن عناصر الذكاء أيضا قوة الذاكرة‏.‏ أما الحكمة فتتجلي في التصرف الحسن‏.‏ والحكمة الحقيقية هي هبة من الله‏.‏ وربما يكون عند بعض الناس دهاء أو ذكاء يظنونه حكمة‏.‏ أو تكون عندهم سياسة أو كياسة يظنونها حكمة، بينما تكون الحكمة بعيدة عن هذا كله‏.‏ ونود هنا أن نميز ما بين الحكمة والذكاء‏..‏ الحكمة ـ ويسمونها أحيانا بالإفراز ـ لها معني أوسع كثيرا من الذكاء‏.‏ بل الذكاء هو مجرد جزء منها‏.‏ وقد يتمتع إنسان بذكاء خارق وعقل ممتاز، ولا يكون حكيما في تصرفه، إذ توجد عوائق تعطل عقله وذكاءه أثناء التصرف العملي‏...‏ ربما تطغي عليه شهوة معينة هي التي تقود تصرفاته، فيخضع لها تمام، ويتصرف بأسلوب بعيد عن الحكمة، علي الرغم من ذكائه الذي تكون الشهوة قد عطلته، وتولت القيادة بدلا منه‏...‏ أو قد يخضع في تصرفاته لأعصاب تثور وتنفعل‏.‏ فيتصرف بأعصابه، وليس بذكائه‏.‏ ولا يكون تصرفه حكيما‏...‏ أو قد يكون له ذكاء، ولكن تنقصه الخبرة أو المعرفة، ولهذا يكون سلوكه غير حكيم‏...‏ ففي أي شئ إذن تتميز الحكمة عن الذكاء؟

إن الذكاء مصدره العقل، وقد يكون مجرد نشاط فكري سليم، ولكن الحكمة لا تعتمد علي العقل وحده‏.‏ إنما تستفيد أيضا من الخبرة، ومن الإرشاد علي أيدي حكماء، ومن معونة الله نطلبها بالصلاة ليمنحنا حكمة‏.‏ والحكمة ليست مجرد معرفة سليمة، أو مجرد فكر صائب، إنما هي تدخل في صميم الحياة العملية، لتعبر عن وجودها بسلوك حسن‏.‏

حقا إن الفكر السليم أو الذكاء، يجوز اختبارا دقيقا عن التطبيق العملي، فإن نجح يتحول إلي حكمة‏.‏

وقد يكون الإنسان ذكي، ويفكر أفكارا صائبة، ولكن تنفصه الدقة في التعبير، لنقص معلوماته اللغوية في استخدام كل لفظ بدقة، فيخطيء في التعبير، أما الإنسان الحكيم فإنه يقول ما يقصده، ويقصد ما يقوله‏.‏

وهكذا تشمل الحكمة جودة التفكير، ودقة التعبير، وسلامة التدبير، وبهذا نقول إن كل حكيم ذكي، ولكن لا يشترط أن يكون كل ذكي حكيما‏.‏

والحكيم إذا كانت تنقصه المعرفة، فإنه يستعيض عنها بالمشورة وبالقراءة والإطلاع، وبالاستفادة من خبرته وخبرة الآخرين‏.‏ كما ينتفع أيضا بأحداث التاريخ، كما قال الشاعر‏:‏

ومن وعي التاريخ في صدره
أضاف أعمارا إلي عمره

ونظرا لأهمية الخبرة في الوصول إلي الحكمة، فإننا نسمع عبارة‏(‏ حكمة الشيوخ‏).‏ والمقصود بها أنهم في مدي عمرهم الطويل، اكتسبوا خبرات كثيرة في الحياة تمنحهم حكمة، بغض النظر عن درجة ذكائهم‏.‏ وهكذا فإن المشيرين يضيفون إلي عقل الإنسان عقلا من خلال مشوراتهم‏.‏ ويضيفون إلي فكره وجهة نظر أخري ما كان يلتفت إليها لقلة خبرته ومحدودية رؤيته‏.‏ ولعلهم يمنعونه من الاندفاع في اتجاه معين تكون كل قواه الفكرية مركزة فيه بسبب غرض معين في قلبه‏.‏ إن من معطلات الذكاء‏:‏ التسرع، لذلك يتصف الحكماء بالتروي‏.‏ والحكيم لا يندفع في تصرفاته، إنما يهديء اقتناعه العقلي حتي يتبصر بأسلوب أعمق وأشمل‏.‏ إن السرعة لا تعطي مجالا واسعا للتفكير والبحث والدراسة، و معرفة الرأي الآخر‏.‏ كما لا يكون فيها مجال للمشورة، ولعرض الأمر علي الله في الصلاة‏.‏ وربما تحوي السرعة في طياتها لونا من السطحية، والتصرفات السريعة كثيرا ما تكون تصرفاته هوجاء طائشة‏...‏ بينما الحكماء تصرفاتهم متزنة رزينة قد أخذت نصيبها من التفكير والفحص، مهما اتهموها بالبطء‏...‏ ولا ننكر أن بعض الإجراءات، تحتاج إلي سرعة‏.‏ ولكن هناك فرقا بين السرعة والتسرع‏.‏ فالتسرع هو السرعة الخالية من التعمق والدراسة‏.‏ ويأخذ التسرع صفة الخطورة، إذا كان يتعلق بأمور مصيرية أو رئيسية وتحتاج إلي حكمة في التصرف‏.‏ ويكون التسرع بلا عذر، إن كانت هناك فرصة للتفكير ولم يكن الوقت ضاغطا‏.‏ لذلك فإنني أقول باستمرار‏:‏ إن الحل السليم ليس هو الحل السريع، وإنما هو الحل المتقن‏.‏

قد تكون السرعة من صفات الشباب، إذ لهم حرارة زائدة تريد أن تتم الأمور بسرعة‏.‏ ولكنهم حينما يدرسون الأمر مع من هم أكبر منهم، يمكن أن يقتنعوا بأن السرعة لها مخاطره، ومن الحكمة التروي‏...‏ وقد تكون السرعة طبيعة في بعض الناس غير الحكماء، وأولئك يحتاجون إلي تدريب أنفسهم
على التروي وعمق التفكير‏...‏

وكثيرا ما يندم شخص علي تصرف سريع قد صدر منه، فأخطأ فيه أو ظلم فيه غيره‏.‏ مثال ذلك صحفي قد يسرع في نشر خبر ليحصل علي سبق صحفي‏.‏ ثم يتضح أن الخبر غير صحيح‏.‏ ويفقد هذا الصحفي ثقة الناس في دقة أخباره‏.‏

ومثال ذلك أيضا أب يعاقب ابنه، أو رئيس يعاقب أحد مرءوسيه علي أخطاء‏.‏ ثم يتضح أن الذي عوقب كان بريئا‏!‏

من معطلات الذكاء أيضا عدم الفهم أو عدم المعرفة‏.‏ فقد يكون زوج ذكيا جد، ولكنه يفشل في حياته الزوجية‏.‏ وأما سبب فشله فهو جهله بنفسية المرأة، فهو يعاملها كما لو كانت بنفس عقليته ونفسيته‏!!‏ أما الرجل الحكيم فإنه يدرس عقلية المرأة ونفسيتها وظروفه، بحيث يتصرف معها حسبما يناسبها‏.‏ وبالمثل فإن المرأة الحكيمة تدرس نفسية الرجل وعقليته، وبهذا تتعامل معه بما يريحه، فتربحه‏.‏

ونفس الكلام نقوله في معاملة الأطفال‏:‏ فربما إنسان ذكي يطلب من بعض الأطفال أن يجلسوا هادئين لا يتكلمون‏.‏ بينما الحكيم يري أن سن الأطفال تناسبها الحركة والكلام‏.‏ فلا يضغط عليهم بما لا يحتملونه‏...‏ وهكذا بالنسبة للتعامل مع أي إنسان، يعامله بما يناسبه‏.‏

والحكيم ـ بدراسته عقلية ونفسية من يعاملهم ـ يعرف نوعية المفاتيح التي يدخل بها إلي قلب كل منهم وينجح في تصرفاته معهم‏.‏ وحتي إن حدث في بعض الأحيان أن تعطل المفتاح الذي يدخل به إلي شخصية إنسان ما، فإنه يزيت هذا المفتاح ويشحمه ويعود فيفتح باب القلب وينجح‏.‏

حقا إننا نفشل أحيانا، في التعامل مع أشخاص معينين‏.‏ ويكون السبب ليس لعيب فيهم، بقدر ما يرجع السبب إلي عدم معرفتنا بطريقة التعامل معهم‏.‏ والحكمة تقتضي أن ندرس بعمق نوعية هؤلاء الناس وأسلوب التعامل معهم‏.‏