قضايا و اراء

 

44407

‏السنة 132-العدد

2008

يوليو

6

‏3 من رجب 1429 هـ

الأحد

ماهي الصلاة؟ وما صفاتها المقبولة؟‏(2)
بقلم البابا شنودة الثالث

ربنا المبارك هو إلهنا الطيب الذي منحنا ان نصلي‏.‏ تواضع منه أن يسمح لنا بأن نتحدث اليه‏، وتواضع منه ان يصغي إلينا‏..‏ من نحن التراب والرماد حتي نقترب الي الله ونقف امامه ونتحدث اليه‏..‏ ونضم أنفسنا الي صفوف الملائكة الواقفة أمام عرشه تسبحه وتتبارك بالوجود في حضرته؟ حقا انه تواضع من الخالق ان يسمح لمخلوقاته بهذه الدالة‏.‏

**‏ لذلك عار كبير وخطية كبري‏، أن تقول ليس لدي وقت للصلاة‏!!‏ عجيب ان الخالق يسمح لنا ان نكلمه ونحن المخلوقات نعتذر بضيق الوقت‏!!‏ ان أمورا عديدة تافهة نجد لها وقتا‏..‏ ومحادثات لا قيمة لها نجد لها وقتا لماذا اذن نحتج بضيق الوقت في الحديث مع الله‏.‏

ان داود النبي كان ملكا وقائدا وقاضيا للشعب‏، وله اسرة كبيرة ومع ذلك يقول للرب سبع مرات في النهار سبحتك علي احكام عدلك‏، في نصف الليل نهضت لأشكرك‏، سبقت عيناي وقت السحر لأتلو في جميع أقوالك‏.‏

**‏ المشكلة اذن لا تكمن في الوقت‏، وانما في عدم الرغبة ان كانت لديك رغبة في الصلاة‏، فلا شك انك ستجد لها وقتا‏..‏ ثم يجب ان تعرف أن الصلاة بركة لك وانك فيها تأخذ ولست تعطي‏، فهل تظن ان تعطي الله وقتا حينما تصلي؟‏!‏ أم ان الله محتاج الي صلاتك؟ بل انت تأخذ في الصلاة قوة ومعونة وتأخذ لذة روحية ومتعة بعشرة الله وحلا لمشاكلك‏، مجرد وجودك في حضرة الله متعة حتي لو لم تفتح فمك بكلمة واحدة‏، حتي لو لم يتحرك ذهنك بأي فكر‏، كطفل في حضن ابيه‏، لا يطلب شيئا سوي أن يبقي هناك‏.‏

ما أجمل ما قاله بعض الآباء عن الصلاة انها مذاقة الملكوت‏.‏
‏**‏ علي انه ليست كل صلاة مقبولة‏، لانه ليست كل صلاة‏، صلاة‏.‏ فما هي اذن شروط الصلاة المقبولة؟

يجب اولا ان تكون بالروح‏:‏ فيها روح الانسان يخاطب روح الله‏، وقلبه يتصل بقلب الله‏، وهذه الصلاة التي من الروح والقلب‏، هي التي تفتح ابواب السماء وتدخل الي حضرة الله‏، وتكلمه بدالة‏، وتأخذ منه ماتريد‏..‏ بل ان هذه الصلاة هي ايضا التي تشبع الروح كما قال المرتل في المزمور‏:‏ باسمك ارفع يدي فتشبع نفسي كما من شحم ودسم‏.‏

**‏ الصلاة الروحانية تكون ايضا بخشوع امام الله‏.‏ ان محبتنا لله لا يمكن ان تُنسينا هيبته وجلاله ووقاره‏، وهكذا في خشوعنا ندرك ادب الحديث مع الله‏.‏

وخشوعك امام الله هو خشوع الروح‏، وخشوع الجسد ايضا‏..‏ أما عن خشوع الجسد فيشمل الوقوف والركوع والسجود‏..‏ بحيث لا تقف وقفة متراخية ولا متكاسلة ولا تستسلم للشيطان الذي يحاول ان يشعرك في وقت الصلاة بتعب الجسد او بمرضه او بانهاكه او بحاجته الي النوم‏.‏

ان خشوع الجسد لازم‏، لان الجسد يشترك مع الروح في مشاعرها ويعبر عنها‏، كما ان تراخي الروح وعدم اهتمامها يظهر كذلك في حركات الجسد مثل انشغال الحواس بشئ آخر اثناء الصلاة‏.‏

**‏ أما عن خشوع الروح ففيه تكون الصلاة بانسحاق القلب‏.‏ اذ يشعر المصلي انه وهو طبيعة ترابية يقف امام الله الكلي العظمة غير المحدود‏، الذي طالما غمرنا بإحسانه ونحن نجحد وصاياه بخطايانا الكثيرة‏، ففي خشوعه يشعر بعدم الاستحقاق‏.‏

**‏ والصلاة الطاهرة تكون بإيمان وبعمق وفهم‏.‏ اذ يؤمن المصلي ان الله يسمع ويستجيب مادامت صلواتنا حسب مشيئته‏.‏ كذلك في صلاته يقول كل كلمة بفهم ويقصد كل أعماقها‏.‏ وهو يصلي من عمق قلبه ومن عمق احتياجاته ومن عمق فكره‏، وهذه الاعماق تمنح الصلاة حرارة‏.‏

**‏ علي اننا نريد ان نقدم بعض ملاحظات مهمة لتكون الصلاة روحانية ومقبولة‏.‏ لا تكتف بالصلوات المحفوظة فقط‏، وانما درب نفسك علي صلوات خاصة تقولها لله بقلب مفتوح امامه‏، لا يخفي عنه شيئا‏، تعبر فيها عن كل مشاعرك وتذكر فيها كل احتياجاتك وتطلب فيها معونة في ضعفاتك‏.‏

**‏ درب نفسك علي الاستيقاظ المبكر وبدء اليوم بالصلاة‏، حيث يكون قلبك صافيا ولم يزدحم بعد بأفكار العمل وسائر المسئوليات‏، كما يكون بيتك هادئا لم تدركه ضوضاء النهار فتخلو مع الله بدون معطل‏، ويكون الله هو أول من تتحدث اليه في يومك‏، وتأخذ منه بركة لهذا اليوم‏.‏

**‏ درب نفسك علي اطالة الوقت في الوجود مع الله وما اجمل قول داود النبي في المزمور‏:‏ محبوب هو اسمك يا رب‏، فهو طول النهار تلاوتي‏، وهنا اسأل نفسك كم من الوقت تقضيه مع الله في يومك؟ مقارنا ذلك بالاوقات الكثيرة التي تقضيها في احاديث وترفيهات لا تفيدك شيئا‏، ولا تجعل الوقت الذي تقضيه مع الله في نهاية مشغولياتك بل في قمة مشغولياتك‏.‏

**‏ تدرب أن تدخل الله في كل موضوع وكل مشكلة‏، فلا تقف وحدك في كل مشاكلك وكل مشاغلك‏، ولا تعتمد فقط علي مجرد ذكائك او علي معونة الآخرين‏، انما اشعر بأنك لا تستغني عن الله في كل ما يعرض عليك من امور‏، موقنا ان امورك قد تسلمتها يد امينة قوية هي يد الله التي ستدبر كل شئ حسنا‏.‏

**‏ تدرب علي الصلاة من اجل الآخرين‏، وبخاصة كل الذين هم في احتياج‏، صل من اجل معارفك وزملائك وأهل بيتك ومن اجل المجتمع الذي تعيش فيه‏، ومن اجل المرضي والتعابي ومن اجل الوطن والمناطق التي تحتاج الي معونة وسلام‏.‏

**‏ واخيرا ان كنت لم تصل بعد الي الصلاة الطاهرة الروحانية المركزة فلا تمتنع عن الصلاة لهذا السبب‏، بل تدرج حتي تصل الي كمال درجة الصلاة‏، والمعروف جيدا انك تتعلم الصلاة بالصلاة‏.‏

كذلك حاول ان تستمر في الصلاة‏، كلما أردت أن تنهيها مشتاقا ان تبقي في الجو الروحي الذي للصلاة‏، غير مفضل عليها اية مشغولية اخري‏.‏ والله الذي قبل صلوات الابرار هو يقبل صلواتك ايضا‏.‏