قضايا و اراء

 44449 ‏السنة 132-العدد 2008 اغسطس 17 ‏16 من شعبان 1429 هـ الأحد

الهاربون من الله
 بقلم : البابا شنودة الثالث

 عشرات ومئات الملايين يؤمنون بالله‏، ويصلون ويصومون‏، ولكن كثيرين من هؤلاء المؤمنين يهربون من الله‏!‏ أي يهربون من الحياة معه‏، ومن محبته‏، ومن الحياة الروحية التي يدعوهم اليها‏، أو من بعض المهام التي يدعوهم اليها‏..‏ فلماذا يهرب كل هؤلاء؟ وكيف يهربون؟ وهل يستمرون في هروبهم أم يرجعون؟

 هناك أشخاص يهربون من الله بسبب شهواتهم‏، يشعرون ان حياتهم مع الله ستحرمهم من شهوات لايريدون تركها‏، مثال ذلك الوجوديون الملحدون‏، الذين يرون أن وصايا الله تمنعهم من تحقيق شهواتهم وتحقيق وجودهم فيها‏.‏ فيكون شعور الواحد منهم هو من الخير أن الله لايوجد‏، لكي أوجد أنا‏!!.‏ أو مثل شخص يقول‏:‏ ان سرت مع الله فسأنقسم علي ذاتي‏، وسأدخل في صراع بين الروح والجسد‏، وصراع بين الخير والشر‏، وأنا لا أريد ان أدخل في صراعات‏!‏ فمن الخير لي إذن أن أبعد عن طريق الله هذا وعن وصاياه‏!.‏ هؤلاء شهواتهم تتعبهم وليس وصايا الله‏، ولكنهم لايريدون ان يواجهوا هذا الواقع لأنهم يخافونه‏، هم مثل انسان مريض بمرض خطير‏، يهرب من الأطباء‏، ومن الكشف والأشعة والتحاليل‏، لكي يستريح ولو راحة وهمية‏، هاربا من الواقع لأن الواقع يتعبه‏.‏ وهناك أشخاص يرون أن البعيدين عن الله مستريحون‏، ويستطيعون أن يقضوا مصالحهم بأنواع وطرق شتي‏، بكذبة بسيطة تتغطي كل غلطة‏، بشهادة مرضية مزورة يبررون كل غياب‏، بالرشوة والمحسوبية يقضي كل عمل‏، بالتساهل في الأخلاقيات يمكن كسب عديد من الأصدقاء‏، بعبارتين من عبارات التملق يمكن كسب الرؤساء وخداعهم‏، وبشيء من الرياء الخفيف يمكن الحصول علي احترام الناس ومديحهم‏، وبضربة قاسية ومؤامرة خفية يمكن التخلص من جميع المقاومين‏..‏

 أما طريق الرب فهو صعب وكله قيود وموانع‏!‏ فلماذا السير فيه؟ لذلك يري هؤلاء ان الهروب من الله أفضل‏!‏ أو أن البعض يري أن طريق الله لايناسب العصر‏!‏ لا يناسب ما وصلت إليه المدنية والأفكار الحديثة وطبيعة المجتمع‏، ويقولون ان الذين يسيرون مع الله هم‏(‏ دقة قديمة‏)‏ لم يتحضروا بعد‏، فالبعد عنهم وعن طريق الله أفضل لكي يحتفظ الانسان بسمعته كشخص راق متمدن‏..‏ كما يرون أيضا أن المجتمع الحديث يسخر من هؤلاء المتحفظين‏، وهكذا يهرب هؤلاء من الله‏.‏ البعض يهرب من الله بسبب مسميات روحية تتعبه‏، فالحياة الروحية فيها محاسبة النفس‏، وفيها حياة التوبة‏، وفيها النمو الروحي‏، وكل هذه أمور متعبة في نظر هؤلاء‏، يقول الشخص منهم‏، ما معني ان أجلس وأحاسب نفسي وأكتشف أن لي ضعفات وسقطات وأدخل في مذلة الندم والشعور بالاثم‏، وأيضا في تعب الضمير وتبكيته‏!‏ مالي وكل هذا‏.‏ الهروب منه أفضل لكي أعيش مستريحا‏، مثل هذا‏، هو كشخص عنده دمل أو خراج‏، لايريد ان يفتحه وينظف ما فيه‏، بل يظن انه يتركه هكذا ويستريح‏!...‏

 كما ان التوبة بالنسبة اليهم هي ترك حياة جميلة في أعينهم فما الداعي للسير في التوبة وخسارة حياة المتعة الخاطئة‏.‏ فالهروب من كل ذلك أفضل‏، وبالتالي الهروب من الله الذي يدعو الي التوبة وتغيير الحياة‏، أمثال هؤلاء يعيشون في حالة تخدير دائم من الناحية الروحية‏، أو في حالة لاوعي بالنسبة الي ضمائرهم‏، وهم يهربون من واقعهم ويهربون من الله‏.‏ وهناك من يهرب من الله‏، لأن لديه شيئا يحرص عليه‏، ويخاف عليه من الله‏، هناك من يحرص علي ما لديه من مال‏، أو مظاهر من العظمة‏، أو قسوة تخضع الناس له‏، أو إدارة أعمال للهو‏، أو شهرة في الملاهي‏، أو أساليب خاطئة توصله إلي ما يريد‏..‏ فإن سار في طريق الله يحرمه من كل ذلك‏، فالوضع الأمثل ان يهرب من الله‏، والبعض يهرب من الله بسبب اليأس‏، إذ يري ان السير في طريق الله طويل لا يعرف مداه‏، فالله لا يريدنا فقط في حياة التوبة‏، إنما يطالبنا بالنمو الروحي حتي نصل الي حياة القداسة أو الكمال الممكن‏، فمن يستطيع كل هذا؟‏!‏ ومن يستطيع في كل فضيلة ان يتطور فيها حتي يصل الي قمتها؟ إذن الهروب من الله أفضل‏.‏

 وهناك أسباب أخري كثيرة للهروب من الله‏، علي أن الذين يهربون منه يهربون أيضا من كل ما يتعلق بالله‏، يهربون من دور العبادة‏، ومن قراءة كلام الله ووصاياه‏، ومن التأمل في حياة الفضيلة‏، ومن الاجتماعات الروحية‏، ومن كل من يبكتهم بسبب طريقهم الخاطئ‏، ومن كل من يدعوهم الي تغيير نمط حياتهم‏.‏ ونحن نقول لكل هؤلاء‏:‏ مهما هربتم من الله‏، فهو سيسعي اليكم ليجذبكم اليه‏، وقد صدق داود النبي حينما قال لله في المزمور‏:‏ أين أهرب من روحك‏، ومن وجهك أين أختفي؟‏!.‏

 كما نقول لهم ان هذا الهروب ليس من صالحكم‏، ويجب ان تواجهوا الواقع في شجاعة وصدق‏، وأول واقع تواجهه هو أبديتك‏، أي مصيرك الأبدي‏، فإلي أي مصير سيقودك الواقع الذي تعيش فيه؟ إذن عليك ان تواجه نفسك‏، وأنت لا تستطيع أن تخدر ضميرك الي الأبد‏، فلابد أن يصحو في يوم ما‏، وحينئذ ماذا تفعل؟ مشكلة كبيرة تواجه الناس‏، وهي كيف سيترك الشخص خطيئته مع انه يحبها؟ كأن الذي يترك الخطية سيظل بنفس القلب الذي يشتهيه‏!‏ كلا فإن الله حينما يرجع التائب اليه يمنحه قلبا جديدا يختلف عن القلب الذي كان يشتهي الخطيئة‏، كما انه يمنحه نعمة خاصة تقوده في الطريق الجديد‏، فلا تعط فرصة للشيطان الذي يحاول ان يظهر لك صعوبة الطريق الي الله ويقنعك بالهروب منه‏.‏