القضاء المصري في الميزان
بقلم د. سليم نجيب، رئيس الهيئة القبطية الكندية

ssnaguib@sympatico.ca

18 بابه 1725 للشهداء - 28 أكتوبر 2008 ميلادية

أحمد الرب أنني وُلدت وعشت وعاصرت الفترة الذهبية الليبرالية التي سادت في النصف الأول من القرن العشرين. عشت شبابي وتعلمت في كلية الحقوق وتخرجت منها بتفوق. كان القضاء المصري في تلك الفترة قضاءاً نزيهاً شامخاً لا يفرق ولا يتعصب ولا يميز بين المسيحي والمسلم. كان الماثل أمام القضاء واثقاً بحكم العدالة التي تنصف المظلوم وتدين الظالم.

كان رجال القضاء في هذا الزمن الجميل هم ظل الله في أرضه وحصن العدالة ودرعها الأمين. كان القضاة أمناء على تطبيق القانون. كان القاضي مهمته تطبيق القانون بلا أدنى تمييز ديني بعيداً عن السياسة، لا يتعصب لدين ولا يتعصب ضد دين آخر ولا يقبل المحسوبيات أو الرشوة. لذلك اتخذت العدالة رمز إمرأة معصوبة العينين تمسك بيدها ميزاناً لا يختل إشارة إلى أن العدالة لا ترى سوى القانون ولا تتأثر مطلقاً بأية مؤثرات خارجية سوى تطبيق القانون بكل حيدة كاملة وتجرد. هذا هو ما تعلمناه وعاصرناه منذ فجر شبابنا حيث كان سائداً قضاء شامخ في العصر الليبرالي قبل ثورة العسكر 23 يوليو 1952.

رحم الله هذا القضاء النزيه الشامخ الذي أنجب لنا قضاة عظام مُخَلدين سنظل نترحم عليهم وعلى نزاهتهم فنذكر على سبيل المثال لا الحصر، المستشار سيد باشا مصطفى رئيس محكمة النقض وعبد العزيز باشا فهمي رئيس محكمة النقض، المستشار كامل باشا لطف الله رئيس محكمة الجنايات، كامل باشا مرسي رئيس محكمة الاستئناف ورئيس جامعة القاهرة سابقاً، والفقيه العلامة القانوني الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا رئيس مجلس الدولة والدكتور وحيد بك رافت نائب رئيس مجلس الدولة وغيرهم وغيرهم. أين القضاء المصري الآن في هذا الزمن الأغبر من القضاء المصري أيام العصر الذهبي (النصف الأول من القرن العشرين).

ما هي أسباب انحدار القضاء المصري منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مروراً بالرئيس الراحل أنور السادات وانتهاءً بالرئيس الحالي محمد حسني مبارك؟

1- ظاهرة خضوع السلطة القضائية للتوجهات السياسية والتدخلات في أمورها والمحسوبيات والرشاوي رغم التأكيد المستمرعلى استقلال القضاء المصري والأمثلة على ذلك كثيرة فنذكر على سبيل المثال لا الحصر محكمة الغدر -محكمة الشعب- محكمة الدجوي- مذبحة القضاء في الستينات، تعطيل أحكام المحكمة الدستورية العليا. القضاء أصبح يأتمر بأوامر السلطة التنفيذية مثل القضاء أيام المانيا النازية وروسيا الستالينية. أين رمز العدالة معصوبة العينين التي لا ترى - لا تفرق- لا تتحيز ولا تتسيس.

2- من المعلوم أن درجة المتخرج من كلية حقوق والشريعة بجامعة الأزهر هو المعيار الأساسي لتعيينهم في سلك القضاء منذ معاون ومساعد النائب العام ويتدرج إلى أن يصل إلى محكمة النقض والابرام. من المعلوم أيضاً أن كلية حقوق الأزهر تقبل طلبة الثانوية العامة بدرجة 50% وتقبلهم في جامعة الأزهر. وجامعة الأزهر (الحقوق والشريعة) تعطي الآن أعلى درجات التخرج أي بنسبة 90 أو 95% وبالتالي يؤهله الدخول في سلك القضاء.

فهذا المتخرج حديثاً من جامعة الأزهر يعين فوراً في سلك النيابة العامة إلى أن يصل لدرجة قاضي ثم مستشار فالأبواب موصدة للأقباط طبعاً فهذه الشبيبة من شباب الاخوان المسلمين متشبعين بتعاليم وثقافة ومبادئ جمعية الاخوان المسلمين وفي خلال الخمس سنوات القادمة وزارة العدل وكلية الشريعة بجامعة الآزهر ستسيطر على كل ساحات القضاء على مختلف الدرجات وقل رحمة الله على القانون والقضاء والعدالة.

3- المادة الثانية من الدستور المصري هي "أُس البلاوي" وقمة التعصب بأسلمة الدولة وصبغها صبغة دينية إسلامية فنعود إلى الوراء. إن تلك المادة نسخت المواد 1، 40، 46 من الدستور المصري وهذا يتنافى والمواثيق الدولية لحقوق الانسان.

لقد أصبح القضاء في مصر يكيل بمكيال الدين. فهل نسينا بعض من كل الأحكام الظالمة التعصبية التي أصدرتها عدة محاكم مثل تبرئة رئيس محكمة جنايات سوهاج كل المتهمين الذين قتلوا 21 شهيداً قبطياً وأبرأ كل المتهمين المسلمين وكذلك إبراء ذمة أي مسلم طالما الطرف الآخر مسيحي قبطي وكذلك منع أي مسيحي قبطي من الادلاء بشهادته بالمحكمة لأنه مسيحي وكذلك المعتدين على دير أبو فانا والأديرة القبطية الأخرى. هؤلاء القضاة الظلمة يبرئون الجاني المسلم أما المجني عليه المسيحي فيشكو إلى الله هذا الظلم. وكذلك لا ننسى أيضاً سجن الأب القس متاؤس وهبه باسيليوس كاهن كنيسة الملاك ميخائيل بكرداسة - مطرانية الجيزة.

إن القضاء المصري الان يتميز فيه (3 ميم) أي متعصب، مسيس، مرتشي. هذا وللعلم هناك عنبر خاص في السجون مخصص لاستضافة القضاة المرتشين المفصولين من الخدمة.

وختاما أستعير كلمات شيخ القضاة في مصر والعالم العربي المستشار يحي الرفاعي النائب السابق لرئيس محكمة النقض حينما قال في بيان أصدره يوم 31 ديسمبر 2002 ونشر بجريدة الشعب الالكترونية يوم 20 يناير 2003 ما يلي:

"إنعدمت في نظر الناس قاطبة كافة ضمانات المساواة بين المواطنين أمام القانون والقضاء وانتهى إلى ضياع سمعة القضاء المصري في نظر العالم أجمع حتى صرنا مضغة في الأفواه.... يقولون أننا دولة مستقلة ذات سيادة وأن لدينا قضاء مستقل ولدينا سيادة القانون ولدينا برلمان في حين أنه ليس لدينا شئ من ذلك كله ولا حتى الحياء".

د. سليم نجيب
رئيس الهيئة القبطية الكندية
دكتوراه في القانون والعلوم السياسية
محام دولي وداعية لحقوق الإنسان - قاض سابق
عضو اللجنة الدولية للقانونيين بجنيف

Fax: (514) 485-1533
E-mail: ssnaguib@sympatico.ca  or ssnaguib@hotmail.com
www.amcoptic.com