في الذكرى الستين للاعلان العالمي لحقوق الانسان

بقلم د. سليم نجيب، رئيس الهيئة القبطية الكندية

ssnaguib@sympatico.ca

 

1 كيهك 1725 للشهداء - 10 ديسمبر 2008 ميلادية


تحتفل الأسرة الانسانية في العاشر من شهر ديسمبر 2008 بيوم الاعلان العالمي لحقوق الانسان والذي صدر في مثل هذا اليوم منذ ستين عاماً من هيئة الأمم المتحدة.

ونحن في هذه الذكرى الخالدة بإعتبارنا أعضاء هذه الأسرة نعتز بمبادئها النابعة من ضميرها وننتهز هذه المناسبة لنؤكد التزامنا بهذه المبادئ والمواثيق الدولية التي تربط كل البشر بروابط المحبة والاحترام المتبادل والسلام والمساواة.

ولكن مع الأسف الشديد فعلى الرغم من أن دول العالم قد التزمت رسمياً بالاعلان العالمي لحقوق الانسان والمواثيق الدولية إلا أن البعض منها لم يراع الحقوق والواجبات التي تناولتها هذه المواثيق.

وفي مثل هذه المجتمعات التي أنتهكت فيها حقوق الانسان ارتفعت أصوات تنادي بالمحبة والمساواة والسلام بين الانسان وأخيه الانسان، كما ارتفعت أصوات أخرى خارج حدود هذه المجتمعات تدافع عن هؤلاء الذين اُنتهكت حقوقهم باعتبارهم أعضاء في الأسرة الانسانية. فالدفاع عن حقوق الانسان هو عمل انساني عالمي لا يرتبط بحدود اقليمية. وهذا ما أعلنته الجمعية العامة في مقدمة الاعلان قائلة: "ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان هو
انجاز عام لكل الشعوب والأمم وأن الغاية هي أن يحفظ كل فرد وكل عضو في المجتمع هذا الاعلان وأن يجتهد عن طريق التعليم في تعزيز احترام هذه الحقوق والحريات بكل التدابير التقدمية قومياً وعالمياً وأن يضمن مراعاتها والاقرار الايجابي بها عالميا بين كل شعوب الدول الأعضاء..."

كنا -وأكرر كنا- نحن المصريين نتمتع بالمساواة في الحقوق والواجبات في ظل حب الوطن بكل ما فيه أرض وبشر وذلك حتى أوائل القرن العشرين حتى ثورة العسكر في يوليو 1952. فنجد الزعيم الوطني الخالد سعد زغلول (1919) يقول عن إيمان بأنه "ليس في الأمة طبقات يمتاز بعضها عن بعض بل كلها طبقة واحدة". فيقود الوفد -الذي ضم الأقباط والمسلمين مطالباً عن الأمة بجلاء المستعمر الانجليزي عن مصر
وكانت زعامة الحركة الوطنية تضم المسلمين والأقباط. كانت الروح الوطنية توحد صفوف الشعب المصري وكان الدين حقاً لله والوطن للجميع بلا تمييز أو اضطهاد أو تفرقة. فأين نحن الآن وبعد مرور ستين عاما على اصدار الاعلان العالمي لحقوق الانسان؟؟ اننا وسط ضجيج مزعج لدعاوى تتنافى مع مبادئ هذا الاعلان. اننا مع الأسف الشديد وبعد أن أصبح العالم اقرب الى كونه أسرة واحدة أمام دعاوى قبلية تريد العودة بنا القهقرى مئات السنين وتريد أن تعزلنا عن المجتمع الانساني المعاصر غير مدركة أي فارق بين القرن السابع والقرن الحادي والعشرين.


فالاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في 10 ديسمبر 1948 ينص في مادته الحادية والعشرين، كما ينص الميثاق العالمي للحقوق المدنية والسياسية الصادر في 23 مارس 1976 في مادته الخامسة والعشرين على أن: "لكل مواطن الحق والفرصة،
بدون تمييز ما من جهة الأصل أو اللون أو الجنس أو اللغة، أو المعتقد السياسي أو الأصل الاجتماعي او القومي أو الميلاد في أن يشترك في إدارة الأمور العامة (لبلده) مباشرة او عن طريق ممثلين مختارين بحرية"

وفي ضوء هذه المبادئ العالمية التي أقرت بها دول العالم وتعهدت فيها بأن تضمن الحرية الدينية والفكر والضمير والرأي والتعبير، يتضح جلياً أن اقامة نظام حكم على أساس ما
يمنع فئة من المواطنين من المساهمة فيه بسبب الدين أو اللون أو غير ذلك هو نظام مخالف للقوانين الدولية ويجب ادانته عالميا ومحلياً.

ونحن نتساءل
لماذا لا ينتخب من المواطنين المسيحيين أعضاء في البرلمان المصري بدلاً من تعيين ثمانية منهم وهو الأمر الذي يلغي ارادة الخمسة عشر مليون قبطي؟؟ الاجابة عن هذا التساؤل نجدها في نص المادة الثانية من الدستور المصري والقائلة بأن "الدين الرسمي للدولة هو الاسلام والشريعة الاسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع".

ان مجرد وجود هذه المادة كان ولايزال مصدراً أساسياً لتهديد الوحدة الوطنية (إن وجدت) إذ أنها تمنع صراحة أن يكون لأي مواطن لا يدين بالاسلام نصيب قانوني في ادارة شئون بلده وعلى هذه المادة يرتكز الاسلاميون لأساس دستوري لاقامة الدولة الثيوقراطية (الدينية) وهو أمر يتنافى في صراحة وتماماً مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان وكافة المواثيق الدولية اللاحقة له والتي تنص "على أن لكل مواطن الحق في الاشتراك في حكومة بلده بصرف النظر عن معتقده".

نعود إلى نصوص كل من الاعلان العالمي لحقوق الانسان والميثاق العالمي للحقوق الاقتصادية والا جتماعية والثقافية فنجد أنهما ينصان على التوالي في المادتين 26 و 13 بأن "على الدول أعضاء هذا الميثاق أن تعترف بحق كل شخص في التعليم وأن توافق على أن التعليم سيوجه للتقدم الكامل للشخصية الانسانية بكرامتها وتدعيم احترام حقوق الانسان والحريات الانسانية كما توافق هذه الدول على أن التعليم سيمكن كل الأفراد من المساهمة ايجابياً في مجتمع حر وزيادة التفاهم والتسامح والصداقة بين كل الأمم والجماعات العرقية والدينية".

فهل تتحقق هذه الأهداف إذا ما أقامت الدولة جامعات ومدارس علمية
تقصر القبول فيها على فئة من المواطنين دون الفئة الأخرى بسبب الدين، مثلما يحدث في الجامعات والمدارس الأزهرية بالاضافة إلى اضطهاد الطلبة الأقباط وعرقلة تقدمهم العلمي في الجامعات العامة. ألا يمثل هذا الوضع المشين ما كان متبعاً في أمريكا ضد الزنوج وكذلك في جنوب أفريقيا؟

وتنص المادة 18 من الميثاق العالمي لحقوق الانسان على أن لكل شخص الحق في حرية الفكر والضمير والدين وهذا الحق يشمل
حرية أن يعتنق الشخص دين أو معتقد حسب اختياره وحريته "سواء أكان ذلك بصفة شخصية أو في مجتمع ويعلن عن دينه أو معتقده في العبادة. ألا يخضع أحد لقهر يحرم بموجبه من حريته في اعتناق دين أو معتقد نابع من اختياره.."

فهل للأقباط في مصر الحرية كما للمواطنين المسلمين في إقامة الكنائس أم أن هناك فرمان تركي يرجع إلى سنة 1856 يقيد بناء وتجديد الكنائس بشروط تعسفية عشرة (فبراير 1924).

هل للأقباط في مصر حق مساو في تعليم عقائدهم من أجهزة الاعلام كما هو الحال مع المواطنين المسلمين؟؟ أم أن هذه الأجهزة قد أصبحت أجهزة بث فتنة وإثارة ضد المواطنين الأقباط وضد عقائدهم؟؟ أليس هناك كل العراقيل والاضطهادات أمام كل من يود دخول المسيحية باردته الحرة؟

تنص المادة 22 من الاعلان العالمي أن: لكل شخص باعتباره عضو بالمجتمع- الحق في الأمان الاجتماعي والتمتع بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا غنى عنها من أجل تقدم الشخصية".

إن هذه المادة الواضحة تدين كل الاعتداءات التي تهدد الأبرياء من المسيحيين المصريين بل والتي أودت بحياة بعضهم. كما تدين وتشجب الاعتداءت والاستيلاء على ممتلكات المسيحيين بتواطؤ واشتراك الأجهزة المسئولة. كما أن هذه المادة تدين سلب حقوق الأقباط الثقافية مثل تعليم تاريخهم وعقيدتهم عن طريق استخادم كل وسائل الاعلام في المدارس والجامعات.

إن هذه الموجة الدينية المتطرفة المتعصبة والتي لم تعرفها مصر قبل ثورة العسكر 23 يوليو 1952 قد أخذت تقوى وتقوى بل ركب هذه الموجة بعض القادة والمسئولين وصناع القرار مما نتج عنه ظهور تيار شبه عام أثر ويؤثر في العلاقات الفردية الانسانية لأعضاء المجتمع المصري الواحد وواكب هذه الظروف الخطيرة معاً
صمت كبير مستمر مثل صمت أبو الهول بدءاً من سيادة رئيس الدولة ومروراً برجال الدين الاسلامي (الأزهر الشريف) ومرورا أيضا بمسئولي الدولة ومباحث أمن الدولة والاعلام .. الخ. الخ...

ونحن كأقباط نقول أن اقامة نظام سياسي في مصر على أساس ديني هو أمر يتنافى مع تاريخ مصر وروحها ومع الاعلان العالمي لحقوق الانسان وكافة المواثيق الدولية. ألم توقع مصر على تلك التعهدات الدولية باحترام وتطبيق هذه المواثيق الدولية؟؟؟

باختصار نحن نطالب بتأسيس
الفصل التام بين الدين والدولة عبر اصلاحات دستورية وانهاء التركيز على الدين وعلى دوره في مؤسسات الدولة والتأكيد بدلاً من ذلك على الطبيعة العلمانية للدولة لكيما نتمشى ويتفق وكافة المواثيق الدولية لحقوق الانسان التي مصر وقعت عليها وتعهدت باحترامها.

يجب ألا ننسى أن العالم كله أصبح معنياً بحقوق البشر والشعوب في كل مكان في فلسطين، الصومال، السودان، العراق، لبنان، يوغوسلافيا ومصر بما يجري فيها ليست استثناء فهي لا تزال جزء من هذا العالم ولم تعد بعد عالم بذاتها.

 

الأمل الوحيد لمستقبل مصر هو الاستمرارية في المطالبة الصريحة بضمان كل حقوق المواطنة لكل المصريين- أقباط ومسلمين على قدم المساواة وفي نظام ديمقراطي حقيقي لبناء وطن واحد موحد يجمع كل المواطنين على اختلاف أديانهم وعقائدهم وثقافتهم والا فقل على البلد السلام إذ سنعود إلى القرن السابع وما أدراك بعصور الظلام والتعصب.

وفقنا الله جيمعاً لما فيه الخير لبلادنا العزيزة ومن له أذنان للسمع فليسمع.
 

د. سليم نجيب

رئيس الهيئة القبطية الكندية

 دكتوراه في القانون والعلوم السياسية

محام دولي وداعية لحقوق الإنسان - قاض سابق

عضو اللجنة الدولية للقانونيين بجنيف

Fax: (514) 485-1533

E-mail: ssnaguib@sympatico.ca  or ssnaguib@hotmail.com