الهيئة القبطية الأمريكية
أسسها الدكتور شوقى كراس سنة 1972

من الفوضى إلى الحوار

Aug 19, 2011

من الفوضى إلى الحوار 

كمال غبريال 
 
2011 الجمعة 19 أغسطس 
 
من المفترض أن الشعب المصري قد قام بثورة، ومن المفترض أيضاً بعد مرحلة إسقاط النظام، والتي لاشك أننا قد قطعنا فيها شوطاً لا بأس به، أن ندخل في مرحلة حوار مجتمعي، تتفاعل فيه كل القوى على الساحة السياسية والاجتماعية المصرية، ليتبلور الحوار في النهاية عن خطوط عريضة متفق عليها، نسير عليها في مرحلة إعادة البناء.
لقد كان أسوأ ما ارتكب نظام مبارك من جرائم هو تعويق التفاعلات المجتمعية بمختلف مجالاتها إلى درجة التجميد، في ذات الوقت الذي جلبت فيه المتغيرات والتأثيرات العالمية والمحلية تيارات شتى، تتراوح ما بين الليبرالية والأصولية الدينية، ظلت جميعها بدرجة أو بأخرى، وبأساليب متنوعة تحت غطاء ثقيل من الحظر، فكان أن تقزم بعضها، كما في حالة التيارات الليبرالية أو العلمانية باختلاف أطيافها وأجنحتها، وتعملق البعض الآخر تحت السطح وفوقه، ونعني التيارات الأصولية الدينية، والتي بقيت نتيجة القهر والتضييق الأمني جزراً منعزلة، أو كما لو كانت كل منها داخل كهوفها الخاصة، تتحدث همساً أو صراخاً بخطابها الخاص، الذي لا يراعي أو يتحسب لوجود آخر، وإن فعل فبالمواجهة العدائية، التي تدفع كل لأن "يركب أعلى ما في خيوله" كما يقال.
ما حدث أنه بسقوط رأس النظام وأجهزته الأمنية المسيطرة القمعية، سادت الفوضى البلاد على جميع المستويات، بدءاً من الشارع المصري، الذي أثبت المصريون به لكل مراقب خارجي أنهم لم يتعلموا بعد حرفاً واحداً من أبجديات الحرية، فافترش الباعة الجائلون الطرق، وسارت السيارات وتوقفت كما يحلو لسائقيها، ضاربين عرض الحائط ليس بقيم الحرية واللياقة فقط، ولكن بكل ما كانوا مجبرين عليه في السابق من سلوكيات تراعي انتظام واحترام قواعد الحركة، رغم أننا كنا جميعاً ننتقد وقتها تدني درجة الالتزام، ونلقي بالتبعة كعادتنا على تخاذل الدولة عن تحقيق الانضباط في الشارع.
الفوضى على المستوى السياسي جاءت أعم وأشد وبالاً. . نعم أتيحت لكافة التيارات الليبرالية والعلمانية تنفس الصعداء، والتحرك في الساحة والشارع المصري قدر ما تتيح لها قدراتها الخاصة، لكن أيضاً تم رفع الحظر عن الجماعة المحظورة، ولم يكن الحظر المرفوع في الحقيقة غير شعار بلا مضمون، فقد كانت تعمل بحرية وعلانية يحسدها عليها جميع من عداها، لكنها بقيت تحت السيطرة. . ظل عمل جماعة الإخوان محكوماً بلعبة القط والفأر بينها وبين أجهزة الدولة الأمنية، التي سمحت وربما ساعدت الجماعة على مد نشاطها إلى كافة أنحاء البلاد، والتغلغل في كل المؤسسات، فيما عدا الاقتراب أكثر من المسموح به من مقاليد السلطة السياسية، فكان جمع قياداتها الوسيطة في مواسم الانتخابات، وإيداعها سجون ومعتقلات النظام، تحسباً من تمدد أو تهور يدفعها لتجاوز الخطوط الحمراء التي تحمي الجالسين على العرش.
جماعات الجهاد الخارجة من المعتقلات والسجون وجدت نفسها فجأة تنتقل من خلف القضبان إلى برامج التوك شو في الفضائيات التليفزيونية، فهؤلاء الذين دفعتهم سنوات البقاء قيد الأغلال إلى ما يعرف بالمراجعات، وجدوا أنفسهم طلقاء، ويساهمون في إدخال من حاكموهم وسيطروا عليهم إلى ذات الزنازين التي أنفقوا فيها أغلب سنوات عمرهم، واستقبلهم الثوار والمجتمع المصري وكأنهم أبطاله الذين اضطهدهم نظام ديكتاتوري، وليسوا قتلة هددوا الحياة في وادي النيل لأكثر من عقدين من الزمان.
عندما يتقابل كل هؤلاء في ساحة خراب تفتقد لأبسط قواعد النظام، ليس لنا أن نتوقع أن يجري بينهم حوار إيجابي وصحي، كما يليق بأمة تشرع في مسيرة إعادة بناء. . بناء حضارة حديثة فوق أرض مصر، وليس حفر كهوف مظلمة يتم إدخال الشعب المصري كله فيها، ويقوم على بواباتها حرس مدججين بالسيوف والخناجر، هم ذاتهم من فجروا وقطعوا الرقاب، لدفعنا لدخول تلك الكهوف في الثمانينات والتسعينات!!
لا أعتقد أننا بحاجة لأن نجهد أنفسنا في التدليل على أن الساحة الخراب الخالية من أي ضوابط تحكم حركة كافة الأطراف، لا يمكن أن نجني منها أي نتيجة إيجابية، تفيد في تحقيق آمال شعب ثار من أجل الخبز والحرية والكرامة الإنسانية، خاصة إذا ما كان الفصيل الأكثر تمويلاً وتنظيماً، هو ذلك الفصيل الذي مازال إخوانه يجاهدون في سبيل الله في كهوف وجبال تورا بورا وقندهار، كما يجاهدون وسط المتضورين جوعاً في الصومال.
نتائج الحوار المزعوم والمتوقع في هذه الظروف نجنيها بالفعل الآن، ولقد شاهدناها في جمعة 29 يوليو، حين تحول ميدان التحرير رمز الثورة المصرية وقلبها إلى تورا بورا، حيث ارتفعت الرايات والشعارات السوداء، وافترشته كائنات عرفها العالم حديثاً، وشرع يطاردها في كافة أركان الكرة الأرضية. . جنينا أيضاً النتائج في سيناء، التي دفع جيلي الدماء ثمناً لتحريرها ممن سميناه العدو الصهيوني، بعد أن تم فتح الحدود المصرية لحماس الأخ الشقيق لجماعة الإخوان المسلمين، والمجاهدين الأصدقاء المفضلين لدى العروبجية مدمني النكسات والكوارث
نأتي الآن لسؤال ربما كان هو البوابة لحل تلك الإشكالية، التي تتجاوز خطورتها كل ما سبق وتعرضت له مصر خلال تاريخها القديم والحديث:
لماذا انعدمت السيطرة تماماً على الساحة المصرية؟. . هل هذا حقيقة من فعل الثورة والثوار؟. . إذا صدقنا جدلاً أن وزارة الداخلية التي يربو عدد منسبيها عن المليون قد انهزمت وتحللت أمام بضع أحجار قذفها متظاهرون، ولم يتم سحبها بقرار سيادي لسبب في نفس يعقوب، فما هو تبرير ما يحدث في سيناء، التي يشرعون الآن في تحويلها لإمارة إسلامية، ولماذا لم يحاولوا هذا في زمن مبارك؟!
واضح أن ترك الساحة المصرية على وضعها الحالي ليس من قبيل حرية قد اكتسبناها، وربما كان العكس هو الصحيح، وأنه يتم معاقبة الشعب المصري على ثورته، ببث الرعب في قلبه، بإطلاق جحافل الإرهابيين والظلاميين عليه، فيحتلون القنوات الفضائية التليفزيونية وميدان التحرير وسيناء في توقيت واحد، ليتبقى انتظار تكملة سيناريو هذه المسرحية الهابطة، ليقول الشعب المصري في نهايتها "حقي برقبتي"، ويصرخ متوسلاً ديكتاتورية عسكرية تنقذه من مصير غير مجهول، أو لتسقط مصر في غياهب عقود مظلمة، ليجلس عواجيز النظام البائد يمصمصون الشفاة مرددين "جنت على نفسها براقش" يوم ثارت على نظام كان على قدر سوءه يقيها من الأسوأ!!
الأمر ليس بيد القوى التي فشلت بجدارة في الحوار، هو خارج عن مسئولية كافة الفرقاء، فما يحدث الآن هو تراجع مستمر من قبل القوى الليبرالية والمدنية، لا يقابل بما يماثله من فيالق الظلام، وإنما يغريهم هذا بالعكس، بالتمادي في رفع سقف آمالهم، والتي لن تنتهي إلا بإسدال ستارة سوداء على كافة ربوع وادي النيل. . ورغم اختلاف هؤلاء الأخيرين فيما يعلنونه على الأقل، بين حزب يدعي الوسطية، إلى آخر يتسمى بحرية وعدالة وهمية ومخادعة، إلى أصوليين صرحاء يزمعون طرد الأقباط من البلاد، ووضع المسلمين في زنزانة يحرسها السياف مسرور، إلا أنهم يزايدون على بعضهم البعض، وهم يرون الساحة خربة وخالية من أي قواعد تردعهم.
إذا صح أن القائمين على أمور البلاد يبتغون وصول فرقاء الشعب المصري إلى كلمة سواء بين بعضهم البعض، فيتحتم عليهم ردع الفئة الباغية، ليس باجراءات استثنائية، وإنما بتفعيل الإعلان الدستوري وقانون الأحزاب، والذي يحرم العمل السياسي وفق أسس دينية. . بهذا فقط سيسعى من يستكبرون ويستجرمون الآن إلى توفيق أوضاعهم، خاصة مع تطوع العلمانيين والليبراليين منذ البداية بالتنازل إلى أقصى حد ممكن، وهو تكتيك أحمق وجريمة يرتكبها أي محاور في حق قضيته، أن يقدم كل ما يمكن تقديمه من تنازلات حتى قبل جلوسه على مائدة الحوار، فيغري منافسه بهذا على استمراء ضغطه، أو في حالتنا هذه يستمرئ هياجه الذي لا يراعي حقائق الواقع، ولا يرى إلا ما يسيطر عليه من هلاوس مجنونة.
هل يتكرم علينا الممسكون بزمام البلاد بالتدخل لتحديد قواعد اللعبة، والسيطرة على البلاد قبل ذهابها في طريق أفغانستان والصومال، أو في "سكة إللي يروح ما يرجعش"، لننتقل من الفوضى إلى الحوار الحقيقي والبناء؟!!
مصر- الإسكندرية
kghobrial@yahoo.com
 المصدر ايلاف
Kamal Ghobrial 
Alexandria- Egypt 
0126834061

0192149448 

User comments:
Add your own comment
g6eAw0 , [url=http://chjylowmoynw.com/]chjylowmoynw[/url], [link=http://mqkxoxufjxsg.com/]mqkxoxufjxsg[/link], http://yifafhtvfeev.com/
rumutvb Mar 14, 2012 PST
WI4rLz huyctrdpdnwe
skttzwrbf Mar 10, 2012 PST
fdUaSi , [url=http://bswddexuzrud.com/]bswddexuzrud[/url], [link=http://cvgcroedcelg.com/]cvgcroedcelg[/link], http://skzwdetxdtof.com/
ulwpsavsu Feb 29, 2012 PST
Fc10rZ uirjjxewlonm
rcghrnyz Feb 29, 2012 PST
I'd venture that this arcitle has saved me more time than any other.
Unopound Feb 28, 2012 PST
الحقير قثم إبن آمنة لص وصعلوك الصحراء والمدعو الشرشوح محمد إبن آمنة والمشخلع والمدلع من المسلمين اللاهثين خلفه كالكلاب الجائعة الجربانة الضالة قائلين صفع الله اللات علي قفاه وصفق وسلم. يا محمد يا أخول وأوسخ الخلق يامحمد يا أقذر وأنجس وأرجس الخلق. يامحمد يا أحقر الخلق الدنيا. وقرآنك بورنو الإسلام للدعارة وفياجرا اللواط والشذوذ. ومحمد سم العوا هو محمد بتاع العيال والنسوان والمخنثين واللوطيين
wisdom Aug 24, 2011 PST
Hey, good to find smeoone who agrees with me. GMTA.
Margaretta Aug 23, 2011 PST
بلاش تعصب اعمى وكراهية كل شىء حتى لو كانت على اسم اليهود ربنا يشفى العرب والمسلمين من حساسية اسرائيل .. للأسف موضوع اسرائيل نجد عندما نتكلم عنه لا يكون هناك موضوعية وحيادية ومعظم الاعلاميين عايزين يعملوا فرقعة اعلامية .. اسرائيل زى اى دولة لها شعب وجيش وكان لها امل ان تتوسع وتأخذ سيناء مثل مصر ايام محمد على وتوسعت واخذت حكم السودان وتركيا كانت تضم معظم الدول العربية تحت قيادتها حتى عام 1924 فكان حلم معظم الحكام والملوك التوسع حتى صدام حسين كان عايز يحتل الكويت .. ومصر رجعت اراضيها وذهب الاستعمار فلماذا كل هذه الكراهية لإسرائيل وارد ان تحدث اخطاء عسكرية ويقتل بها ناس بالخطأ واسرائيل اعتذرت فلماذا كل هذه الضجة الاعلامية اللى ملهاش لزمة وياريت ننتبه أولا لعمل دستور مدنى يشارك فيه جميع الشعب والاستعداد أمنيا وكل حزب يرشح ناس للأستعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية .. مصلحة مصر أولا ... وانا كجندى فى الجيش المصرى ادافع عن اراضى مصر فقط ومليش دعوة بفلسطين انا جندى مصرى ادافع عن مصر .. وكل بلد تدافع عن نفسها بلاش تعصب اعمى وكراهية كل شىء حتى لو كانت على اسم اليهود ربنا يشفى العرب والمسلمين من حساسية اسرائيل .. للأسف موضوع اسرائيل نجد عندما نتكلم عنه لا يكون هناك موضوعية وحيادية ومعظم الاعلاميين عايزين يعملوا فرقعة اعلامية .. اسرائيل زى اى دولة لها شعب وجيش وكان لها امل ان تتوسع وتأخذ سيناء مثل مصر ايام محمد على وتوسعت واخذت حكم السودان وتركيا كانت تضم معظم الدول العربية تحت قيادتها حتى عام 1924 فكان حلم معظم الحكام والملوك التوسع حتى صدام حسين كان عايز يحتل الكويت .. ومصر رجعت اراضيها وذهب الاستعمار فلماذا كل هذه الكراهية لإسرائيل وارد ان تحدث اخطاء عسكرية ويقتل بها ناس بالخطأ واسرائيل اعتذرت فلماذا كل هذه الضجة الاعلامية اللى ملهاش لزمة وياريت ننتبه أولا لعمل دستور مدنى يشارك فيه جميع الشعب والاستعداد أمنيا وكل حزب يرشح ناس للأستعداد للانتخابات الرئاسية والبرلمانية .. مصلحة مصر أولا ... وانا كجندى فى الجيش المصرى ادافع عن اراضى مصر فقط ومليش دعوة بفلسطين انا جندى مصرى ادافع عن مصر .. وكل بلد تدافع عن نفسها
BBBA Aug 22, 2011 PST
الحرب علي الورق شئ جميل .. بس للاسف الواقع غير .. الحرب تحرق الاخضر واليابس .. هل مصر قادره علي الحرب .. الكلام جميل والوطنيه شئ رائع .. الحرب الان لازم تكون حرب الذكاء وليست حرب القوه لان الحرب الان يجب ان تكون حرب استخدام العقل والفكر والذكاء .. ليست حرب السلفيين والاسلاميين المتخلفين اللي كلها شعارات متخلفه .. يجب ان نفكر جيدا بكلمه الحرب حتي لا نخسر بواقي مصر او مصر المتهالكه المتبقيه لنا ... "أَيُّهَا الْحَمْقَى تَعَلَّمُوا ذَكَاءً، وَيَا جُهَّالُ تَعَلَّمُوا فَهْمًا" (سفر الأمثال 8: 5) لنعلم جميعا اننا الان فى مرحلة تجميع اشلاء مصر التى انهكتها الثورة و دمرتها حماسة الشباب الزائدة، و لا تتحمل مصر ابدا عسكرة اقتصادها الذى يعنى فى مقدمته فقط: غلق نهائى للبورصة المصرية دينامو الاقتصاد الحر، هروب كامل للاستثمارات الاجنبية و توقف تام للمشروعات التنموية، انهيار كامل للاحتياطى النقد الاجنبى بالبنوك لسحبه لتطوير اسلحتنا للاستعداد للمواجهة، توقف كامل لكل مشروعات التنمية خصوصا فى سيناء و مدن القنال، تدمير كامل فى ساعات الحرب الاولى لمئات المليارات من الاستثمارات فى سيناء و هروب جماعى لكل من هناك باستثناء البدو طبعا و تفشى البطالة بين الشباب بحيث لا يجدون عملا سوى بحمل السلاح بشكل عشوائى و هم غير مدربين عليه كل هذا سيحدث فى الساعات الاولى للحرب بعدها سيتم تهجير ما يقارب 5 مليون شخص من مدن القناة و سيناء الى الدلتا بعدها تبدء جنجورية الزعماء فى مصر تنصب على تحفيز الشباب على محاربة العدو بكل قوة و هم غير مدربون تتحول مدن المواجهة الى مدن اشباح ليس بها الا الاشلاء و القتلى و الجنود هذا فى مصر اما فى اسرائيل ... فحدث ولا حرج... صواريخ اليكترونية بالتوجيه الذاتى و طائرات تقصف بدون طيار و جنود لم تروها تحارب معهم اليكترونيا و فضائيا الى جانب الخيار النووى الذى سيطرح من اليوم الاول الى جانب الحرب الكيماوية و البيولوجية فهل نستطيع؟! مصر المنهكة لا تستطيع خوض حرب مع السودان صدقونى فما بالنا باسرائيل!
norayfruit Aug 22, 2011 PST

[required fields]