إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار
|
خطاب الرعب من الحرية! |
|
بقلم ـ نبيل عبد الفتاح
من أبرز ملامح حريات التفكير والتعبير والنشر ـ حتي في ظل القيود السياسية والقانونية والأمنية ـ أن مبادرات بناء الجسور بين المدارس الفكرية والسياسية كانت في ازدهار, ومنتديات اللقاء والحوار والسجال في اتساع, ومن الشيق أن نلاحظ أن مناطق الحوار وأطرافه شملت ما بعد الآن مناطق للتوتر السياسي والديني والطائفي كان ثمة إحساس عميق بالمسئولية الوطنية والإنسانية من بعض المثقفين المصريين من أجيال عديدة, للبحث عن حلول ومسارات جديدة لواقع اجتماعي وسياسي وثقافي يتسم بالاختلال الهيكلي, وفي ذات اللحظة إحساس جاد بأن ثمة تحولات هائلة تحدث حولنا, وتحتاج إلي المتابعة والرصد والتحليل, حتي نستطيع أن نعدو وراءها, أو علي الأقل أن نحتفظ بوهج الإحساس بها, وأننا عند هذا المستوي لم نغادر العالم, ولم يتركنا أسري التهميش أو التشرنق حول الذات, وسلطة الماضي وعقله والأوهام والمخيلات المؤسسة علي تأويلات وضعية أرادت لنفسها أن تحتكر المعرفة والحاضر والمستقبل باسم هذه السلطة وعقلها الساكن في عالم لم نكن جزءا منه, ولا شاركنا في صناعته! الغريب أن بعض مناطق سلطة الماضي وأزمنته وتواريخه, كانت تشكل لحظات ألق وازدهار وحرية تعبير وضمير وكتابة, والأكثر غرابة أن يطرح بعض ممثلي السلطة الثقافية الرسمية الآن, سياسة لقمع أصوات الحرية والإبداع باسم الخلاعة والتهتك والمجون, كما حدث أخيرا مع أبو نواس أحد أكبر شعراء العربية في تاريخها الشعري! نعم كانت الكتابة منذ عقد أو يزيد أكثر حرية في السياسة وفي التحليل الاجتماعي, والآن يزحف الخوف علي الكلمات فيعتقلها وتتراجع مساحات تحليل ونقد وتفكيك الشعارات الضخمة, واللغة المجانية التي تحلق فوق الخطابات السياسية, والتي تدعي النطق الكاذب باسم الحقيقة, أو الإيمان الوثني والوضعي الذي يحاول دائما أعداء الحرية والتكفير أن يضفوه علي آرائهم وأفكارهم. ثمة بعض الجسارة النقدية, لأشخاص ورموز ـ هكذا يقال دائما في الخطاب الرسمي عن كتاب وأدباء كثر منهم ولا نعرف رموز ماذا؟ وما إنتاجهم وقلمية أساسا؟!ـ, ومحاولات لمساءلة إنتاج رائج في الأدب والسياسة العملية والصحافة والعلوم الاجتماعية لكي نعرف باسم من تتسلط رموز السلطة الثقافية الرسمية, علي الحياة الثقافية نعم كانت بدايات لحريات مستعادة, وعقل يحاول كسر أصفاده من أجل هتك الأكاذيب الكبري المسيطرة علي حياتنا الفكرية والإعلامية؟ نريد أن نعرف هؤلاء المتلاعبين علي مسرح العرائس الثقافي والسياسي من هم؟ ما الذي قدموه من أفكار, أو مناهج تحليل أو علي أقل تقدير ما الذي استطاعوا أن يقدموه في هدم أبنية راسخة من الضلالات والأوهام والشعارات المسوغة للتخلف والخراب والفساد والجهل والفقر السائد, والأخطر خراب الروح!. ما الذي حدث كي تتناقض مساحات الحرية, والاعتداء الدائم عليها باسم سلطة الاختلاف العمومية ـ الغامضة والنسبية والمزدوجة كما تستخدم في الخطاب السائد ـ أو باسم سلطة المحرمات الاجتماعية أو التأويلات البشرية للسلطة الفقهية الرسمية واللارسمية؟ الأكثر غرابة في هذا المشهد القادم من مسرح اللامعقول, ومن كواليس الرعب والخراب, أن خطاب الحرية يرتعد في ظل عالم انهارت حدوده, وانكسرت قيوده, ولم يعد في مقدور أو سلطة المؤسسات الدينية, أو الاجتماعية, أو الدول, أو الجمعيات غير الحكومية أن تفرض قيدا أو تضع شرطا علي حرية التعبير والنشر والتوزيع, عالم يهدر بحريات لا ضفاف لها, وتدفق هائل للمعلومات والصور والأساطير المرئية والمكتوبة والمنطوقة وفي ظل تفتح وتوهج للأخيلة والملكات العقلية والوجدانية والحواسية, يحاول ممثلو السلطة الثقافية الرسمية فرض عقلية المصادرة والتحريم, والتحديد لما هو الأدب الأخلاقي وما هو البورنوجرافيا الخلاعية التي لا تعد أدبا!. مساجلات تكشف عن فقر عميق في الأفكار واللغة وعن تدهور في مستوي السجال العام, والأخطر الملكات السياسية ومهارات إدارة الأزمات لدي الموظفين السياسيين في الحكومة المصرية؟ إن نظرة علي مشاهد وصور التحريض علي حريات الفكر والتعبير والنشر باسم سلطات الأعراف والأخلاق.. إلخ, تكشف عن نزوع سهل لاجتياح الاستقلالية النسبية للحقل الثقافي عن السياسي وغيره من الحقول الأخري! ومحاولة للتجرؤ السوقي علي أدوات الإبداع والإنتاج في المجال الإبداعي والثقافي, من خلال فرض أسئلة وهموم وهواجس السياسة العملية المباشرة علي أسئلة وهموم وأبنية الشعر والرواية والقصة والمسرح والنحت والفنون التشكيلية عموما.. إلخ, بل علي أسئلة الكتابة خارج نص السياسة اليومية, والفكر اليومي كما كان يطلق عليه مهدي عامل ذات يوم أثناء الحرب الأهلية اللبنانية الدامية, ولاسيما في ظل رجوع الجماعة الثقافية اللبنانية إلي تشرنقات الطوائف.. إلخ. إن وراء سياسة فرض أسئلة الفكر السياسي اليومي للحكومة, وبعض القوي المحجوبة من الشرعية وأحزاب معارضة علي الإبداع والنص الثقافي عامة تشكل محاولة لتحقيق أهداف سياسية محضة علي حساب الثقافة والمثقفين ـ بالمعني الدقيق للاصطلاح ـ ويمكن لنا رصد أهداف هذه اللعبة التي أصبحت خطرة علي سمعة الوطن, ودوره الثقافي والإقليمي, والتي أساء إليها الوزير وموظفو فيما يلي: 1ـ إن فرض معايير الأخلاق العمومية الغامضة والمرنة ـ أخلاق من؟ في أي طبقة اجتماعية؟ وأي زمن؟ وأي منطقة؟إلخ ـ, ومعها قواعد الحلال والحرام ـ في ظل أي مذهب فقهي؟ وأي فقيه؟ وأي مرحلة؟ وأي مجتمع؟إلخ ـ علي نصوص الأدب والفكر تجعل المساجلات سهلة لا تحتاج إلي عقل تحليلي أو نقدي أو تركيبي أو تفكيكي, وإنما تحتاج إلي الشعارات الزاعقة والصوت العالي, ويسهل للعقل الوعظي أن ينزل الهزيمة بالمتفلسف أو الباحث الذي يؤصل القضايا والإشكاليات, بل يحوله إلي مسخ كاريكاتوري يثير الضحك, بل الإشفاق. نعم إن إحالة السجال إلي مجال الثنائيات بورنو ـ خلاق, حلال/ حرام وطني/ عميل يؤدي إلي تبسيط الظواهر والمشكلات ويمكن هزيمة المثقف النقدي والمبدع علي مذبح الثنائيات النقيضة ولاسيما إذا صاحب ذلك ضجيج من الشعارات الصاخبة. 2ـ إن نقل الهجوم السياسي والإيديولوجي والديني والأخلاقي للمجال الثقافي يؤدي إلي إعادة صياغة قوائم الأعمال الأساسية في الأمة, ويجبر الحكومة والصفوة السياسية الحاكمة علي تغيير أولوياتها ويسهل إحراجها, وهزيمتها معنويا أمام الناس ويدفعها للتراجع وتبني خطاب خصومها السياسيين بالمزايدة عليهم دينيا وأخلاقيا وعرفيا, وهذا يقوي من مواقع الخصوم لا الحكومة المرعوبة من أي حوار جاد في البرلمان أو خارجه! 3ـ القوي التي تضع بنود الحوار العام ـ أو السجال أو الهجاء العام ـ هي التي تستطيع صياغة بارومتر المزاج السياسي, ومن ثم القدرة علي المبادرة السياسية ويمكن تحقيق هذا الهدف السياسي المهم, عبر الإغارات الدائمة علي الأدب والنصوص الإبداعية عموما! وفي الأزمة الأخيرة حقق وزير الثقافة ورجاله ـ وخيالات المؤامرة ـ هدفا ثمينا لصالح بعض القوي السياسة المعارضة في سبيل دفاعه عن موقعه لا عن الثقافة!. 4ـ أن الهجوم علي الثقافة والإبداع, يحقق للمهاجم حضورا وتمثيلا واستعراضا في الإعلام لأنه يدخل في مساحة ضوء ساطع, ومن ثم يكسر حواجز الصمت والتعتيم. من حق الوزير وموظيفه ارتداء أكاليل الانتصار المزعوم ولكن صخب الإعلام والتصريحات المتوترة والعنيفة والصاخبة وكثافة حشد الموظفين وعمال الوزارة في نداوته ومعه رئيس هيئة الكتاب ومثقفو مسك المصالح من المنتصف تكشف عن نهاية ما سنشهدها طال الوقت أم قصر! |
|
إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار
|
A technical blog News, reviews and previews of PlayStation games |