إلي الرئيس بوش

إلي الرئيس بوش
بقلم ‏:‏ رضا هلال

نص الرسالة

السيد جورج ووكر بوش
رئيس الولايات المتحدة
‏1600‏ بنسلفانيا أفينيو ـ واشنطن دي‏.‏ سي‏20500:‏
قبيل أن يلتقي بكم الرئيس حسني مبارك‏,‏ في أول قمة تجمعكما‏,‏ أتذكر ما تعلمته ودرسته في بلدكم الحر المتقدم‏.‏ أتذكر ما قاله الرئيس هاري ترومان عن دورات التاريخ التي توالت خلالها الحضارات التي بدأت مع رمسيس وانتقلت إلي اليونان ثم روما ثم أوروبا حتي انتقلت إلي أمريكا‏.‏
وأتذكر سلسلة محاضرات والف فلاندرز في جامعة هارفارد عن تعاقب الحضاراتـ القوي عبر التاريخ من الحضارة الأم حضارة وادي النيل حتي تسيدت القوة الأمريكية العالم‏.‏

وأتذكر ـأيضاـ ما قاله نابليون بونابرت بأن ما من امبراطورية في التاريخ تجاهلت مصر وموقعها كمركز للعالم‏.‏
وأتذكر ـكذلكـ ما كتبه مؤرخكم الشهير بول كيندي في كتابه الشهير الدول المحورية‏,‏ بأن مصر دولة ذات أهمية استراتيجية منذ وقت الحملة الفرنسية في‏1798‏ علي الأقل‏,‏ وبأنه إذا كانت أمريكا هي القوة العالمية الأعظم‏,‏ فإن مصر دولة محورية إقليمية لا غني لأمريكا عنها‏.‏

السيد الرئيس‏:‏
أعلم أنكم مازلتم بصدد تشكيل سياستكم الخارجية في الشرق الأوسط‏,‏ وتسمية أركان إدارتكم من المختصين بالمنطقة‏.‏ ومن هنا تأتي أهمية زيارة الرئيس مبارك إلي واشنطن للقائكم‏,‏ كتأكيد علي حرص مصر علي علاقاتها بالولايات المتحدة وعلي الشراكة المصريةـ الأمريكية في الجهود البناءة من أجل الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط ومن أجل نمو وتحديث الاقتصاد المصري‏.‏
ولا أخفي ـسيادة الرئيسـ أنه قد أزعجنا في مصر‏,‏ أنكم اخترتم تجنب الانخراط المباشر في عملية السلام العربيةـ الإسرائيلية‏,‏ بالرغم من أن الخبرة تدلنا علي أنه ما كان من الممكن التوصل إلي اتفاقات السلام بين إسرائيل وكل من مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية دون دور أمريكي ضاغط‏.‏ ونعلم أن التدخل المفرط والمتسرع من إدارة كلينتون في أواخر أيامها من أجل التوصل إلي اتفاق سلام نهائي بين الفلسطينيين وإسرائيل‏,‏ حتي يفوز كلينتون بجائزة نوبل للسلام‏,‏ قد انتهي بانهيار المفاوضات واندلاع العنف‏,‏ وهذا أمر تحذرون تكراره‏.‏ ولكن اكتفاء إدارتكم بالمناشدة بوقف العنف قبل استئناف المفاوضات‏,‏ وبالرجاء من إسرائيل أن توقف الحصار الاقتصادي واللوجيستي الذي تفرضه علي الفلسطينيين‏,‏ هو أمر لا يتفق مع مقام الولايات المتحدة ودورها العالمي‏,‏ باعتبارها القوة العظمي الوحيدة بل إنه قد يعكس حالة من عجز القوة في المدي الأطول‏.‏ ولا نتصور أن الضمير الأخلاقي لدي الشعب الأمريكي يقبل التفرج علي مشاهد القتل والقصف والحصار في الأراضي المحتلة‏.‏

لقد أراد شارون‏,‏ بعد لقائكم‏,‏ أن يرسخ لدي الرأي العام في الشرق الأوسط أنه تلقي ضوءا أخضر أمريكيا بقمع الفلسطينيين وباستمرار الحصار‏,‏ وكأنه صاحب القرار في المنطقة التي تراجع فيها الدور الأمريكي‏.‏
ويزعجنا ـسيادة الرئيسـ أنكم تتجهون للتركيز علي المسألة العراقية وليس علي مسألة السلام‏.‏ وبرغم أنني ـ من منطلق الانتصار للحرية والديمقراطية ـ آمل في نهاية قريبة للنظام العراقي ولنظام العقوبات الغبية المفروض علي الشعب العراقي‏,‏ إلا أنني كنصير للسلام أري أن تصاعد العنف وتهديدات حكومة شارون‏,‏ إنذار بانزلاق الشرق الأوسط إلي حافة المواجهة‏.‏ وقد لمس وزير خارجيتكم كولين باول لدي زيارته للمنطقة استياء الرأي العام في مصر من تشددكم تجاهالعراق وتساهلكم تجاه إسرائيل‏.‏ وقد فجر ذلك الاستياء أنكم مهتمون فقط بما تسمونه العقوبات الذكية ضد العراق‏,‏ في حين أن المطلوب منكم هو طرح استراتيجية ذكية تتعامل مع مشكلات إقليم الشرق الأوسط ككل‏.‏

السيد الرئيس‏:‏
يحدوني أمل في علاقة وثيقة بين مصر والولايات المتحدة وهو أمل كل مصري يتطلع إلي أن يكون خيار المستقبل هو تحديث الاقتصاد والديمقراطية‏.‏ ولذلك أري ألا تكون العلاقات المصرية ـ الأمريكية رهينة لعملية السلام أو أسيرة للعلاقات المصرية ـ الإسرائيلية‏,‏ وألا تخضع لضغوط وابتزاز اللوبي‏.‏
أصارحكم بأنه كلما زار الرئيس مبارك واشنطن‏,‏ تعالي الهجوم علي مصر بصيحات قطعالمعونة واضطهاد الأقباط وانتهاك حقوق الإنسان‏.‏
ولا أتفق مع من يقولون بأننا لا نريد المعونة‏,‏ فإسرائيل ـأيضاـ تحصل علي المعونة كمكافأة ودعم في مرحلة ما بعد معاهدة السلام المصريةـ الإسرائيلية‏.‏ ولكن مصر تريد شراكة اقتصادية أساسها منطقة تجارة حرة ومشروعات استثمارية ونقل للتكنولوجيا‏,‏ من أجل نمو وتحديث الاقتصاد المصري‏,‏ وحتي لا يسألنا مجددا كاتب الـ نيويورك تايمز توماس فريدمان‏:‏ لماذا تصنعون رقائق البطاطس ولا تصنعون رقائق الكمبيوتر‏.‏
أما ما يقال عن اضطهاد المسيحيين في مصر‏,‏ فهو أمر يحتاج مناقشة‏.‏ وأقول المسيحيين ولا أقول الأقباط لأن كل المصريين قبط بالأصل‏.‏ فمن جذر الكلمة الفرعونية كوبت التي تعني الأرض السوداءـ الخصبة‏,‏ اشتق اسم مصر‏Egypt‏ في اللغات الهندوـ أوروبية‏.‏ وأدعوكم إلي أن تطلعوا علي تقرير وفد مجلس كنائس نيويورك الذي زار مصر قبل ثلاثة أعوام‏,‏ واستخلص أن مصر لا تعرف الاضطهاد وأن ما يوجد هو تمييز‏.‏ وتعلمون أن مصر تعرضت ـمثلما تعرضت أمريكاـ في العقدين الماضيين لهجمة أصولية دينية‏.‏ ويحسب للرئيس مبارك أنه استأصل شأفة جناحها الإرهابي المسلح‏,‏ إلا أننا مازلنا نعاني من توابع تلك الهجمة مثل التمييز ضد المختلفين في الدين أو الجنس أو الفكر‏.‏ ويتطلع المصريون إلي حل مشكلاتهم داخل بلدهم‏.‏ وأعتقد أن ذلك كان الدرس الذي خلصت إليه لجنة حرية الأديان الأمريكية التي زارت القاهرة أخيرا‏.‏
ولذلك‏,‏ أنهي رسالتي إليكم بنصيحة بول كيندي في كتابه سالف الذكر عندما قال‏:‏ إن المسئولين الأمريكيين يجب أن يتعلموا أن يأخذوا في الاعتبار مخاطر محاولة التدخل في شئون بلد ذي شعب عظيم الحساسية تجاه ما يهدد استقلال مصر وثقافتها ودعمها للقضايا العربية والإسلامية‏.‏
‏..‏ ودامت صداقة مصر والولايات المتحدة‏..‏
ولكم مودتي‏..‏

 
 
 
 

 

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games