كان
المفروض أن يكون هذا الحديث
استكمالا لمحاولات متتابعة
لفهم خصائص وتركيبة القوة
الكبري الأحادية التي تهيمن
اليوم علي العالم وعلي أحوال
شعوبه. ولكن الأحداث فرضت
نفسها. فقد نزل علي مصر وفد
من الولايات المتحدة يمثل لجنة
أنشأها الكونجرس الأمريكي من
أجل الحريات الدينية, جاء
مصر ضمن جولاته في المنطقة
للتعرف علي أحوال الديانات.
وفي مصر كان التركيز علي أحوال
المسيحية وأقباط مصر. وهم
يفسرون إنشاء هذه اللجنة
بالكونجرس تفسيرا يستحق التأمل.
فيذكرون أن بريطانيا العظمي
عندما كانت قوة كبري تهيمن,
قررت أن تخدم الإنسانية فاتخذت
قرارا منفردا بالقضاء علي
العبودية كعمل إنساني يفيد
البشرية كان مطلوبا في مرحلة
معينة. ومن هنا فإن الكونجرس
الأمريكي بدوره رأي أن الولايات
المتحدة التي أصبحت القوة
الكبري عليها أن تقوم بدور
إنساني وتتبني قضايا إنسانية
محددة تخصص لها آلية بذاتها.
وتم الاتفاق علي اقتراح بإنشاء
لجنة باسم لجنة الحريات الدينية,
وهي التي أوفدت هؤلاء الضيوف.
ويؤكد أعضاؤها أن هدفها هو حوار
بناء وليس التفتيش أو التحقيق
والنقد. هذا مايقولون وهذا
مالنا أن نصدقه.
ولست ممن يثورون علي هذه
الزيارات لأسباب ثلاثة:
فأولا من المهم استثمار هذه
الزيارات واعتبارها منبرا
إضافيا للتعريف بالواقع وتوصيل
الرسائل الي المجتمع الأمريكي
ولصانعي القرار من خلال أهله.
وثانيا لأننا مجتمع منفتح أصبح
فيه قدر كبير من الشفافية
والديمقراطية, ليس لدينا
مانخفيه من مشاكل أو إنجازات.
بل لم يعد في إمكاننا أن نخفي
شيئا, فكل حدث تنقله وسائل
الإعلام ويظهر علي الانترنيت
فور حدوثه, وتصاحبه تفسيرات
أغلبها ليست في صالحنا.
وثالثا لأن الحقيقة أفضل بكثير
جدا من الصورة التي تصر وسائل
الإعلام وبعض المتطرفين من كل
جانب, علي إعطائها عن مصر.
ثم إننا لا ننكر مشاكلنا
وتحدياتنا بل وأخطاءنا..
ندركها ونعترف بها كنقطة
للبداية للعمل علي حلها.
وهناك بالفعل خطوات إيجابية
اتخذت نأمل أن تتلوها مساحات
أوسع من الإصلاح الشامل والحد
من كل مايفرق بين المواطنين
بسبب الجنس أو الدين أو
الانتماء السياسي الشرعي.
بهذا المفهوم كان لنا مع الوفد
الأخير لقاء عقد في وزارة
الخارجية, حضره نخبة من
الدبلوماسيين والمفكرين ورجال
الأعمال. ودار حوار مرتجل
صريح وواضح شارك فيه الدكتور
أحمد كمال أبو المجد باقتداره
ووطنيته, كما شارك فيه
الأستاذ أنيس اكليماندوس الذي
له رصيد في الاتصال بالمصريين
في المهجر وفهم واضح لظروفهم
ودوافعهم, والسفيرة هاجر
الإسلامبولي بما لها من دراية
واتصالات بالمجتمع الأمريكي.
وقد اقترح علي البعض ـ واقتنعت ـ
بأن أشرك القاريء فيما دار
بيننا في هذا الاجتماع من حديث,
وليس لي أن أنقل أقوال سواي,
وأقتصر علي عرض رؤيتي التي
طرحتها. والتي شملت أمورا
أربعة: قضية الاهتمام
بالأديان وبالمسيحية, ظاهرة
الكشح أبعادها ومداها
ومواجهتها, النظرة الشاملة
لحقوق الإنسان, وأحكام الكشح.
كانت البداية ماأشار إليه الوفد
إلي ماقوبلت به زيارتهم من رفض
وغضب. وكان مهما أن نشرح أن
هذا لا يجوز أن يفهم أن مصر لا
ترحب بكل ضيوفها, فمصر لها
تاريخ طويل في إكرام من يفد
إليها وحماية ضيوفها, فهي
التي استقبلت العائلة المقدسة
عند هروبها من الرومان, وهي
التي فتحت أبوابها لأعداد كبيرة
من اليهود الذين فروا من اضطهاد
أوروبا. كما أننا آوينا خمسة
ملوك بعضهم كانوا من أكبر
أصدقاء الغرب الذي تنكر لهم.
وأكدت لهم أننا في مصر كلنا
مصريون, جاءت المسيحية إلي
مصر فاعتنقها المصريون, ثم
جاء الإسلام فامنوا به أيضا.
وبالتالي فنحن شعب واحد متماسك
يسعي لحل مشاكله بنفسه دون تدخل
من الخارج, لا يريد إقحام
الغريب الوافد في أحواله.
خاصة أن الوافدين كان هدفهم
الاحتلال أو السيطرة. وتكون
لدينا مع الأيام إحساس
بالخصوصية وبالوحدة الوطنية
التي نرفض اختراقها. وهذا
الواقع يختلف تماما عن الأوضاع
في الولايات المتحدة, فكل من
بها جاء من الخارج..
والأمريكيون كلهم أصلا مهاجرون
من بلدان أخري والوافد لا يعتبر
دخيلا, فهي الأرض الثرية
والدولة الجديدة التي لكل من
يقدر الحق فيها, والتركيبة
الاجتماعية والنفسية تختلف
تماما. والاعتراض الذي
استشعره الوفد لا يتعلق بوجودهم
كضيوف, ولكنه ينصب علي
الدوافع والنوايا والمدخل
والأسلوب.
وأكدت لهم أنه خلال عملي كرئيسة
لمجلس أوصياء برامج حقوق
الإنسان بالأمم المتحدة ـ وهي
عديدة منتشرة في أنحاء العالم ـ
ثبت لنا أن حماية حقوق الإنسان
لا تتحقق بمجرد الرصد والتفتيش
وكتابة التقارير, كما أنها
أيضا ليست فقط توزيع المعونات
الإنسانية, ولكنها كي تنجح
يجب أن تركز علي توفير الحلول,
والتعاون والمساهمة في العلاج,
وتشييد البنية الأساسية لحقوق
الإنسان.
وأوضحت أن الاهتمام بأحوال
الناس, جميع الناس, موقف
إنساني. ومادام الوفد مهتما
بأمور الأديان وأحوال المسيحية
في الشرق الأوسط, ونظرا
لأنهم في مصر من أجل الحوار
وتبادل الآراء, فإني أود أن
أعرض أمورا ثلاثة تقلقني وتتعلق
بالمسيحية: ـ
أولا: يقلقنا جميعا هنا أن
اهتمام الولايات المتحدة
بالمسيحيين في الشرق الأوسط
اهتمام غير كامل, فإذا كانت
أحوال المسيحيين عموما هي
الدافع الأول للاهتمام بما يدور
في منطقتنا, فلا أفهم هذا
التجاهل التام لأحوال
المسيحيين في فلسطين, ليس
علي أيدي زمرة من المتطرفين
الذين تسعي الدول للقضاء عليهم
كما هو الحال في مصر, ولكن
بمدافع وصواريخ جيش نظامي لدولة
تساندها الولايات المتحدة بلا
حدود. ومنذ أسابيع نزلت
القذائف الثقيلة ـ وبعضها هدية
أمريكية ـ علي قرية بيت جالا وهي
قرية فلسطينية غالبيتها من
المسيحيين.. ولكني لم أسمع
صوتا ولا همسا في الكونجرس حول
ماحل بها, ولم تذهب لزيارتهم
وفود أو جماعات رسمية أو لجان
للتعرف علي هذه المأساة,
وعلي الجرائم التي ترتكبها
إسرائيل يوميا ضد المدنيين
العزل وأطفال الحجارة بينما
المسيحية الحقيقية تهم بكل
البشر وقد أهدروا المقدسات
المسيحية, لذلك نرفض أن يكون
مهد رسالة السيد المسيح تحت
سلطة إسرائيل. وبالنسبة
لاهتمامكم بالحريات الدينية,
فإن الفلسطينيين تحت الحصار
ممنوعون من الذهاب لدور العبادة
وهو ماأعلنه مجمع الكنائس
العالمي الذي اجتمع في برلين.
ثانيا: أني أشعر بقلق شديد
علي المسيحية في الولايات
المتحدة نفسها, فقد حادت
قطاعات كبيرة من المجتمع وساسته
عن تعاليمها وأهدرت مبادئها.
ليس فقط في قيم التعامل اليومي
وتفكك الأسرة وسيطرة المادة
والمال, ولكنه انحراف عن
المسيحية وصل حد تقنين سلوكيات
وعلاقات وتعاملات نص الإنجيل
المقدس صراحة علي تحريمها.
ثالثا: أعتقد أنه في إمكان
الأمريكيين رفع الإساءة عن
المسيحية هناك في واشنطن. إذ
أري أنه إذا كان من الممكن
اغتيال الإنسان فإنه من الممكن
أيضا اغتيال العقائد
والمعتقدات. وكما أن
المتطرفين الإسلاميين يسيئون
إلي العقيدة الإسلامية ومابها
من سماحة وإخاء, وإسرائيل
تسيء إلي الديانة اليهودية,
فإن القرارات غير العادلة أو
الظالمة والمواقف التي لا تتصف
بالإنسانية التي تخرج من
الكونجرس تعطي إنطباعا سيئا
وغير صحيح عن المسيحية
وتعاليمها التي تقوم علي السلام
والمساواة والتسامح.
وأعتقد صادقة أن تحسين القرارات
الصادرة من واشنطن, والعودة
الي التعاليم الصحيحة للمسيحية
التي تبناها مؤسسو الولايات
المتحدة سوف يساعد علي فهم
العالم للمسيحية علي حقيقتها,
كما أنه يعود بالفائدة ليس علي
المسيحيين فقط, بل علي
المجتمع البشري وعلي تقييم
العالم للسياسة الأمريكية.
وشرحت أني لا أريد أن أقدم موعظة
أو تأنيبا فإني أومن بما جاء في
الإنجيل المقدس قبل أن تخرج
القشة التي في عين أخيك, أخرج
أولا الخشبة التي في عينك حتي
تتمكن أن تري أفضل وتقدر علي
مساعدة أخيك. والقشة التي في
عيني هي الكشح ونحن نحاول
التخلص منها, وأعلم أنها أمر
أساسي بالنسبة لكم وأحد دوافع
حضوركم قبيل زيارة الرئيس.
إن ماحدث في الكشح علي أيدي
متعصبين, يثيرهم إرهاب تدعمه
جماعات تدربت خارج مصر في
أفغانستان بتشجيع من أجهزة أنتم
تعرفون جيدا ماهي وبتمويل انتم
مصدره, جريمة منكرة. فإذا
كان لديكم وصفة سحرية وعلاج
أكيد لمثل هذه الأحداث فأهلا
بكم وبه. وإذا كان هناك وسيلة
لوقف التطرف وانحرافاته فإننا
نرحب بأن نستمع إليها لأن شعب
مصر كله يرفض ماحدث.
إننا في مصر لا نعتبر الكشح
مأساة مسيحية, ولكنها مأساة
وطنية رفضها المصريون جميعا.
وهي ليست القاعدة في العلاقات
بل هي الاستثناء الذي ندر وقوعه
خلال السنوات الأخيرة. كما
أنها ليست تطبيقا لسياسة الدولة,
بل هي انتهاك للمواقف الرسمية
ولاتجاهات القيادات السياسية
الذين يعانون من التطرف بعد أن
جعلهم هدفه الأكبر.
أما عن تقييم احترام قضية حقوق
الإنسان فهذا يجب أن يتم من خلال
نظرة شاملة, ليست فقط
بالنسبة لتطبيقها لكل إنسان
وإنما أيضا بالنسبة للاهتمام
بكل الحقوق, ذلك لأن جوانبها
متعددة وتطبيقاتها كثيرة,
والحرية الدينية جانب أساسي
منها ولكنها جانب واحد فقط في
التعبير عنها. والاهتمام بكل
الحقوق مطلوب بنفس القدر من أجل
تحقيق كل حق منها. فانتشار
ثقافة حقوق الإنسان تشيع مناخا
يمنع انتهاكها في كل المجالات,
ومنها مجال حرية الأديان.
ومصر اتخذت خطوات جادة في مجال
تشييد البنية الأساسية لحقوق
الإنسان. فهي البلد الوحيد
في المنطقة الذي به ثلاثة معاهد
لتدريب القضاة, وأكاديمية
للشرطة تنفرد بأن بها مركزا
لحقوق الإنسان, كما يدرس
الطلبة بها مناهج كلية الحقوق
كاملة حتي يكون سلوكهم قائما
علي سيادة القانون. ومصر من
الدول التي طلبت من الأمم
المتحدة برامج متخصصة في تدريب
وكلاء النيابة الجدد في حقوق
الإنسان. كما أنشأت مصر
المجلس القومي للمرأة للنهوض
بأحوالها واحترام حقوقها.
والاهتمام واضح بحقوق الطفل فقد
تبنت مصر في الأمم المتحدة
الوثيقة الدولية لحقوق الطفل.
وبها قوانين تشجع قيام الجمعيات
غير الحكومية من أجل مشاركة
المواطنين في حل المشاكل ووضع
السياسات, وإشراف قضائي علي
الانتخابات, وبها حركة دءوب
لتوفر الإسكان الذي أصبح يعتبر
حقا أساسيا لكل فرد. وبها
حملات قومية للقراءة التي هي
جانب من جوانب الحق في التنمية,
وحملات أخري لحماية الآثار
والتراث والهوية والاهتمام
بذوي الاحتياجات الخاصة وكلها
حقوق يطالب بها المجتمع الدولي.
وهناك تعديل لقواعد إصلاح
الكنائس واسراع في إصدار
التصاريح, وأمل في صدور
قانون موحد لدور العبادة.
وفي مصر فإن الحق في حرية
العبادة مكفول. ومايحدث من
تجاوزات ماهو إلا انعكاس لمناخ
دخيل علي مصر له خمسة مصادر نعمل
علي إزالتها, من أهمها
الحالة الاقتصادية الصعبة
عموما والمشاكل الاقتصادية
المعاصرة, وهي أمور يمكن
للولايات المتحدة أن تسهم في
تخفيف حدتها إن أرادت اقتلاع
بعض جذور التطرف. ولا أقصد
هنا المعونات بل الاستثمار
والمشاركة, وتشجيع السياحة
بدلا من منعها, واحترام
ضرورة مراعاة البعد الاجتماعي
في الإصلاح المالي والاقتصادي,
ونشر الحقائق المشجعة بدلا من
الإشاعات المبالغ فيها, وعدم
نشر المقولات أو كتابة التقارير
التي تعطي انطباعا سلبيا عن مصر
وشعبها واستقرارها ووحدتها
التي نعتز بها رغم مايقع من
تجاوزات تبلغ أحيانا حد الجرائم.
ويمكن للوفد خلال فترة زيارة
مصر أن يلمس ويري علامات ذلك
الإخاء في سلوك القيادة
السياسية وموقف القيادات
الدينية, ومن رؤية السيدات
في الشارع يرتدين علامة الصليب
بلا تردد أو خوف وهو أمر يخشاه
البعض في دول أخري.
قلت لهم اذهبوا إلي مصر القديمة
لتجدوا كشافة البيئة من الصغار
والشباب يقومون بالتنظيف
والتشجير حول وداخل الجامع
والكنيسة والمعبد اليهودي علي
حد سواء.. ولتروا ماتسهم به
الدولة من ميزانيتها للإنفاق
علي تطوير دور العبادة الثلاث
من أجل مجمع الأديان, التي هي
كلها معا جزء من تراثنا نعتز به.
واستمعوا في نفس الوقت للمشاكل,
ولكن ضعوها في إطارها الصحيح,
وأدركوا أسبابها, وتابعوا
مايتخذ من خطوات من أجل حسمها.
وهي خطوات نرجو ونتوقع ان تستمر
وأن تتكثف.
وبالنسبة للجانب القضائي
ولأحكام الكشح فإنه فعلا لا
يتصور ألا تصدر أحكام بالإدانة
وهناك عدد كبير من الأقباط
سقطوا صرعي في تلك المعركة
البغيضة. ومن أجل ذلك
أستأنفت النيابة الحكم لتقصير
في جمع الأدلة. والصعوبة هنا
كما تعلمون أنه في أحداث الشغب
والتجمهر فإن تحديد الفاعل بما
لا يحتمل الشك أمر صعب والإدانة
لابد أن تكون بأدلة مؤكدة
لتأكيد العدالة الجنائية,
والشك يؤول لصالح المتهم.
وقد عبر المسيحيون من أهالي
المنطقة عن أنهم لا يريدون مجرد
القصاص من أي شخص ولكنهم ـ مثل
غيرهم ـ يطالبون بمعاقبة القتلة.
إن نظامنا القضائي نظام صلب
أصيل ولا يوجد في إدارة العدالة
لدينا أسلوب المقايضة أو
الاتفاق علي صفقة مع الادعاء
كما هو متاح في النظام الأمريكي.
ولا يمكن عندنا توقيع العقاب
الجماعي فهذا يحدث فقط في
إسرائيل, حيث يوقع العقاب
علي قرية بأكملها أو أسرة
بكاملها إذا اشترك أحد أبنائها
في عمليات التحرير. هذا إلي
جانب أن هناك أفرادا وجماعات
وجمعيات كافية في مصر ترقب
وتنتظر وترصد هذه المحاكمة ولا
داعي لأن تظنوا أن الأمر يحتاج
إلي متابعة خارجية.
هذا ماقلته لهم وهو لا ينفي أن
هناك أمورا لابد من حسمها
ومسئوليات تقع علينا هنا حكومة
وشعبا. وأعلم أنهم استمعوا
وأن رجل الدين المسيحي وافقني
ولكنني لا أدعي أنهم اقتنعوا
جميعا أو أنهم سوف يقدمون
الحقائق في تقريرهم, وبعض
هذه التقارير كثيرا مايكون
إطارها قد أعد سلفا.. والله
أعلم.