بحكم
اهتمامي برصد إدراك الآخرين لنا,
خاصة فيما يتعلق بأصولناالثقافية
والعقائد للتعرف علي أوجه الخلل
القائمة في عمليات التواصل
عبرالثقافات, بهدف الإسهام
العلمي للتغلب عليها في واقع
الممارسة.. اخترت من ملفي الخاص
عن هذا الموضوع مقالا للكاتب جون
مونرو بعنوان الإسلام ونحن لكي
يكون موضع دراسة ومناظرة في هذه
الصفحة المهمة والجديدة في صحيفة
الأهرام التي تسعي دائما لتقديم
الجديد والمتطور لإثراء التفاعلات
الإعلامية.
وبالرغم من أن هذا المقال قد نشر
عام1994, إلا أن الأطروحات التي
تضمنها وقام بتجميعها وعرضها كاتب
المقال, هي أطروحات متكررة
وبكثافة عالية ليس فقط في الإعلام
الغربي, بل في التفاعلات
الدبلوماسية والأكاديمية والفكر
الاستراتيجي في الغرب إلي اليوم..
وإذا كنا بحاجة إلي فتح الحوار
الجاد من أجل إحقاق حقوقنا, ومنع
صدامات لا مبررحقيقيا لها,
فلابد أن نسعي لإزالة أوجه الخلل
والخطأ واللبس في إدراك الآخرين
لنا ولأصول معتقداتنا وديننا
الحنيف.
والدخول في مناقشة وحوار جاد معهم
من أجل الوصول إلي كلمة سواء تحد من
وقوع أخطاء قاتلة بين الشعوب,
وإزالة حالة التربص وسوء الفهم
التي لاتزال قائمة وتتعدد أمثلتها
وأشكالها.
وهنا نرصد ما يلي:
(1) الخلط في نهاية
المطاف بين الإسلام وبين الأصولية
بالمعني الغربي:
فعلي الرغم من استشهاد الكاتب
بمقولة بيلترو علي وجه الخصوص من أن
حكومة الولايات المتحدة ليس لها
مشكلة مع الإسلام كدين, وهو
الأمر الذي صرحت به عدة إدارات
أمريكية حقيقة, إلا أن نتيجة
المقال وتحليله في كلياته
واستنتاجاته لتدل علي ترديف
الإسلام بـالأصولية, التي تعني
في المفهوم الغربي التطرف ومعاداة
الغرب بسبب أو من غير سبب, وأكبر
دليل علي ذلك أنه حتي وإن ادعي
المقال التفريق, إلا أن العنوان
وما ورد من أشياء مشتركة رصدها
المقال بين المسلمين المعتدلين
والأصوليين تؤكد وجود هذا الخلط
واللبس الذي لايزال بحاجة إلي
التوضيح وفك اشتباكات خاطئة كثيرة
في جزئيات تفصيلية بعينها.
ولا يدل علي وجود هذا الخلط الكبير
والخلل في وجهة النظر الغربية ما
أورده أخيرا الكاتب البريطاني
المعروف باتريك سيل في مقال له
بجريدة الحياة اللندنية بعنوان
التحالف الأمريكي الروسي ضد
الإسلام( بتاريخ18 يناير2001),
حيث يحذر من مقولات دونالد
رامسفيلد, الذي عين في إدارة بوش
الحالية في منصب وزير الدفاع.
ويفيد باتريك سيل في تحليله أن
الأمر يتخطي مفهوم الأصولية
الإسلامية, الذي اعتاد الغرب
الاختباء خلفه إلي الإسلام نفسه,
وكذلك ترديف الإسلام بالإرهاب,
وهو الأمر الذي يتطلب منا التصدي
للخلط وسوء الفهم في هذا الصدد من
خلال الدبلوماسية الرسمية, وعلي
مستوي الدبلوماسية الشعبية
والإعلامية.
ولاشك أن الدبلوماسية المصرية قد
قامت بجهود محمودة في هذا الصدد,
وتمثلت في مناقشات عديدة وفي
الإعلام الغربي نفسه, حيث كان
وزير خارجيتنا عمرو موسي مشاركا
فيها في أثناء الزيارة الأخيرة
للرئيس مبارك إلي واشنطن, وكانت
حول أطروحة صدام الحضارات.. ولكن,
ومع ما هو راسخ من تصورات خاطئة أو
مخطأة, لايزال الجهد المطلوب
كبيرا في هذا الصدد علي عدة أصعدة.
(2) الخلط بين فكرة
النسبية الإنسانية والإيمان
المطلق:
السؤال الذي يثار عادة ـ وبحاجة إلي
المنافشة ـ كما في مقال مونرو وفي
طروحات كثيرة مماثلة, هو أن
السياسة فن الممكن, وأن
التفاعلات الإنسانية نسبية,
بينما الإيمان مطلق والدين مطلق,
وأن النسبي والمطلق لا يلتقيان..
وأخيرا سمعت أحد المتحدثين يقول
أنا رجل فلسفة, وأتحدث عن
التفاوض.. والتفاوض نسبي ويوجه
كلامه لأحد رجال الدين علي الطرف
الآخر من مائدة برنامج الاتجاه
المعاكس بقناة الجزيرة, ويقول
له وانت رجل دين تتحدث عن المطلق.
والنقطة التي تحتاج إلي التوضيح
هنا في حالة مونرو وكذلك في حالة
متحدثنا العربي هذا, تتمثل في أن
نظام المعتقدات لأي عقيدة مسيحية
كانت أو إسلامية أو يهودية, هو
نظام مغلق يؤمن به أتباع هذا الدين
أو ذاك, ولكن عندما يتفاعلون
ويتفاوضون في قضيا تمس المصالح
المشتركة, فإن هناك النظام
المفتوح لأي عقيدة, وهو الذي
يتدخل هنا من منطلقات وخلفيات عامة,
ومنطق العقائد كلها يمكن من خلاله
معرفة الحقوق والواجبات, ومن
مرتكب الاعتداء ومن المعتدي عليه,
ومن قال ماذا ومتي وأين وكيف,
وأثر كل ذلك, وأنه لا فرض لعقيدة
أحد علي الآخر, فالنبي ـ صلي
الله عليه وسلم ـ عندما كان يتحدث
إلي الكفار, ورد عنه في القرآن
الكريم قوله:( وإنا أو إياكم علي
هدي أو في ضلال مبين) سبأ24.
أي اننا عندما نتحدث ونتحاور مع
الآخرين لا نقول لهم عقيدتكم
وعقيدتنا وأيهما أصوب.. ولكن
مجال الكلام ومجال التفاوض هو مجال
الأسلوب العلمي بين أصحاب كل
العقائد وهو مفتوح علي مصراعيه
لتحقيق العدل وإحقاق الحقوق وتحقيق
النماء وأخوة البشر والمصالح
المشروعة.. ومن حقنا أن يكون لنا
نموذجنا الخاص بنا, والذي
نتفاعل من خلاله وعلي أساسه,
ولقد أوضح د. أسامة الباز ـ في
حديثه في إحدي الأمسيات الثقافية
في الجنادرية بالرياض(2001/1/19) ـ
أن التحديات التي نواجهها علي
أصعدة عديدة قد أثبتت عدم صحة
انتهاج نموذج التغريب واحتذاء
النموذج الغربي أو النموذج
الأمريكي, ولكن علينا أن نسعي
إلي صياغة وتفعيل أسس راسخة لنموذج
خاص بنا, وأن الإسلام هو ثقافة
العرب بلا جدال, وما علينا إلا
المزيد من الاجتهادات لتدشين نموذج
عصري وحديث ينبني علي دعم أسس
هويتنا وربطها بالتقدم والنمو,
وإحراز المكانة اللائقة بهذه الأمة.
(3) تحويل الفهم
الخاطئ إلي سياسات خاطئة:
من هنا, فإن ما قاله مونرو من أنه
لابد للولايات المتحدة أن تقدم كل
ماتملكه من دعم وتأييد لأمثال
سلمان رشدي الذي وقف في وجه
الأصوليين.., والحقيقة أنه أساء
للإسلام ولأي مسلم فيما ورد عنه في
روايته..
ومقولة مونرو هنا تمثل ـ من وجهة
نظري ـ نفس ما ينتقده ويأخذه مونرو
علي الأصوليين والمتطرفين..
والخلط هنا يكمن في أن حرية الإبداع
لا تعني سب عقائد الأخرين فهذا
ممنوع في أمريكا قانونا,
ونظريات الإبداع في النقد الأدبي
الحديث والأساتذة من كبار النقاد
في الغرب لا تجيز هذا ولايزال
اليهود يدينون شكسبير لتصويره
لليهود في صورة لا يرضونها لأنفسهم..
ومن يريد أن يتعرف علي نظريات النقد
الأدبي الحديثة في الغرب نفسه,
وهي تنتقد ما ورد في أعمال سلمان
رشدي ومن هم علي شاكلته, فعليه
أن يرجع إلي مرجع مهم وهو للأستاذ
والناقد الأمريكي المعروف
(WayneBooth)
بعنوان بلاغة الفن القصصي, خاصة
الفصل الخامس في هذا المرجع
الكلاسيكي المهم بعنوان العواطف
والمعتقدات وموضوعية القارئ,
الذي يفيد بأحقية تجريم الكاتب إذا
اختفي وراء شخصياته ليسب عقيدة أو
أشخاصا ما.. لأن الإبداع لا يدخل
فيه التشهير والإساءة البينة
للمعتقدات وللآخرين.
(4) الحرية في الغرب
وعندنا
لاشك أن هذا موضوع يتسع لتناوله من
زوايا عديدة, ولكن بخصوص ما
اثاره مونرو بشكل الأبيض والأسود,
وهو الحرية المطلقة عندهم والطاعة
المطلقة عندنا.. ففي هذا تبسيط
مخل, فهناك سقف في كل ثقافة وفي
كل معتقد.. حتي في الولايات
المتحدة التي يتحدث منها الكاتب.
هناك سقف المحكمة الدستورية حتي لا
يكون لك حرية الاعتداء علي الغير,
وهناك سقف قانون الأدلة السرية
الذي حبس بمقتضاه مواطنون, بل
وعالم أمريكي أخيرا, وهناك سقف
قوانين العمل والتنظيمات وغير ذلك..
وكلها تستوجب الطاعة من المواطن
المنضبط.. أما حرية الاعتقاد بما
يمليه العقل والضميرالذي تحدث
عنهما مونرو, فهي في صميم ما
يدعو إليه الدين الحنيف, ولا
يشكل ما قاله اختلاف واضح بين ما
يمارسونه ويعتقدونه وبين مانمارسه
ونعتقده من حيث الفكرة.. ولكن
اتسم هذا الجزء بافتعال التناقض
وإسباغ حالة من الاستعلاء الثقافي
غير المبرر علميا وواقعيا من زوايا
عديدة.
(5) الخطر الحقيقي هو
مناورات إيجاد العدو
الخطرالحقيقي الذي يكمن في مقولات
مونرو التي تسوغ وتهيئ لعملية
إيجاد العدو بإظهار التباين
والتناقض الحاد ومطالبة الآخرين
بالتبعية والخروج عن معتقداتهم أو
جزء منها ـ كما ورد في المقال,
وهي المقولات نفسها التي أظهرها
هانتينجتون وكتاب كاسبرونيرج عن
الحرب المقبلة ومقال باتريك سيل
الأخير الذي أشرنا إليه وإلي ما ذلك..
هل في ثقافة الغرب أو في الثقافة
الأمريكية شيء أصيل يقول بإيجاد
العدووحشد كل الطاقات لمقتله
واحتوائه وضربه؟.. هل الموضوع
يتعلق بمفهوم الهيمنة وفرض منطق
شريعة الغاب وفرض نوع العقيدة التي
يريدها الغرب وشكلها وأسلوبها؟..
أم هل الأمر يتعلق بإمبراطورية
جديدة تنبني علي فكرة ترويج بيع
الأسلحة وتجريبها وإفساد البشر
والبيئة؟..
كلها أسئلة مشروعة للبحث فيها,
ولابد أن نأخذها إلي ساحة حوارات
جادة لنتبين هل الأمر سوء فهم أم
سوء نية؟ والله أعلم وهو وحده
المستعان.. وهو القاهر فوق عباده..
وهو الناصر لمن ينصره.