أسماء مصر

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر

أسماء مصر
بقلم‏:‏ أحمد عبدالمعطي حجازي

سرني أن يلقي اهتمام القراء الأعزاء ما كتبته حول مصر ووحدة تاريخها‏,‏ وتواصل حضارتها في الثقافات التي اتصل بها المصريون‏,‏ وفي اللغات التي تكلموها‏,‏ والديانات التي اعتنقوها وطبعوها جميعا بطابعهم الأصيل الخلاق‏,‏ هذا الطابع الذي أصبحت فيه ثقافة مصر المسيحية امتدادا لثقافتها الفرعونية‏,‏ وأصبحت ثقافتها العربية الإسلامية امتدادا لثقافاتها السابقة كلها‏.‏
ولقد تلقيت مجموعة من الرسائل أشرت إلي بعضها في المقالة السابقة‏.‏ ويسرني أن أشير في هذه المقالة إلي رسائل أخري تفيض لطفا ومودة وسماحة تلقيتها من الطبيب الدكتور طلعت قلدس موسي‏,‏ والأستاذ رفعت يونان عضو الجمعية المصرية للدراسات التاريخية‏,‏ والطبيب الدكتور وفيق عدلي جيد الذي يذكر في رسالته أنه باحث يتكلم اللغة المصرية القبطية إلي جانب عمله كطبيب‏.‏ وقد جاء في رسالته ما يلي‏:‏

بخصوص مقال سيادتكم المنشور بالأهرام في الخامس عشر من نوفمبر الماضي بعنوان كل مصري قبطي الذي أثلج صدر كل مصري غيور علي هويته ومصريته‏,‏ اسمحوا لي أن أضيف الآتي‏:‏ اسم مصر الشائع بين أهلها كان دائما وأبدا هو كيمي‏.‏ أما كلمة مصر و
‏Egypt
(إجيبتوس‏)‏ أو قبطي‏,‏ فهي كلمات أجنبية عربية ويونانية‏.‏
أما بخصوص اللغة القبطية‏,‏ فهي أيضا كان اسمها دائما وأبدا اللغة المصرية‏.‏ وكانت العبارة الدالة عليها تنطق هكذا‏(‏ تي أسبي ان رمنكيمي‏),‏ ومعناها اللغة الكيمية أي المصرية‏.‏ أما القبطية فليست لغة‏,‏ ولكنها كتابة أو خط كما جاء في كتاب ألن جاردنر والدكتور عبدالحليم نور الدين‏.‏
وفيما يتعلق بتأثير اليونانية عليها‏,‏ فهو لا يتعدي العبارات والألفاظ التي يستطيع أي دارس أن يميزها بسهولة عن القبطية‏(‏ المصرية‏)‏ النقية التي هي في جوهرها وعباراتها ومفرداتها وقواعدها هي اللغة المصرية القديمة نفسها التي كانت مستعملة في زمن الفراعنة‏,‏ لكنها أصبحت تكتب بالحروف اليونانية لأنها أسهل‏,‏ وتشتمل علي كل الحروف المتحركة التي تساعد علي النطق الصحيح‏,‏ مع مراعاة التطور الذي حدث فيها كما حدث في أي لغة أخري‏.‏
وفيق عدلي جيد
ومع أن اسم مصر في العصور القديمة لم يكن موضوعي في المقالتين السابقتين‏,‏ فهو يتصل بما أثرته فيهما‏,‏ فضلا عن أنه بذاته موضوع مهم يستحق النظر والمناقشة‏.‏
لقد كنت في المقالتين السابقتين أحتفل بالأعمال الفكرية والفنية التي ظهرت في السنوات الأخيرة‏,‏ ودارت حول مصر في العصر المسيحي‏,‏ وحول ثقافتها في ذلك العصر وما أنتجته في الفلسفة والدين والفن‏,‏ مما ينبغي أن نتعمله في مدارسنا‏,‏ وندرسه في جامعاتنا‏,‏ وننشره علي المصريين وعلي العالم‏,‏ ونستلهمه في إنتاجنا المعاصر‏,‏ ونكشف عن صلته بثقافتنا الفرعونية من ناحية‏,‏ وثقافتنا العربية الإسلامية من ناحية أخري‏.‏
كنت أريد أن أسلط الضوء علي الأسباب التي شوهت وعينا‏,‏ وأفسدت موقفنا من تراثنا في العصر المسيحي‏,‏ وأبدد الأوهام التي يستند إليها هذا الموقف الفاسد‏,‏ وأشرح النتائج السلبية الخطيرة التي يؤدي إليها‏.‏

ولقد رأيت أن سببا من أسباب الوقوع في الوهم والخلط يتمثل في الاستعمال الشائع لكلمة قبطي‏,‏ بمعني لا يتفق مع معناها الحقيقي‏.‏ إنها تستعمل في لغتنا اليومية‏,‏ وحتي في معظم كتاباتنا بمعني مسيحي‏,‏ أو بمعني يجمع بين الدلالة الدينية والدينية العرقية‏,‏ وهو معني يوهم بأن المسيحيين المصريين ليسوا فقط طائفة دينية‏,‏ ولكنهم ينتمون إلي أصول تختلف عن الأصول التي ينتمي إليها المسلمون‏.‏
ويزيد الأمر سوءا أن يستعمل البعض كلمة الأمة أو الشعب بمعني ديني‏,‏ فيقال الأمة القبطية أو الأمة الإسلامية وهو استعمال موروث من العصور الوسطي التي كانت فيها الدول والمجتمعات البشرية تتشكل وتنتظم علي أساس ديني قد يتناقض مع التاريخ والثقافة والمصالح المشتركة التي تقوم عليها الأمم وتنشأ الدول في العصور الحديثة التي فصلت بين الدولة والدين‏.‏ فالأمة بالمعني الحديث جماعة بشرية تعيش في أرض واحدة‏,‏ وترتبط فيما بينها بتاريخ وثقافة ومصالح مشتركة لا تتأثر باختلاف العقائد الدينية مادامت الدولة قائمة علي أسس سياسية عملية لا تمييز فيها بين دين وآخر‏.‏
غيرأن لغتنا السياسية لا تخلو من اضطراب وخلط‏,‏ ومازالت تستخدم من العبارات والمصطلحات ما يستدعي فكر العصور الوسطي‏,‏ ويوقع في أوهامها التي تجعل المسيحيين والمسلمين في مصر أمتين مختلفتين لا أمة واحدة‏.‏ ويترتب علي هذا أن يكون تاريخ الأقباط وثقافتهم غير تاريخ المسلمين وثقافتهم‏,‏ وأن يتحول تاريخنا القومي إلي عصور منقطعة منفصلة ممزقة لا يتصل بعضها ببعض‏,‏ أي أن نتحول نحن المصريين إلي جماعات دينية لا يجمع بينها تاريخ مشترك‏,‏ ولا تشعر بهذا الانتماء العميق للوطن الذي تعيش فيه‏,‏ وبتلك الأخوة التي تشد أفرادها بعضهم إلي بعض بصرف النظر عن اختلاف العقائد والأفكار‏.‏

من هنا كان علي أن أقدم المعني الحقيقي لكلمة قبطي‏,‏ وأبين أصله القديم‏,‏ وصلته بعقائد المصريين الفراعنة‏,‏ وأكشف بالتالي عن الخطأ الفاحش الذي نقع فيه حين نستعمل كلمة قبطي بالمعني الشائع الآن‏.‏
أرأيتم أيها السادة أن موضوعي كان مناقشة المقصود من كلمة قبطي‏,‏ ولم يكن البحث في اسم مصر أو أسمائها المتعددة وأصل كل منها‏,‏ ونصيبه من الشيوع والتردد علي ألسنة المصريين في حديثهم عن وطنهم وألسنة الأجانب في حديثهم عن وطننا‏.‏
لكني سأنتهز الفرصة‏,‏ وأعتبر الرسالة دعوة مقترحة‏,‏ للحديث في هذا الموضوع الممتع الذي تعرض له مؤرخون كثيرون أجانب ومصريون في مؤلفاتهم حول مصر وتاريخها‏,‏ ومنها كتاب المؤلفين الألمانيين أدولف إرمان‏,‏ وهرمان رانكة مصر والحياة المصرية في العصور القديمة‏,‏ وهو دراسة حافلة شاملة قام بترجمتها إلي العربية الدكتور عبدالمنعم أبو بكر أستاذ التاريخ الفرعوني في جامعة فاروق الأول ـالإسكندريةـ والأستاذ محرم كمال أمين المتحف المصري‏.‏ وفي هذا الكتاب إشارة مختصرة إلي الاسم الذي جاء ذكره في الرسالة المنشورة‏,‏ وذلك حين يتحدث المؤلفان عن تربة مصر التي تكونت من الطمي وحفر فيها النيل مجراه ولهذا السبب سمي المصريون القدماء بلادهم كمي أي الأرض السوداء‏,‏ تمييزا لها عن الأرض الحمراء الجرداء للصحاري المجاورة‏.‏

وفي الجزء الأول من موسوعة مصر القديمة لرائد الدراسات المصرية في مصر سليم حسن‏,‏ يتعرض العالم الثقة لهذه المسألة‏,‏ فيقول تحت عنوان مصر وأصل المصريين‏:‏ وقد كان يطلق عليها قديما اسم كمي‏.‏ وقد بقي محفوظا إلي أن جاء الإغريق فأسموها إجيبتيوس ولم يفسر أصل اشتقاق هذا الاسم تفسيرا شافيا إلي الآن‏.‏ وأفضل هذه التفاسير حاـ كا ـ بتاح أي مكان الإله بتاح نفسه الذي كان يعبد في بلدة منف عاصمة الديار المصرية في عهد الدولة القديمة‏.‏ ولفظة كمي معناها الأرض السوداء‏.‏ وكانت تطلق علي الوادي الخصب المنزرع‏,‏ أما الأرض التي كانت تحيط به من الشرق والغرب فكانت تسمي تاـ وشر وتعني بالمصرية البلاد الحمراء أي الصحراء‏.‏
غير أن اسم مصر كان موضوعا لبحث رائع مفصل قدمه الدكتور عبدالعزيز صالح في كتابه حضارة مصر القديمة وآثارها‏.‏ وهو يقول في هذا البحث‏:‏ إن المصريين القدماء اعتادوا علي أن يطلقوا علي أنفسهم اسم رمث بمعني الناس‏.‏ ورمثن كيمة بمعني أهل مصر‏,‏ ورمثن باتا بمعني ناس الأرض‏,‏ وأوشكوا أن يقصروا هذه التسمية علي أنفسهم‏,‏ وكأنهم اعتبروا غيرهم من الخلق أقل إنسانية منهم‏.‏
وقد نسب المصريون أنفسهم إلي بلدهم‏,‏ فقالوا إنهم كيمتيو‏,‏ أي أهل كيمة‏.‏ وردد أدباؤهم عبارات تصف المصريين بأنهم شعب الشمس‏,‏ والشعب النبيل‏,‏ وشعب السماء‏,‏ وشعب الإله‏.‏ وادعوا أنهم صور من رب الأرباب‏,‏ تشكلوا من جسده‏,‏ وانهمروا من دموعه‏.‏ وسمي المصريون لغتهم رانكيمة أي لسان مصر‏,‏ ومدتن كيمة بمعني لغة مصر‏,‏ وأحيانا مدت رمثن كيمة أي لغة أهل مصر‏.‏

ويضيف الدكتور صالح أن أجدادنا الأوائل أطلقوا علي أرض مصر اسم كيمة‏,‏ وتاكيمة بمعني السوداء أو السمراء أو الخمرية إشارة للون تربتها‏,‏ ودسامة غرينها‏,‏ وكثافة زرعهاـ وأنا أتساءل‏:‏ هل تكون كلمة كوم‏,‏ وجمعها كيمان مشتقة من اسم مصر القديم؟ـ وفي مقابل ذلك أطلقوا علي الصحراء المحيطة بهم اسم دشرةـ وأنا أتساءل هنا أيضا‏:‏ هل تكون هذه الكلمة هي أصل الكلمة اللاتينية ديزرتوس
‏desertus
أي الصحراء؟
ومن أقدم أسماء مصر وأكثرها شيوعا في ألقاب الفراعنة ومتونهم الرسمية اسم تاوي بمعني الأرضين مثني أرض‏,‏ أي الصعيد تاشمعو‏,‏ والدلتا تامحو‏.‏ وذكروها مرة باسم تامري‏,‏ وهو اسم لم يتضح معناه القديم حتي الآن‏.‏ وقد تكون له صلة باسم الدميرة الذي يطلقه بعض المزارعين المصريين علي أرض الفيضان حتي الآن‏.‏

ولم يكتف الأجداد بالأسماء المستمدة من أوصاف مصر الطبيعية‏,‏ وإنما أضفوا عليها نعونا شعرية جميلة فسموها إيرة رع أي عين الشمس‏,‏ وسموها وجاة أي السليمة‏,‏ وإثرتي أي ذات المحرابين‏,‏ وباقة أي الزيتونة‏,‏ كناية عن خضرتها الدائمة‏.‏
ولقد كنا نظن أن العرب هم أول من أطلق علي بلادنا هذا الاسم الذي نعرفها به الآن‏,‏ وهو مصر‏.‏ غير أن هذا الاسم الذي يدل في اللغات السامية علي الحد‏,‏ والحاجز‏,‏ والسور‏,‏ ويترجم عن معني الحصانة‏,‏ والحماية‏,‏ والتمدن اسم قديم نجده أول ما نجده في رسالة وجهها أمير كنعاني إلي فرعون مصر خلال الربع الثاني من القرن الرابع عشر قبل الميلاد‏..‏ وقد أضافت عدة رسائل أخري ترجع إلي العصر نفسه أسماء قريبة من اسم مصر‏,‏ مثل مشري ومصري بتشديد الراء‏,‏ وذلك في لوحة ميثانية في شمال غرب العراق وجهها صاحبها إلي فرعون مصر‏.‏ ومصري بتشديد الصاد في لوحة أشورية‏.‏ وظهر اسم مصر في نص من رأس الشمرة في شمال سوريا‏,‏ ومصرم في نص آخر فينيقي يعود إلي أوائل الألف الأول قبل الميلاد‏.‏ وكان البابليون ينطقون الاسم مصرو ومصر‏.‏ وكان المعينيون في اليمن ينطقونه مصر ومصري‏.‏ وفي التوراة مصرايم وبضم الصاد مصر ويقولون إيرس مصرايم أي أرض مصر أو أرض المصريين‏.‏ وفي النصوص الآرامية‏,‏ السريانية مصرين‏.‏ وهكذا ذكر الاسم أيضا في شعر شاعر بدوي عاش في بداية العصور الإسلامية‏,‏ وجاء في شعره هذان البيتان المذكوران في لسان العرب‏.‏
وأدمت خبزي من صيير
من صير مصرين أو البحير
يعني أنه وجد في سمك مصر الصغير المملح سردينها إداما لخبزه‏!‏

وإذا كان العرب قد سموا مصر هذا الاسم‏,‏ فقد سموا المصريين قبطا‏,‏ متبنين في هذا الاسم الذي عرفت به عند الإغريق والرومان‏,‏ وهو إجيبتيوس الذي يعتقد كثير من المؤرخين أنه تحوير للعبارة المصرية القديمة حـ‏.‏ت‏.‏كا‏.‏ بتاح‏.‏
وكما تعددت أسماء مصر وصفاتها وهي واحدة باقية لا تتعدد ولا تتغير‏,‏ فقد تعددت أسماء المصريين وتعددت دياناتهم‏,‏ وهم في كل العصور أمة واحدة في كل العصور لا تتعدد ولا تنقسم‏.‏

إلى قائمة تقارير هيئة حقوق الإنسان | عودة إلى الصفحة الرئيسية | عناوين الأخبار 

 

الأهرام: نص الخبر

A technical blog
News, reviews and previews of PlayStation games