جاءنا
هذا التعقيب من د. حمادة محمود
اسماعيل استاذ التاريخ الحديث
والمعاصر حول قضية المذكرات
السياسية.
بداية اقدم لسيادتكم عظيم امتناني
وشكري وتقديري وكذا تقدير كل
المصريين معي علي عنايتكم الفائقة
بتاريخنا القومي والذي يتجلي من
خلال ما تطرحونه من قضايا حول هذا
التاريخ, كان أخرها مقالكم عن
لعنة المذكرات السياسية المنشور في
جريدة الاهرام28 يناير2001
واذا كنتم سيادتكم قد اندهشتم لما
في هذه المذكرات من أكاذيب وتلفيق
وهو ما يمثل خطورة بالغة علي
تاريخنا القومي وكذا علي عقول هذا
الجيل والأجيال القادمة, فان
الدهشة ستزيد عندما اعرض علي
سياتدكم المزيد مما جاء في بعض تلك
المذكرات من خلال الدراسة التي
كلفتني بها اللجنة العلمية الدائمة(
لتاريخ) لترقيتي إلي درجة استاذ,
وكانت عن المذكرات السياسية مصدر
لتاريخ مصر المعاصر.
ورغم أنني وغيري قد تعاملنا مع هذه
المذكرات من خلال دراساتنا
الأكاديمية إلا انني وبحكم التكليف
العلمي قمت بمسح مذكرات ما يقرب من
ثلاثين شخصية معظمها قبل1952
واكثرية عن الفترة ما بعد1952
وحتي1970 تقريبا.
وقد هالني ما قرأت علي صفحات
المذكرات وإلي سيادتكم أمثله مما
تحويه
1 ـ في مذكرات سعد زغلول اهتزت
كثيرا شخصية مصطفي كامل وفي اكثر من
موضع, أقلها كان التهوين من
الدور السياسي الذي لعبه هذا
الزعيم. كذلك اهتزت كثيرا
شخصيات الذين خرجوا علي سعد زغلول
وعلي رأسهم عدلي يكن.. وعليه
لايؤخذ كل ما كتبه سعد زغلول عن
مصطفي كامل وغيره من المعارضين
مأخذ الجد بل يجب علي الباحث ان
يبحث في مصادر اخري لتأكيد هذا
الكلام او نفيه.. واذا كان في
قدرة الباحث ان يفعل ذلك فهل في
إمكان الشاب او القاريء العادي ان
يفعل مثله؟!
2 ـ في مذكرات محمد فريد يندهش
القاريء من الاتهامات الكثيرة التي
كالها لشخصيات شهيرة فاسماعيل
اباظة السياسي الشهير والذي كانت
له رؤية خاصة في العلاقات المصرية
البريطانية منذ سنة1908 وهي
الرؤية التي سار عليها الزعماء
المصريون بعيد ثورة1919, هذا
السياسي متهم بالخيانة بل هو
الخائن الأعظم لبلاده لأنه فتح باب
الحوار مع بعض الساسه الانجليز سنة1908.
ولاحقت الاتهامات الاخلاقية
الأميرة نازلي فاضل وغيرها من
الشخصيات. وحتي لو سلمنا جدلا
بأن آلام الاغتراب عن مصر تركت أثرا
نفسيا سيئا علي محمد فريد, فهل
من المعقول إن تصل الأمور الي هذا
الحد؟!
3 ـ محمد حسين هيكل في مذكراته لم
يسلم هو الآخر, ولكن بشكل مختلف,
فالعداء للوفد يظهر حاليا علي
صفحات مذكراته والانتصار لحزبه حرب
الاحرار الدستوريين حتي لو حكم هذا
الحزب مصر بالحديد والنار( سنة1928).
4 ـ اما عبد الرحمن الرافعي
السياسي والمؤرخ الشهير فلم يسلم
حزب الوفد من هجومه في المذكرات
التي نشرها عن حياته, ونجده
كثيرا يقول في مقدمه كتبه انه علي
المؤرخ ان يكون محايدا.. فأين
الحياد هنا ياسيدي!!
5 ـ اسماعيل صدقي الذي ألغي
دستور1923 وفصل دستورا جديدا يجور
علي حق الأمة لمصلحة القصر يقول عن
هذا الدستور انه اعظم دساتير
العالم.
6 ـ محمد علي علوبة في ذكرياته,
نجده يخرج ما بداخله من كراهية ضد
سعد زغلول وينحاز بشكل عجيب
للمناهضين له ويدافع عنهم باستماتة..
7 ـ حتي هدي شعراوي في مذكراتها
لم يسلم منها سعد زغلول, ولكن
بشكل مختلف وهو أن زوجة سعد صفية
زغلول كانت هي المحرك الاساسي وراء
كراهية سعد لعدلي يكن, وعلي
الجانب الآخر كان دفاعها عن والدها
سلطان باشا في موقفه من الثورة
العرابية.. وهل يجد الأب افضل من
الابناء كي يدافعوا عنه.. ولكن
التاريخ لايرحم؟!
8 ـ اما مذكرات رجال ثورة يوليو
فحالها أعجب فالبغدادي يتمحور حول
نفسه وصورة السادات باهته في
مذكراته وبقدر ما افرد من ساحة
كبيرة لحرب1967 لم تتحدث عن حرب
اكتوبر سنة73. والسادات في
كتاباته الأولي عن عبد الناصر أضفي
عليه كل صفات العظمة والقيادة اما
في البحث عن الذات فالصورة جد
مختلفة وترك من يقرأ ويضرب كفا بكف
علي هذا التناقض المدمر. اما
خالد محيي الدين فجاءت مذكراته
تحكي تجربته مع مجلس قيادة الثورة
والخلاف الذي حدث بينه وبين عبد
الناصر ولكن جاءت نهاية المذكرات
مخيبة لكل آمال القراء عندما
انهانا بحديث قصير عن كل شخصية
سياسية في مجلس الثورة وحاول من
خلال ذلك ارضاء هذه الشخصيات علي
طريقةاذكروا محاسن موتاكم ولكن ما
هكذا يكتب التاريخ. اما محمد
نجيب فقد ضاعت علي صفحات ماكتبه
الصورة الحقيقية لتاريخنا,
تاريخ ثورة يوليو
وختاما هذا قليل من كثير حدوتة
الدراسة التي اشرت اليها, واذا
كنتم سيادتكم قد وصفتهم المذكرات
السياسية بأنها لعنة فأنا اصفها
بأنها كارثة تاريخية من الوزن
الثقيل أضرت كثيرا بعقول الجيل
الحالي وكذا الأجيال القادمة ما لم
يتصد لدراستها ونقدها المتخصصون من
اساتذة التاريخ في مصر رحمة بتاريخ
هذا البلد وستكون الرحمة اكثر
عندما يسمح للباحثين بالاطلاع علي
اوراق المؤسسات السياسية
والسيادية في مصر اسوة بما يحدث في
الدول الأخري, فالابقاء علي هذه
الاوراق في ظلام الادراج دون تبصر
يضيف كارثة جديدة الي تاريخنا
القومي الذي نعتز ونفاخر به بين
الأمم