 |
احتفلت البلاد
الإسلامية بعيد الفطر المبارك ...
واحتفلت البلاد المسيحية بعيد
الميلاد
وسيحتفل أقباطنا في7 يناير
ولكن مصر تحتفل بهذه الأعياد كلها,
لأنها معقل الأديان, وعز
الإنسان قبل ألوف السنين.. بحكم
الحضارة التليدة والمجيدة..
الحضارة الوارفة الظلال من نشأتها
في وادي النبات, حيث الحقول
الخضر والرياض الغيد...
إني أعني هذا التشبيه.. حضارة
مصر ارتبطت أو علي الأقل انبثقت من
الزراعة.
في هذا المكان وعلي هذه الأرض,
نشأت, قبل مينا ملحمة تاريخية من
الجهاد الحضاري رائعة.. لقد
تضافر النيل والإنسان المصري علي
إخراج هذه الملحمة, فهناك دالات
أنهار, ولكن الأنهار ودالاتها,
في غير مصر, لم تخلق الحضارة
بمستوي هذا الخلق... وهذا يفسر
صلاة العظيم اخناتون وهي حمد عميق
يحدث بنعمة النيل.
أريد أن أتكلم عن مصر والأديان..
أريد أن أنتزع نفسي انتزاعا من
الحديث عن النيل مؤقتا, والعمر
كله لا يكفي للحديث عنه.. كيف..
دلوني.. وهو الذي جعلنا.. جعل
أوائلنا يحيون حياتهم معه فكرهوا
الموت وأنكروا أن يحول بينهم وبين
النيل, فقالوا بالبعث والخلود
والحياة الأخري.. ورسخت هذه
العقيدة في نفوسهم فراحوا ينقشون
علي جدران معابدهم وحتي مقابرهم
صور العيش في واديه من مناظر الزرع
والحصاد والمراكب والأزهار
والعطور وكل ما وهبه النيل الوهوب,
مصر.
والإحساس بهذا كله هو بعينه,
الضمير.
علمهم النيل, الدين
وحتي منذ الدولة القديمة, أي
قبل أخناتون بآلاف السنين, فقد
زرت هرم أوناس ووقفت أمام هذه
الشفاعة التي سجلها علي جدار هرمه:
أنا لم أشرك بالإله
أنا لم أعق والدي
أنا لم ألوث ماء النيل
أنا لم أصد الماء وقت جريانه
أنا لم أتسبب في بكاء أحد
أنا لم أختطف اللبن من فم الرضيع
أنا لم أطفئ شعلة في وقت الحاجة
اليها
أنا لم أعص أوامر الإله
وصلت مصر واتصلت..
تدينت مصر بل سبحت وتبتلت
وعرفت مصر جنة النيل, جنة الآخرة
بعد أن عرفت البعث, ورسمت
حتشبسوت علي جدران الدير البحري
صورة الجنة: نهر كبير, في
لمحة لا تخطئ الي النيل, وأشجار
وأزهار ووصفت الجنة بأنها[ مكان
لا أعداء فيه].
توصلت مصر الي( التحنيط) في
حلم الخلود.
إن جنة المصريين مصر خالدة.
وقالت مصر إن الروح لا تحل إلا في
أجساد طاهرة وكاملة, وهذا هو سر
الأربعين.
فقد كانوا يعالجون الميت من أي بتر
أو نقص أو تشويه, ويستغرقون في
إعداده أربعين يوما, بعدها يدفن
طاهرا كاملا.
ونحن اليوم لا نصنع هذا لأننا لا
نملك ملامح الأحياء والملايين
مسفوحة في غير وزارة الصحة,
ولكننا نتمسك بالأربعين والأخمسة
لأن كل مرحلة كانت تستغرق أسبوعا
كاملا وفي يوم الخميس من كل أسبوع
يحتفلون ببلوغ هذه المرحلة.
يقولون إن الحاجة أم الاختراع..
ولكن العظيم اخناتون كان ملكا له
ملك مصر والأنهار تجري من تحته..
لم ينقصه شيء ومع هذا ألغي ألقابه
الملكية وسمي نفسه العائش علي
الصدق.. وفكر في الحقيقة المجردة..
في الحقيقة الكبري..
وسعي الي معرفة هذه الحقيقة الكبري
وسبحت مصر.
إنك موجد دون أن توجد
مصور دون أن تصور
مرشد الملايين الي السبل
وغير هذا كثير صاف.. أثير راق..
سري عميق.. زكي وثيق
ويسجل( جيمس هنري برستد) في
كتابه فجر الضمير لمصر أن المزامير
نقلت عنها في(104 ـ20 ـ21 ـ22
ـ23 ـ24 ـ25 ـ26) ثم
المزمور541
واختارت مصر الريشة.
وبهذه الريشة أو بجزئها العلوي
العاري من الريش, كتبت مصر وبلغت
كتابتها معني ولفظا ورسما,
القمة قبل سبعة آلاف سنة..
والحضارة تسبق الكتابة.
وكان سلطان تركيا يلبس عمامة مرصعة
بالجواهر, ولكنه يضع فيها ريشة
أمارة الملك, وفي العامية
المصرية نقول عن المتعالي( يعني
علي راسه ريشة)
وفي الاسلام اقسم الله بالقلم وبما
سطر
(ن والقلم وما يسطرون).
بداية الرسالة الإسلامية وبداية
الحضارة الإسلامية: القراءة,
ليست قراءة الحروف وحدها بل قراءة
المعاني وراءها.
وكم قرأت مصر, وكم كتبت وسطرت.
نفذت مصر الي معاني الحق والخير
والعدل في فجر الزمان.
عرفت مصر الزراعة, فعرفت
الاخضرار والازهار والازدهار.
عرفت الحيوية والنبض والقلق الخصب,
والانتظار الموعود, والصبر
الواثق.. من نشأة النبت من
البذرة الصغيرة بمراحل نموها في
رفق وهوادة, آثر المصري هذا
الأسلوب في فهم الحياة ورعاية
إدراكه لها.. وأمري ذلك الأسلوب:
البساطة والاكتمال والعمق..
عرفت مصر النضارة والغضارة
والغندرة.. عرفت التفتح والعطاء..
عرفت العمق كالجذور الضاربة في
الأرض.. والارتفاع كالجذوع
الصاعدة في السماء.. عرفت
الأعماق والأشواق فارتفعت المسلات
ثم المآذن استشرافا طموحا ما يلبث
أن يتجسد علي الأرض عمائر ومنائر
وعلوما وفنونا وحكمة, حتي الصخر
تحول في يد مصر الي حجر كريم إذ
نقشته ولونته وشحذته بالمعاني
والرؤي فخف وشف وكاد يبين.
وحصاد هذا كله حضارة فريدة متفردة..
قويمة متجددة.. عريقة رائدة..
وحصاد هذا كله: دين وتقنين وفنون
وعلوم وروائع شتي.
وغير برستد نجد دكتور هول يسجل لمصر,
أن اليهودية نقلت عن مصر كثيرا من
الشعائر, وأن نفوذ مصر كان كبيرا
علي إسرائيل, أقول مما أورثها
عقدة بل عقدتين: عقدة النقص..
وعقدة الانتحال
ومن مدرسة مصر الثقافية طائفة(
الآسين) بين اليهود بما قبست من
مدرسة الاسكندرية, كما أننا
نشاهد نفوذ مصر كما يقول الأستاذ
شفيق غربال في ازدياد مظاهر
الملكية عند اليهود, وسبقت مصر
وفاقت مقاييسها الخلقية الوصايا
العشر, بل سبقت مصر بخلقياتها
العبريين بثلاثة آلاف سنة, وكان
أدبها ركيزة للتوراة قبل أن
يحرفوها.
أما المسيحية فيقول المستشرق
الفرنسي أميلينو[ إن روح الله
القدوس في دستور الإيمان المسيحي,
إنما يقوم مقام إيزيس الأم في عالم
اللاهوت المصري].
وجاء عيسي مصر.. ومن مصر دعي(
من مصر قد ناديت ابني) هوشع11:1
ـ متي2:15.
وفي القرآن الكريم:[ وجعلنا ابن
مريم وأمه آية وآويناهما الي ربوة
ذات قرار ومعين] المؤمنون,
وأقبل علي مصر الحواري مرقص وكتب
بها انجيله.
وفكرة المخلص عرفتها مصر بعد عصر
الأهرام, وعنها أخذها العبريون
فالمسيحيون.
للموضوع بقية وبقية
|
|